عرض مشاركة واحدة
  مشاركة رقم : 3 (الرابط)  
قديم 02-05-2009, 04:14 PM
محمد داني
الصورة الرمزية محمد داني
مشرف حوار النصوص و قسم التربية و النعليم

رقم العضوية : 258
تاريخ التسجيل : May 2008
المشاركات : 2,911
بمعدل : 3.61 يوميا

محمد داني غير متصل عرض البوم صور محمد داني



كاتب الموضوع : محمد داني المنتدى : الروايـة
افتراضي

تابع

5 -
لا تسألوني ماذا ربحت من جنوني... إنني ربحت ما يشبه الكرامة.. ربحت صحوة أخرجتني من الرذائل والتملق، وعرفت أن الطبيب والفقيه في حالتي شيء واحد.. أعرف أن العقل خيط رفيع يخلق للحياة اتزانها وتعقلها ومنطقها.. ولكن أنا أرفض هذا الخيط ما دامت الحياة أفراحا وأحزانا، سعادة وشقاء، لقاءا وفراقا..
أنا لم أدع وحيا أبدا... هذه إشراقات نورانية تتغشاني، تجعلني اهتف بمنطوقي. وهذا هو الذي جعل سدنة ضريح بويا عمر لا يرضخون لرغباتي، ولا يسمعون لحكمتي.. وبالتالي لا يرخصون لي بالخروج والاتزان النفسي..
هؤلاء السدنة زواحف جوراسية خلقها الله في هذا الكون، تثير الرعب والرغبة في القيء والبصاق.. أشعلوا حربا في رأسي، وأصبح الخروج منها يكلفني كل يوم بلع أقراص مختلفة الألوان والأحجام والطعم..
أراكم تهرطقون.. تنطقون ولا تسمعون.. هل أنا الذي به صمم؟.. أم أن حبالكم الصوتية تقطعت وتلاشت. لغتي غير لغتكم، ولو أنكم حكمتم علي بتعلم لغة الملائكة، وأرسلتم لجنة التفتيش إلى دار الحكمة، وأصدرتم الأمر بإحراقها، وإراقة مدادها نهارا.. كبرياؤكم يجعلكم انتم الكبرياء.. وهذا يجعل سياقي غير سياقكم، وحياتي غير حياتكم.. أمس بينما انتم تتشدقون وتضحكون، وتأكلون وتنامون، كنت في سوق صناعة الكلام وجدت أبا هلال العسكري يزين( الصناعتين) ثم يفرقها بالمجان... كان أما جمهور من الفضوليين والفضلاء.. كلهم رفضوا أن يأخذوا منه كتابه.. فصاح فيهم: << اسمعوا أيها الناس..اسمعوا وأوعوا البالغة من صفة الكلام.. البلاغة تصحيح الأقسام واختيار الكلام.. وكل ما يجلب الشر الخير فيه السكوت>>. فافهموا وإلا اصمتوا واسكتوا- رحمكم الله- فكلماتكم بدون جدوى، فاصمتوا وإلا انهمروا إلى السد يم..
ستكذبون رغم أن أبا هلال علمكم أن البلاغة اختيار الكلام.. فلن تجديكم حيلة الإتيان بدم كذب.. كلنا يعرف القصة.. ابحثوا عن ذريعة أخرى.. فلن تعفيكم أسلاككم ولا مصحاتكم عن تقليص المسافة بين غبنكم وموتكم. واعلموا أنكم مهما كبرتم لن تكبروا، ولن تعلوا على قواميسي التي جمعتها. فإلى متى وانتم تدارون وجوهكم وراء أقنعة مهترئة؟.
مخطئ- يا أمي- من يظن أنني سأخفي جنوني.. مخطئ من يظم أنني سأطفئ جسدي.. تقولين يا أمي أن سبب جنوني- كما تدعين- امرأة.. لماذا نحمل المرأة سبب هزيمتنا؟. سبب عدم تفاهمنا؟..سبب انعدام تواصلنا؟.. إننا نفهم المرأة فهما معوجا.. وبالتالي فهمنا للحب كفهمنا للخبز والماء والهواء والنوم والاستيقاظ.. لا فرق بيننا وبين البهيمة إلا في الشكل والأوصاف..
كلنا مخطئون.. نفتح عيوننا على القنوات ونغلقها على القنوات... حياتنا إشهار وإعلانات وأخبار ورياضة... ورغم ذلك لم نخرج من بدائيتنا.. لم نخرج من بداوتنا.. لم نحرج من جهلنا.. ومن ضعفنا.. أليس هذا تحالفا مع الشيطان؟...
يدخل في هذه اللحظة أربعة شداد من سدنة الضريح،إلى غرفته الزنزانة التي ربط فيها بالسلاسل. يفكون وثاقه ثم يقتادونه بالقوة إلى غرفة صغيرة مظلمة، تعج بالبخور، ودخان عيدان الند... أجلسوه أمام فقيه شيخ . نظر إليه وأخذ يده ثم التفت إلى أم عبد السلام التي كانت تجلس في ركن من أركان الغرفة تنظر المشهد صامتة وهي تذرف دمعا.. وخاطبها بقوله:
- ولدك سيدتي سيكون بخير.. لا تحزني سيكون بخير... الذي أطلبه منك أن تتركيني أعمل..
وبإشارة منه التف زبانيته الأربعة بعيد السلام وأخذوا ينعقون بآيات قرآنية مفهومة وغير مفهومة.
كان عبد السلام ينظر إليهم والخوف في عينيه.. لا يفهم شيئا. يرى أفواههم تنفتح وتنغلق، وعيون تنظر إليه، جاحظة كأنها تريد أن تبتلعه. بعدها اخذ كبيرهم بلغته وأخذ ينهال عليه بها والأربعة لا يتوقفون عن قراءتهم الرعدية التي كان يشوبها الكثير من اللحن والتحريف.. ومع كل ضربة كان عبد السلام يتلوى ألما ويصيح:
- ابتعدوا عني... ابتعدوا عني.. ماذا فعلت لكم...؟.
ومع صياحه كان الضرب يشتد ويزداد. كما كان الشيخ يصيح في وجهه بعدما أخذ خنصره وضغط عليه بظفره.. فطار عبد السلام من الألم.. لم يرأف الشيخ لحاله بل صاح فيه:
- اخرج.. اخرج من هذا الجسد الفاني، البريء.. اخرج من هذا الجسد العليل عليك اللعنة في الدنيا والآخرة.
ويصيح عبد السلام والدمع ينهمر غزيرا من عينيه:
- دعني وشاني... اترك أصبعي.. اترك أصبعي...
ويرد عليه الشيخ بغلظة مع الضغط أكثر على الأصبع..
- قلت لك اخرج من هذا الجسد الفاني.. ألا تسمع؟.اخرج يا ملعون بحق سيدنا سليمان.. ألم تجد مكانا تسكن فيه إلا هذا الجسد ...
- ماذا تريد مني... ماذا تريد مني بحق السماء؟.
- أن تخرج من هذا الجسد..أن تبتعد عن هذا الشاب.. اتركه لامه...
وحتى يتجنب عبد السلام هذا التعذيب صاح ملء فمه:
- حاضر سأخرج.. سأخرج.. سأفعل ما تأمرني به..
ويستوي الشيخ في جلسته وقد ظهرت على ملامحه تباشير الانتصار، ونشوة الظفر:
- اخرج الآن.. أستخرج الآن ؟..
- نعم..
- أتعدني انك لن تعود إلى هذا الجسد؟..
- أعدك... لن أعود أبدا..
وما إن نطق عبد السلام بهذه الجملة حتى توقف الضرب وأطلق السيخ يده، ثم التفت إلى الأم المسكينة قائلا:
- هاهو ولدك قد عاد إليك.. على سلامته.. يجب أن تحضري غدا الذبيحة لتتسلمي ولدك...
- حاضر سيدي... والله ينفعني ببركاتك وبركات بويا عم

- 6 -
مر شهر على عودة عبد السلام من الضريح المصحة إلى دوار المليحة... كان نحيفا ، ذابلا. بدأ يسترجع شيئا فشيئا هدوءه النفسي.. وضع يديه على خديه واخذ يكلم نفسه:
- ماذا أفعل هنا؟... أية غباوة قادتني إلى هنا؟. مستحيل أن أكون أنا عبد السلام المحمدي ... هل أنا في القرون الوسطى؟.. لماذا أصبحت هكذا ظ..أهذا كله ضعف مني؟.. يجب أن أخرج من هذا المكان.. يجب أن أعود إلى عالمي.. أن أعود إلى عملي... ماذا أفعل هنا؟.. جئت لأستريح فعاكستني الدنيا.. الدنيا مقلوبة ربما أنا المقلوب...المصائب منذ قدومي إلى هنا وهي تتناسل وتتكاثر ، لتتدفق فوق رأسي .. كل من أحببتهم غاد روني فجأة.. أناس زمان كانوا على صواب حينما اعتزلوا الدنيا، وانقطعوا عن البشر في قمم الجبال.. ولكن من سيتركني في عزلتي وفي خلوتي.. إذا ما فعلت ذلك، يقف علي أصحاب الحال.. والمخزن لا يمزح.. سيلفقون لي تهمة شغل الملك العام بدون ترخيص، وادخل ساعتها طاحونة لا تتوقف...
لا بد أن أعود إلى المدينة.. لا بد أن أعود.. عالمي هناك.. وجودي هناك... أخطأت عندما جئت إلى هنا....كان هناك نور بدأ يشع ولكنني أطفأته عوض أن أقويه وأحفه بيدي...آه.. يا نوال..كيف أنت الآن؟.. ماذا تقولين عني بعد كل هذا الغياب؟..جئتك متأخرا بعدما أقلعت السفينة...إنني أضعتك أنت أيضا وسط هذا الزحام.. أما زلت تذكريني؟.. آه.. ما أشد غبائي !!!..لم أستطع لجبني أن اطل نحوك.. هل أستطيع أن أعود إليك.. وأرى فيك نفسي من جديد؟.. أنت الحظ الذي لم أجده بعد.. لكن لا أريد جرحا آخر .. لا أريد جرحا آخر... لا أريد لا نوال ولا صداع الرأس.. ثم قل لي يا عبد السلام.. هي تنظر إلي كاسم لامع وصحفي مشهور، تريد أن تضعه كورقة رابحة.. لا تكن يا عبد السلام مغرورا... من أنت؟.. من أنا؟.. ماذا أعطاني هذا الاسم؟.. لا شيء.. لا شيء غير الحسد والمرض، والجنون... يجب أن أعود.. يجب أن أعود إلى المدينة وأتصل بنوال.. لا بد أن اتصل بها لأعرف وليطمئن قلبي... لن اخسر شيئا..
وفي المساء بينما الكل يستمع إلى أخبار الثامنة، خاطب أمه قائلا:
- أمي... سأعود إلى المدينة..
كان لكلامه وقع القنبلة:
- ماذا؟.. تعود إلى المدينة؟.. لقد ألفناك يا ولدي.. ثم صحتك.. أخاف على صحتك..
- من فضلك يا أمي.. إن كنت تعزيني دعيني أغادر هذا المكان.. أحس فيه بالاختناق..
- يا ولدي أنا خائفة عليك...
- لا تخافي يا أماه.. ادعي لي فقط بالتوفيق.. والستر..
- الله يرضي عليك يا ولدي.. قلبي نعك.. الهم نجه يا رب من كل بلية وأبعد عليه أولاد الحرام..



العودة
























- 1 -
- عبد السلام؟ !!.. متى عدت؟.
- البارحة يا نوال..
- وما هذه الغيبة التي طالت أكثر من اللازم؟...كنت انوي اللحاق بك.. ولكنني لم أعرف أين.. ثم قل ليك لماذا لم تتصل بي طول هذا الوقت؟.. لقد شوشتني عليك... ما بك يا عبد السلام؟. ملامحك تغيرت كثيرا..
- لا شيء يا نوال..
- بالعكس.. حزن كبير في عينيك.. ما بك يا عبد السلام؟.
- التعاسة يا نوال تلاحقني.. لم أر يوما جميلا قط في حياتي..
وتقاطعه:
- حتى معي..؟.
- أنت شيء آخر يا نوال...أنت الحلاوة التي تأتي بعد الدواء المر.. والله يا نوال أصبحت أكثر نحسا من ابن الرومي.. مصيبة تلو مصيبة.. في نفس اليوم طردت من الجريدة، وكسرت ساقي، وعندما ذهبت إلى الدوار للنسيان وإراحة الأعصاب، وجدت ألوانا من المصائب تنتظرني..
- ماذا؟ !!..
- كما سمعت يا نوال.. نفسي بها شرخ كبير...
- احك لي يا عبد السلام.. أريد أن اعرف..
- وماذا ستعرفين؟.. لا شيء جدير بان يسمع..
- حرام عليك.. أفرغ لي قلبك.. ربما اخفف عنك بعض معاناتك..
ودون أن يجد عبد السلام حيلة.. حكى لها كل ما جرى له من الألف إلى الياء.. بعدما غطى الدمع خديه..
تنهد تنهيدة طويلة ونظر إلى نوال بعينين كلها حزن يشع من وسطه بريق أمل بعيد... كانت نوال تسمع وتبكي. لم تتمالك نفسها إلا وهي ترمي بنفسها بين أحضانه مجهشة بالبكاء الذي غطى على كلماتها:
- آه يا حبيبي.. لم أكن اعرف. لم أكن اعرف انك تعرضت إلى كل هذا... تقبل عزائي الحار في ابنة خالتك...آه لو كنت اعلم لما تركتك هناك تتعرض لكل هذا العذاب.. يجب أن آخذك إلى عمي ليكشف عليك..
- لا تشغلي بالك...المهم. سأذهب إلى الكرنفال لأغرق نفسي في كأس قهوة سوداء بدون سكر.. لقد اشتقت إلى أجواء الكرنفال.. ربما..
وتقاطعه نوال:
- عبد السلام.. لقد عاهدتني من قبل بألا تقرب الخمر أبدا..
- نوال.. لقد أصبحت شخصا آخر... ثم لقد سئت الظن بي.. كان قصدي.. دعينا من كل هذا.. أترافقينني لشرب فنجان قهوة؟.. ثم ليكن في علمك.. إمكانياتي المادية لا تسمح بأكثر من ذلك... فماذا قلت؟.
- فيما ذا؟.
- فنجان قهوة.
- حاضر يا عبد السلام.. وبكل سرور.. سأذهب معك إلى الكرنفال ولن تكون قهوة سوداء، بل شايا بالحليب والكعكع...
- 2 -
كانت المقهى هادئة.. أنغام شريط التيتانيك وصوت "سيلين ديون" كخرير ماء ينساب رقراقا ،يغرق فضاء المقهى في جو من الشاعرية...
وجوه تتحدث، وأفواه ترتشف أقداحها.. يجلس عبد السلام في ركنه المفضل وبجانبه نوال.. تتشابك نظراتهما.. يمسك يدها بين يديه.. يحدق فيها طويلا ثم يقول لها:
- أنت هي الأمل الوحيد يا نوال.. الأمل الذي أتعلق به اليوم أكثر من أمس.. لم يبق لي شيء بعد الله إلا أنت.. أنت البصيص المتبقي لي... ولكن أخاف أن أضيعك في زحمة نفسي.. وأفقدك في لحظة بحث عن توازني..
- لا تخف يا عبد السلام.. أنا متعودة على الزحام.. وصدقني أريد أن أشاركك حمل هذا الهم الذي ينيخ بثقله على صدرك... أطلب منك أن تنسى ما فات.. وتعال لنبدأ الخطو من جديد.. ستكون أيامنا يا عبد السلام حلوة، وسعيدة..
- صحيح يا نوال؟..
- نعم يا عبد السلام..
- لا أخفيك يا نوال إنني خائف..
- لا تخف يا عبد السلام.. كل شيء بأمر الله وقدره.. ثم عليك أن تكون متفائلا.. وبداية عندي لك خبر سار..
- خبر سار؟.. جميع الأخبار التي أتوصل بها لا تكون سارة..
- أتشك في كلامي؟..
- أبدا... ولكن... لا يهم.. ما هو هذا الخبر السار يا آنستي الجميلة...؟.
- اسمع يا سيدي.. والدي قرر توظيفك بجريدته..
- وهل والدك مدير جريدة؟... لهذا قلت سالفا أين سمعت هذا الاسم.. لم يكن غريبا علي...
- نعم والدي هو " إبراهيم السبتي"، المدير العام وصاحب جريدة( الصوت الحر). وقد قال لي بالحرف:<< إن عبد السلام طاقة صحفية، لا يجب التفريط فيها... عبد السلام المحمدي كنز ثمين لجريدتنا..>>. فهو يعرفك حق المعرفة، يتتبع كل مقالاتك.. هو في انتظارك الآن.. ماذا قلت؟..
- لا تحرجيني يا نوال أكثر من اللازم..
- أنا لا أحرجك يا عبد السلام.. أنت كفاءة.. ووالدي يبحث عن الكفاءات ويحب ضمها إلى جريدته.. هل نذهب إليه الآن؟..
- تعرفين أنني لا أستطيع أن أقول لك لا.. حكم القوي على الضعيف... هيا نذهب يا جميلتي.








- 3 -
كان مكتب السيد إبراهيم السبتي فخما.. تراكمت الأوراق والملفات فوقه هنا وهناك... وراء الكرسي حاسوب أنيق، وهاتف ثابت، وقربه هاتفان نقالان.. أما في الجهة اليسرى من المكتب، توجد مكتبة كبيرة مكتظة بأنواع الكتب والمجلات والمجلدات، والقواميس باللغتين.. أمامه كراسي ثلاثة جلدية، ومائدة زجاجية صغيرة.
- بابا.. أقدم إليك السيد عبد السلام المحمدي..
- أهلا.. أهلا( ويقف لاستقباله).. أهلا بك يا سيد عبد السلام.. أعرفه يا نوال حق المعرفة.. من لا يعرف عبد السلام.. المدينة كلها تعرف عبد السلام.. مرحبا بك يا عبد السلام بيننا.. نحن نعتز بك في طاقمنا.. اعتبر من الآن أن الجريدة جريدتك.. من اليوم أنت رئيس قسم التحقيقات الصحفية بالجريدة، ورئيس تحريرها أيضا.. أموافق أنت؟..
- ماذا؟.. رئيس قسم التحقيقات الصحفية ورئيس تحريرها مرة واحدة... هذا كرم منك سيد كمال..
- أنا أعرفك واعرف مؤهلاتك... وأعرف مقالاتك ... مواضيعك، ومطارحاتك الصحفية كلها عندي.. وأعتبرها ملفك الإداري.. أنت لست في حاجة إلى تمرين.. أو أن توضع تحت الملاحظة... صراحة الحاج مديرك السابق لم يقدر هذا الكنز الذي هو أنت.. سيندم على فعلته.. كن واثقا من ذلك.. بالمرة سأكلفك بمهمة.. ليست صعبة عليك..
- ما هي سيد السبتي؟...
- سأعهد إليك من الآن بتكوين صحفية هي تحت التمرين...
- صحفية؟.. ومن تكون؟..
- ابنتي نوال.. أريدك أن تكون مسؤولا عن تمرينها.. وأريدك أن تنقل إليها تجربتك وطريقتك في البحث والتحقيق الصحفي.. وان تجعل منها صحفية مشهورة مثلك..
- عفوا سيد السبتي... أشكرك على هذه الثقة، ولكن المسألة ليست سهلة كما تتصور..
- لا أريد أن أسمع نقاشا في الأمر.. هذه أول مهامك.. ولو لم أكن اعرف انك ستنجح فيها ما كلفتك بها.. وعلى فكرة... نوال معجبة بك كثيرا.. ومعجبة بخطك الصحفي..
لم يجد عبد السلام ما يقوله غير الإذعان لطلب السيد السبتي، الذي ضغط على زر أمامه، فدخل الشاوش علي ببذلته الكاكية وطربوشه الأحمر..
- نعم.. سيدي المدير..
- خذ السيد عبد السلام إلى مكتبه، ليباشر عمله...
- حاضر سيدي.( ثم يلتفت نحو عبد السلام ويقول له).. تفضل سيدي..








العاصفة























- 1 -
- أريد أن أخبرك يا نوال بأمر هام، أثار فضولي هنا بالجريدة، وجعلني أطرح عدة أسئلة..
- ماذا يا عبد السلام؟.. عن أي شيء تريد أن تخبرني؟...
- لقد لفت انتباهي عمر.. مكتبه كثير الزوار... مكتبه دائما ممتلئ بأناس ليس لهم علاقة بالمؤسسة ولا بالجريدة.. زواره من كل الأعمار..
- هذا يعود إلى المنصب الذي يشغله.. إنه المدير التجاري المسؤول عن المبيعات، والاشتراكات، والتسويق.. وكذلك عن الإشهار والإعلانات..زيادة على إمساكه قسم الموارد البشرية... وهذا أمر طبيعي أن يكون مكتبه يعرف هذه الحركة غير العادية..
- لقد بحثت في بعض الوثائق، وفي اتصال هاتفي مع مؤسسة التوزيع ، فوجدت أن الجريدة مبيعاتها لا بأس بها، ولكن المصاريف كثيرة.. مراسلونا كثر، ومتعاونونا بالجملة رغم أن بعضهم لم يرسل ولو حرفا إلى الجريدة منذ شهور.. لا نشاط لهم.. هم صحفيون أشباح ينتمون إلى هذه المؤسسة... بم تفسرين هذا؟.. لذا أطلب منك تنبيه والدك، وأوقفيه على الأمر كله..
- عبد السلام.. ماذا تقصد؟. أتشك في أمر ما؟..
- أتمنى أن تكون ش**** في غير محلها.. ولكن على العموم نبهي والدك للمسألة حتى يتخذ الإجراءات اللازمة... كما يجب أن تطلبي منه أن يحد شيئا ما من مسؤوليات عمر.. ألا ترين انه أصبح هو المدير العام هنا؟... هو الآمر الناهي... الميتسوبيتشي الفخمة، ويقولون بأن له أملاكا وأطيانا، وفيلا فخمة.. كما أن شياكته فوق الحدود.. أكل هذا لم يثر شكوكا..
- سأخبر والدي بالأمر.. ولكن أخاف أن تكون شكوكك في غير محلها.. وأنا شخصيا أعرف السيد عمر جيدا.. رغم أنه شخص سافل، فهو صحفي جيد، طموح، مجد.. زيادة على شواهده العليا في الصحافة والماركوتينغ.. وقد تسلق الدرجات بسرعة حتى أصبح اليد اليمنى لبابان وانتقل في رمشة عين من مجرد محرر بسيط إلى ما هو عليه الآن.. وهذا بفضل كفاحه واجتهاده.. كما أنه- رغم سفالته- إنسان خدوم، لا يرد قاصده.
- وهذا ما أخاف منه يا نوال.. أن يكون خدوما أكثر من اللازم.. وفي أمور أخرى بعيدة عن عالم الصحافة، والمؤسسة. المهم فتحي عينيك جيدا.
- لا تخف ن سأخبر والدي حالا بالأمر.. ها أنا ذاهبة إليه.. ألقاك بعد قليل..










- 2 -
بينما عبد السلام في مكتبه، وإذا بالباب يفتح ويدخل عمر هائجا كالثور الجريح..
- اسمعني جيدا يا سيد عبد السلام.. أنا هنا أكثر من 16 سنة.. هذه المؤسسة قامت على أكتافي.. بنيت مجدها طوبة طوبة.. لدي فيها أكثر مما للسيد السبتي.. لن يتدخل احد في اختصاصي. جئت البارحة وتريد أن تعلمني عملي..أسأت إلى مؤسستك الأولى وطردت منها، وتريد الآن أن تفسد هذه.. لن أمكنك من ذلك أبدا.. اعلم جيدا.. عليك ألا تتدخل فيما لا يعنيك. الزم حدودك..كان حريا بك أن تضع يدك في يدي ونتعاون ولكن فضلت طريقا أخرى... وبالمناسبة نوال التي تظن أنها تساندكن وتشد أزرك لن تكون لك أبدا.. أعدك وعدا صادقا انه لن يهنأ بالك بها من الآن...وإذا كنت تفكر في ذلك فانس الأمر بتاتا.. دعك من التحوام حولها.. هذا الباب الذي تسميه أنت نوال سأغلقه بالمسامير وإلى الأبد، ولن تستطيع فتحه أبدا.. وسترى ماذا سأفعل.. الأيام بيننا ..يا محترم.
- أجئت إلى هنا لتقول لي هذه الكلمات ولتلقي علي خطبتك العصماء.، وتتقيأ علي تفا هاتك؟.. أنت إنسان أحمق.. أمثالك لا يخيفني وعيدهم..
- أنا أحمق؟.. حسن... سترى من فينا الأحمق...وسترى ما سأفعل...
- إذا وصلت إلى أذنك فعضها..
- سنرى.. سنرى..
- افعل ما بدا لك... وأجود خيلك اركبه.. أمثالك لا يخيفونني..
خرج عمر من مكتب عبد السلام، بعدما صفق الباب وراءه . الغضب يتطاير من عينيه وغاص في الممر المؤدي إلى مكتب المدير العام.
وقف عمر بأدب وراء السكرتيرة التي طرقت باب السيد السبتي... وقبل أن يدخل بعدما أذنت له السكرتيرة بالدخول، سوى أربته ، وضبط حزام سرواله..
ولج عمر المكتب وهو في نصف انحناءة، خافضا بصره وكله مذلة ومسكنة.
- صباح الخير سيدي المدير..
- صباح الخير أستاذ عمر.. اجلس..
- شكرا سيدي..
- ما الأمر يا أستاذ؟...
- لا شيء سيدي... في الواقع.. لا اعرف كيف أعبر لك.. أنا آسف عن إزعاجك سيدي.. في الواقع أنا جد حرج. وجد مضطرب..
- تكلم يا عمر.. أنت تعرف أنني أعزك كثيرا.. رغم ما سمعته عنك مؤخرا.. ولكني لا أصدق الكلام الطشاش..
- سيدي.. في الواقع..
- سيد عمر... لقد أكثرت علي من واقعك.. ادخل في الموضوع مباشرة.. إذا كان هناك أمر ما هام... ليس لدي متسع من الوقت..
- حاضر سيدي. اسمح لي سيدي بان أتقدم إليكم ملتمسا منكم خدمة إنسانية..
- ها نحن عدنا للألغاز.. أفصح من فضلك لن نمكث هنا..
- سيدي.. أريد .. أريد أن أتقرب منكم..
- ماذا؟.. تتقرب مني؟.. لم أفهم قصدك..؟.
- في الواقع. أنا محرج... ما أريده هو طلب يد ابنتكم المصونة. إذا لم يكن هناك مانع ما..
- أهذا هو الأمر الذي تدور وتلف حوله... لقد فاجأتني... في الواقع لم أكن انتظر منك هذا.. خاصة اليوم.. ثم سيد عمر.. الأصول تقول بان هذه الأمور لا تناقش في المكاتب.. أليس كذلك؟..
- أعرف ذلك سيدي.. أريد فقط أن اعرف رأيكم قبل أن أقوم بالخطوة الرسمية..
- اطمئن يا عمر.. لن أجد أحسن منك رغم ما وصلني عنك مؤخرا...
- والله يا سيدي قول حاسدين، وواشين.. انتم تعرفونني وتعرفون إخلاصي لكم..
- ليس هذا موضوعنا الآن سيد عمر... المهم لأكون صريحا معك.. لقد ربيت ابنتي نوال على الصراحة والأمر يتعلق بها، والأمر أمرها والرأي رأيها.. هل أخبرتها بالأمر، وفاتحتها في الموضوع؟.
- لا..سيدي.. انتم أول من أخبرتهم برغبتي هذه..
- إذن.. لا بد أن أسألها يا عمر.. وبعدها أرد عليك بالموافقة أو عدمها.. أهذا كل ما في الأمر.. يمكنك الآن أن تذهب إلى عملك..
- شكرا سيدي على سعة صدركم...
خرج عمر وهو يكاد يطير من الفرح، ثم فتح باب مكتب عبد السلام، واطل رأسه مثل السلحفاة، مطلقا العنان لابتسامة كلها شماتة، وقال مخاطبا عبد السلام بنبرة كلها ثقة:
- غدا سيأتيك الخبر اليقين... وستعرف من آنا.. إن لم أضع لك حدا في هذه المؤسسة لست أنا عمر ..
- افعل ما شئت... وأقول لك شيئا ربما لا تعرفه.. لحمي مر لا يصلح للأكل... وستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا..
اشتط عمر غيظا فصفق الباب بكل قوته، ثم توجه إلى مكتبه والزبد يتطاير من شدقيه.. حتى حركاته تدل على عصبيته وانفعاله، وغضبه..


يتبع

رد مع اقتباس