لفصل الثالث من رواية ’’ منذ’’ بعنوان ’’ اللعنة المشتهاة’’
اللعـــنة المشتـــــــــهاة
-1-
ودَّعْتُ خالتي. تمنَّيْت لها السعادة والهناء ولابنتها النَّجاح في دراستها الجامعيِّة ووعدتها بالزيارة كلَّما أُتيحت لي الفرصة لذلك, رافقتني إلى نهاية الممرِّ المضاء بمصباح يرسل ضوءاً فاترا, مددت يدي أصافحها وأنزل السلَّم؛كان عليَّ أن أصل محطّة المنصف باي والعثور على سيَّارة أجرة تُقلُّني إلى قفصة في الجنوب؛ وكان هذا الأمر يُزعجني كثيرا ولولا أنَّني كنت مضطرا أن أمرَّ على خالتي هذه وأهنئها بنجاح ابنتها في الباك, لكنت الآن في بيتي هناك ولكنه كان من الضروري أن أقوم بهذا الواجب العائلي خاصَّة وقد أعلمتها بوجودي بالعاصمة لشؤون شخصية ومستعجلة, كنت أنزل أدراج السلَّم محاذرا الوقوع نتيجة الظلمة الكثيفة ورداءة الدرج, وما أن وصلت الباب الخارجي حتَّى تنفَّست الصعداء غير أنَّني الآن أصبحت مشغولا بالبحث عن تاكسي تُقِلُّني إلى محطَّة سيَّارات الأجرة وفعلا كنت أهمُّ بإيقاف واحدة من تلك السيَّارات الصفراء حين سمعت من يهتف باسمي كان الصوت قادما من فوق وإذ رفعت رأسي في استجابة عفوية تبيَّنت أن خالتي تدعوني للعودة إليها بسرعة لأمر طارىء, استدرت عائدا وشعور بالضجر يغزوني, وأنا أصعد السلَّم اللعين وقعت مرَّتين وإذ وصلت الممرَّ ألفيتها بانتظاري عنده.
قالت والرعب يكاد يشلُّها ويمنعها عن الكلام:
- يا وليدي, تعال شوف معايا ها الرجل!!!
-آنا هو رجل ؟؟
- جاري هذا.
وأشارت بيدها إلى الشقَّة الملاصقة لها. قلت وقد ازداد ضيقي:
- أشبيه؟؟
- مانعرفش عليه ؟؟؟لقيته ملوَّح كيف السميطة.....تفجعت مالقيتش أش باش نعمل, عيطت عليك!!!؟
حطَّ صمت ثقيل بيننا قطعته المرأة قدَّامي بصوت راعش, متقطِّع, متوسِّل:
- هيَّا شوفه معايا, وإلاَّ اِنخبروا الشرطة !!!؟
كدت أن أصيح فيها هذا هو عين الصواب؛ أن تستدعي الشرطة؛ غير أنَّني لمحت في عينيها ما يشبه التوسُّل والريبة والرعب وال..... تردَّدت, هممت بالانصراف, تراجعت إلى الوراء, كان الظلام المسنُّ خلفي, توقفت, فجأة وجدت نفسي اندفع إلى الأمام والمرأة خلفي تلهث:
- مشيت با ش نهز ماعوني......لقيته مبطوح ع القاع كيف ما جابته أمَّه, يا أُوُليد أختي منظر لا يوريِّك !!؟؟؟؟؟
فعلا؛ كان مشهدا مقرفا, مثيرا للغثيان والتقزُّز, غير محتمل إطلاقا, روائح زنخة, نتنة؛ أشياء مبعثرة هنا وهناك, طاولة مقلوبة لكأن معركة قامت ها هنا بين جماعتين؛ صمت بشع وجثَّة أسفل السرير إلى جهة اليسار تحت النَّافذة مباشرة ملقاة على بطنها عارية تماما, اقتربت مرتابا, مرتعبا, ألقيت عليها اللحاف الذي التقطه من فوق السرير؛ ثم قلَّبتها إلى الجهة الأمامية, مازال الرَّجل من أهل الحياة, بالكاد يلتقط أنفاسه؛ صحت في المرأة التي وقفت بالباب:
-كلمي أمبيلانس......
*
حين وصلنا إلى المستشفى؛ تمَّ ايداعه غرفة العناية المركَّزة, وحين طلبت مني موظَّفة الاستعلامات تعمير استمارة الإيواء بالمستشفى لم أجد ما أكتبه عندها سألتني عن اسمي. سكتُّ وحدَّقت المرأة في عينيَّ تتثبَّت في هذا الواقف قدَّامها وقد ألجم تماما, كانت خالتي تقف حذوي فتدخَّلت وروت للمرأة الحكاية ورغم ذلك أصرَّت على أن يتوكَّل أحدنا بأمر هذا الرجل الغريب إلى أن تنكشف هويته. قلت لها وقد نفذ صبري:
- عبد الوهاب الملوَّح.
وهذا أيضا لم يكفها إذ طلبت بطاقة الهويَّة.
عدت مع أخت أمِّي الأرملة وأنا مغتاظ أشدَّ الغيظ والحنق يلجم لساني, أجَّلت سفري إلى يوم غد, ولم يكن بامكاني النوم أيضا. تذكَّرت أنَّه عليَّ أن استظهر ببطاقة هويَّة الرجل لإدارة المستشفى غدا؛ فغدت إلى شقَّته مرَّة أخرى.
كان كل شيء مبعثر في فوضى رهيبة؛ أعقاب سجائر, علب بيرة فارغة, كرسي ملقى على الأرض, طاولة مقلوبة؛ أوراق؛ دفاتر, آلة تسجيل, صور, بقايا أكل, جاكتة رمادية, كتب, أوراق.... فتحت النّافذة. كل شيء في الخارج كان هادئا, ساكنا والسماء صافية. قمر أحمر يبحث عن مساره؛ قر ص قرمزي غير مكتمل الاستدارة؛ قمر طلع من الشرق مضرَّجا بالدماء التي تنزف هناك؛ الدماء التي تشخِّب فوَّارة من جميع الجهات؛ من الأرض المحروقة؛ من الأشجار المقطوعة؛ من الأجساد المغتصبة الممزَّقة؛ من السماء المجروحة؛ من الأفكار المقموعة؛ دماء تنزف ليلا نهارا؛ تنزف شمالا, جنوبا, شرقا, غربا وفوقا تصعد تصعد ولا تجد من يكفكفها تتشرَّبها الكواكب وتمطر السماء دماء؛ يُطلُّ القمر أحمر؛ لتنزف الدماء من جديد؛ تنزف صبرا؛ جوعا؛ حبًّا؛ اعترافا بالجميل؛ تنزف خيانة؛ حلما؛ تنزف أملا. تنزف وتسقي السماء فيطلع منها قمر ينفذ عبر مساره يخترق السواد غير أنَّ حجبا تخفيه؛ تدسه عن الأنظار لتغرق السماء في عتمة أشدّ سوادا. انتبهت إلى الزرِّ المضيء في المسجَّل؛ فضغطت على التشغيل:
*
........أعطاني خليفة ستين حزبا وزيًّا للتحجُّب أمام ثُلَّة من الإخوان والأخوات وتمَّ الزواج بإذن الله والملائكة, على شرع الله قال واحد من الإخوان. لم يكن زواج متعة ولم يكن صفقة تجارية, لم يكن أيضا تتويجا لقصَّة غرامية.لم يكن طبخة عائلية ولم يكن عقدا اجتماعيا بالمفهوم المتداول.
كان زواجا غامضا؛ كنت مندفعة إليه دون وعي مني وإلى الآن لا أجد تفسيرا لما حدث؛ فالمسألة الجنسية لم تكن مطروحة فمنذ أن أعلمت خليفة بحالة العجز الجنسي التي أعاني منها والتي لا أعرف إلى ألان أسبابها وعواملها غير أنَّها داهمتني مباشرة بعد الإجهاض الذي قمت به؛ كل هذا كان خليفة قد فهمه؛ لذلك لم يحدث أيَّ اتصال جنسي بيننا ولو أن خليفة أتمَّ وعده وعرضني على طبيبة مختصَّة فهمت من رأيها في الموضوع أن الدَّاء ليس عضويا ولكنه بسيشيك لكن الهاجس الجنسي كان آخر شيء بالنسبة لخليفة الذي صارحني بحقيقة نواياه اتجاهي؛ وهو وإن بدا ودودا, لطيفا, رقيقا أوَّل الأمر معتمدا في كلامه معي سبل الإقناع والتحاور حيث أنه أكَّد لي أنَّ علاقتي بالله لا تتوقف عند أداء الواجبات الدينية والفرائض الخمس بل إنَّ المطلوب الآن أكثر من أيِّ شيء آخر هو الدعوة إلى الله وأن المسلم الحق في عصور الجاهلية الحديثة هو ذلك الذي يأخذ على عاتقه دعوة النَّاس إلى عبادة الله؛ وذلك أهمُّ من أيِّ شيءٍ آخر مستظهرا بما ورد في القرآن:
’’ يا أيُّها المدثر قم فانذر’’
’’ وانذر عشيرتك الأقربين’’
’’ وجاهدوا في الله حقَّ جهاده ’’
’’ وذكِّر إنَّما أنت مذكِّر’’
’’ انذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم’’
’’ يا أيها الذين آمنوا قُوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها النَّاس والحجارة ’’
’’ فذكِّر فما أنت بنعمة ربِّك بكاهن أو مجنون ’’
’’ وذكِّر فإنَّ الذكرى تنفع المؤمنين’’
’’ قل إنَّما أنا منذر وما من اله إلاَّ الله الواحد القهَّار ’’
’’ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا ’’
’’ فادع واستقم كما أُمرتَ’’
......... ويسكت فجأة. يسكت خليفة ثم يستعيذ, يُحوْقل, يستغفر, يصلّيِ على النبيِّ ويمسح وجهه بيديه, يمشي ويجيء, يقعد ويقوم, يمسك أصابعي بين يديه, يبحلق في عينيَّ بنظرات يحاول أن يسبغ عليها ألوانا من التوسُّل والرَّجاء هاتفا بصوت رجراج:
- يا أخت ليلى؛ لن يصحَّ دينك ونفوز بالجنَّة إلاَّ إذا خرجت معي للدعوة.
وحين لا يجد لدي جوابا يتركني ويمضي؛ ليعود بعد قليل يردِّد نفس الموَّال وما لبث أن غيَّر من لهجته معي فبدا حادًّا متوتِّرا خاصَّة حين بدأت أناقشه فيما يعرضه عليَّ؛ لم تكن لديَّ النيّة إطلاقا أن أمثِّل دور الدَّاعية قلت له ذلك معتمدة على ما تخزنه ذاكرتي من معطيات في هذا الغرض:
’’ عليكم أنفسكم لا يضرُّكم من ضلَّ إذا اهتديتم’’
’’ لاتزر وازرة وزر أخرى'‘
’’ إنَّك لا تهدي من أحببت الله يهدي من يشاء’’
’’لا إكراه في الدِّين’’
يُجَنُّ خليفة كلَّما واجهته بهذا الأسلوب في الحوار؛ وإذ تأكَّد له موقفي الصلب وعدم انصياعي لأوامره استنجد بسكينة التي كانت لهجتها معي أكثر حدَّة بل لم تكن هي الفتاة التي عرفتها إطلاقا.
قالت وهي تشطر تفاحة إلى شطرين؛ تقضم شطرا وتمدُّ لي الشطر الآخر الذي أبديت عدم رغبتي فيه فوضعته في الصحن دون أن تضع السكين وشفرتها الحادَّة تلمع أمام عيني:
- هل تعين ما أقول؟؟؟
لم أكن سمعتها أصلا لأفهم ما قالت؛ قلت وأنا أعرف أنَّني أدفع بالأمور إلى مزيد من التعقيد:
- أنا مازلت غير مقتنعة بهذا – وأشرت إلى الفولار – فما بالك أن أخرج للناس وأدعوهم إلى....
قاطعتني بشكل حاد ومتوتر وقالت ويدها تطلع وتهبط بالسكين:
- ما الذي...ما الذي أجبرك على قبول الزواج إذا..
- شركٌ وضعتموني فيه.
وقفتُ, وقفت بدورها واندفعت نحوي وهي تطرف بعينيها رافعة قبضتها؛ صائحة:
- كان يجب أن أحتاط منك.... نعم أنت لا تصلحين لأيِّ شيء وليس لديك تقدير للمبادىء الإنسانية..أنتِ...أنتِ..
ابتعدت عنها مولية ظهري لها وأنا أردِّد:
- لست أنا التي طلبت الزواج....لست أنا التي توسَّلت ورجوت... – استدرت إليها وغمزت لها بعيني – ثم عليك أن تحترمي هذا الزي ولا تقذفي المحصنات..
قهقهت:
- ها أنت تفقهين أمور الدين..... إذا أنت قوَّادة..ها ها ها
نعم أنت كذلك.. إنه..قولي أنَّك كذلك.
إزاء هذه الكلمة وجدت نفسي اندفع نحوها لكنها زاغت عن مساري فوجدتني في مواجهة الجدار. قالت وهي تخرج:
- سنرى...سنرى...يا عاهرة.
غابت عن عيني. ودخل خليفة. نطرني من يدي. لواها. جذبني إليه. أوقعني أرضا. شدَّ شعري. كركرني على الأرض من شعري. مشى بي هكذا في الممرِّ. دفع بي إلى غرفة. أحكم غلق الباب. خرج.
.......يطلق المسجِّل موسيقى تخشخش أوَّل الأمر ليتضح صوت أندريا بوتشيللي التينور الإيطالي في رائعته ميلودراما. كانت ضربات الفيولنسال شجيَّة؛ عميقة؛ لكأنَّهاآتية من أزمنة خضراء بعيدة؛ أزمنة تحنو فيها الشمس على الكون فتهدهده لينام في حضنها هنيئا وكان صوت بوتشيللي قويًّا؛ رؤوفا؛ حزينا؛ ذا نوستالجية حميمية تهتزُّ لها عروق القلب التي جففها النسيان وصحَّرها الألم. القمر الآن يُطلُّ من بين الغيوم؛ حمرة خفيفة تكسو سطحه؛ السواد يلاحقه ولكنَّه يراوغ للبروز رغم الغيوم المتناثرة هنا وهناك ورغم الحمرة العالقة به.
ما ذنب هذا القمر ألاَّ يسرح كما يشاء في هذي السماء ؟؟
ما ذنبه ألاَّ يظهر صافيا أبيض ؟؟ تلاحقه قطعان سحب نيلية فتلتهمه.
حجرة الظلام قاع بلا هاوية؛ بلا أبعاد؛ المسافة مقطوعة بين الأمس و اليوم؛ بين البارحة وغدا؛ بين الشهقة والزفرة. ماهو طول اليوم في العتمة. أذكر جيِّدا هذه الجملة قالتها كاترين في فيلم ’’ المريض الأنقليزي’’....قالتها في تلك المغارة البعيدة في جبل يقرفص وحده في بقعة نائية في عمق الصحراء. كانت كاترين وحدها تحاور أشباح عزلتها وتصارع البقاء بالانتظار..انتظار الحبيب الذي سينقذها من
النسيان. أثناء النسيان يصبح الوقت عتمة؛ العتمة تتوهَّج بشتَّى الأماني. بينلوب أيضا كانت تخيط عزلتها بانتظارأوليس.....الانتظار يقتل الموت. أثناء الانتظار يجيء الموت ولايحسُّ به أحدٌ. حين يكون هناك انتظار, هناك أمل ورجاء؛أنا لا انتظر أحدا. أنا لاشيء.. أتلفت من حولي...لا أرى شيئا...لاصوت لي..لا إرث لي...يداهمني إحساس أنَّني شيء مشكوك فيه؛ أصبحت كائنا مُشوَّها بلا حقيقة, بلا أدنى حقيقة.
الظلام حجرة للبقاء؛ رحلة في الداخل تفسح لي المجال لرؤية الدنيا بشكل مغاير؛ ذهاب في المجهول...كنت دائما طريدة المجهول؛ كأن هناك قوى خفية وأشباحا لا مرئية تعمل فقط على اجتثاثي منِّي وإيلامي. ينفتح الباب فجأة؛ يتسلَّل عبر الفتحة شعاع من الضوء كابٍ؛ سرعان ما تطفئه قامة خليفة وعواء صوته:
- أيَّتها النَّجسة؛ الساقطة...ستدفعين ثمن قوادتك...لن نقتلك.....لن.....نسرِّحك...
يبصق أرضا يتركني لعواء الظلام في داخلي ومن حولي.
أيقنت أنَّه عليَّ أن أتدبَّر أمري وأفرَّ بجلدي من جهنَّم الحمراء التي أوقعت نفسي فيها........................
.................................................. ....
.................................................. .....
............................................
*
نهبني الصمت من غفلتي؛ لم تكن غفوة؛ لم تكن غيبوبة؛ لم تكن؛ ماذا لست أدري؟؟
ماذا تعني هذه الكاسيت ؟ من هي هذه المرأة ؟ من هو هذا الرَّجل؟
ماذا يعني هذا كلُه ؟
اعترف أنَّني لست روائيا؛ لست ساردا ولست قاصَّا؛ لست حاك ولست صحافيا. ما يعنيني من الكتابة –هذه اللعنة-أنَّها طقس من طقوس
الإقامة على الأرض وأنَّها تعبيرة بقاء وبالتالي لاأفكّر؛ بل لا تشغلني تصنيفاتها الجنسية ولا أجد من مبرَّر إطلاقا لما درج على تسميته بعضهم’’ الأجناس الأدبية'‘. لا أعتقد أنَّني الآن بصدد كتابة ’’ رواية'‘.إذا ما الذي أنا بصدد إنجازه بالضبط؟؟؟
سأعترف أيضا أن ما تقدَّم من متن هذا الكتاب هو تجميع لعلَّه كولاج ليوميات؛ لأحاديث؛ لحوارات؛ لتقارير؛ لأحلام؛ لأفكار؛ لهذيانات تمَّ نسخها كما أوردها أصحابها: بُراق؛ عبد الله محجوب؛ ليلى؛ أهالي قريةٍ.
ولأنَّ كلَّ طرف من هذه الأطراف استوفى كلامه.إذا فالحكاية انتهت.
لا أعتقد!!!؟؟
لذلك أجدني متورِّطا. فعلا وجدت نفسي متورِّطا لإتمام ما تبقى ولا يعني أن ما تبقى هو نهاية الحكاية؛ لعلَّه بدايتها؛ لعلَّه وسطها؛ لعلَّه كولاج أيضا؛فقد أورثني أصحاب هذه الحكاية شقاءهم وعارهم ولعناتهم.
استمعت إلى ما ورد من بقيَّة حديث ليلى في الكاسيت؛ لا أعرف ما الذي جرى لها بعد ذلك؛ غير أنَّها انفلتت من بين يدي خليفة واشتغلت بعد ذلك عند أحد المحامين وهناك التقاها عبد الله محجوب؛ أما عن هذا الأخير فهويورد ما حدث له على إثر نقله من المطبعة إلى المستشفى في كرَّاس مدرسي من حجم 12 وجدت فيها ما يلي:
في المستشفى أجريْت عملية جراحية لم تُكلَّل بالنَّجاح وقرَّر الأطبَّاء إجراء جراحة أخرى ممَّا استوجب أن أقيم مدَّة طويلة؛ زارني خلالها بُراق وكان سعيدا جدًّا فالنادي الإفريقي انتصر وترشَّح للأدوار النهائية في دورة الكأس العربية وهو من الآن يسعى للسفر مع جمعية أحبَّاء الفريق للأردن ومن هناك
سيقوم بالحجِّ. قلت له مستغربا:
-الحجُّ.
ضحك ضحكته المجلجلة, وقال:
- نعم؛ سأحجُّ إلى بيت المقدس.
-ولكن َّ الحجَّ يتمُّ إلى مكَّة.
- أنا سأحجُّ إلى بيت المقدس ومن هناك سأرسل الرُّوح إلى المعراج؛ إنه؛ ما رأيك؟؟ ما رأيك؟؟!! النَّادي الإفريقي ستمنحني حجَّة إلى الله. ما رأيك؟ -الدخول إلى الأراضي المُحتلَّة مستحيل وممنوع على العرب. فكَّر؛ وهو يُمسِّد ذقنه بكفِّ يده ثُمَّ قال:
- إذا لم أستطع الحجَّ إلى مكَّة؛ سأحجَّ إلى بغداد إذا.
-وهل يحجَّ النَّاس إلى بغداد.
- وهل تعرف النَّاس فعلا البقاع المُقدَّسة عند ربِّ العزَّة
قلت في نفسي الرجل بدا يخرِّف.
زارني أيضا سي الطَّاهر ربّاك مرَّتين؛ في المرَّة الأولى كان وحده وفي المرَّة
الثانية كانت تصحبه امرأة متحجِّبة قال لي إنَّها الحكيمة خُلاَّب؛ وقال:
- إنها صاحبة الكارت الذي....
فقاطعته المرأة قائلة وهي تجاهد أو تتعمَّد إخفاء صعوبة نطقها للراء وتحويلها غ:
- لم أكن أقصد الكانساغ مغض السرطان ولكنَّني أعني بغجك السغطان.
وضحك سي الطاهر ربَّاك وهو لا يسهو أبدا عن إلقاء حبَّات الحمَّص من حين إلى آخر إلى فيه؛ وقال لقد اعتقدتْ إنَّها كانت السبب فيما أنت فيه الآن؛ تقاطعه وهي تقترب منِّي:
- قلت؛ لعلَّ الإنفعال الشديد الذي انتابك يومها زاد في تعكيغ صحَّتك؟
شرحت لها الأمر معتبرا أنَّ ما حدث يومها ليس حالة نادرة وأنَّ حالتي الصحية متدهورة من قبل. عادت خُلاَّب وزارتني مرَّة أخري وحدها.
قالت لي أنَّها عرفت من سي الطَّاهر أنَّني أستاذ انقليزية وأنَّها استغربت عملي في ذلك القبو؛ واقترحتْ أن أساعدها في عملها. كدت انفجر ضحكا غير أنَّني تماسكت وسألتها:
- أساعدك؟؟ فيما ؟؟
قالت؛ أنَّها تعاقدت مع إحدى الصحف النَّاطقة باللغة الإنكليزية لتعدَّ لها
ركن ’’ حظِّك اليوم’’ وهي لا تجيد الإنكليزية؛ وفي انتظار أن تتقن هذه اللغة فهي تبحث عمن يجيدها ليساعدها. لم أجد ما أقوله وسكت ُّ.
حان موعد خروجي من المستشفى والمبلغ المالي الذي تركه لي سي الطَّاهر لم يكن كافيا لتسديد مصاريف العلاج والإقامة بالمستشفى؛ وبينما كنت بصدد التفكير في حلٍّ لهذه المشكلة إذ بخُلاَّب تطلُّ في ملاءتها السماوية اللون وتسألني أن تصطحبني إلى مقرِّ إقامتي؛ شرحت لها الأمر وفاجأتني بقولها أنَّها استوفت جميع الإجراءات وأنَّه يمكنني الخروج؛ وأنا استقلُّ سياُّرتها الكاط فوا كاط الزرقاء قلت لها أن تنزلني في المدينة؛ قالت:
- ولكن؛ يلزمك الغَّغاحة التَّامة الآن.
فصارحتها بحقيقة أنّه ليس لي مقرٌّ الآن. أشعلت سيجارة وداست بساقها على البنزين؛ في الطريق لم تقل شيئا ولم أقل شيئا غير أنَّي كنت من حين لآخر أسترق النظر إليها؛ كان عنقها فارعا؛ صقيلا ومثيرا تضع حوله قلادة ذهبية عُلِّق بها كتاب صغير مفتوح كُتِب عليه آيات الكرسي؛ عيناها الواسعتان الكحيلتان ترسل نظرات متوثّبة؛ كانت تشدُّ المقود بعصبية ترصِع السبَّابة والوسطى خواتم فضيِّة وذهبية؛ أذهلتني طريقة قيادتها للسيَّارة لم تكن تحترم إشارات المرور ولا مواقع التخفيض في السرعة؛ توقَّفت عند باب إحدى العمارات وأشارت لي أن أنزل؛ دخلنا العمارة وصعدنا سلَّما حجريا حلزونيا؛ فتحت إحدى الشقق وقالت لي:
- بإمكانك الإقامة هنا إلى أن تجد شقَّة لك؛ سأتغكك الآن؛ و أهاتفك بعد قليل.
ذهلت ؛فوجمت ؛ولم تتح لي الفرصة للكلام كانت قد غابت بسرعة؛ كنت مرهقا ارتميت على السرير ولم أستفق إلاَّ والهاتف يوقظني برنينه المتواصل, انتبهت إلى البُحَّة المجروحة في الصوت والتواءة اللسان كلَّما اصطدم بحرف الرَّاء؛ عرفت أنَّها خُلاَّب لم أفقه جيِّدا ما قالته فالنوم مازال يغالبني غير أنَّني استطعت أن التقط منها جملا من نوع أنَّها لن تأتي وأنَّ هناك أكلا في الثلاَّجة وأوراقا مالية تحت جهاز الهاتف وما أن أغلقت الخط حتَّى أخذني النوم من جديد.أمضيت ثلاثة أيَّام لم أغادر فيها الشقَّة وعشيَّة اليوم الثالث خرجت لاقتناء علبة سجائر رغم التنبيهات الأكيدة والحازمة من الطبيب كي أكفَّ عن التدخين وكان هذا أوَّل ما بادرتني به خُلاَّب التي وجدتها
بانتظاري بالشقَّة حيث قالت لي ألم يأمرك الطبيب بالكفِّ عن التدخين.
لم أقل شيئا. اقترحت عليَّ أن نخرج في فسحة بسيَّارتها.
والسيَّارة تنهب الطريق الصَّاعدة إلى روَّاد؛ قالت لي:
- إنه؛ ماغأيك في ما اقتغحته عليك؟؟؟
- في ما؟؟؟
- أن تساعدني؛ إنه ما غأيك ؟؟ عملك في القبو عند سي الطاهغبَّاك لن يساعدك في استغداد صحَّتك.
لم أقل شيئا؛ كنت شاردا؛ كانت السيَّارة الآن تسير في الطريق المحاذية للبحر
كان هناك صيَّادون ألقوا صنَّاراتهم في انتظار مالست أدري؛ كان هناك
نوارس تختفق أجنحتها في سماء لا أعرف لونها إلى الآن؛ كان هناك صبية
يتصايحون مرحين لم أعرف سبب مرحهم؛ كنت شاردا سمعتها تسأل بصوتها المبحوح:
- ماذا قلت ؟؟
- نعم !!!؟؟
- هذا جميل يا عبد الله؛ فعلا جميل جدًّا لابدَّ أن نحتفل بهذه النعم.
غمغمت قائلا:
- أشعر أنَّني ما عدت احتمل. هل بالإمكان العودة ؟؟؟
توقَّفت وسط الطريق وتساءلت وهي تسوِّي قصَّة شعرها الغلامية:
- هل أنت بِخيغ ؟؟
قلت متضايقا:
- نعم؛ أرجو أن تعيديني إلى الشقَّة.
لفَّت مرَّة واحدة وإذا بالسيَّارة تعود في الاتجاه المعاكس؛ سمعتها تردِّد:
- هل أنت بخيْغ ؟؟هل أنقلك إلى المستشفى؟؟ هل تحتاج طبيبا ؟؟ أيُّ دواء تحتاجه؟؟
كنت في حاجة للتمدُّد والصَّمت.
كنت في حاجة للموت.
كنت في حاجة للإختلاءبهذا الجسد النَّذل.
كنت في حاجة للخروج من الجاذبية.
كنت في حاجة للبكاء .
كنت في حاجة للثورة والتمرُّد وإعلان العصيان.
كنت في حاجة للجنون.
كنت في حاجة لبُراق.
حين وصلنا أصرَّت خُلاَّب أن تصطحبني إلى الشقَّة غير أنَّني أكَّدت لها أنَّني أحسن حال الآن. وأنا أصعد السلَّم الحلزوني عدت أدراجي وتوسَّلت الطريق المؤدية إلى بٌراق.
*
في الطريق كنت أحاول استعادة ما كان بيني وبين خُلاَّب؛ لم نتفق وقلت
نعم, لم نتفق على نوعية المساعدة وقلت نعم, لم نتفق على معنى المساعدة وقلت نعم, لم نتفق إطلاقا لماذا قلت نعم؟؟ في الطريق تساءلت عن أيسر السبل للانتحار.
قال بُراق وهويُرحِّب بي:
- الدنيا بخير؛ شفت؛ الدنيا بخير يا عبد الله؛ لله يرحم اللي سمَّاك؛ أنت بخير والنادي الإفريقي ترشَّح للأدوار النهائية؛ أش خير من ها النعيم؛ إيه قلي ؟؟ أش خير ؟؟؟
لم أر بُراق سعيدا كما رأيته ذلك اليوم؛ قال:
-إذا لم أحجَّ إلى بيت المقدس سأحجُّ إلى بغداد!!!
قلت الرَّجل’’إتناك في مخَّه أُوْ وَلَّى يِخرِّفْ’’
قال وهو يُهلِّل:
- وقت فرحتي زفَّ؛ يا عبد الله؛ هيَّا معايا.
قلت مصطنعا ضحكة لا طاقة لي بها:
- ما إنحبِّش الكره؛ وما أنحبش الإ فريقي
- لم تفهم شيئا إذا؛ حمارتي فهمت المسألة منذ زمن, كنت نتصورك تفهم
ها ها ها ها ها.....
ويضحك ضحكته المجلجلجلة.
تركته وعدت. غداة اليوم التالي؛ خابرتني خُلاَّب تسأل عن حالي وتعلمني أنَّها هاتفتني عشيَّة ذلك اليوم ولم تجدني.وبعد يومين جاءتني بأشياء وقالت لي تسلَّ بترجمة هذا إلى اللغة الإنكليزية. بعد ذهابها بقليل؛ ضحكت. متُّ ضحكا. استلقيت على الفراش وأنا أضحك. ضحكت؛ حتَّى لم تعد لي قدرة على الضحك؛ ومازلت أريد أن أضحك؛ خرجت واقتنيت زجاجات بيرة وطفقت أشرب وأضحك. [لغة شكسبير وأنجلس وشوبنهاور ونيتشه و
ميللر وهتشكوك وإليوت وجويس و ديكنز؛ بلغة هؤلاء سأترجم أبراج
خُلاَّب. يحيا الضحك ؛ يحيا الضحك ؛ يحيا الضحك ؛
*