تتجلى في أسطورة أرسطوفان التي يرويها أفلاطون في كتابه "المأدبة"، أبعاد العلاقة الأسطورية بين الرجل والمرأة.
يقول أرسطوفان إن الإنسان، في البدء، كان واحداً. رجلاً وامرأة كان، في آن واحد، وكان هناك ثلاثة أصناف من البشر: الرجل المزدوج والمرأة المزدوجة والرجل- المرأة (المزدوج الجنس)، لكن البشر حاولوا بلوغ السماء فعاقبهم زوس وقسمهم نصفين. ومنذ ذلك الحين، راح كل قسم يبحث عن قسمه الآخر من خلال الحب بوصفه مسعى إلى تحقيق الوحدة الأصلية الأولى، الضائعة.
الشاعرة اليونانية سافو (القرن السابع قبل الميلاد)، تضع في إحدى قصائدها الرجل وجهاً لوجه مع المرأة، تقول إنه "يبدو للآلهة/ هذا الذي يجلس أمامك". الجلوس أمام المرأة ينطوي، بالنسبة إلى سافو، على تصعيد للشرط الإنساني.
بعض الصوفيين يجمع بين صورة الحبيب وصورة الخالق. يدعي أن الحب البشري والحب الإلهي هما الشيء نفسه.
كانت القديسة تيريزا تطلب من القديس يوحنا القُربان المقدّس الأكبر حجماً. والقربان، في الطقس المسيحي، تجسيد لجسد المسيح، لم تكن تيريزا الآبلية تكتفي بالقربان الصغير الذي يتناوله المؤمنون عادةً، بل كانت تصر على الأكبر دائماً. تلتهمه بمتعة فائقة، مثلما تلتهم تلك الحشرة المفترسة التي تدعي سرعوفة، رأس الذكر بعد العملية الجنسية مباشرة.
في الأدب، هناك أمثلة كثيرة تشير إلى هذا الموضوع. يقول نوفاليس "إن الرغبة الجنسية قد لا تكون سوى نزوع مقنع إلى اللحم البشري. ولا ننسى رسمن بودلير للمرأة، ذاك الرسم الذي يحمل العبارة الآتية:
"Quaerens quem devoret" ضمن هذا الأفق، لا يعود الحب/ الجنس إلا نوعاً من العودة إلى الآخر، محاولة للفناء فيه. وهنا، في أعماق النفس التي لا تحد ولا ترى، يَتحَد الموت والجنس سراً. وهما متفقان متحدان على الدوام حتى في اللحظات التي تهيئ للحمل وللولادة. وعندما "ينطفئ الرجل" فوق المرأة، يكون قد أودع المرأة سراً لا يعرفه هو نفسه. وهنا يبطل الحد الفاصل بين الموت والحياة. في لحظة الاتحاد الخاطفة العابرة هذه، تبطل الثنائيات والأضداد والتناقضات لبرهة غير محسوبة بمقياس الزمن، لأن إبطالها الفعلي والنهائي هو إلغاء للزمن وللوجود معاً، وعودة بالعالم إلى لحظاته السديمية الأولى حين كان الإنسان واحداً فرداً، كما جاء في الحكايات والأساطير.
لكن، كم يبدو هذا الخطاب مجرداً وغريباً عن الواقع الراهن الذي يعكس حقيقة أخرى تكشف بدورها وجهاً من وجوه الأزمة الثقافية والحضارية التي تعيشها مجتمعاتنا.
تعتبر الباحثة سونيا هير زبرن أن النساء العربيات أصبحن هدفاً للعبة سياسية كبرى شديدة التعقيد والغموض "(مواقف" 640). فالنساء يعكسن أزمة الحداثة التي تعيشها المجتمعات العربي، كما يعكسن التباس العلاقة بالغرب. هكذا تصبح الرغبة في إخضاعهن قضية المتطرفين وبرنامجهم ومشروعهم.
في جامعة مشهد في إيران أعتبر المسؤولون أن "المدرسات اللواتي أردن الاشتراك في مباراة الدخول إلى كلية الزراعة، واقعات تحت تأثير الفكر الغربي ومذهب الإنسانيين القائلين بحرية البشر ومساواته، وهذه إيديولوجيا خطيرة تخدم مآرب الرأسمالية وأهدافها".
يطالعنا مثل هذا الرأي في تصريحات المسؤولين في الجبهة الإسلامية الجزائرية. عندما وقفت جموع النساء ضد العنف والتعصب اللذين كانا يلاحقانهن. صرّح عباسي مدني قائلاً إن "هؤلاء النساء اللواتي يحركهن الاستعمار الجديد هن صقوره وطليعة عدوانه الثقافي" (عن مقالة ربيعة عبد الكريم شيخ في العدد 48- 49 من مجلة (Peuples mediteranees) في العراق أيضاً، لم يصدر، في نيسان 1990، ذلك القانون الذي يسمح لكل رجل بقتل أي امرأة من نساء عائلته إذا ثبتت عليها تهمة الزنى...
إذا ما عدنا إلى أسطورة أرسطوفان اعتبرنا أن أمامنا مهمة استرداد النصف الثاني، فمن المفترض أن نسترده إلى نفسه، أن نصالحه مع نفسه. أن نتصالح، أولاً، مع أنفسنا.
"المرأة محل الانفعال"، يقول ابن عربي. لكن أي محل يمكن أن تحتله المرأة في ظل نظام أبوي (بطريركي) وقبلي، يسلبها حقها في الوجود ويجعلها مرادفاً للعيب والعار والخوف. "المرأة محل الانفعال"، لكن أي امرأة ومتى.