أنا وهولاكو 2
في الجنوب توجد "إيملشيل"(1) القرية الرابضة تحت سدرة المنتهى . تقدم عرائسها لرجال من "آيت احديدو"( 2 )الأشاوس في قرع الدف و الصيحات الحزينة . ونساؤهم يلبسن الثلج و ويغزلن الصوف كلما الحمام حام وحط فوق الغمام. يغنين أحيدوس و يعبرن الوادي المقدس طائرات كالجنيات . تتعرى عرائسهن في مواسم الحصاد أمام كامرات الأجانب، ويسبحن بلا ذنب. وإذا تفتح الربيع نزلن إلى العين اللعينة. تيسلي وتيسليت( 3). اللعنة التي صبتها القبيلة على العاشقين اللذين أكلا من التفاحة المحرمة. هن هبة من الله الواهب الوهاب يهب لمن يشاء عروسة ، ويجعل بعضهم عقيما .
رؤوس الرجال الأمازيغ حليقة و كبيرة. والنساء وجوهن حمراء بفعل الخجل و البرد . صباياهم لا تتنافس على الرجال . ولكن القناصين حولوا بنادقهم من الوحيش إلى فتيات آيت حديدو. خذ ما أنت قادر عليه ، واختر لنفسك، فما أنت بمخير و ما أنت بمسير . الخيمة منتصبة أمامك ، والعدول في متناول العرسان الغاطين في رائحة الحناء والبرانس الصوفية الثقيلة.
أحمل كاميرا وأطوف بين الخيام كشاعر جاهلي. أبحث عن زبد البحر. عن فيروز الشطآن. أبحث عن زهرة الجنة، التي جاء من أجلها الغواصون و المكتشفون والمستكشفون و الكاشفون و الكشافون، وجوابو الآفاق القريبة و البعيدة. والسحرة الكفرة، المردة ، وقارئو الكف والرمل والنجوم البعيدة، و الصدفات التي مر عليها ألف عام وعام ، وأفاكو ألف ليلة وليلة، العصاة الزناة .
زهرة الجنة لا يعرفها آيت احديدو ، فهم يسمونها بزهرة الأقحوان . هذا اختيارهم، لهم زهرتهم ولي زهرتي.
" سليمة " (4) هي زهرة الجنة . هي زهرتي ، كعبتي، قبلتي ، مغارتي، مقبرتي، مقصلتي، حياتي، مماتي، هي دمي، لحمي . هي آخر النبض، وآ خر السحر ، هي أول النهار، وآخر المساء .هي ما بين الروح و القلب ، منطقة لا يصلها الدم ، هي رحيق مختوم ختامه عوسج .هي حيث تكون الروح الخالصة .
وأنا من أنا ..أكون من كنت ومن أكون ..أتردد ما بين الشك وبين اليقين، وأجول بين الخيال و العاطفة والشوق و الحنين . لم أصل بعد إلى المبتغى. أنا أعرف من أنا. ينفلت صوت من بين أصابعي العشر ( وهم عدد الأخوة ) ما هو بصوتي ولا بصوت عقلي وقلبي ومهجتي وفؤادي ودمي... يقول لي عن أي شيء تبحث. أ عن شيء قديم؟ عن شيء يعود لهاذا الأديم ؟ أم عن بحور من سديم .أقول له في انفعال:
ـ أبحث عن زهرة الجنة . عن جنتي ..عن سليمتي .
وحين تبرد جمرة الموسم ، تنكمش صبايا" إميلشيل ". تقرفص على ربوة كحمامات منتميات إلى الزمن الطباشيري ، كأنهن نبتن من حجر وصبار، أوخرجن من بيض عنقاء قبل اكتشاف النار، وقبل خروج الإنسان من المغارات. كنت أقول هؤلاء الصبايا من طين أو من حجر؟ أو من صلصال مسنون ؟. حتى جاء أصحاب التلفزيون وأروني الطريق الصحيح لبنات إيملشيل .
حين يغادر الجميع الموسم ، يجلسن يكسرن اللوز والثلج بأسنانهن و أظافرهن، وأناملهن ، ورموشهن . متضاحكات لأنهن بعد صبيات. كنت أهابهن وأخشى علي منهن، و أخشى منهن علي. عندما يكن حزينات نظراتهن تجلب المطر، ويزلن السحر عن المكان والشجر. تعجبني فيهن عقودهن الشبيهات ببيض العنقاء، والمنديل الذي يشبه الليل، ووجوههن التي تشبه النهار.
وقبل أن تبرد جميع الجمرات ، وتموت السحالي في المغارات ، ويعود البرد كما كان من قبل و من بعد، ضياء يعمر الأزمنة و الأمكنة. كشعاع شمس تسحب رداءها قبل أن يصل "هولاكو"، ويمزق جميع الصبايا بأسنانه القاطعة حد الرمح. وجنوده يصيحون في الصبايا ، وهن يرتعشن، يتصلبن، يتقطعن من الرعب .
وجاء مخبرو هولاكو قبل هولاكو، يتشممون البارود والرجال المتربصين . يحملون المعجون المصنوع من رماد الجحيم. وحين تنام صبايا إملشيل و الرجال الشبيهي بالأشجار ،يفيق المخبرون يبحثون بأعواد في الرماد ، كي لا يظلمون أحدا من العباد .
ويجيء "هولاكو" أخيرا فوق الريح و الدبابات منتصبا، تسبقه الأعاصير و الرعود والبروق. قاطعا الأميال ، تتبعه الأفيال و الفهود والنمور والضباع و السباع، ليستريح في إملشيل. يصفق بيديه الشبيهتين بغمامتين، تأتي السيدة العتقاء.والأفاعي و السحالي والغربان و الخرفان تشوى على النار. ترفع العنقاء للطهاة ما طلب الطغاة ، يأكل" هولاكو" ويشرب من ماء زلال وينادي : هاتوني بمن تدعى ...سليمة.
وقبل عشرين عاما جاء "هولاكو" إلى بغداد، مع لفيف من شياطين وقردة، مهدوا له الطريق نحو النخيل الأعصم . نظر إلى الغابات و قال لأعوانه : أسقطوا هذا النخيل . دخلها في واضحة النهار ليشهده الأشهاد. أخذ الرمح من أحد المتخاذلين، المعربين، المستعربين، العاربين، من أدعياء القومية الإسلامية الرأسمالية الاشتراكية الأممية العظمى، وأسقط الطود الذي كان في الوسط. كان المارد مادا يده لبابل القديمة، لحمو رابي، للمعتزلة، لقاتلي الحسين، للسنة، للشيعة، للأكراد، للفرس، و الترك . وقبل أن يغادر "هولاكو" سرق ماء دجلة، ولوث الفرات، ولم يلتفت حتى وصل بلاد العبيد و تمثال الحرية.
جاء هولاكو و جاء معه المطر الأسود . جاء يبحث عن الأنهار الجارية، لم يلق غير دجلة والفرات، قال للقردة المردة إخوان الشياطين السبعة، هذا يومكم الذي كنتم توعدون . فاشربوا الماء المحلى بشعر المتنبي، ونكهة أبي نواس ، وأرسلوا للحاكم للرشيد الملعون مشروبه المفضل ... وكل الحاكمين من العباس السفاح مرورا بالمهدي والهادي و المهتدي والمطيع و الطائع و المقتدي و المسترشد و الراشد والناصر والظاهر حتى المستعصم آخرهم..كلهم باطل الأباطيل .
وسالت الأنهار جراحا و ملحا. "هولاكو" هو السبب في مصائب الدنيا و الآخرة و مابعد الآخرة. هو سبب الزلازل و البراكين ، هو الطير الأبابيل ، هو الحجارة من سجين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ إيميلشيل : قرية نائية في جبال الأطلس بالمغرب
2 ـ آيت احديدو : قبائل من ايميلشيل من البربر الأمازيغ
3 ـ تقول هذه الأسطورة أن هذه البركة تكونت من دموع الشاب تيسليت و الشابة تيسليت ، حيث حرمتهما القبيلة من الزواج.
" سليمة " (4) هي زهرة الجنة . هي زهرتي ، كعبتي، قبلتي ، مغارتي، مقبرتي، مقصلتي، حياتي، مماتي، هي دمي، لحمي . هي آخر النبض، وآ خر السحر ، هي أول النهار، وآخر المساء .هي ما بين الروح و القلب ، منطقة لا يصلها الدم ، هي رحيق مختوم ختامه عوسج .هي حيث تكون الروح الخالصة .
وأنا من أنا ..أكون من كنت ومن أكون ..أتردد ما بين الشك وبين اليقين، وأجول بين الخيال و العاطفة والشوق و الحنين . لم أصل بعد إلى المبتغى. أنا أعرف من أنا. ينفلت صوت من بين أصابعي العشر ( وهم عدد الأخوة ) ما هو بصوتي ولا بصوت عقلي وقلبي ومهجتي وفؤادي ودمي... يقول لي عن أي شيء تبحث. أ عن شيء قديم؟ عن شيء يعود لهاذا الأديم ؟ أم عن بحور من سديم .أقول له في انفعال:
ـ أبحث عن زهرة الجنة . عن جنتي ..عن سليمتي .
مقطع جميل جدا كرّست فيه معنى العشق والوله والهيام
عشق بطريقة السارد المتمكن من نصه والمتلاعب بمفرداته
.... سليمة ... إحدى أبطال الرواية إن لم تكن هي البطل الرئيسي
بها والبطل الثاني ضمير المتكلم ... وأقول ربما ... ربما هو السارد ...
وهذا المقطع أعجبني جدا كما أسلفت آنفا .. ثم إنك أشرت إلى إسم .... سليمة ... بالرقم ( 4 ) ولم أجد التفسير في الأسفل من الحاشية ...
نص فيه من التكثيف اللغوي الغير معهود ويرقى لدرجة اللبس عند المتلقي أحيانا ولا أقصد بالبس هنا من تقليل قيمة النص بل على العكس يحتاج المتلقي للتركيز لفهم مجريات أحداث الرواية ..
نص رائع وممتع لدرجة الإغواء والمتابعة
أنتظر المزيد من هذا الإبداع وهذه الروعة
بقي لي ملاحظة
ورد في النص كلمة ( وجاوبو ) أعتقد بأنك قصدت .. جابو..
وضق طعم الفلقة واصطبر ... أعتقد أيضا بأنك قصدت .. ذق طعم الفلقة واصطبر ..
للتنويه فقط
تقبل مني هذا المرور المتواضع
دام لك الألق والإبداع وأنتظر المزيد من هذا النقش الرائع
مع خالص الود والتقدير
مودتي
توقيع خالد يوسف أبو طماعه
إليكم وقد أصبحتم قافلة من الأحباب وأصبحنا نودعكم قافلة عشقٍ لا تنتهي
أصبت كبد الحقيقة عندما وضعت أصبعك الناقدة على الشخصية الرئيسية، والراوي هو الشخصية الثانية . هذا المقطع من العشق الجنوني الذي ابتلي به السارد.. وسليمة هي الشخصية الأولى ، وسقطت سهوا الإحالة عليها. وباقي الإحالات شرحتها لأن الأخوة في البلاد العربية لا يعرفون هذا الموسم في هذه القرية انائية غن المدنية و المعزولة عن كل الحضارة ،الذين يزوجون فيها الصبايا بطريقة تعود إلأى القرون الوسطى.
أخوك بختاوي