تمكنت الولايات المتحدة من تزويد إسرائيل بالعتاد النووي لتظل القوة الكبرى في الشرق الأوسط، فتتكامل الإستطاعة العسكرية مع الإرادة العربية المشروخة في تقويض الحل الطبيعي للقضية الفلسطينية و هو استرجاع الأرض من البحر إلى النهر و هو الحل الذي لا يتأتى بغير المقاومة بكافة أصنافها و في صدارتها المقاومة الميدانية القادرة على التمييز بين الفعل المقاوم و الإنتحار . و قد ازداد الضعف العربي العسكري و بالنتيجة السياسي بعد إجهاز إسرائيل و حلفائها على المشروع النووي العراقي.
إن التدمير الغربي الخاطف للمشروع النووي العربي العراقي دليل تاريخي يشرح المخاوف التي يبديها المسلمون و العرب من البرنامج النووي الفارسي، الذي تثبت الليونة الغربية اللافتة في التعاطي معه على أنه منتوج أمريكي يخدم الحركتين الإمبرياليتين الغربية و الإيرانية اللتين اشتركتا في هدف الإستحواذ على ثروة العرب النفطية و على تضليل المواطن العربي بحشو قناعته التاريخية بالأباطيل، وهو الخطر الواضح الذي يستوجب تعبئة عربية على صعيدي الفكر و الممارسة للتصدي لكل المخططات المستهدفة للفكر القومي العربي و للوحدة الدينية المتلاحمة التي اتسم بها تاريخ البلاد العربية رغم بعض الإستثناءات النادرة المفسرة بتدخل القوى الأجنبية . وقد ابتدعت القوى الغربية عميلين شرسين للإستمرار في ضمان حلب البلدان العربية الريعية، إيران الخمينية(وقبلها ايران الشاه) و اسرائيل.
إن الجماهير العربية و في مواجهة تهديدات أمريكا و أتباعها و في طليعتهم إيران و دول أروبية نافذة، يجب أن تنقسم إلى جماعتين تحققان الجهد العربي المقاوم المتكامل، جماعة تعنى بالمقاومة الميدانية و إن فرضها الواقع و هو ما يجري حاليا في العراق حيث لا تزال الدولارات الأجنبية تتدفق على الميليشيات الفوضوية لمواصلة مهمة تصفية الكفاءات العلمية العراقية التي أنفق الشعب العراقي خمسة و ثلاثين عاما من النضال القومي الصريح و العقدي و الحروب لأجل بنائها لتصل إلى المرقى المدهش الذي وصلته قبل اندلاع فاجعة نيسان 2003، و في مقدمة هذه الكفاءات ضباط الجيش السابق الذين تتنافس الميليشيات الأمريكية و الإيرانية في تصفيتهم واحدا تلو الآخر. أما الجماعة الثانية من الجمهور العربي فتهتم بالمقاومة السلمية أو الفكرية أو أي اسم ملائم آخر للتعبير عن مطالب مناضلي الخنادق و تمتيعهم بالدعم العالمي الجماهيري، و أعتقد أن القوى الجديدة الصاعدة في العالم مثل الصين و دول أمريكا اللاتينية فرصة مناسبة للأنظمة العربية للتمهيد لإنشاء كتلة اقتصادية تتطور إلى عسكرية لقيادة تيار عالمي مناوىء لأمريكا. فبواسطة النفط العربي و الأمريكي اللاتيني و السلاح النووي الصيني يمكن للعرب أن يستخرجوا حلفا ينافس الحلف الأمريكي، و هذه النظرية الواقعية بالنظر إلى مواقف بعض دول أمريكا اللاتينية و كوبا و الصين من برامج البيت الأبيض يجب أن تؤول إلى أولوية لكل زعيم عربي، و الحديث المسهب الذي يروج له أكاديميون عن استثمار عربي للموقف الروسي و الإيراني فيشرح بعجزهم عن استيعاب موت الإتحاد السوفياتي و استبعادهم ذي المنشأ الديني/الأيديولوجي المتطرف للدور الريادي الأمريكي في نجاح ثورة علي خميني.
الدليل موجود و جلي، استمرار روسيا يلتسين و بوتين في نفس المنهج الذي اختطه لينين يفضي إلى استمرار كوبا في تأييد روسيا، غير أن روسيا الجديدة و لدى أولى اللحظات التي أعقبت انهيار الإتحاد السوفياتي سحبت جنودها المرابطين في هافانا، ليقول الرئيس فيدل كاسترو:” لن ننسى دور الجنود الروس في دعمنا في صراعنا الدائم مع القوى الإضطهادية، لكن بروز خلاف في العقيدة، أملى ما أملى ”، و ما اصطلح عليه الرئيس كاسترو ب:” خلاف في العقيدة ” يؤكد أن ما بين روسيا و أمريكا هو ما بين أمريكا و إيران، مشاحنات خطابية و توافقات قوية في الخفاء، و لعل ما بين روسيا و إيران من علاقات وئامية يظهر لنا هوية:الموقف الأمريكي-الإيراني-الإسرائلي-الغربي الذي يريد استنزاف الثروة الجيوبوليتيكية للأمة العربية و هضم حقوقها الأساسية.الإسترسال في موضوع الأحلاف و الممكنات الموضوعية التي يمكن للقضية العربية أن تستفيد منها شاسع، و هو موضوع مهم يستدعي قراءات أخرى.
ما يهمنا في هذه المقالة إنعاش الذاكرة العربية المثقوبة حول تقديم جواب مقنع عن سؤال العنوان:” من كسر هيبة الجيش الإسرائلي؟ ”، بعض من تنكروا لتاريخ الكفاح القومي العروبي يملكون جوابا جاهزا، اختاروه بسبب الإغراء و تماهيا مع مقولة الصهيوني بن غوريون :" العرب مجرد ظاهرة صوتية "، و يلقونه بصورة آلية:” حزب الله ” هو من أسقط نظرية الجيش الذي لا يقهر. ميليشيا حزب الله ذات الولاء الإيراني و الأمريكي بصيغة غير مباشرة نظرا للتوافق الإيراني-الأمريكي الذي خصصنا له باقتضاب الشطر الثاني من المقالة و مواضيع عديدة سابقة ضمن منابر أخرى، أنجزت قصفا للمدن الإسرائيلية لم يصل تل أبيب. إن ما نفذه حزب الله يتشابه إلى حد كبير مع عملية عربية حدثت في بدايات التسعينات؟ أما زلنا نتذكر ذلك الحدث، تلك الملحمة؟ أ ما زلنا نعتبر تلك البطولة حدثا تاريخيا عربيا؟ أم أن مصادر التضليل اجتاحت تاريخنا و شوهت معالمه البطولية؟ هل تمكن المضللون من قصف عقولنا و تزوير قناعاتنا؟ أم أننا من الناس غير القادرين على الإيمان بمبادىء ثابتة؟ بشر براجماتيون في رغباتهم و إن كانت مشروعة؟. لم أنسى، و كثيرون غيري لم ينسوا، أن الشعب العراقي، أن الجيش العراقي السابق(الذين لم تتبدل مفاهيمهم، رغم الوضع الحرج الحالي)، أن صدام حسين، كل هؤلاء كانوا و هم ماكثون، العرب الأوائل الذين أثبتوا للعرب أن إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت.
التتابع الزمني للتوافق الإيراني-الأمريكي :
- توقيع اتفاقية السلام بين العراق و الشاه الايراني برعاية هواري بومدين و خمود الصراعات الإثنوغرافية بين بغداد و طهران ثم الإعلان عن مشروع التوافق الشرق-أوسطي التقدمي.
- اغتيال عراب السلام الإيراني-العراقي هواري بومدين في نفس سنة توقيع الإتفاقية (1978).
- بروز الصراع الدموي بين الشاه و الخوميني حول السلطة. قوات الشاه تنفي خوميني الذي وفر له فاليري جيسكار ديستان (الرئيس الفرنسي تاريخئذ) الملجأ السياسي، و على الرغم من تصريح الرئيس الفرنسي بمنع الخوميني من الإدلاء بأي مواقف سياسية، فقد سمحت الإدارة الفرنسية للمعمم الشيعي بإرسال منشورات و كتابات إلى إيران.
- الإطاحة بشاه إيران و تنصيب الخوميني حاكما ثيوقراطيا يتلقى إرشادات إلهية عبر الإمام المهدي المنتظر الذي يقال إنه موجود في أحد سراديب مرقده والده في مدينة سامراء العراقية. ( يجدر بنا أن نلاحظ أن دورا تاريخيا خاملا أنيط بالشعب الإيراني، فقد استبدل الدكتاتورية باسم الوضع بالدكتاتورية باسم الله).
- اندلاع :" فضيحة ايران غيت "، و التي أثبتت أن علي خوميني تلقى دعما عسكريا موسعا من طرف واشنطن إبان الحرب مع العراق.
- اسقاط الغرب للنظام العراقي سنة 2003 و الإحتفاظ بالنظام الإيراني رغم أن كليهما ينتميان إلى ما سماه الرئيس بوش محور الشر الكوني.
- الرئيس الإيراني محمد خاتمي يقر أمام وسائل الإعلام :" لولا الدعم الإيراني، لما تمكنت أمريكا من غزو العراق و أفغانستان ". هذا التصريح يفسر الإحتفاظ الغربي بالنظام الإيراني كورقة تخويف ضد العرب في القضية الفلسطينية. كما أنه يفسر الحضور الدائم لإيران في كل الملتقيات الدولية حول مستقبل الشرق الأوسط بعد انهاء الرئيس صدام حسين.
توقيع هشام البرجاوي
لأن الأمور أصبحت على ما هي عليه، فإن الأمور لن تبقى على ما هي عليه.