أنت غير مسجل في منتدى مطر . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا
آخر 10 مشاركات
دراسة الأسلوب بين المعاصرة و التراث لأحمد درويش (الكاتـب : عبد الفتاح المسودي - آخر مشاركة : حسين الدمرداش محمد العدل - مشاركات : 2 - )           »          قصة قصيرة جدا / ( الـــكــــاف ) (الكاتـب : حسن برطال - مشاركات : 12 - )           »          حبيبــــان (الكاتـب : سليمى السرايري - مشاركات : 25 - )           »          صمت كصلوات مفقودة ... (الكاتـب : سليمى السرايري - مشاركات : 4 - )           »          لنرحب بالكاتبة الفلسطينية ياسمين شملاوي (الكاتـب : أيوب مليجي - آخر مشاركة : توفيقي بلعيد - مشاركات : 7 - )           »          القاص أحمد بوزفور: قصص (الكاتـب : نقوس المهدي - مشاركات : 12 - )           »          الطفولة الحلوة في لوحات آرتور جون إيلسلي... (الكاتـب : نصيرة تختوخ - آخر مشاركة : حسين الدمرداش محمد العدل - مشاركات : 2 - )           »          مسافات (الكاتـب : سعاد بني أخي - مشاركات : 40 - )           »          النيولوك لحسن بورايق ترجمة مرتضى العبيدي (الكاتـب : مرتضى العبيدي - آخر مشاركة : سعاد بني أخي - مشاركات : 8 - )           »          قصة زهرة مع طرفة - بنسالم حميش (الكاتـب : نقوس المهدي - مشاركات : 12 - )


العودة   منتدى مطر العودة سرديات العودة الروايـة

إضافة رد
   
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  مشاركة رقم : 1 (الرابط)  
قديم 07-02-2009, 06:29 PM
الصورة الرمزية صخر المهيف


رقم العضوية : 1741
تاريخ التسجيل : Apr 2009
الدولة : أصيلة _ المغرب
المشاركات : 432
بمعدل : 1.36 يوميا

صخر المهيف غير متصل عرض البوم صور صخر المهيف



المنتدى : الروايـة
افتراضي قص حب غير عادية: الجزء الثالث

تركت المقعد المسند إلى الحائط المصبوغ بلون أزرق غامق واتجهت نحوها، اندفعت إلي، تبادلنا أولى القبلات على الخدود المرتعشة بدهشة قلوب أضناها التردد ثم الانتظار، قدمت لي صديقتها المقربة من نفسها تلك التي حدثتني عنها في بعض رسائلها، أذكر أنني سمعت صوتها في الهاتف مرة واحدة، ذات العطر الإسباني فاح من جيدهما، غادر ثلاثتنا المحطة بين أمواج المسافرين…مشينا في اتجاه البحر، بدا لنا البحر محاصرا بأفق قريب، قطعت صديقتها الشارع إلى منحى آخر معتذرة عن تلبية دعوتي، أخيرا، وجدنا نفسينا وحيدين كما كنا نحلم، قاومت الرغبة في أن أضع أناملها بين أناملي، كنت أنظر بطرفي عيني إليها، تدلت خصلات شعرها فوق الحاجبين متحررة من حصار الخمار الأبيض، لا أحد قاسمنا بهو فندق الأمنية بأرائكه القاتمة السواد، قدم لنا النادل المشروبات ثم اختفى، أحسست بمشاعري طافحة بهذيان هادئ، لقد انتظرت طويلا قبل أن أنعم بدفء هذا اللقاء، وقتها وأنا أحرك قطعتي السكر في الفنجان، عدت بالذاكرة إلى ما قبل تسعة أشهر، آنذاك، كنا نستعد لاستقبال الحدث السعيد، كنا على حافة اللقاء، ثمة أمور خطيرة حدثت،ثمة جنون دفعني إلى أن أتقمص دور رجل قاس يعاقب بشدة من يحبهم، في ذلك الحر اللاهب، عشت صراعا مريرا بين رغبتين، شعور بالكرامة منعني من السفر إليها، قاومت الرغبة الجامحة بعناد، لم أتخذ القرار إلا بعد نصف ساعة من موعد السفر، تساءلت بلسان الحانق: كيف أذهب للقاء حبيبة ترفض تسلم هدية مني؟ خرجت للتو من أحراش التذكر مصغيا باهتمام إلى نبض متجدد مثل رفعة تيار الشلال الكاسح، سألتها معاتبا:
- لماذا ضاع اللقاء؟
وهمست لها بعد أن رشفت من الفنجان رشفتين:
- وقد كنا على وشك اللقاء.
ردت ببراءة:
- ها قد التقينا.
ثم همست مبتسمة…

- أعتذر منك عما بدر مني في ذلك المساء، لم يكن الأمر بيدي…لهذا تأخرت عن الموعد.
جالدت نفسي حتى لا أعترف لها بالحقيقة، ماذا أقول لها؟ هل أقول بأنني لم أسافرإليها؟
قلت:
- لا عليك…
استوت في جلستها وركنت إلى الصمت، ما ألذ صمتها، سألتني كيف اهتديت إلى سبر أغوار لا يصل إليها إلا العارف المقيم، قلت:
- من كان نور القلب هاديه فلا ضال له.
تضاءلت المسافة بيننا وغدت الدهشة التي لفتني سديما يعيد تشكيل خارطة الكون من العدم، وفيما كانت هي صامتة ترميني بنظرات خاطفة وتحرك رموش عينيها إلى أعلى، كنت أقطف من النسيم الجامد لحظات لا تتكررإلا نادرا، أسترجع الأحداث الماضية وأخطط لمستقبل باسم، ألفظ من أعماقي كل الكدر، قالت لي:
-أريد أن أسمعك…
-تفضلي .
أطرقت برأسها…
- كم استغرقت الرحلة؟
- ست ساعات…
- لكنك لم تأخذ قسطا من الراحة.
- لا أحس بالتعب، هذه الرحلة نزهة بالمقارنة مع سفرياتي الطويلة، كانت كل سفرية تستغرق مني ستا وثلاثين ساعة، قبل سنتين قطعت ألفي كيلومتر في ثلاثة أيام.
جعلني هدوء المكان أتأمل نواميس الحياة وأجعلها في موضع شك، من قبل، كنت أؤمن بأن التاريخ لا يعيد نفسه، لكن هذا اللقاء جعل هذه القناعة تهتز، ربما لأني أردت لماض جميل أن يتكرر ولو في ذهني، ولأني عشقت مرة أخرى امرأة لا تقيم معي في نفس المدينة، كنت على وشك أن أعيد النظر في قناعتي الراسخة تلك، السفر الطويل، الرسائل الملتهبة بالعشق، الشوق، الترقب الحيرة، الأسئلة الغامضة، كلها أشياء ظهرت في حياتي من جديد، اخترق صوتها جدار تأملاتي، أرادت أن تستمع إلي، اقترحت علي أن أحكي لها نكتة، قلت:
- ذات يوم أراد أحدهم أن يعبرعن حبه العظيم لزوجته فقال لها: أوه زوجتي، أحبك حبا لاقيمة له.
استمعت إليها وهي تحكي شذرات من ماضيها، قاطعتها فجأة:
- لا تحلمي بأن أسالك عن ماض هو ملكك وحدك…
تطاولت أناملها على الجريدة الأسبوعية، مالت إلي مستفهمة:
-هل كتبت شيئا في هذا العدد.
- مقال قصير.
بصرتها تتصفح الأسبوعية صفحتها الأخيرة، كان يحلو لي أن أتأمل عينيها المتواريتيت خلف ستار شفاف من الحسن، مرة أخرى لمحت غموضا آسرا يدور في الحدقتين مراوغا نظراتي الثاقبة إليها، يهرب إلى حيث السطور تحتل مساحة البياض، طوت الجريدة ثم توجهت إلي بأسئلة عن أمور بحت بها في خطاباتي، ذكرتني ببعض التفاصيل الدقيقة، أعلم أن ذاكرة المرأة أقوى من ذاكرة الرجل، لهذا تراها لا تسامح إلا بعدما يمضي القطار، وكما توقعت، كان السؤال الثلث مركزا على المرأة الأخرى، كنت على يقين بأن الأسئلة المهمة لم يحن أوانها بعد، كان لا بد للدفء أن يسري في شراييني، هربت بعيني بعيدا…قلت مداريا حرجي:
- انقطعت أخبارها عني.
لم تقل شيئا…لم تصدقني، عيناها أفصحتا لما أحجم لسانها، قلت مواربا:
- أنت أجمل مما كنت أتوقع.
كنت في حمأة غريبة، كالوجود لما تسحره أطياف الشمس والقمر إذ يلتقيان، أردت أن أقول لها إن جسدي يرتعش لما تقع عيناي على عينيك، فأشعر بنشوة هادئة، رذاذ هجع فوق جبهتي، واكتشفت أن هذه المرأة تشبهني في لون عيوني وكثير من تفاصيل جنوني ، هذه المرأة تقاسمني عشق كثير من الأشياء، أهمها عشق الليل ، جلت بمقلتي في أقصر مدى، هذه المدينة تبعث في الأمل وتنشر في أشلائي السكينة…
رنوت إلى بسمتها الغامضة والدهشة تلازمني وتأبى أن تفارقني…وضعت ألبوم الصور على الطاولة المستديرة، عن طريقها تعرفت إلى معظم أفراد عشيرتها، عادت لتسألني عن الرحلة الطويلة وعن السجائر التي لم أقلع عن شربها، وعن الخمرة، أما زلت أعاقرها؟ تأملنا البحر من خلال زجاج الواجهة المفتوحة على حديقة صغيرة تحضن شجرة يتيمة، أغصانها المتباعدة فسحت لناظرينا المجال حتى يحتكا بزرقة البحر، بقي الفنجان بموضعه دون حراك…لم تشأ أن تذوب في فنجان القهوة المخلوطة بالحليب أي قطعة سكر، تبادلنا ابتسامات قبل أن ترد:
- سأنتظره حتى يبرد.
انغمست في قراءة الجريدة، كانت هيئة تحريرها، قد طلبت من القراء الشباب أن يساهموا بمقالات عن رسالة الفقيه البصري الشهيرة ضمن الملف الذي تقترحه الجريدة على رأس كل شهر، افتتحت هيئة التحرير الملف بمقال لي، وكانت رسالة الفقيه البصري تفضح تورط بعض القيادات الحزبية في محاولة الانقلاب الثانية التي قادها الجنرال الحقير أوفقير ضد الملك الراحل الحسن الثاني عام 1973، وقد صودرت الجرائد التي نشرت فحوى الرسالة وتم توقيفها بدعوى انها مست بالمقدسات، ولهذا وجهت رسالة إلى هذه الأسبوعية كي تحتجب عن الصدور عددا واحدا مع كل الجرائد الوطنية انتصارا لحرية النشر والتعبير وتضامنا مع الأسبوعيات الثلاث المصادرة، قالت لي بعد ما فرغت من قراءة سطور المقال القصير:
- خطابك كان ناريا.
- لايمكننا أن نحجب الشمس بالغربال إلى الأبد.
هزت رأسها موافقة كمهرة أعياها الركض:
- معك حق.
- تصوري أن هذا المقال في حقيقته رسالة شخصية وجهتها إلى رئيس التحرير، وقد ضمنتها الاقتراحات الواردة في المقال.
- كيف؟
بكل بساطة، حذفت هيئة التحرير الديباجة الأولية التي تفتتح بها كل رسالة من تحية وتقديم، وقاموا بنشر بقية الرسالة حتى بدت كأنها تتعلق بمقال افتتحوا به ملف الشهر .
- ما كان عليهم أن يتصرفوا في الرسالة دون الرجوع إليك.
قلت وأنا أشرب سيجارتي الشقراء:
- لا أعرف السبب، ربما تصرفوا عن حسن نية فاعتقدوا الرسالة مقالا للنشر، علما أني أرقن كل مقالاتي على الكمبيوتر، والرسالة مكتوبة بخط اليد، كنت قد نسيت أمرها تماما إلى أن اتصلت بي صديقة شاعرة بالهاتف وفاجأتني بأن مقالا موقعا باسمي قد صدر يهم الرسالة الفضيحة مما أثار كل الاستغراب في نفسي وخمنت أن خطأ ما قد وقع.
كانت تنصت إلي باهتمام بالغ، ابتسمت فيما شرعت أقلب صفحات يومية من اليوميات، انتبهت إلي متسائلة:
- أمن عادتك أن تشرع في قراءة الجريدة من الصفحة الأخيرة؟
- أجل …من الصفحة الرياضية تحديدا.
همت بفتح العلبة المغلفة بورق السولوفان الأزرق، قلت انتظري حتى تعودي إلى المنزل، فتحت الغلاف مبتسمة…من حسن الأدب أن نتفحص الهدايا التي يأتينا بها الأحباب في الحين، هذا ما نطقت به شفتاها متصفحة مجموعتي القصصية المرقونة ومعها وثائق سياسية نادرة ورواية ليوسف القعيد ومعها أشرطة موسيقية متنوعة…أعادتها إلى سيرتها الأولى، سعدت بها كثيرا، وضعت عليها أناملها كما لو كانت تلمس شعر قطة صغيرة، ران صمت قصير كان يشبه هدنة بين معركتين ضاريتين، اتجهنا بنظرنا إلى البحر، قطعت حبل الصمت معاتبا…
-هي الهدية ذاتها التي رفضت استلامها عبر البريد…
أطبقت بعينيها حياء
- أنا آسفة…
- كم أنت عنيدة…
ليس في عنادك على أي حال…
لم نقاوم نداء البحر، خلته وقتها حنونا، لبينا نداءه صاغرين، وبقي فنجان القهوة مملوءا وبقيت قطعتا السكر بلا ذوبان.
عبرنا الشارع في اتجاه الكورنيش نظرت بطرفي عيني إلى أناملها دون أن ألمسها، لا أعرف هل ترددت أم لا، حملتنا نسمات الربيع إلى أعلى، رمقنا العالم بعيون حالمة، لمع ضوء المصابيح فجأة، سرنا مسافة طويلة دون أن أشعر بالتعب، خلف الجدار الفاصل بين الشاطئ والرصيف وقفنا، أمامنا عشاق يتبادلون الهمسات والقبلات الملتهبة، رقصت قلوبهم على إيقاع اللذة المتأهبة، يسرقون لحظات مرقونة بمداد السعادة العابرة، ظلام يغازل نورا يحجب نصفهم، أصخت السمع إلى نغمات موج البحرالمسترسلة قبل أن تستقر في خيالي، لم تفصح ملامحها عن انطباع واضح، ندت الملامح الجميلة عن ابتسامة عميقة التفعت بحزن ما بارح العينين الكحيلتين، قلت لها:
- تعالي نتمشى قليلا فوق الرمل.
- لقد تأخر الوقت.
في موقف كذاك، كان لا بد من أن أقارن بين امرأة استحضرت من الماضي صورتها وأطيافها، وأخرى تقف بجانبي تتأمل البحر وتسرق مني نظرات خاطفة…لحسن الحظ أنها لا تشبهها في شيء إلا في لون الشعر والعينين وفي سحر الدلال…ابتعدنا عن الكورنيش جنوبا، في منحى وسط المدينة وتركنا سفنا تطلق أنوارها في طريقها إلى قارات الدنيا الأخر، كانت أنوار طريفة غيربعيدة عن مرمى البصر، تجاسرت ووضعت أناملها الباردة بين أناملي، استجابت دون أن يسري فيها دفء كفي، عطفنا على زقاق أنواره خافتة، قالت لي :
-دعني أسير إلى يمينك.
أنا لا أشعر بالوجود عاديا ولا بأنفاسي تعلو وتهبط أو تخمد وتنتفض، وضعت أول قبلة على خدها وأخرى على شفتيها، اقتحمت أناملي الخمار الأبيض، لامست الجيد الهامد، بدت لي كأي أنثى تقف نفس الموقف، عطشى ومرتبكة ووجلة، لحظتها رأيتني ابن العنقاء أنبعث من رمادي بعد احتراق، أنشدت زيزي نشيدا لف الصمت بنغمات غامضة، عدت أضع كفها بكفي، لم تنبس ببنت شفة، لم نخرج من الصمت بعد، عدلت عن الإنشاد، جاء دوري…وقبل أن تبهرنا أنوار شارع قريب، همست بما يشبه احتجاجا لذيذا:
- أنت أول رجل يقبلني.
كأن ريحا صرصرا عاتية لطمتني، أينبغي لكل أنثى أن تثبت قولا عذريتها لرجلها؟ ندت عن ثغري بسمة طائشة لم تشعر بارتسامتها حين كنا بين الظلمة والنور، كنت على يقين أنه قول يحتمل الكذب مثلما يحتمل الصدق، ومع ذلكفقد شعرت بأنني ذلك الرجل الذي عادت إليه الحياة بعد كمون دام طويلا في صقيع قاتل، هي منحتني هذا الشعور، امتد خيط الصمت طويلا هذه المرة، كنا نستمع إلى نشيد القلوب ووقع الخطوات على الأزقة المبلطة، بدا لي الثغر جامدا مثل قطعة ثلج تنتظر دفئا يحررها من لعنة الجمود، كان لا بد أن نعرج على عطفة مظلمة حتى ألثم الشفتين بعنف…ودون أن تحتج همست:
- أريد أن أسمعك…
- ماذا أقول؟
قل أي شيء، حديثك يعجبني.
الروح، مابالها الروح تعود إلى شبابها الفاني؟ عبقت الروح بأريج صمت ساحر شملني بالرغبة في التحليق نحو السماء، صعقتني أناملها بتيار كهربائي بارد كلما ضغطتهما، تهنا وسط شوارع مزدحمة، نظرت إلى السماء، لم أجد فيها مكانا للقمر، ليل هذه المدينة لا يشبه ليل الصحراء الساحرالموحش، كنت في حاجة إلى شعاع القمر بيد أن ما جعل نفسي جذلي لم يكن إلا ذلك الإحساس اللذيذ بأننا وحيدان في هذا العالم الكبير، قالت لي:
- سأعرفك مستقبلا إلى أماكن جميلة…
- سأكون ممتنا لك.
ابتعدت بي مرة أخرى إلى أزقة خالية، كانت أسرار المدينة الأسطورية تتكشف لي مع مرور الوقت، وضعت كفيها على قلبي، حركت رأسها مستفهمة…قلت:
- نبضات قلبي…
نظرت إلي بعينين ملؤهما السؤال…أردفت:
-كيف تكون؟
غطى جزء حياء وجنتيها، أغلقت جفنيها باسترخاء، غمرتني ببسمة حملتني إلى قراري، رنت إلي بنظرة جريئة استلهمت منها سؤالا آخر:
- أعدي نبضات قلبي، كم تكون؟
لم تقل شيئا، استسلم كل منا للآخر، شعرت بنبض نغوص دمائها متدفقا كتيار شلال هادر، كان لها أن تحكي عن مدينتها التي كلفت بها كل الكلف وعن دراستها بالجامعة، وعدتني أن تعرفني مستقبلا إلى المزيد من أسرارها، أنثاي، كانت ذاك الشعاع المبهر الذي يخطف
البصر وقت الخروج من نفق طويل مظلم، استنفرت أنثاي رجولتي، جعلت قلبي يعيش حالة طوارئ قصوى كتلك التي يعيشها الجند زمن الحروب الحاسمة، استدعى مني الموقف الساحرالذي عشته قدرا كبيرا من التأمل والتركيز كذينك الذين يعيشهماالصوفي المتعبد في خلوته،وكلما ركنت إلى الصمت إلا وطلبت مني مزيدا من الحكايا، هي تحب صوتي خفيضا كهمس الجنون بينما رأيت في خلوتي تلك طقسا من طقوس التطهير التي لا غنى لي عن أن أعيشها بكل تفاصيلها الدقيقة، عادت تشكو إلي مقررا دراسيا طويلا يراهن على الكم دون الكيف، حدثتني عن حال الدراسة بالكلية والفصائل السياسية المتصارعة في فضائها، لم تكن تعرف عن تصوراتها شيئا سوى أنها تنقسم إلى قسمين: الإخوان والرفاق ثم سألتها عن مبحث نيل الإجازة، ردت علي:
-يتعلق بالجريمة.
- الجريمة؟
- أجل…
-وما الذي قادك إلى الاشتغال ببحث كهذا؟
- اقترح موضوعه الأستاذ المؤطر.
-لن تعوزنك المصادر والمراجع على أي حال.
- معي زميلان آخران يشاركاني إنجازه.
ارتسمت على وجهها مسحة حزن عابرة عابرة، أردفت قائلة:
- لم يبق على حلول موعد امتحانات الدورة الأولى من الامتحانات سوى شهر ونصف…
علي استيعاب خمس مطبوعات ضخمة في الوقت ذاته…
- وما نيل المطالب بالتمني…
- لقد أنهكت…
- أقدر ما أنت فيه، فقد مررت بنفس التجربة في دراستي الثانوية، لا عليك، كل شيء يهون في سبيل النجاح…
تمسحت بي…
- اُدع الله لأجلي …إني أتفاءل بدعواتك…
مسحت وجهها بكفي هامسا:
- أنا متفائل جدا …
طأطأت رأسها…
- على الأقل، يمكنني الاستعانة بمحامية حاذقة في المستقبل إذا طالني اعتقال…
- ماذا تقول؟
ساقنا الحديث عن القانون إلى أن أستحضرما ورد في مراسلاتنا الأولى بشأن حقيقة القانون، كنت قد كتبت لها بأن الأقوياء هم الذين يصيغون القوانين، أي أن القوانين تصاغ دائما لتحفظ مصالح الطبقة المسيطرة اقتصاديا ومن ثم سياسيا بوساطة المؤسسات التشريعية التي تسيطر عليها هذه الطبقة، ثم إن القوانين تعتبر جزءا من البنى الفوقية السائدة في المجتمع، وتذهب الماركسية إلى أن القوانين شكل من أشكال الوعي الاجتماعي التي تحدد معرفتنا بالعالم وتمثلنا له، طبعا، تحظى القوانين كسائر عناصر البنى الفوقية، استقلالها النسبي عن علاقات الانتاج السائدة، لكنها في ردها علي، كتبت لي ماتعلمته من دراستها الأكاديمية الجافة وهي تنحو بعيدا عن الإيديولوجيا، قالت إن القوانين هي روح الأمة وما تعارف عليه الناس من قواعد السلوك والمبادلات.
لم أشأ أن تحبل رسائلنا يمناقشات قانونية عقيمة لا تجدي مشاعرنا المتأهبة للانطلاق صوب عالم تحكمه قوانين مختلفة، متشظية، ليست هي بالضرورة ما تعارف عليها الناس…جاءت الفرصة سانحة لأبرهن لها بالملموس أن وجهة نظري قوية لأنها بكل بساطة وجهة نظر علمية وإلا ما تضمنت الدساتير الحديثة التي هي القوانين الأسمى للدول بنودا تصر على أن الملكية الفرد حق مقدس ومكفول لا يجوز المساس به، غير أني انتشلت نفسي فجأة من حمأة نقاش صارم كهذا…دفع بي الليل إلى بؤرة الدهشة
والصمت …لا بد لها أن تسألني استئناف الحديث فلا أجد منه غير أن أعاتبها على تأخرها عن لقائي بالمحطة، فترد بنبرة هادئة:
- لقد جئت في الموعد المحدد إلى مقهى القاهرة…انتظرت طويلا…
- لقد كنت في باحة المحطة…
- حاولت الاتصال بك عبر الهاتف…لكن دون جدوى…
قلت بامتعاض…
- لقد نفدت الطاقة من بطارية الهاتف.
- أين تركت المعبئ؟
- ليس معي.
- نسيته في المنزل.
لفتنا خيوط القدر المتشابكة، نذرنا أنفسنا لنبض القلب، قدمنا نفسينا قربانين لليل، سرى همسي نغمات متراقصة فوق صهوة وجود أعياه التقلب…عدت أسألها:
- كيف اهتديت إلى مكاني؟
- لما أعياني الانتظار، عاودت سؤال مريم، فتذكرت أنك قلت لها بأنك موجود في المحطة.
صمتت برهة، دندنت بلحن جميل، غاب ذهني في عالم الخيال، أخرجتني من عالمي الرحب، قالت وهي تحدق بي:
- تصور، كنت حينها بالحمام لما جاءتني مريم، قالت لي إنك هنا، لم أصدق بداية، فالموعد الذي حددته في رسالتك الأخيرة كان مساء يوم غد السبت…أمسكت كفيها بقوة…
- لم أطق صبرا…
طأطأت رأسها…واستأنفنا المسير قبل أن تسألني:
- ماذا لو لم أحضر؟
- كالمرة السابقة؟
- كالمرة السابقة.
لم أقل شيئا…
- أجبني، ماذا كنت فاعلا؟
- تصوري…
- ماذا؟
- كنت سأشتري سكرا من صنف النمر…
- ثم؟
- كنت سأطرق باب منزلكم طالبا يدك.
- أكنت تفعلها؟
- كنت سأفعلها…أقسم لك بأغلظ الأيمان…
- مجنون ،كنت لتفعلها، أعرف ذلك…
- بل عاقل جدا.
قالت بحزم:
- إياك أن تنفذ وعدك.
لم أكن لأخسر شيئا، فقد فعلتها من قبل حين كنت في الثالثة والعشرين، هذا ما أخبرتها به، تلذذت بالإمعان في منظر الشك المنهمر من هناك، من العينين الغامضتين، سراديب الأمل لا يعرف كنهها إلا المكستميث في البحث عن الآخر المضني، رائحة الجسد، العطر المنتشر حولي، النغمات الجميلة، الأسئلة التي لم يحن موعدها بعد، السعادة المسافرة إلى أقصى المدائن المزدهرة، كلها منارات تقع في شواطئ مقفرة تضج بلغة الحذر…تناغم همسي مع وقع قدمينا على أرصفة مبلطة بلحن شارد انطلق على صهوة كلمات بارحت مسكنها في منحى الريح الهارب أبدا من الركود…قطعت اللحن الذي تندن به…
- أشتهيك…
خرجت من أعماقها تنهيدة عميقة…عدت أهمس:
- لكني أصدك.
كان الشيطان ثاثنا وكان لا بد من أن ألثم شفتيها بعنف، أومأت لي برأسها، خمدت أنفاسها، أوقدت رقتها نار عواطفي، احمرت وجنتاها، ارتسم في المحيا سرور مهرة نشطة، طلبت مزيدا من الحكي، حكيت لها عن حادثة طردي من القسم ذات مرة حين قلدت بصوت عال ضحكة المممثل المغربي محمد حسن الجندي في فيلم الرسالة، فقد صرخت بأعلى صوتي: هي الحرب، أرقصي يا جارية، وتسبب لي ذلك توقيفا مدة أسبوع كامل وعاصفة من الضحك بين زملائي لم تهدأ يوما كاملا، بل إن الواقعة ظلت حديث الزملاء طيلة أسبوع كامل، وبعد اثني عشرة كاملة على ذلك التاريخ، التقتني زميلة في رحاب الجامعة، وما أن رأتني وعرفتني حتى أطلقت ضحكة قبل أن نتبادل السلام وقالت: أسقني خمرة يا جارية، فقلت لها: أجل، لكن الأمر تغيرالآن وأصبح القول كالتالي: أسقني خمرة حتى أرى الكلب حمارا والتيس بغلا والهر كركدنا.
غمرتها سعادة عارمة تلألأت شهبا في سماء الحب، سرنا بلا وجهة ودون أن نحسب للزمن حسابا، انزاح عن قلبي كل كرب، هاهي السعادة وقد هبطت علي دفعة واحدة بلا تقسيط، وجف القلب غبطة بهذا الحضور الكثيف من الجلال، بالكاد تناهت إلينا جلبة السيارات من الشوارع القريبة، انبعثت رائحة الربيع من كل مكان، استرسلت في سرد حكايات من كتاب الحياة العجيبة، كانت هي تسترسل في الضحك من أعماقها، فجأة وضعت رأسها على كتفي جذلى بروعة الكون، لكنها سحبته بسرعة مثل مؤمن لمس في سهو منه قنينة خمر ثم دفعها بعيدا عنه لما تبين حقيقة الأمر، قد لا يروق هذا التشبيه للكثيرين من عشاق الأدب، لنقل إنها فعلت ذلك كأن رأسها لمس تيارا كهربائيا جعل خلاياها العصبية تستجيب لنداء الدماغ وهو يأمر الرأس بالانسحاب في حركة لا إرادية…لا زال حذر أنيق ينسكب من عينيها ويبرق به جسدها، ولأنها تخشى الصمت، أقصد صمتي، فقد سألتني:
- لماذا لم تأت في عطلة رأس السنة؟
- لم أكن محظوظا.
- كنت ترد الدين ؟
أودعتها بسمة عاشقة…
- لست بهذا الغباء.
حركت رأسها موافقة
- لا أفكر كما يفكر الآخرون…إنه الجيب يا زيزي…الجيب…فعلها وزير المالية الملعون…
لحظتها نسيت آلاما سكنتني قبل شهور طويلة بسبب أوضاع خاطئة لا مجال لإصلاحها الآن، ربما تكفل بها الزمن وكفاني شرها مستقبلا، ليس ثمة من شيء عذبني ولا يزال قدر أحلام كبيرة قررت أن لا أتنازل عن تحقيقها بشروطي، لا بشروط الآخرين المذلة، أولا لأنها أحلام مشروعة ولأنها في درجة ثانية تلائم إمكاناتي، ثم إن الطريق إلى المجد يبدأ إيمانا عميق بما يريد المرء تحقيقه، ولا أنكر أن هذه المرأة منحتني طاقة غريبة على السعي قدما فيما أنا مقبل عليه من أمر عظيم، لقد بدأت الكتابة قبل أن أعرفها منذ زمن طويل، في مراهقتي المبكرة على الأقل، لكني أجدني معترفا أمام نفسي أولا وأمامها ثانيا بأني صرت أكتب لأجلها، لتقرأ لي وحدها مقالات قرأها كثيرون واختلف معي كثيرون بسببها وجلبت لي بعض الخصومات، خصوصا مع أصدقاء ينتمون إلى أحزاب انتقدتها أشد النقد، صحيح أن البريد حمل إلي رسائل إعجاب من من آخرين بالأفكار والأسلوب، وصحيح أن تلك الرسائل أدخلت إلى قلبي المسرة وقد كنت في أول عهدي بالنشر في الجرائد، غير أني كنت في الحقيقة أهتم برأيها وحدها، دون سواها، وهي في كل مرة كانت تستحثني السير بثبات في طريقي بحسابات دقيقة واستراتيجية واضحة…والحق أني أخذت برأيها ولم أطرحه جانبا.
تملكتني الرهبة، دنت ساعة الفراق وما تفضي إليه من أرق البعاد، قبل أن أودعها في طريقي إلى البحث عن فندق رخيص يأويني وأحلامي، حذرتني من المرور ببعض الأماكن الخطرة، دلتني على محطة الطاكسيات الكبيرة، انطبقت شفتاها دون أن أسمع شيئا أي شيء، اقتحمت ظلام أزقة خالية من جديد، راعني أن أغلب مساكنها مؤلفة من خمسة طوابق لاينطلق منها نور وقد حاصرتنا هذه البنايات المظلمة طوال مدة غدونا ورواحنا، لا أعرف كيف انتابني شعور بأنها تداري شيئا ما، وهو ما دفعني إلى أن أبحث عن حدود اللذة بالقرب من نافذة مفتوحة على وهج شمس مزقتها دكناء الليل، أيكون قدري لهذا السبب، أن أحترف مهنة الالتفاع برداءات الوهم الشفيفة؟ فما حاجتي إذن إلى البحث عن سر الأيقونة؟ وهذه السعادة، إلى متى تدوم؟
خرجت من ضباب الخواطر المتواردة قرب حديقة مهجورة بمجرد ما أن استنشقت عطر الضوء، لمست كفيها الباردتين، سألتني أن أمدها بدعواتي كما كنت أفعل دائما… تذكرت أن شفتيها لم تلمسا قط فنجان القهوة، قطعتا السكر بقيتا بلا ذوبان، تجاهلت الحدث بسرعة حتى لا يتحول إلى قضية، قلت:
- سأهنؤك في آخر السنة بالنجاح.

  مشاركة رقم : 2 (الرابط)  
قديم 07-04-2009, 12:40 AM
الصورة الرمزية محمد داني
مشرف حوار النصوص و قسم التربية و النعليم

رقم العضوية : 258
تاريخ التسجيل : May 2008
المشاركات : 2,293
بمعدل : 3.44 يوميا

محمد داني غير متصل عرض البوم صور محمد داني



كاتب الموضوع : صخر المهيف المنتدى : الروايـة
افتراضي

فنية في السرد سنكونلي وقفة مع روايتك كاملة سي المهيف
محبتي

  مشاركة رقم : 3 (الرابط)  
قديم 07-25-2009, 12:54 AM
الصورة الرمزية صخر المهيف


رقم العضوية : 1741
تاريخ التسجيل : Apr 2009
الدولة : أصيلة _ المغرب
المشاركات : 432
بمعدل : 1.36 يوميا

صخر المهيف غير متصل عرض البوم صور صخر المهيف



كاتب الموضوع : صخر المهيف المنتدى : الروايـة
افتراضي

أخي محمد
إذا شئت سأبعث لك بها كاملة على بريدك الإليكتروني
لكن
كن حذرا، فهي طويلة جدا
أشفق عليك من قراءتها على الشاشة ة
لك كل المودة والتقدير

إضافة رد


مواقع النشر
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
عبق أنثى غير عادية.. ندى يزوغ النثر الفني 10 09-22-2009 10:13 PM
قصة حب غير عادية : الجز الثاني صخر المهيف الروايـة 3 07-25-2009 12:55 AM
قصة حب غير عادية: الجزء الأول صخر المهيف الروايـة 2 07-02-2009 06:01 PM
حالة عادية .. جدا أحمد السقال القصة القصيرة جدا 31 06-18-2009 12:49 PM
3-فئران وقط :(الجزء الثالث والاخير) مصطفى طاهري القصة القصيرة 4 09-28-2008 03:58 AM

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الساعة الآن 01:39 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.7.4, Copyright ©2000 - 2010