
06-28-2009, 11:29 AM
|
|
مشرف حوار النصوص و قسم التربية و النعليم
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
المنتدى :
حوار السرد
قراءة لقصة( والنخلة أرض عربية) لسعيد الجندوبي
قراءة لقصة( والنخلة أرض عربية) لسعيد الجندوبي قصة قصيرة للأديب التونسي الكبير سي محمد سعيد الجندوبي( والنخلةأرض عربية).. يستهلها بنص مواز كعتبة للنص، عبارة عن شعر يثبت ويوحي بمضمون القصة. وثباتية العنوان.. كما أن الإهداء يحيلنا إلى مقصدية الرسالة( القصة) كإهداء إلىأديبين تحدثا عن النخلة في أشعارهما. واتخذاها رمزا للعراق.. ليحيلنا العنوان والنصالموازي والإهداء إلى العراق.. ويعدنا للحديث عنه.
وأول ما يستعرضنا ، هوالعنوان( والنخلة أرض عربية)، وهذا يبين لنا مدى اهتمام سي سعيد بالعنوان ن واعتبارأهميته. فهو يلخص القصة، ويكثفها. فالعنوان نص صغير يصف النص الكبير. يثير به سيسعيد مجموعة من الأسئلة، والافتراضات والرؤى، والاختيارات، التي توحي وتساعد علىدخول مضامين النص/ القصة.
والعنوان يتكون من ( الواو) كحرف ابتداء، و( النخلة) التي تدل على نوع من الشجر الذي يميز المنطقة العربية عن سواها من المناطق،والذييرتبط اسمه بالعربية والعروبة. فهو كدال له مدلوله في الثقافات الأخرى...
(أرض) لها دلالات كثيرة، وهي توحي هنا إلى المكان، والأصالة، والتبعية، والانتماء،والهوية.( عربية) وصف لهذه الأرض وتحديد هويتها، وانتمائها، وإعطائها أبعادها الجيوسياسية والتاريخية والإنسانية.
وعندما نجمع هذه الكلمات بعلاقة الإسنادوالوصفية، فإنها تؤدي إلى خرق الانتقاء، وتكسير المجهول، وتحقيق نوع من التعادلية،ونوع من الانتماء والترابطية. وهذا يؤدي إلى الانزياح الذي ينتج عنه المطابقةوالتلاؤم. الشيء الذي يحتم اخذه كدلالة جديدة ، استشرافية، ناطقة. تتضمن امتلاكالأرض العربية للنخلة. وان النخلة توجد في ارض من مواصفاتها العروبةواليعربية.
وتجليات العنوان كحقائق يريد إبلاغها سي سعيد لمتلق متعدد ومتنوع،يطرح نوعا من التسمية والعنونة، وبالتالي نوعية السرد. وهذه التجليات لن تكشفأسرارها إلا قراءة واعية ومتأنية للقصة، والتي نكتشف من ورائها كاتبا ينظر للواقعمن زوايا متعددة.
وعندما نقف أمام مسرود سي سعيد، نجد أن تحديده الأجناسي تؤكدهالتسمية التي أعطاها لها( قصة قصيرة)، والتي لها إمكانية التمدد أكثر.. بما أن لهامساحات كبيرة للتعبير.. وولادة أحداث ومواقف لها ارتباط بالذاتي كسياق قصصي ينتسبإلى معمارية النص.
ومن هنا يمكن الجزم بأن قصة( والنخلة ارض عربية) تنتمي كعملأجناسي إلى القصة الواقعية الجديدة.. والتي تتنوع خطاباتها، وأصواتها ، متحديةالإطار السارد، والنظرة السردية الأحادية.
والقصة كحدث ووقائع متتابعة تتعرضلقصة شابين( رندا) و( سامي) تجمع بينهما الظروف في حدائق فيلا بورقيزي بروما.. وتنسج بينهما الساعات حبا،وارتباطا ولقاءات تتوالى من خلاله أحداث ووقائع وحواراتشاهدها واقع الحال العربي.. ويفترقان دون أن يتم التلاقي، فنعيش لحظات يأس روميوجولييتي.. لتنتهي القصة ببدايتها ليتركنا الكاتب حائرين، طارحين عدة أسئلة من بينهاعل السائل هو سامي: أم أن السائل عربي آخر؟ هل القبر الذي زارته في جناح الشهداءالمغاربيين يوجد فيه قبر الشهيد (سامي)؟...أسئلة متعددة تنفتح عليها نهايةالقصة.
والعجيب في القصة، أنها تختلف عن السرد القصصي المألوف. إذ اعتمد فيها سيسعيد كسر مألوفية السرد، وتتابعه. واعتمد التداخل، والتشابك، والاسترجاع والارتداد،والوقفات الوصفية كمستنسخات.. وذلك بالاعتماد على ساردين مختلفين هما: البطلة( رندة) والسارد الراوي/ الكاتب مكملا بعضهما البعض. مع اعتماد ضميرين في نسج الخطابالقصصي هو ضمير المتكلم، وضمير الغائب.
وهذا يؤكد لنا شيئا هاما، وهو أن سي سعيدالجندوبي يعدد وجهات النظر حول موضوع واحد بؤري هو( عربية الأرض والنخلة). فقصةالحب تتلونها أحداث العراق، وأوضاع العالم العربي والإسلامي، ونظرة الآخر التي أصبحينظر بها إلى كل ما هو عربي ومسلم. وبالتالي خرج سي سعيد عن المألوفية الكلاسيكيةوالتي تعطي خطا أفقيا هو( البداية والعقدة والحل). فالقصة لها لحمة وسدى متعدد،متشابك . الشيء الذي أعطاها نوعا من الفنية والجمالية. وهذا كله مقصود من سي سعيد. فهو يريد يذلك تبديد حيرة كبيرة يعرفها العالم.. وهي : هل كل ما هو عربي ومسلم هوإرهابي؟. هل يمكن اعتبار ارض السواد وبلاد النخل غير عربية.، لما تعرفه من غزوللأجنبي؟ خاصة وان مطامع الإقليمية الفارسية والشيعية تحاول تجريد المنطقة منعروبتها.
إن القصة تتضمن قصصا شابك سي سعيد بين خيوطها، وهي رؤيا بدأت تهتم بهاالآن السينما العالمية في فيلم( بابل) و( أسود وخرفان). قصة حب وقصة هوية، وقصةذكريات ، تسير جميعها في خط متواز إلى النهاية، وبفنية كبيرة. الرابط بينها هماالشخصيتان المتناميتان. بالإضافة إلى السارد/ الكاتب.
إنها لوحات مترابطة فيطياتها، تظهر لنا عقدة الأمير، والتي تصارع الشخوص فيها والمواقف والأحداث للجنوحنحو الاكتمال برؤى متباينة، ولكن يجمعها شيء واحد : هو العروبة، والانتماء،والهوية، والمشاعر الإنسانية. والتي استعمل في طرحها سي سعيد أسلوب التنضيد enfilage، باعتماد تناصات رائعة تحيلنا إلى قصيدة السياب( أنشودة القمر) وديوان( وتريات ليلية) للشاعر العراقي( مظفر التواب)، للتنبيه من خلالهما ومن خلال هذاالتناص إلى عراقية العراق، وان العراق باق ما دام هذا الشعر باق لأنه جزء من العراقوتاريخه المجيد.
إن القصة تشتمل على بنيتين سرديتين جميلتين: بنية سرديةاسترجاعية، تصور وتركز على ذكريات قديمة، وعلى عهد بائد( حزب البعث- المشاكلالداخلية- حالة العراق قبل الغزو الأمريكي)، ثم بنية سردية مرتبطة بالواقع اليومي،والترصد اليومي في العراق وخارجه، وحتى في بلد الآخر. وكلا البنيتين يتخللهما صراعدرامي قوي.
فالأولى ينتابها صراع العودة، والاكتمال، والحسرة، والتمني. والثانية، يتخللها صراع الهوية، وإثبات الذات، والإحياء والانبعاث.
وهذا الصراعهو ما أعطى للقصة بعدها الإنساني والفني والجمالي، وحتى الأدبي، رغم أسلوب الاختزالالذي اعتمده الكاتب للتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي تعرفها العراقوالمنطقة العربية وحتى أوربا.
وهذا الاختزال هو واقع رهان دخله الكاتب. رهانمتعدد الأوجه . من جانبه المضموني( المحتوى)، ومن جانبه الخطابي( السرد). لأنه يضعفي همه قبل الكتابة المتلقي والمتعدد والمختلف الجنسية. فالجانب المضموني يلح فيهسي سعيد على إعطاء الصورة كما يشاهدها هو بتعدد أوجهها، راصدا التحولات والتغييراتوالميتامورفوزات التي انتابتها عبر فترات. فيبين لنا الصراع الذي تعيشه الشخوصككائن عربي مسلم، والشرخ الذي أحدثته هذه الهزات، والأفكار الثورية المستوردة،والقيم المختلفة التي كانت سائدة ، والتي تغيرت مفاهيمها لما يعرفه العالم من تحولإيديولوجي. ليشير لنا من خلال السطور إلى : كيف تغير مفهوم الثورة، والثورةالمضادة، والحالة التي تعيشها هذه الشخوص لاسترجاع نوع من الثقة، ونوع من إثباتالذات ونوع من الهوية. وهذا كله يؤدي إلى عقدة الأمير التي تنبني على الصراع للوصولإلى التكامل.. و البارفيتيزم.
فالشخوص تعيش صراعا ما بين ماض مجيد، وذكرياتوحاضر وغياب اضطراري، ومحو للهوية مقصود، وإقصاء مرير.. تتيه فيه الروح.
أما فيالجانب الخطابي، فإننا نكتشف الطريقة التي يبلغنا فيها بهذا المضمون، والطريقة التييستعرض بها الأحداث والوقائع والمواقف. وهذا سيجرنا إلى طريقة الكتابة عند سي محمدسعيد الجندوبي. فهو بما انه مقيم في فرنسا، فهو يرفض الطرق الكلاسيكية، ويميل إلىكل ما هو جديد حداثي. لان الكلاسيكية عنده لن تستطيع احتواء هذه الأوجه كلها، وذلكلمحدودية إطارها. لذا يعتمد أسلوبا جديدا يعتمد الطرح والاستذكار والاختزالوالتوضيح، والتشويق، والتأويل، والبتر والاختزال. وبالتالي يعدد رؤاه وأنماطها،وزواياها. وبذلك تتحرر كتابته من النمطية ، وتدخل عالم طرح السؤال، وصياغة الواقعكما تشاء من خلال تعدد الأصوات وتفجيرها.
ويظهر تجديد سي سعيد في هذه القصة فيالزمن. حيث القصة تحكي على لسان بطلتها، والراوي/ الكاتب/ السارد عن زمن لم يعدموجودا. الكل يسعى إلى استعادتهن واستذكاره عن طريق الذاكرة، واللاوعي والأحلام ،والإبحار في التفكير والتمعن والقراءة. وبذلك يصبح هذا الزمن متشابكا، مستغلقا فيحاجة إلى مستنسخات يستعان بها على إضاءة هذا الزمن، وتوضيحه. ولذا يعتمد سي سعيدمجموعة من التناصات المقدسة القرآنية، والشعر والعناوين ن والأسماء والشخصياتالأدبية، والأماكن.. وهذا كله لإزالة مباهم الزمن، وتكسير خطيته وخطيةالسرد.
والأحداث القصصية التي تتضمنها القصة عندما نستشف أبعادها، فإننا نقف تواعلى ملابسات كتابة هذه القصة، والظروف التي رافقتها، وبالتالي نقف وبكل وضوح علىالمثبتات أو المرسخات في القصة. وهي مشكّلات ( بفتح الشين وتشديد الكاف) سياسية،واجتماعية واقتصادية وانتروبولوجية.. واتخذتها القصة خلفيات لتقول للمتلقي كيفماكان نوعه: العراق ارض عربية.. وهذا زكاه موقف الشخصيتين، وسلوكياتهما، وحتىالتناصات الموظفة، كإقناع للقارئ على عروبة الأرض ونخلها..//.
| |
|
|
|
|