قصة قصيرة. عتمة
ײַ في هذه المدن الصغيرة يخاف الإنسان شيئين:الملل و الرقابة ײַ
حيدر حيدر
لم يكن هناك هاجس محدد يفرض علي نفسه ساعة ولوجي مقهى أم الربيع في تلك العشية التائهة.
فقط كنت أريد تخفيف بعض من قلقي و نسيان ما بي من ضيق. بالمقهى لوحات بشرية دائمة التعليق تثير فضول البصر، تؤثث لذاكرة، تحتضن ثلة معكوفة على الدوام على لعب الورق. تتعالى أصواتهم مهللة بالاحتجاج، ضجيجهم السرمدي يفتض بكارة الفضاء. دائما كانت تأسرني هذه الجغرافيا السفلى، أحس بأشياء من الأعماق تطفو على السطح، أحمل مآسيها
و أحزان أعماقي الجارحة.
في البدء عندما طوح بي في هذه المدينة ، كان الحلم بعالم حميمي، بنبض جماعي يحتضن الصراخ العنيف للذات، بأيادي دافئة متشابكة على خاصرة الغد. كنت أحلم بفضاء تمتد أبعاده داخل القلوب يمارس أحلامه علانية في فضاء داخلي مكشوف مع بشر من نفس الكوكب الوجداني.
أخذت كرسيا في ركن منزو كالعادة، و طلبت قهوة سوداء. رشفت جرعتين أو ثلاث وأشعلت سيجارة، أخذت منها نفسا عميقا ثم طردته من صدري، فاختط مسارا جليلا كخيط مهاجر. جلت ببصري في فضاء المقهى. كان حنيني إلى الهروب من واقعي العقيم يتفجر في داخلي كغيمة تحولت مطرا هاطلا فوق تراب خشن, و أصغي إلى صوت سحري قادم من أعماقي، حيث يقبع شيء غامض مرتجف يُخلق و هو ينتحب. و أنا أدخن سيجارتي الرابعة, أحسست بيدي تقبض الكأس بعصبية، و أخذت دقات قلبي تتسارع، ثم بدأت أتغير حتى صرت كائنا غريبا متوحشا. أحسست أن بداخلي تكبر شهية ابتلاع كل ما يحتويه المكان، و أتخلص من أصواتهم التي تحيي في جرحا قد نسيته، من وجوه لم أعد أرغب في لقياها، من صور تبعثرت إطاراتها حتى أصبحت تباع في الخردة، أحسست بأن ثمة عالما مجهولا قريبا مني كل القرب، و لا يفصله عني سوى جسر من الزجاج. أندفع لاجتياز الجسر الزجاجي، فأحتضنه برأفة، عالم شاسع مبهم، ساده ظلام كثيف. و تجسدت في مخيلتي بقايا جثث متعفنة، و أجساد متخشبة، فهتفت بدون صوت، قلبي يطرق بابا مغلقا ودموعي لن تتوقف، و أنا قابع في ركني أرشف ما بقي من القهوة، اخترق بصري الزجاج، فأبصرتها على الهامش المقابل للمقهى ترتدي فستانا في لون السماء الصافية، محبوكا على جسدها المشدود. كانت تزيح شعرها الأصفر الذهبي عن وجهها، و تنظر ناحيتي. جريت نحو النافذة أبحث عنها كما دائما. كلما بحثت عنها أو تعقبت خطوها الضليل تتبخر كبقايا دخان نار مقدسة, حتى في لحظات الجد حزينة، و كنت أغمض عيني و أترك حاسة الشم أن تقودني إليها، فحواسي لن تخطئ أبدا أريج عطرها الكوني، و لكن الأوغاد كانوا يشوشون علي بتأجيج دخان مجامرهم المشعوذة التي كانت تنفث روائح بخور كريهة تصيبني بالغثيان و التقزز، تشل كل حواسي و تصيبها بالعطب، حتى شككت في جدوى البقية الباقية من حواسي التي أصبحت تتوقع نداءها الرخيم و صورا لها مشوشة في منعطفات الأزقة الموحشة، و دائما أحضن الفراغ. تبلبلت ما بين اختفاء غير مجدي لنور يتزأبق كلما حاولت احتضانه وعودة مهزومة لبؤرة الضجيج الأعته. فيممت وجهي شطر بيتي حتى ألتقط بعضا من أنفاسي و أجلو الغشاوة عن ذهني و أعيد ترتيب لقطات الشريط كما عشته أو ضمنته داخل مستطيلاته الشفافة الهاجعة في خرسها.
محمد معتصم قاص من المغرب
نص بديع من قاص مبدع
كم هي جميلة وممتعة وعذبة قصصك أخي : معتصم
فرغم قصرها إلا أنها تعري واقع مدننا الصغيرة ، التي تخلو من كل شيء
إلا من الملل والرقابة...والسراب أيضا
كل ذلك صيغ بأسلوب سلس ولغة نقية
فبارك الله فيك وفي مدادك
ودمت بخير وسعادة
القاص المبدع محمد معتصم
تستهويني قصصك يا سيدي ..فلا هي بالمتاهة التي أدوخ في ردهاتها فلا أفهم شيئا ، ولا هي بالحكاية العادية التي لاترد الروح . هي قصة تجد فيها الاسلوب المشوق والتعبير الفني الجيد مع استعمال ناجح هنا وهناك لجمالية الضاد من استعارة وتشبيه الخ
ومقياس نجاح القصة عندي هو أنني عندما ابدأ قراءتها ألازمها حتى النهاية ...ثم يبقى شيء من ظلالها في ذاكرتي لمدة قد تطول ..وقد تبقى ما بقيت . و في قصصك شيئ غير قليل من هذا ..
ولأنها قصة جميلة جمال عروس ، فإني أربأ أن يخدشها شيء ، لذا سأتجرأ وأبدي ملاحظات لغوية عفوية بالطبع ، لأن مثلك لاتخفى عليه :
رشفت جرعتين أو ثلاث / ثلاثا
و أترك حاسة الشم أن تقودني إليها، / أظن أن إضافة " أن " هنا ربما غير ضروري.
غير مجدي / غير مجد
استمتعت كثيرا بقصتك أخي محمد معتصم ، لم أشعر أنني أقرا ......بل كنت أسمع همس المدن المنسية وصخب الضياع في شوارع المدينة وفضاءاتها المتواضعة.... قسرا. تحياتي للقلم المتوهج
المبدعة الأنيقة رشيدة بوزفور
تحية بحرية
أسعدني مرورك البهي
أسعدتني أيضا تعليقاتك الجميلة
دامت لك متعة الحكي
على فكرة , اسمك العائلي غالي غالي جدا جدا .....
محبتي الوارفة