أنت غير مسجل في منتدى مطر . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا
آخر 10 مشاركات
صباح الخير يا مطر (الكاتـب : سعاد بني أخي - آخر مشاركة : نعيمة بدري - مشاركات : 3431 - )           »          صورة (الكاتـب : محمد داني - آخر مشاركة : نعيمة بدري - مشاركات : 25 - )           »          Le temple du silence (الكاتـب : شيماء الشامي - آخر مشاركة : أمينة بن العربي - مشاركات : 3 - )           »          كويكب بن حب (الكاتـب : حسام الدين خلاصي - مشاركات : 4 - )           »          الوردة و الرواء (الكاتـب : محمد العروسي العقاب - مشاركات : 6 - )           »          طلة مساء (الكاتـب : محمد داني - مشاركات : 10 - )           »          نشيد الغموض (الكاتـب : محمد بوحوش - آخر مشاركة : محمد داني - مشاركات : 1 - )           »          وكنتُ على عَجل/ الدكتور مصطفى الشليح Traduction (الكاتـب : أمينة بن العربي - مشاركات : 6 - )           »          المقهى / محمد علي الرباوي (الكاتـب : محمد علي الرباوي - آخر مشاركة : محمد داني - مشاركات : 1 - )           »          بعد رحيلي (الكاتـب : ماجد صافي - آخر مشاركة : محمد داني - مشاركات : 1 - )


العودة   منتدى مطر العودة سرديات العودة حوار السرد

إضافة رد
   
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  مشاركة رقم : 1 (الرابط)  
قديم 07-04-2009, 08:21 AM
الصورة الرمزية محمد الأسعد

رقم العضوية : 2217
تاريخ التسجيل : Jul 2009
المشاركات : 12
بمعدل : 0.05 يوميا

محمد الأسعد غير متصل عرض البوم صور محمد الأسعد



المنتدى : حوار السرد
افتراضي هاروكي موراكامي يكتبُ حلماً

هاروكي موراكامي يكتب حلماً:
في تلك العتمة رأيتُ المطر يتساقط على البحر

محمـــــــد الأسعــــــــد




تعلق اسم هذا الروائي الياباني، هاروكي موراكامي، بذاكرتي منذ روايته " الغابة النرويجية" الأشد كثافة من رواياته اللاحقة. ربما كان السبب صورة الغابات البعيدة في أقصى الشمال، أو ذلك الاكتظاظ وهو يحشد أمكنة وأزمنة في حيز ضيق ظاهرياً، ولكنه يضفو دائما ويتسع ويمتد إلى ما وراء النص ذاته. أو قد يكون السبب أنني قرأته على خلفية روائيين يابانيين آخرين يتجمعون مثل نساك معزلين تحت ضوء شاحب، كاواباتا، تانازاكي، ميشيما، أو خلفية شعراء القصيدة القصيرة المأهولة المسماة" هايكو"، فوجدته يحاول القبض على عالمين؛ عالم يابان الأشياء الصغيرة الملتمعة بأفكار كونية بسيطة بساطة نادرة، وعالم معاصر صاخب، عالم الآخر الغربي الذي اقتحم حضارة الظلال ومراسم تقديم الشاي وتنسيق الزهوروعزلة معلمي بوذية الزن بمطاراته وموسيقاه والحاحاته وأسواق اسهمه الباحثة عن معنى.
قد يكون موراكامي كل هذا، إلا أن المحور دائماً هو السقوط بين عالمين، يبدو الإنسان في أحدهما ملتمعاً بالشعرضاجا بالحياة، ويبدو في الآخر مستضاءا بنور عامود كهرباء أو أضواء سيارة عابرة، حزينا تراوده رغبة غير مفهومة بالموت.
بين يدي الآن روايته" جنوب الحدود،غرب الشمس" ، وبين يدي الاكتظاظ ذاته رغم أن خيوطه السردية توحي بالعكس، بقصة حب رومانسية كما يقول أحد نقاده، أو هي كل هذا مع ثقل هم وجودي باحث عن حكمة في كل شيء عند ناقد آخر.
سأبدأ بما لفت نظري أولا، بملحوظة كتبها " أمير حسين" في الاندبندنت البريطانية:
" يكتسب هذا النثر البسيط وهجا يرفعه إلى مصاف الشعر".
وملحوظة كتبتها " هيلين رومبيلو" على صفحات التايمز:
" إنها أشبه بكتابة حلم، تمتلك مشاهده لمعة القصيدة".
هذه ليست المرة الأولى التي أصادف فيها من يجعل الشعرية امتيازا لرواية، فقبل ذلك صادفتُ مقولة عجيبة يفسر فيها ميلان كونديرا عظمة رواية الكولومبي " غارسيا ماركيز"، مائة عام من العزلة، بالقول أنها شعر خالص. وصادفتُ مقولة أعجب يقول فيها الارجنتيني" بورخيس" أن الشاعر هو الروائي الفذ.
وددتُ أن ألفت النظر إلى هذا وأرفعه مقابل الإشاعة العربية "النقدية" التي نسمعها أحيانا حين ينظر بعضهم إلى الشعرية بوصفها نقيصة في الإبداع الروائي، لاسمة من سمات الإبداع الروائي. ويتواصل تعميم هذه الإشاعة من دون أن يتقدم أحد حتى بتقرير بسيط يسندها ويخرجها من مجرد هراء نقدي لاقيمة له إلى شيء يمكن الدفاع عنه على الأقل.
الشعرية رافعة أساسية، ليس بوصفها وسيلة تعويض عن نقص كما كتب الراحل "جميل حتمل" ذات يوم تعليقاً على روايتي" أطفال الندى"، بل بوصفها أسلوب بناء راق يعلو بالسرد فوق آليات التقرير الصحفي وتسجيل الحكايات لمجرد الحكي. في هذا الأسلوب تنتقل اللغة من وظيفتها المشاع إلى وظيفة دالة أكثر خصوصية تحمل بصمة فكر وشعور خاصين بكاتب محدد، وينتقل الكاتب بهذه الخصوصية من المعنى إلى ما وراءه، إلى معنى المعنى بتعبيرالرائد عبد القاهر الجرجاني.
الشعرية أسلوب رؤية وليست هي النظم الشعري أو العبارات الهلامية المسماة" شعرية". ويبني هذا الأسلوب الأحداث الروائية بالطريقة نفسها التي يبني فيها المعماري صرحاً، أي بوابات وممرات وقاعات وطوابق ونوافذ،وبالطريقة نفسها التي ينحت فيها النحات تمثالا، أي جسدا ملموساً لامجرد كلمات مزجاة بأي طريقة، مثل تلك الطرق التي تفيض فيها الكلمات من دون مادة ملموسة أو مغناطيس يجمع شتاتها العاطفي والفكري.


* * *

هنالك حكاية بالطبع يمكن متابعة أحداثها وتقلباتها كما نتابع أي حكاية؛ عاشقان في الطفولة انفصلا منذ زمن طويل، يلتقيان مرة أخرى، فيعود الحب البريء مرة أخرى، ليس كما كان بل كما أصبح بعد كل هذه السنوات، أي رغبة مدمرة لاتنطفيء. نشأ هذان في الضواحي في يابان مابعد الحرب العالمية الثانية. وبدا لهاجيمي، راوية الحكاية، أن لدى كل إنسان إخوة وأخوات ماعداه، فقد كان وحيد أبويه، وكانت رفيقته الوحيدة شيماموتو، وحيدة أبويها أيضاً، والمصابة بعرج خفيف بسبب شلل الأطفال. ويقضي الصغيران ظهيرات طويلة يستمعان إلى تسجيلات موسيقية في مكتبة والدها. وما أن تنتقل عائلة هاجيمي إلى مكان آخر حتى يفقد الاثنان صلة بعضهما ببعض.
كل هذا الزمن مستعادٌ، لأن هاجيمي الآن في الثلاثينات من عمره، وقد وجد سعادته بعد أكثر من عقد من التقلب مع زوجة محبة وطفلتين، وإدارة ناجحة لمشرب تعزف فيه موسيقى الجاز. في هذا الجو تظهر شيماموتو ذات أمسية ممطرة، جميلة ومكتنزة يلفها سر غامض، ولكن من دون ذلك العرج في الطفولة. هاجيمي مقذوفا إلى الماضي يواجه خطرأن يفقد كل مالديه في الحاضر.
بين هذين العالمين مرة أخرى، ماضيه وحاضره، وربما ماضي اليابان وحاضرها مواربة، لاتكتسب الرواية قيمتها من هذا السرد فقط، بل من مستوى آخر ضافٍ لايتركها إلا ليعود إليها، هو مستوى الشعرية، إي المستوى الذي يرتفع فيه الحدث من كونه لقطة عدسة تصوير عمياء، إلى كونه تشكيلا مفعما بترابطات أزمان وأمكنة متعددة، وشخصيات متنوعة الوجوه والمصائر، تشدها حساسية تجاه الطبيعة وأسئلة الوجود الكبرى، وتضعها تحت شمس أخرى لانألفها إلا في الأحلام.
في البداية، مع موسيقى وأغاني الشهير " نات كنج كول"و " بنج كروسبي"، لايدرك الطفل العالم إلا إدراكا غامضا:
" كانت أغنية " جنوب الحدود" عن المكسيك، ولكنني لم أكن أعرف آنذاك. لكلمات مثل جنوب وحدود رنين جذاب وغريب، وكنت مقتنعاً أن شيئاً ما رائعا يوجد هناك جنوبا وراء الحدود.. هذه موسيقى من عالم آخر له جاذبيته، وأحببتها أكثر لأنها كانت جزءا من ذلك العالم"
وهناك ابتسامة شيماموتو :
" لم تتذمرأو تنتحب أبداً في يوم من الأيام، ولم تصدر عنها علامة على ضيق من المفروض أن تشعر به. كانت تبتسم في كل الظروف. بل وتتسع ابتسامتها كلما ساءت الأمور. أحببتُ ابتسامتها. إنها تريحني وتشجعني، كانت ابتسامتها تقول لي" سيكون كل شيء على مايرام". وبعد سنوات، وكلما فكرتُ بها، كانت ابتسامتها أول ما يخطر ببالي".
ثم هذه اللمسة، لمسة اليد الصغيرة:
" لم يغادرني الشعور بلمسة يدها أبداً. كانت يدها مختلفة عن أية يد أخرى أمسكتها. مختلفة عن أية لمسة عرفتها. كانت مجرد يد صغيرة دافئة لفتاة في الثانية عشر من العمر، ومع ذلك كانت تلك الأصابع وذلك الكف شبه واجهة خزانة عرض تختزن كل شيء أود معرفته، كل شيء عليّ معرفته. بأخذها ليدي أطلعتني على مكان وجود هذه الأشياء، وعلى أنه يوجد في العالم الواقعي مكان مثل هذا. في فضاء هذه الثواني العشر اصبحتُ طائراً صغيراً يرفرف بجناحيه في الهواء والريح تندفع بجواره. ومن مكان عال في السماء كنت أستطيع رؤية مشهد بعيد، بعيد إلى حد أنني لم أتبينه بوضوح تام، إلا أنه كان هناك، وعرفت أنني سأرحل إلى ذلك المكان ذات يوم".
الموسيقى والابتسامة التي لاتغيب واللمسة التي فتحت أمام عينيه أفقاً ينتظره، هي ما سيجعل هذين اللذين نشأ كلاهما وكبر منفصلا عن الآخر، هذين الكائنين الشبيهين بشظيتين ، يحدقان في المشهد نفسه:
"احتلت مكانا خاصا في قلبي لزمن طويل رغم يقيني أنني لن أراها أبداً.. لقد تخيلتُ ، مرهف الأذنين ومغمض العينين، وجود مكان معين، مازال غير كامل، ضبابي ، غير متميز، خطوطه الخارجية مبهمة. ومع ذلك كنتُ واثقاً أن شيئاً ما حيويا حيوية مطلقة كان في انتظاري هناك. وعرفت هذا: شيماموتو تحدق في المشهد ذاته. كلانا مازال كائناً متشظياً، نبدأ بالإحساس بحضور واقع غير متوقع يجب امتلاكه، واقع سيجعلنا كلا واحداً. لقد وقفنا أمام باب لم نره من قبل، وحدنا معا تحت ضوء لامع، يدانا متماسكتان بقوة طيلة عشر ثوان عابرة".


* * *


لم تكن حياة هاجيمي في هذا الزمن الذي فصله عن الطفلة شيماموتو خالية من حضور أناس آخرين، فقد عرف في سن البلوغ شابة أخرى تدعى" إيزومي" أو النبع الجبلي، لم يلبث أن تركها إلى الجامعة بعد أن جرحها جرحا عاطفيا عميقا، وعرف أخريات منجذبا إلى ماسماه الشيء المطلق العميق، تماما مثلما لدى بعض الناس حب سرّي لعواصف قوية أو زلازل وعتمة، لا إلى الجمال الخارجي الذي يمكن حسابه وقياسه. ولكن ماشأن هذا الميل إلى المطلق بحياة ويوميات عادية؟ إن العلاقة بينهما تكاد تكون مقطوعة، ويعبر عن هذا قوله:
" كنت أعيش حياة إنسان آخر، لم أكن أعيش حياتي. فكم من هذه التي أدعوها ذاتي هي " أنا" بالفعل؟ وكم منها ماهو ليس كذلك؟".
ظل الماضي يهاجمه في مشربه الذي يديره، وفي بطاقة تصله لحضور جنازة صديقة قديمة، وفي رؤيته لإمرأة تشبه شيماموتو يظل يتابعها عن بعد من دون أن يقطع هل هي بالفعل أم لا. وتتعمق تساؤلاته بخبر يصله من صديق قديم عن " إيزومي" يضعه أمام مشهد جديد للحياة لم يكن يخطر بباله. "إيزومي" تلك التي جرحها ذات يوم رغم أنه وعدها أنه لن يؤذيها، تعيش وحيدة صامتة يخيف "وجهها الأطفال" ولم تعد" جذابة". مامعنى هذا؟ لايشرح الصديق، ولكنه يقدم له موعظة غريبة: "حسناً..السنواتُ تغير الناس بطرق عديدة.. أليس كذلك؟ لاأعرف ماذا كان بينكما، ولكن مهما كان ما بينكما الأمر ليس خطأك. إلى هذه الدرجة أو تلك، كل إمريء مر بهذا النوع من التجارب.. حتى أنا. أنا لاأمزح.لقد مررت بالأمر نفسه. ولكن لايمكنك عمل شيء. حياة كل شخص آخر هي حياة ذلك الشخص. لايمكنك أن تكون مسؤولا عنها. يبدو الأمر كما لو أننا نعيش في صحراء، وما عليك سوى أن تعتادها".
ويضيف الصديق:
" هل رأيت فيلم ديزني ذاك في المدرسة الإبتدائية، فيلم الصحراء الحية؟"
فيجيب:" نعم".
وهنا يشرح له معنى الصحراء الحية:
" عالمنا مثلها بالضبط، يتساقط المطر، وتزهر الأزهار،وحين يتوقف المطر تذبل. تأكل السحالي البق، وتأكل الطيور السحالي.. ولكن الكل يموت في النهاية. أنهم يموتون ويجفون. يموت جيل، ويحل محله جيل آخر.. هكذا تمضي الأمور؛ طرق عديدة مختلفة للعيش وطرق عديدة مختلفة للموت، ولكن لايُحدث هذا أدنى فرق في النهاية. ما يبقى من كل هذا صحراء".
تشغله هذه الصورة حتى آخر الرواية، وسيستعيدها حين تطالبه زوجه بأن يقرر مإذا كان يريد أن يبقى معها أم لا إثر اكتشافها أنه يقف على الحافة بين حاضره مع طفلتيه وزوجه وبين ماضيه الذي انبعث مع شيماموتو العائدة ذات ليلة ممطرة، ولكن على هيئة عاطفة جامحة ومدمرة.
أما الآن فقد فتح حديث صديقه عن " إيزومي" مشهداً للوجود مغايرا لأي إمتلاء كان يمكن أن يشعره به عمله وبيته وحتى موسيقى الجاز التي تضج من حوله:
" في الطريق جلستُ على حافة سياج وراقبتُ غراباً ضخماً ينعب من على قمة عمود إنارة. شوارع مابعد الرابعة في منتصف الليل بدت رثة وقذرة. شبح التآكل والتفكك يجثم في كل مكان، وكنتُ أنا جزءا من هذا التفكك مثل ظلّ على جدار".
ويتقاطر عليه أصدقاء الماضي بعد أن يظهر إعلان عن مشربه مرفق بصورته، إلا أنه لايهتم بما جاؤا به من موضوعات، ويشعر أنه بعيد عنها زمانا ومكاناً. إضافة إلى أن أي شيء تحدثوا عنه أعاد ذكريات"إيزومي"، وجعلته كل إشارة إلى مدينته يتصورها وحيدة في تلك الشقة الكئيبة. لم تعد" جذابة"و" الأطفال يخشونها":
" لم استطع أن أخرج هاتين الصورتين من دماغي، وحقيقة أن إيزومي لم تغفر لي أبداً".
ثم توقف سيل الأصدقاء، ونسي الإعلان، لتصل الرواية إلى الذروة المنتظرة، إلى لحظة ظهور آخر الأصدقاء.. شيماموتو:
ـــ هل فكرتَ بي؟
ـــ دائماً !
ـــ أنا فكرتُ بك أيضاً.. كلما شعرتُ بأنني في حالة سيئة.. كنتَ الصديق الوحيد الذي عرفته يا هاجيمي!
بهذه العبارات البسيطة قطعا مسافة شاسعة فصلت بينهما حين كانا طفلين، وقبل أن يدرك أي واحد منهما إلى أين كانت تشير الأغاني التي أحباها، و تلك اللمسة التي لاتنسى، وتلك الابتسامة.
مسافة شاسعة وعودة على غير انتظار، وكلمات بسيطة قالت كل شيء يمكن أن يتوقعه القاريء بلا عاطفية مضحكة أو عواطف جياشة. كانا ناضجين كما لو أنهما انضجا كل تلك السنوات لمثل هذه اللحظة.
حين ودعها سألها" هل سأراك؟"
ـــ ربما !
وابتسمتْ ابتسامة يشبهها الآن بخيط دخان ضئيل يتلوى ويندفع نحو السماء هادئا في يوم ساكن يخلو من الهواء. ربما لخفة وبساطة الكلمات التي قيلت كأنما في حلم. وإلا هل يمكن أن يتصور إنسان لقاء بعد كل هذه السنوات يجري كما لو أنه مشهد في فيلم من أفلام السينما الصامتة؟ ألن يكون وهماً؟:
".. بعد خمس دقائق خرجتُ إلى الشارع. ما زال المطرينهمر، ولم تكن شيماموتو هناك. كان الشارع خالياً. ربما كان اللقاء وهماً. فكرتُ. وقفتُ هناك زمنا طويلا أحدق بالمطر وهو يجتاح الشارع. مرة أخرى عدتُ صبياً في الثانية عشرة من عمره يتطلع ساعات إلى المطر. أنظرْ إلى المطر مدة طويلة من دون فكرة في رأسكَ، وستشعر تدريجيا بجسدك ينحلّ، يتحرر من واقع العالم. للمطر قوة تنويم مغناطيسي".



* * *


في هذا الجو الذي انتقل إليه هاجيمي لاتعود الأشياء إلى سابق عهدها، حتى لو أردنا ذلك. لا يكتسب ماحولنا معنى حتى لو عدنا إلى الجغرافية الواقعية التي كانت قبل هذا اللقاء. الأمر ليس عودة الماضي الغائب بل رحلة طويلة إلى أنفسنا التي رحلنا إليها ولم نعد نجدها. وتحمل عبارة" أنا أعيش حياة إنسان آخر" التي ستفاجيء هاجيمي، كما تفاجئنا، نحن الذين نبدأ بالتخلص من الخدعة التي أوقعتنا بها خيوط الحكاية الساذجة عن طفلين عاشقين افترقا مبكراً، ملخصا لهذا المسار الذي سار فيه الطفل الوحيد على هدى أفق وعالم أدرك إدراكا مبهما أنه هناك، جنوب الحدود أو غرب الشمس. ولن يعرف ماتعنيه عبارة غرب الشمس إلا حين تشرحها شيماموتو وهما يجلسان في المشرب ذات أمسية من تلك الأمسيات التي كانت تظهر فيها فجأة آتية مع رائحة المطر.
غرب الشمس، كما تشرح شيما موتو، هي الأراضي التي يتوقع سكان سيبيريا أنها هناك وراء الأفق، ومع بياض الصقيع الممتد بلا نهاية ودوران الشمس وغيابها غرباً، يصاب ساكن تلك المناطق بما يسمى الهيستيريا السيبيرية، هيستريا الرغبة المحمومة في معرفة ما يقع هناك حيث تغرب الشمس، فينطلق فوق صحراء الجليد غرباً لأيام وأيام تنتهي به إلى الموت. قد يكون الأمر أمر السراب المعروف الذي يحسبه الظمآن ماء "حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه" (سورة النور/الاية 39). وقد يكون شرح شيما موتو محاكاة لهذا الصوت الكوني الآتي من الأقاصي.
لاتعود الأشياء إلى سابق عهدها، وهو يعرف ذلك جيدا. صوت شيما موتو هو الذي يسمعه دائما يتردد:
" بعض الأشياء، ما أن تمضي قدماً، لايمكن أن تعود إلى الوراء أبداً، إلى بدايتها ياهاجيمي".
حين تغادر من دون يقين في عودتها، يجد نفسه أمام مايشبه خواء الوجود:
" تتلاشى أصداء الموسيقى
تتركني وحيداً
وفي تلك العتمة الناعمة
يواصل المطر تساقطه من دون صوت"
هذه مساحة للخيال بعثها ظهور شيماموتو، ففي العمل الممل كما يقول لامكان للمخيلة، تشعر أنك تتضاءل، وأنك ستختفي. ولكن هناك في المشرب عليك أن تستخدم مخيلتك لتحيا.
وفي كل مرة كانت تغادر فيها مع عبارة" ربما أعود" أو " سأغيب بعض الوقت"، ملتفة بغموضها لاتسمح له بمعرفة ما جرى لها في غيابهما، ولا كيف تعيش الآن، وإلى أين تذهب، تتحول هذه المحبوبة إلى حلم يجتهد لاستعادته:
" لن أراها مرة أخرى أبداً إلا في الذاكرة. كانت هنا والآن ذهبت. ليس هناك أرض وسطى. " ربما " هي كلمة قد تجدها جنوب الحدود، ولكن ليس غرب الشمس"
اللايقين.
إنه حب محيّر، لم ينشأ في الماضي ولا الحاضر بل في أرض اخرى أقرب إلى الأرض الخيالية:
" قلتُ لها.. أحياناً حين أنظر إليك أشعر أنني أحدق بنجمة بعيدة. إنه لأمرٌ محيّر، ولكن الضوء يجيء من عشرات السنين الماضية. ربما لم تعد النجمة موجودة، ومع ذلك يبدو هذا الضوء أحيانا أكثر واقعية بالنسبة لي من أي شيء آخر.
لم تقل شيماموتو شيئا، فواصلتُ .. أنتِ هنا . على الأقل تبدين كما لو أنكِ هنا. ربما هو مجرد ظلكِ: أنتِ الحقيقية ربما في مكان آخر، أو ربما أنتِ اختفيتِ منذ زمن بعيد جداً. أمدّ يدي لأرى، ولكنك تخبئين نفسك وراء غيمة من الاحتمالات. هلى تعتقدين أننا سنستمر هكذا إلى الأبد؟"
ويصبح الأمر أسوء حين يفقدها تماما ويظل المطر ينهمر:
" وعندئذ يصدمني وهم أن شيماموتو ستظهر، تفتح الباب بهدوء جالبة معها رائحة المطر".


* * *

يتردد هاجيمي مع هذه الأسطورة زمنا بين الوهم والواقع، كما ترددنا هذه العبارة بين اليقين واللايقين:" الناس نيام فإذا ماتوا استيقظوا"، عبارة ترددت في وديان نساك الصين البعيدة وسمعها بداة تتلى عليهم تحت شمس صحراء الجزيرة العربية. ولايبدأ هاجيمي الاقتراب من الأسطورة إلا في حدثين كلاهما أشبه بمشهد درامي في مسرحية مأساوية .
في الحدث الأول تطلب منه أن يأخذها إلى أي نهر يعرفه يصب في البحر، فيرحل معها طيلة يوم كامل، متعللا أمام زوجه أنه ذاهب إلى دعوة من أصدقاء. وهناك في سكون غابة وعلى طريق مهجور تتناول من حقيبتها قارورة يحفظ فيها اليابانيون رماد موتاهم، ثم تذرّيها فوق مياه النهر آملة أن يحملها النهر إلى البحر، ومن هناك تصعد مع البخار وتتشكل غيمة ممطرة. وسيعرف منها شيئا واحداً؛ أن الرماد الذي نثرته هو رماد طفلها الوحيد الذي توفي بعد يوم من ميلاده. أما التفاصيل فتظل مغلقة دونه.
يقع الحدث الثاني، والذي يأتي في النهاية، ويتخيل القاريء للحظة أنه سيفك مغليق سر هذه المرأة، في كوخ هاجيمي الصيفي. كانت قد ظهرت أمام بوابة المشرب ذات أمسية ومعها هدية؛ اسطوانة أغنية نات كنج،جنوب الحدود، غرب الشمس، فيقترح عليها أن يستمعا إليها سوية، ويذهبان إلى الكوخ المنعزل سوية بالسيارة. كان قد اتخذ قراره بالفرار من واقعه إلى هذه الاسطورة، ولن يفهم إلا في مابعد لماذا سألته عن ماذا سيحدث لو أمسكت بمقود السيارة وتسببت في انزلاقها إلى الوادي. وحين يستيقظ صباحا بعد ليلة حب محموم تعرف فيها على جسدها وتعرفت على جسده لايجدها. لقد غادرت بلا كلمة وأخذت معها الاسطوانة. يستغرب وبخاصة وأنه في تلك الليلة أخبرها انه سيكون لها وقالت أنها ستكون له، سيكون لباسا لها وستكون لباسا له. لم يسعفه المنطق في تفسير سلوكها، ولن يسعف القاريء أيضا. ويظل طيلة أسابيع يعيش على ما يتذكر:
" استمع إلى كلماتها.. معي لاتوجد أرض وسطى، لاتوجد أشياء في منطقة وسطى، ولأن لاوجود لمثل هذه الأشياء، فليست هناك أرض وسطى.. تذكرتُ عينيها وهي تحدق بي في السيارة، تلك النظرة المحدقة أحرقت وجنتي. كانت أكثرمن مجرد نظرة. كانت رائحة الموت ترف فوقها. كانت تخطط لتموت! ذلك ما جعلها تأتي إلى الكوخ الصيفي لتموت معي.
ـــ سآخذ كل ما فيكَ. هل تفهم هذا؟ هل تفهم ما يعنيه هذا؟
حين قالت شيماموتو هذه الكلمات أرادت حياتي. الآن فقط فهمتُ. لقد خططتْ للإمساك بمقود السيارة في طريق العودة إلى طوكيو لتقتل كلينا. لم يبق لديها خيار آخر. ولكن أوقفها شيء ما. وأبقت كل شيء في أعماقها واختفت! لماذا كان الموتُ هو المهرب الوحيد؟ اختفت مع أسرارها فحسب، بلا " ربما" أو " بعض من الوقت". انسلت الآن بصمت."
ما يبقى منها صوتها الذي يظل يتردد طيلة أسابيع في ذهنه، وهذا الهاجس:
" لن أراها مرة أخرى إلا في الذاكرة! كانت هنا والآن ذهبت. لاتوسط في الأمر. قد تجد كلمة" ربما" جنوب الحدود، ولكن ليس غرب الشمس أبداً .. أبداً"
ويعود إلى حياته، او إلى حياته وهي تمر على السطح كما هي العادة:
"حياة خاوية بلا معنى.. ويسوء الأمر أكثر حين ينهمر المطر، وعندئذ يصدمني وهم أن شيماموتو ستظهر؛ تفتح الباب بهدوء جالبة معها رائحة المطر"


* * *

هذا الإنشغال لايخفى سببه على زوجه، فتتوتر علاقتهما. تدرك الآن أنه يحب أخرى:
ـــ" أنا لست كافية بالنسبة لك! هل تريد أن تهجرني؟ لاألومك.. قلها فقط؛ هل تريد أن تهجرني أم لا؟"
ـــ "لاأعرف.. لاأعرف أن أعطي جواباً"
ولا يستطيع الإجابة لمدة أيام وأشهر. ويظل جائلا من مكان إلى مكان، ربما بحثا عن خيط الدخان ذاك، عن تلك الابتسامة والأغنية واللمسة، ولكن" هناك أشياء لاتعود إلى الوراء ما أن تتقدم". وها هو يصادف " إيزومي" تنظر إليه من وراء زجاج نافذة سيارة وهو يهم بقطع الطريق:
" لاشيء في وجهها يمكن أن تسميه تعبيراً، مثل غرفة أخذت منها كل قطعة أثاث، نقل منها أي شيء يمكن أن تسميه تعبيراً تاركاً وراءه لاشيء. لاأثر لشعور في وجهها. إنه أشبه بقاع محيط صامت وميت! تنظر إليّ.. خواء لانهائي".
وراء كل هذا يبدأ هاجيمي بالتشكل مجدداً، متصالحا ربما مع شعوره دائماً أنه يكافح ليصبح شخصاً آخر. كما لو أنه يحاول العثور على مكان جديد، الامساك بحياة جديدة، شخصية جديدة، مفترضا أن هذا جزء من النمو، ومع ذلك هو محاولة لإعادة إختراع نفسه، بأن يصبح ذاتا مختلفة:
" يمكن أن أحرر نفسي من كل شيء، أعتقد جاداً أنني أستطيع الهرب من نفسي ما دمتُ أحاول. ولكنني أرتطم دائماً بنهاية صماء. مهما كان المكان الذي سأمضي إليه انتهي إلى أن اظل" أنا"! ما نفقده لايتغير. ربما يتغير المشهد إلا أنني لاأزال الشخص القديم غير الكامل نفسه".
ربما تحت هذا السيل من المناجاة الذاتية يبدأ بالعودة إلى زوجه. تسأله ذات يوم وهوغارق في أفكاره، لم يجب على سؤالها ولن يستطيع:
ـــ بماذا تفكر؟
ـــ أفكر في صحراء!
ـــ أي نوع من الصحاري؟
ـــ صحراء عادية فحسب، كثبان رملية وبضعة أشجار صبار. هنالك أشياء كثيرة تعيش هناك.
ـــ وهل أنا في هذه الصحراء ايضاً؟
ـــ بالطبع.. كلنا نعيش هناك، ولكن الحي الحقيقي هو الصحراء ذاتها فعلا. كما في الفيلم.
ـــ أي فيلم؟
ـــ فيلم ديزني، الصحراء الحية.
وأخيرا يرسم موراكامي هذا المشهد.
هاجيمي جالس أمام طاولة مطبخ البيت والوقت فجراً:
"انحسرتْ كل قوة في جسدي كما لو أن أحدهم تسلل ورائي وسحب القابس الكهربائي بصمت. مرفقاي على الطاولة، أغطي وجهي براحتي يدي.
في داخل تلك العتمة رأيت المطر يتساقط على البحر. المطر يتساقط على بحر شاسع من دون أن يكون هناك أحد ليراه. المطر يضرب سطح البحر، ومع ذلك حتى الأسماك لاتعرف أنها تمطر. وإلى أن جاء أحد ما وأراح يده بخفة على كتفي كانت أفكاري هي أفكار البحر ذاته".

  مشاركة رقم : 2 (الرابط)  
قديم 09-18-2009, 06:47 PM
الصورة الرمزية فاطمة رشاد ناشر


رقم العضوية : 1010
تاريخ التسجيل : Jan 2009
المشاركات : 98
بمعدل : 0.23 يوميا

فاطمة رشاد ناشر غير متصل عرض البوم صور فاطمة رشاد ناشر



كاتب الموضوع : محمد الأسعد المنتدى : حوار السرد
افتراضي

موضوع جميل سعدت به واستفدت منه

إضافة رد


مواقع النشر
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الساعة الآن 09:34 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.7.4, Copyright ©2000 - 2010