هون عليك فلا هناك ولا هنا
وجهاً لوجهٍ قلْ لموتك ها أنا
ضعْ عنك عبأك، والقَ خصمك باسما
فعلى جسارته يهابُ لقاءنا
إنْ لم يكن في العمرِ إلا ساعةً
علمْ حياتك كيف نُكرِمُ موتنا؟!
لا تنتظر خصماً أقل شجاعةً
وارفع جبينكَ مثلما عودتنا
تتبرجُ الدنيا، ونكسر كِبرَها
ونقول: يا حمقاءُ غري غيرنا
لا نستجيرُ من الجراحِ، وإنما
من فرْط نخوتنا نجير جراحنا
لم يرتفع جبلٌ أمام عيوننا
إلا لنرفع فوقه أكتافنا!!
إنّا وقد نهب الظلام نجومَنا
نهدي الصباحَ لمن سيأتي بعدنا
في زفرةِ الفرسِ الأخيرةِ قبلما
يأتي اعتذارُ الموتِ عن موت المنى
سنقول للرحمن جلََّ جلاله
فلتعطنا موتاً يُليق بمثلنا ..
يا طائر الغربات عُشك موحشٌ
فاهدأ لعلك يا غريبُ.. لعلنا....
سيقول طفلٌ ما لدمعةِ أمه:
ساعي البريد غداً سيطرقُ بابنا
سأنام كي يأتي الصباحُ مبكرًا
وسنشتري لُعباً، ونخبز كعكنا
الطفل أصبح شاعرا- نمْ يا ضنايا..
وأباً، وظل الحلم غضاً لينا!!
عشرون عاماً في انتظار الملتقى
ثم التقينا، كي نُتِم وداعنا
هون عليك، وأعطِ موتك فرصةً
واشكرهُ أن وهب اغترابك موطنا
يا نائياً عني بمترٍ واحدٍ
الآنَ وسَّعتَ المسافة بيننا..
نلتفُ حولك، نحن حولك يا أبي
فابسط عباءاتِ الحنان وضمنا
قلْ مرحباً، قلْ أي شيءٍ طيبٍ
لا تترك الكابوسَ يُفسدُ حلمنا
كنا نرى الآباء حول صغارهم
نشتاق أن تأتي، وأن تحكي لنا
(يا ما انتظرتك، وانتظرتك يا أبي
الآنَ بادلني الحديثَ مُكفَّنا!!
زرنا، ولو في كل عامٍ مرةً
واجلسْ قليلاً كي تدبر حالنا
جئْ ضاحكاً، أو ساخرًا، أو غاضباً
دللْ طفولتنا، وعاتب طيشنا
سمرٌ شتائيٌ، وشايٌ ساخنٌ
وسُعالك الحنَّان يؤنسُ بيتنا
أخشى من النسيان، قد يأتي غدٌ
وتصيرُ وحدَك في الغيابِ ووحدنا!
إنا قصائدُك الجميلةُ يا أبي
الله أبدعنا، وأنتَ رويتنا
نثرٌ هي الأيامُ .. نثر باهت
وتصيرُ شعرًا كُلما اتقدتْ بنا!!
يبقى معي منك الحياة قصيدة
والموتُ شعراً زالخلود مؤذنا
أتأملُ "الحداد" في ستينهِ
قمرًا جنوبياً يرنقُ حولنا
ويقول: يا ولدي تعبتُ فخذ يدي:
ثَقُلَ الحديدُ عليَّ والظهر انحنى
أنصتُ لصوتي فيكَ صدقا جارحا
فالموتُ يعجز أن يبدل صوتنا
لا تحمل اسميَ فوق صدرك صخرةً
أسماؤنا وطنٌ يعمره السنا
كُن ما أحبك .. كم أحبك فارسا
لا ينحني فقرًا ولا يطغى غنى!!
لا يشبه الشعراءَ، يشبه شعرَه
إن البناء الفذ يُشبِهُ من بنى
لا دمع يبقى .. كل دمع زائل
إلا الذي بالحب يغسلُ صدرنا
دمع المناحةِ –دائما- متأخرٌ
في نطفةِ الميلادِ نحملُ حتفنا
هَوّنْ عليك
ثلاثون عامًا تمرُّ الظباءْ
بطاءً سراعًا سراعًا بطاءْ
تسابق في ركضها الشاعريِّ
ثلاثين "إلياذةٍ" من دماء
ثلاثون عامًا وفي القلب وهم
ٌ وفي الغيب سهم وفي النبع ماء
سينهمر المسك يا صاحبي
فقل للينابيع: إن الظباءْ...
ستركض حتى فناء الشهود
ونركض حتى شهود الفناء
وقفنا لنضبط أنفاسنا
فهرولتِ الأرض تحت الحذاء
لقد نضجَت نار طبَّاخهم
ولن يحضر الطيبون العشاء
يُخيَّل لي أن أختي "الحياةَ"
تتبِّل بالسمِّ هذا الشواء
تذكرت، سرنا معًا ذات "شعرٍ"
فقيرَين مهنتنا الكبرياء
على بعد "موتين" من ذاتنا
على بعد "عمرين" ممَّا نشاء
بعيدَين عن أمنا يا ابن أمي
نشمِّس أيامنا في العراء!!
نُرَاعُ إذا مرَّ ذئب النُّعاسِ
ونُنْشِبُ أظفارَنا في الهواء
ولاَ نجمةٌ في سما الآخرين
تسامرُنا في ليالي الشتاء
كعادتِنا لا نُطيل الوداع
لنشعر أنَّا نُطيلُ اللقاء
تَنَاجَى الغريبانِ: - كيف العراق؟
عَصِيٌّ على الموتِ والإنحناء
مَدِين بحصَّته في العذاب
وقد يُحسِن المستدين الوفاء
من الصخر يطحن بعض الدقيق
ويصنع من غيمتين الحساء
ويسقي الصغار حليب "النجوم"
يطبِّبهم بحبوب "الدعاء"
على نغمات سقوط القنابـل
يضبط إيقاعه في الغناء
ويرفع عن قاتليه الغِطاء
ويشعل "فانوس" آلامه
صرختُ به: هل تركتَ العراق؟
فجرَّ حقيبته في حياء
معي في الحقيبة قبضةُ طين
وشتلة نخل ونهرُ بكاء
سأزرع في كل شبرٍ عراقًا
يرحِّب بالأهل والأصدقاء!!
سيتَّسع الجرح يا صاحبي
إلى أن يضيق عليه الفضاء
لقد بدأ العرس، هيِّئ دماءكَ
وادخل مَهِيبًا إلى كربلاء
بعيدٌ هو الماء فاكسر إناءَكَ
كي تتكلم فيك السماء
على عتبات السَّنا شُفتَني
وناولتَني خرقة الأولياء
- لنا خطوة البدء يا صاحبي
وليس لنا خطوة الإنتهاء
تـمتَّع بأول نجمة صبح
بأول شمسٍ تزور المساء
بلسعة أولِ موجة بحرٍ
بأول تنهيدة للنساء
بأول صوت يقول: بلادي
فيشعر أن التراب استضاء
بأول عاصفةٍ من حنين
على راحل في مهب الشقاء
بأول جائزة لم تنَلْها
لكي تتعلَّمَ درسَ العطاء
بأول جرعة حُرِّيَّةٍ
نفوز بها ميِّتِين، ظِمَاء!!
ثلاثون... لا، لن أعُدَّ الظباء
ولن أسأل السهم من أين جاء
-لنا الخوفُ -نام "الخطا" مطمئنًّا
-لنا الليل -للمُظْلِمين الضياء
- لنا الموتُ - غرفة نومِ الملوك
-بلا حرس وطبيبٍ ودَاء
نخلِّد في أشرف الأمَّهات
بياضَ الرُّؤَى في سواد الرِّدَاء
نعطِّر شَيبةَ آبائنا
بما سال من عَرَقِ الأنبياء
هنيئًا لِمَن علَّموا الأبجديَّــةَ
كيف تُضيفُ إلى الحاءِ باء