أنت غير مسجل في منتدى مطر . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا

آخر 10 مشاركات
تفتيش (الكاتـب : محمد داني - آخر مشاركة : محمد المهدي السقال - مشاركات : 7 - )           »          ترجمة حرفية (الكاتـب : مصطفى طاهري - آخر مشاركة : حسن بواريق - مشاركات : 8 - )           »          مارس (الكاتـب : سعيدة الربعي - مشاركات : 7 - )           »          وجوه الأصدقاء (الكاتـب : أحمد الطرس العرامي - مشاركات : 0 - )           »          أدْجي آذْروخْ (الكاتـب : الغازي بوبكر - مشاركات : 2 - )           »          * ساعة البحر تدق احتراقا * (الكاتـب : موادي خديجة - مشاركات : 16 - )           »          نامي بسلام يا سارة (الكاتـب : منى سالم - آخر مشاركة : نقوس المهدي - مشاركات : 4 - )           »          يا حسرة عليك يا غزة (الكاتـب : لميس سعديدي - آخر مشاركة : حسن بواريق - مشاركات : 3 - )           »          الحمارُ .. الذي كان شاعرا (الكاتـب : مازن كريم - آخر مشاركة : محمد فري - مشاركات : 3 - )           »          إصدار إلكتروني جديد لمطر:الكتابة و الرهانات لمحمد... (الكاتـب : جبران الشداني - آخر مشاركة : محمد داني - مشاركات : 23 - )


العودة   منتدى مطر العودة ابداعات في السرد و الشعر و المقالة و الترجمة العودة الفلسفة و العلوم الانسانية العودة نصوص فلسفية

إضافة رد
   
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  مشاركة رقم : 1 (الرابط)  
قديم 04-04-2008, 06:09 PM
الصورة الرمزية طارق جمال الادريسي
مشرف الفلسفة و العلوم الانسانية

رقم العضوية : 42
تاريخ التسجيل : Nov 2007
المشاركات : 181
بمعدل : 0.44 يوميا

طارق جمال الادريسي غير متصل عرض البوم صور طارق جمال الادريسي



المنتدى : نصوص فلسفية
افتراضي مختارات من مقالة في المنهج

مختارات من مقالة في المنهج
القسم الأول: ملاحظات متعلقة بالعلوم
العقل أعدل الأشياء توزعاً بين الناس، لأن كل فرد يعتقد أنه قد أوتي منه الكفاية، ولأن الذين يصعب إرضاؤهم بأي شيء آخر ليس من عادتهم ان يرغبوا في أكثر مما أصابوا منه. وليس براجح أن يخطئ الجميع في ذلك، وإنما الراجح ان يكون هذا شاهداً على أن قوة الإصابة في الحكم، وتمييز الحق من الباطل، وهي القوة التي يطلق عليها في الحقيقة اسم العقل، أو النطق، واحدة بالفطرة عند جميع الناس. وهكذا، فان اختلاف آرائنا لا ينشأ عن كون بعضنا اعقل من بعض، بل ينشأ عن كوننا نوجّه أفكارنا في طرق مختلفة ولا نطالع الأشياء ذاتها. إذ لا يكفي ان يكون الفكر جيداً وإنما المهم ان يطبق تطبيقاً حسناً. ان اكبر النفوس مستعدة لأكبر الرذائل، كما هي مستعدة لأعظم الفضائل. وأولئك الذين لا يسيرون الا ببطء شديد، يستطيعون، إذا سلكوا الطريق المستقيم، أن يحرزوا تقدماً أكثر من الذين يركضون ولكنهم يبتعدون عنه.
أما أنا فإني لم أتوهم قطّ أن لي ذهناً أكمل من أذهان عامة الناس، بل كثيراً ما تمنيت ان يكون لي ما لبعض الناس من سرعة الفكر، أو وضوح التخيّل وتميّزه، أو سعة الذاكرة وحضورها. ولست اعرف مزايا غير هذه تعين على كمال النفس، لأني أميل إلى الاعتقاد أن العقل أو الحس، ما دام هو الشيء الوحيد الذي يجعلنا بشراً، ويميزنا عن الحيوانات، موجود بتمامه في كل واحد منا، متبعاً في ذلك الرأي الذائع بين الفلاسفة، الذين يقولون انه لا زيادة ولا نقصان الا في الأعراض، لا في صور أفراد النوع الواحد، أو طبائعهم...
القسم الثاني: قواعد الطريقة
... لقد درست قليلاً، وأنا في سني الحداثة، من بين أقسام الفلسفة المنطق، ومن بين أقسام الرياضيات التحليل الهندسي والجبر، وهي ثلاثة فنون أو علوم خيّل إليَّ انها ستمدني بشيء من العون للوصول إلى مطلبي. ولكنني عندما اختبرتها تبيّن لي، فيما يتعلق بالمنطق، أن أقيسته وأكثر تعاليمه الأخرى لا تنفعنا في تعلّم الأمور بقدر ما تعيننا على ان نشرح لغيرنا من الناس ما نعرفه منها، أو هي كصناعة لول تعيننا على الكلام دون تفكير عن الأشياء التي نجهلها. ومع ان هذا العلم يشتمل في الحقيقية على كثير من القواعد الصحيحة والمفيدة، فان فيه أيضاً قواعد أخرى كثيرة ضارة وزائدة. وهي مختلطة بالأولى، بحيث يصعب فصلها عنها، كما يصعب استخراج تمثال ديانا أو مينيرفا من قطعة من المرمر لم تنحت بعد. ثم انه فيما يختص بتحليل بالقدماء، وبعلم الجبر عند المحدثين، ففضلاً عن انهما لا يشتملان الا على أمور مجردة جداً، وليس لها كما يبدو أي استعمال، فان الأول مقصور دائماً على ملاحظة الأشكال، لا يستطيع ان يمرن الذهن دون ان يتعب الخيال. اما الثاني فانه مقيد بقواعد وأرقام جعلت منه فناً مبهماً وغامضاً يشوش العقل، بدلاً من ان يكون علماً يثقفه. هذا ما حملني على التفكير في وجوب البحث عن طريقة أخرى تجمع بين مزايا هذه العلوم الثلاثة، وتكون خالية من عيوبها. وكما ان كثرة القوانين تهيئ في الأغلب سُبُل الرذيلة، بحيث تكون الدولة أحسن نظاماً عندما تكون قوانينها أقلّ عدداً، ويكون الناس أكثر مراعاة لها، فكذلك رأيت أنه، بدلاً من هذا العدد الكبير من القواعد التي يتألف منها المنطق، يمكنني أن أكتفي بالقواعد الأربع الآتية، شريطة أن اعزم عزماً صادقاً وثابتاً على ان لا أخل مرةً واحدةً بمراعاتها.
الأولى: ان لا أتلقى على الإطلاق شيئاً على انه حق ما لم أتبين بالبداهة أنه كذلك، أي أن أُعْنى بتجنب التعجل والتشبث بالأحكام السابقة، وأن لا ادخل في أحكامي الا ما يتمثل لعقلي في وضوح وتميز لا يكون لديّ معهما أي مجال لوضعه موضع الشكّ.
والثانية: أن أقسم كل واحدة من المعضلات التي ابحثها إلى عدد من الأجزاء الممكنة واللازمة لحلها على أحسن وجه.
والثالثة: ان أرتب أفكاري، فأبدأ بأبسط الأمور وأيسرها معرفة، وأتدرج في الصعود شيئاً فشيئاً حتى أصل إلى معرفة اكثر الأمور تركيباً، بل أن أفرض ترتيباً بين الأمور التي لا يسبق بعضها بعضاً بالطبع.
والأخيرة: ان أقوم في جميع الأحوال بإحصاءات كاملة ومراجعات عامة تجعلني على ثقة من أنني لم أغفل شيئاً.
ان هذه السلاسل الطويلة من الحجج البسيطةأفأأأ والسهلة، التي تعود علماء الهندسة استعمالها للوصول إلى أصعب براهينهم، أتاحت لي ان أتخيل ان جميع الأشياء، التي يمكن ان تقع في متناول المعرفة الإنسانية، تتعاقب على صورة واحدة، وانه إذا تحامى المرء ان يتلقى ما ليس منها بحق على أنه حق، وحافظ دائماً على الترتيب اللازم لاستنتاجها بعضها من بعض، فانه لا يجد بين تلك الأشياء بعيداً لا يمكن إدراكه ولا خفياً لا يستطاع كشفه. ولم أجد كبير عناء في البحث عن الأمور التي يجب الابتداء بها، لأنني كنت اعرف من قبل ان الابتداء يكون بأبسط الأمور وأسهلها معرفة. ولما رأيت ان بين الذين بحثوا من قبل عن الحقيقية في العلوم لم يستطيع أحد غير الرياضيين ان يهتدي إلى بعض البراهين، أي إلى بعض الحجج اليقينية والبديهية، لم اشك أبداً في ان ذلك لم يتيسر لهم الا بطريق الأمور التي عالجوها، ولم أؤمل منها أي فائدة أخرى سوى تعويد عقلي مؤالفة الحقائق البديهية، ونبذ الحجج الباطلة. ولكن مطلوبي لم يكن قط من اجل ذلك ان أتعلم جميع العلوم الخاصة التي يطلق عليها عامة اسم الرياضيات. لأني لما رأيت أنها، بالرغم من اختلاف موضوعاتها، متفقة جميعها في الاقتصار على البحث في النسب أو العلاقات الموجودة بينها، أدركت أنه من الخير لي أن اقتصر على النظر في هذه العلاقات عامة، دون افتراض وجودها الا في الموضوعات التي تعين على تسهيل معرفتي بها، ودون تقييدي بها البتة، حتى تزداد قدرتي فيما بعد على تطبيقها في جميع الموضوعات الأخرى التي توافقها. ثم إني لما تنبهت لتلك العلاقات، وتبين لي ان معرفتها تحتاج تارة إلى النظر في كل واحدة منها على حدة، وتحتاج تارة أخرى إلى الجمع بينها أو إلى النظر في كثير منها معاً، رأيت انه لإجادة النظر في كل واحدة منها على حدة يجب فرضها خطوطاً، لأن الخطوط ابسط الأشياء، وليس فيما يتصوره خيالي، وتدركه حواسي ما هو اكثر تميزاً منها، ولكن للجمع بينها أو للنظر في كثير منها معاص يجب التعبير عنها برموز هي في أقصى درجات الإيجاز. وبهذه الوسيلة أمكنني ان اقتبس من الجبر والتحليل الهندسي خير ما فيهما، وان أصحح عيوب كل منهما بالآخر.
وإني لأجرؤ في الحقيقة على القول ان المراعاة الدقيقة لهذا العدد القليل من القواعد التي اخترتها سهلت عليَّ كثيراّ حلّ جميع المسائل التي يتناولها هذان العلمان بالبحث. حتى انني خلال شهرين أو ثلاثة قضيتها في امتحانها، مبتدئاَ بأبسط الأمور فأعمها، ومستعيناً بكل حقيقية وجدتها على كشف غيرها من الحقائق، لم انته إلى حلّ كثير من المسائل التي كنت احسبها من قبل صعبة فحسب، بل بدا لي أيضاً في النهاية انني أستطيع ان أعين بأي وسيلة وإلى أي حد يمكنني حلّ المسائل التي كنت أجهلها. وقد يظهر لكم اني غير عابث إذا لاحظتم انه ليس للشيء الواحد الا حقيقة واحدة، وان من يجدها يعلم عنها كل ما يستطاع علمه، وانه إذا تعلم طفل علم الحساب مثلاً وجمع بعض الأعداد بحسب قواعده، فانه يستطيع ان يثق بأنه وجد، فيما يختص بالمجموع الذي هو بصدده، كل ما يستطيع العقل البشري أن يجده. لان الطريقة التي تعلم المرء إتباع الترتيب الصحيح، والإحصاء الدقيق، لجميع ظروف الشيء المبحوث عنه، تشتمل على كل ما يهب اليقين لقواعد علم الحساب.
ولكن اعظم ما أرضاني من هذه الطريقة هو ثقتي معها باستعمال عقلي في كل شيء، ان لم يكن على الوجه الأكمل، فعلى احسن ما في استطاعتي على الأقل. دع انني كنت أشعر وأنا أمارس هذه الطريقة بأن عقلي كان يتعود شيئاً فشيئاً تصور موضوعاته، تصوراً أشدّ وضوحاً، وأقوى تميزاً. ولما كنت لم اقصر هذه الطريقة على مادة خاصة، عللت نفسي بتطبيقها تطبيقاً مفيداً أيضاً في معضلات العلوم الأخرى، كما طبقتها في مسائل الجبر. ولست اعني بذلك انني أقدمت أولاً على امتحان كل ما يعرض لي من مسائل العلوم، لأن هذا نفسه مخالف للنظام الذي توجبه الطريقة، ولكنني لما لاحظت ان مبادئ هذه العلوم يجب ان تكون كلها مستمدة من الفلسفة التي لم اهتد فيها بعد إلى أي مبدأ يقيني، رأيت أنه يجب علي أولاً ان أحاول تقرير أصول يقينية في الفلسفة. ولما كان هذا الأمر أهم شيء في العالم، وكان التعجل والتشبث بالأحكام السابقة اعظم ما يجب ان يخشاه المرء، رأيت انه يجب علي ان لا أمضي فيه إلى نهايته ما لم أبلغ من العمر سناً انضج من الثالثة والعشرين التي بلغتها وقتئذ، وما لم أنفق أولاً كثيراً من الوقت في إعداد نفسي له، سواء أكان ذلك بأن أنزع من عقلي جميع الآراء الفاسدة التي تلقيتها من قبل، أم بأن أجمع تجارب كثيرة اجعلها فيما بعد مادة استدلالاتي، وأن أتمرن دائماً على الطريقة التي رسمتها لنفسي لها، حتى يزداد رسوخي فيها.
القسم الرابع: أسس علم ما بعد الطبيعة
لست أدري هل يجب علي ان أحدثكم عن التأملات الأولى التي تيسرت لي هناك، لأن في هذه التأملات من كثرة التجريد والبعد عن المألوف ما يجعلها غير موافقة لذوق جميع الناس. ومع ذلك فإني أجد نفسي بوجه ما مضطراً إلى التحدث عنها، حتى يُستطاع الحكم على الأسس التي اخترتها. هل هي ذات متانة كافية؟ لقد لاحظت منذ زمن ان المرء محتاج في بعض الأحيان، فيما يختص بالأخلاق، إلى الأخذ بآراء يعلم انها غير يقينية، ولكنه يتبعها مع ذلك كما لو كانت يقينية، وقد سبق القول في ذلك. ولكن لما كنت إذ ذاك راغباً في التفرغ للبحث عن الحقيقة، رأيت أنه يجب علي ان افعل ضد ذلك تماماً، وان اعتبر كل ما أستطيع ان أتوهم فيه اقل شك باطلاً على الإطلاق، وذلك لأرى ان كان يبقى لديَّ بعد ذلك شيء خالص من الشك تماماً. وهكذا فإني، لما رأيت ان حواسنا تخدعنا أحياناً، فرضت ان لا شيء هو في الواقع على الوجه الذي تُصورّه لنا الحواسّ. وكذلك لما وجدت أنَّ هناك رجالاً يخطئون في استدلالاتهم، حتى في أبسط مسائل الهندسة، ويأتون فيها بالمغالطات، واني كنت عرضة للزلل في ذلك كغيري من الناس، اعتبرت باطلاً كل استدلال كنت احسبه من قبل برهاناً صادقاً. وأخيراً، لما لاحظت ان جميع الأفكار، التي تعرض لنا في اليقظة، قد تتردد علينا في النوم، من دون ان يكون واحد منها صحيحاً، عزمت على ان أتظاهر بأن جميع الأمور التي دخلت عقلي لم تكن اصدق من ضلالات أحلامي. ولكني سرعان ما لاحظت، وأنا أحاول على هذا المنوال ان اعتقد بطلان كل شيء، انه يلزمني ضرورةً، أنا صاحب هذا الاعتقاد، أن أكون شيئاً من الأشياء. ولما رأيت ان هذه الحقيقة: "أنا أفكر، إذن أنا موجود"، هي من الرسوخ بحيث لا تزعزعها فروض الريبيين، مهما يكن فيها من شطط، حكمت بأنني أستطيع مطمئناً ان اتخذها مبدأ أولاً للفلسفة التي كنت أبحث عنها.
ثم اني أنعمت النظر بانتباه في ما كنت عليه، فرأيت أنني أستطيع ان أفرض انه ليس لي أي جسم، وأنه ليس هناك أي عالم، ولا أي حيز أشغله، ولكنني لا أستطيع من اجل ذلك ان افرض انني غير موجود، لأن شكي في حقيقة الأشياء الأخرى يلزم عنه بضد ذلك، لزوماً بالغ البداهة واليقين، ان أكون موجودا، في حين أنني، لو وقفت عن التفكير، وكانت جيمع متخيلاتي الباقية حقاً، لما كان لي أي مسوغ للاعتقاد انني موجود. فعرفت من ذلك انني جوهر كل ماهيته أو طبيعته لا تقوم الا على الفكر، ولا يحتاج في وجوده إلى أي مكان، ولا يتعلق بأي شيء مادي، بمعنى ان "الأنا" أي النفس التي أنا بها ما أنا، متميزة تمام التميز عن الجسم، لا بل ان معرفتنا بها أسهل، ولو بطل وجود الجسم على الإطلاق لظلت النفس موجودةً بتمامها.
ثم إني نظرت بعد ذلك بوجه عام فيما تطلبه القضية من شروط لتكون صحيحة ويقينية. ولما كنت قد وجدت قضية علمت انها موصوفة بهذه الصفة، رأيت انه يجب علي أيضاً أن أعلم على أي شيء يقوم هذا اليقين. فلاحظت انه لا شيء في قولي: أنا أفكر، إذن أنا موجود، يضمن لي انني أقول الحقيقة، الا كوني أرى بكثير من الوضوح ان الوجود واجب للتفكير. فحكمت بأنني أستطيع أن اتخذ لنفسي قاعدةً عامة، وهي ان الأشياء التي نتصورها تصوراً بالغ الوضوح والتميَّز هي كلّها صحيحة، إلا ان هناك صعوبة في بيان ما هي الأشياء التي نتصورها متميزة.
ثم اني فكرت بعد ذلك في ش****، فتبين لي منها ان وجودي ليس تام الكمال، لأنني كنت اعلم بوضوح أن المعرفة أكثر كمالاً من الشك، فلاح لي ان ابحث من أين تأتى لي أن أفكر في شيء اكمل مني، فعرفت بالبداهة ان ذلك يرجع إلى وجود طبيعة هي في الحقيقة أكمل. أما أفكاري الدالة على الأشياء الخارجية، مثل السماء، الأرض، والضوء، والحرارة، وألف شيء آخر، فاني لم أجد كبير عناء في معرفة من أين كانت تجيئني؛ لأني، لما لاحظت ان لا شيء فيها يجعلها أسمى مرتبة مني، استطعت ان اعتقد أنها إذا كانت حقيقية، فهي من لواحق طبيعتي، من حيث أن هذه الطبيعة تشتمل على شيء من الكمال، وأنها إن لم تكن حقيقية، كانت مستمدة من العدم، أي حاصلة لي من جهة ما في طبيعتي من نقص. ولكن الأمر لا يمكن ان يكون على هذا النحو فيما يختص بفكرة موجود أكمل من وجودي، لأن استمداد هذه الفكرة من العدم أمر ظاهر الاستحالة، ولأن قولنا: ان الأكمل لاحق وتابع لما هو أدنى كمالاً، ليس اقل شناعة من قولنا: ان الشيء يحدث من لا شيء. وإذن أنا لا أستطيع أبدا أن أستمد هذه الفكرة من نفسي، فبقي أنها ألقيت إلي من طبيعة هي في الحقيقة أكمل مني، لا بل من طبيعة لها بذاتها جميع الكمالات التي أستطيع ان أتصورها. وإذا أردت الإبانة عن رأيي بكلمة واحدة قلت: إن المراد بهذه الطبيعة هو الله. ثم أضفت إلى ذلك: لما رأيت ان هناك كمالات ليس لي منها شيء عَلِمْتُ انني لست الكائن الوحيد الذي في الوجود (واسمحوا لي هنا ان استعمل ألفاظ الفلسفة المدرسية)، وإنما يجب بالضرورة ان يكون هناك موجود أكثر مني كمالاً، أنا تابع له، وجميع الكمالات التي فيّ مستمدة منه، لأنني لو كنت وحيداً ومستقلاً عن كل كائن آخر، وكان هذا القليل من الكمال الذي أشارك فيه الموجود الكامل مستمداً من نفسي وحدها، لكنت أستطيع ان أحصل من نفسي، وللسبب ذاته، على جميع الكمالات التي أعرف انها تنقصني، ولكنت اجعل نفسي كذلك لا متناهياً، أزلياً، أبدياً، ثابتاً، عالماً بكل شيء، حاصلاً في النهاية على جميع الكمالات التي أستطيع ان أتصور وجودها في الله. وينتج من هذه الاستدلالات التي أوردتها انه، لمعرفة طبيعة الله على قدر ما تستطيعه طبيعتي، لم يكن علي الا ان أتأمل جميع الأشياء التي وجدت صورها في نفسي، هل في امتلاكها كمال أم لا. ولقد كنت متيقناً ان أية فكرة من الفكر المشتملة على النقص لا وجود لها في الله، ولكن جميع الفكر الأخرى ثابتة له. وكذلك رأيت أن الشك، والتقلب، والحزن، وما شابه ذلك من الأمور لا يمكن ان تنسب إليه، لأنني كنت أنا نفسي أرتاح إلى سلامتي منها. ثم انه كان في نفسي، عدا ذلك، صور لكثير من الأشياء الحسية والجسمية. لأنني، وان فرضت انني كنت حالماً، وان ما أراه أتخيله كان باطلاً، إلا انني لا أستطيع ان أنكر مع ذلك ان صور ما أراه وأتخيله موجود في ذهني. ولكن لما كنت قد عرفت سابقاً معرفة واضحة ان الطبيعة العاقلة فيّ متميزة عن الطبيعة الجسمية، وان كل تركيب يدل على تعلق الشيء بالشيء، وان التعلق نفسه نقص ظاهر، استنتجت من ذلك انه ليس من الكمال ان يكون الله مؤلفاً من هاتين الطبيعتين، وأنه لا يمكن بالتالي ان يكون الله مركباً. وإذا كان في العالم أجسام، أو عقول، أو طبائع أخرى غير تامة الكمال، فان وجودها يجب ان يكون متعلقاً بقدرته، بحيث لا تستطيع البقاء دونه لحظة واحدة.
ثم اني أردت بعد ذلك ان ابحث عن حقائق أخرى، فاخترت الموضوع الذي يبحث فيه علماء الهندسة. وهو، كما أتصوره، جسم متصل، أو مكان لا حدّ لامتداده في الطول، والعرض، والارتفاع، أو العمق يقبل الانقسام إلى أجزاء مختلفة، ذات أشكال وحجوم مختلفة، وتُحرَّك أو تُبَّدلعلى جميع الوجوه، (لأن علماء الهندسة يفرضون ذلك كله في موضوع علمهم). وتصفحت بعض براهينهم البسيطة، ففطنت إلى ان هذا اليقين العظيم الذي يعزوه الناس إليها إنما هو مبني على كون تصورها بديهياً تبعاً للقاعدة التي ذكرتها سابقاً، ثم فطنتُ أيضاً إلى انه لا شيء في هذه البراهين يجعلني على يقين بوجود موضوعاتها خارج الذهن. مثال ذلك: كنت أرى جيدا انني إذا فرضت مثلثاً لزم من ذلك أن تكون زواياه الثلاث مساوية لزاويتين قائمتين، ولكني لم أجد في ذلك ما يجعلني على يقين بأن في العالم مثلثاً ما؛ في حين انني إذا رجعت إلى امتحان معنى الموجود الكامل الذي أتصوره، وجدت انه يتضمن الوجود على نحو ما يتضمن معنى المثلث ان زواياه الثلاث مساوية لزاويتين قائمتين، أو كما يدخل في معنى الكرة ان جميع أقسام سطحها متساوية البعد عن مركزها، بل هو أكثر من هذين الأمرين بداهة. ويلزم عن ذلك ان وجود الله، الذي هو ذلك الكائن الكامل، لا يقل يقيناً عن أي برهان من براهين الهندسة.
ولكن السبب في اعتقاد الكثيرين أن هناك صعوبة في معرفة الله بل في معرفة ما هي النفس أيضاً، يرجع إلى انهم لا يرفعون عقولهم أبدا إلى ما وراء الأشياء الحسية، وانهم تعودوا الا يفكروا في شيء الا إذا تخيلوه (وهذه طريقة تفكير خاصة بالأشياء المادية) حتى ان كل ما لا يمكن تخيله يبدو لهم غير معقول . وهذا ظاهر في اتخاذ الفلاسفة قاعدة لهم في المدارس: ان لا شيء في العقل لم يكن أولاً في الحس. وانه لمن المتيقن مع ذلك ان معنى الإله ومعنى النفس لم يكونا قط في الحس. ويبدو لي ان الذين يريدون ان يستعينوا بخيالهم على تفهّم هذين المعنيين يفعلون كما لو أنهم أرادوا الاستعانة بعيونهم على سماع الأصوات، أو شم الروائح. الا ان هناك فرقاً بين الأمرين، وهو ان توكيد حاسة البصر لحقيقة مدركاتها لا يقل عن فعل حاسة الشم أو السمع، في حين ان قوتنا المتخيلة وحواسنا لا تستطيع أن تؤكد لنا شيئاً الا إذا تدخل عقلنا فيه.
وأخيراً، إذا كان هناك أناس لم يقتنعوا بعد اقتناعاً كافياً بوجود الله، ووجود النفس، بالحجج التي أوردتها، فاني أريد ان يعلموا جيداً ان جميع الأشياء، التي يظنون انهم اكثر وثوقاً بها، مثل ان لهم جسماً، وان هناك كواكباً وأرضاً، وما شابه ذلك، إنما هي اقل ثبوتاً. ومع انه قد يكون للمرء ثقة عملية بهذه الأشياء يبدو معها انه لا يمكنه الشك فيها الا إذا شطّ في حكمه، وابتعد عن المألوف، فانه، فيما يتعلق باليقين الفلسفي، لا يستطيع، اللهم الا إذا حرم العقل، ان ينكر انه يكفي لنفي اليقين التام ان يلاحظ الإنسان انه يستطيع بالطريقة نفسها أن يتخيل، وهو نائم، ان له جسماً آخر، وانه يبصر كواكباً وأرضاً أخرى، دون وجود شيء من ذلك هناك. لأنه من أين للمرء ان يعلم ان الأفكار التي ترد عليه في النوم اقرب إلى الكذب من غيرها، ما دامت لا تقل عن غيرها قوة ووضوحاً. ولو ان أفضل العقول بحثت في ذلك ما شاءت، لما استطاعت، فيما اعتقد، ان تأتي بأية حجة لرفع هذا الشك، ما لم تقدم على ذلك فرض وجود الله. أولاً، لأن الأمر الذي اتخذته من قبل قاعدة، وهو ان الأشياء التي نتصورها تصوراً بالغ الوضوح والتميز صحيحة كلها، لم أتيقنه هذا اليقين إلا لأن الله كائن أو موجود، وانه موجود كامل، وان كل ما فينا يصدر عنه. ينتج من ذلك أن أفكارنا وتصوراتنا، لما كانت أشياء حقيقية صادرة عن الله، فهي، بما هي واضحة ومميزة، لا يمكن أن تكون صحيحة، بحيث انه إذا كان لدينا في الغالب أفكار كاذبة، فان هذا الكذب لا يكون الا فيما كان منها محتوياً على غموض والتباس، لأنها في ذلك تشارك العدم، أعني انها ليست على هذا النحو من الغموض الا لأن كمالنا ليس تماماً. وبديهي ان الشناعة في قولنا ان الباطل أو الناقص من حيث هو كذلك يصدر عن الله، ليس اقل من الشناعة في قولنا: ان الحق أو الكمال يصدر عن العدم، ولكننا إذا كنا لا نعلم أبداً ان كل ما فينا من وجود وحق إنما يأتي من موجود كامل وغير متناه، فمهما تكن أفكارنا واضحة ومميزة فانه لا يمكن ان يكون لدينا أي دليل يثبت لنا انها يمكن ان تتصف بكمال الحقيقة.
وعلى ذلك فانه من السهل علينا جداً، بعد ان جعلتنا معرفة الله والنفس على يقين من هذه القاعدة، ان نعرف ان الأحلام التي نتخيلها في النوم لا تحملنا أبدا على الشك في صدق الأفكار التي تحصل لنا في اليقظة. لأنه إذا اتفق للمرء، حتى في النوم، ان يتصور فكرة جد متميزة، كأن يكشف أحد علماء الهندسة برهاناً جديداً، فان نومه لا يمنع هذا البرهان من ان يكون صحيحاً. اما الخطأ العادي في أحلامنا، وهو يقوم على ان الأحلام تصور لنا أموراً مختلفة على النحو الذي تفعله حواسنا الظاهرة، فليس مهماً ان يكون هذا الخطأ باعثاً على الارتياب في صدق مثل هذه الأفكار، لأنها تستطيع أيضاً ان تخدعنا في كثير من الأحيان من دون ان نكون نياماً، كمثل المصابين بمرض اليرقان، فهم يرون كل شيء أصفر اللون، أو كمثل الكواكب والأجسام البعيدة جداً، فهي تظهر لنا أصغر بكثير مما هي عليه. وأخيراً سواء أكنا أيقاظاً أم نياماً، فانه ينبغي لنا أن لا نقتنع الا ببداهة عقولنا. وليلاحظ انني أقول هنا عقولنا لا خيالنا وحواسنا. ومن قبيل هذا أيضا يجب علينا، إذا رأينا الشمس في وضوح تام، ان لا نحكم من اجل ذلك بأن حجمها ليس الا بالمقدار الذي نراها فيه. ويمكننا ان نتخيل في تميز تام رأس أسد مركباً على جسم عنزة من دون ان يلزمنا ان نستنتج من اجل ذلك ان في العالم وحشاً وهمياً كهذا. لأن العقل لا يملي علينا ان يكون ما نراه أو نتخيله على هذا الوجه حقيقياً، ولكنه يملي علينا أن أفكارنا وتصوراتنا يجب ان يكون لها أساس من الحقيقة، ولولا ذلك لما كان من الممكن أن يضع الله فينا هذه الأفكار والتصورات، وهو كمال كله، حق كله، ولما كانت استدلالاتنا في النوم ليست بديهية وتامة كما هي عليه في اليقظة، وكان لتخيلاتنا من القوة أو الوضوح في النوم ما لها في اليقظة أو اكثر، فان العقل ليملي علينا أيضا ان أفكارنا ما دامت لا تستطيع ان تكون كلها صحيحة، لعدم اتصافنا بالكمال، فان ما فيها من حق يجب ان يوجد حتماً في التي تحصل لنا في اليقظة لا في الأحلام.

إضافة رد


مواقع النشر
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الساعة الآن 10:16 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.7.4, Copyright ©2000 - 2009