كنت اشاهد فيلما عن العراق في القناة الخامسة الفرنسية. تدخل الكاميرا الى دار عائلة عراقية في منطقة شعبية.. نرى شابا يتحدث عن انتمائه الى احدى المليشيات... تنتهي الصور في التجوال داخل الغرفة، وتـتوقف الكاميرا على الشاب وحيدا يؤدي الصلاة. ولكن ما أثار انتباهي وأستغرابي هو ان التلفزيون كان مفتوحا امامه اثناء تأدية الصلاة.
كلما دخلت دار احد معارفي من العوائل المنحدرة من عالمنا العربي ـ الاسلامي اجد التلفـزيون مفـتوحا والصور تتوالى وتتغير بينما نحن نتحدث ونأكل، ومن حين لآخر تـلقي عـيوننا نظرة على شاشة التـلفـزيون وبشـكل لا إرادي وبلا مبالاة، فـتـخـتـلـط الصور بالأحاديث والاكل . هؤلاء البـشـر، تعـودوا على عـدم الاصغاء ، او سـماع فـقـرة هنا وكلمة من هناك .
ما الذي يغري في هذه الصور؟ ولماذ نترك التلفزيون مفتوحا طوال اليوم؟ هل هو البحث عن المعرفة وبهدف التعلم؟ هل الهدف هو سماع آخر الاخبار؟ هل هو عـطـش للصور بعـد قـرون من الكراهية لها؟ هل هو اغـراء النور الآتي من الشاشـة؟ ام انه رمز للتطور او الثراء بعدما كنا محرومين منه...؟
تهت في البحث عن السبب، لأن موضوع الصورة واسع ومعقـد . فهي تقع في جوهرها على الحياد، ولكنها تـُجذب باستمرار لهذه الجهة او تلك، فهناك صور لها مفعول كالعـسل واخرى كالسم، ومن الصعب ادراك ذلك بسهولة في اول وهلة، من الصعب التمييز بينها. لابد من التـذوق، فهنالك صور نافعة وأخرى ضارة ولها تأثير سلبي رديء على المشاهد .
ورحت أسأل نفسي:
ماهي الصورة ؟
ومن اين أتت ؟
ماذا وجد رجال الآثار من اقدم الصور التي أبدعها الإنسان؟ وكيف تطورت هذه الصور ؟
و كيف تـنظر الأديان السماوية للصورة ؟
وهل ان تأثير الصور تغـير في ما نـشاهده من اتساع لاستعـمال الصور في العالم ؟
الصورة عند الاسلام لم تكن محببة بينما اليوم بدا العكس هو الصحيح.
في بداية القرن العـشـرين لم يكن الكثير من الرجال يقبل على عـمل صورة لجواز السفر بينما الآن الصور مباحة ومقبولة ولحد التخمة .
في النتيجة لم اسـتطع اكمال رؤية الفيلم فأغلقت التلفزيون وبدأت مخيلتي تبحث عن اصل الصورة.
***
اتذكر عندما كنت صغيرا في الخمسينيات بمدينة النجف لم نكن نعرف الصور، كنا في مدينة بعيدة عن المنتوجات الصناعية ولا تصل الينا المطبوعات المصورة، والتي لم تكن منـتـشرة وقتذاك كما في عصرنا الحالي. كانت النجف في صغري تشبه كل المدن القديمة قبل اختراع الصور الفوتوغرافية .
اكتشفت الصور بشكل حقيقي في بغداد وأخيرا في باريس. وها انا اليوم اعوم في بحر من الصور، كمن يسبح ضد تيار الموجات العنيفة، اريد التخلـص من التأثير السحري للصور.
الصورة اليـوم هي ظاهـرة العـصر. نراها بكل مكان ونستـخدمها في الحياة اليومية. ولكن لابد من التساؤل امام دورها المهم في عصرنا الحالي. فما هي ايجابياتها وما هي سـلبـياتها ؟ وهل ان الانسان اهم من الصورة ام الصورة اهم منه ؟
من اهم الصور في عصرنا انتشارا هي صور التلفزيون بلا شك ، حيث تنقـل لنا اخبار العالم ، تنقلنا الى قـلب الحدث، تعرفنا على الشخصيات السياسية ، ولكن بنفس الوقت تجبرنا على تجرّع ما لا نريد رؤيته.
ومن جانب آخر ان الادمان الجماهيري على صور التلفزيون يلغي الاحاديث العائلية المطولة والقصص والحكايات التي كانت سائدة قـبل زمن التلفزيون . وهذا احد الادوار السلبية للتلفزيون.
وقبل التلفـزيون كان للصورة الفوتوغرافية سلبياتها ايضا...
قرأت مرة مقالا ً يقول: ان شخصا ً يطرق باب دار بهدف الدعاية فتفتح صاحبة البيت الباب. فيقول لها الرجل بأعجاب: ان طفـلك جميل جدا. فـتجيـب السيدة: آه انه اجمل في الصورة، وتركض لتبحث عن الصورة كبرهان على ذلك . وهكذا نجد في هذه الحكاية ان الصورة تأخذ قيـمة اكـثر مما تسـتحق عند بعض الناس، لأنه و بالتأكيد يبقى الـطـفـل اجمل بكثـير من الصورة .
في السنين الاخيرة، وبشكل عام تتفرج العوائل العربية – الاسلامية بكثرة على التلفـزيون منبهرة بالصور. ولكن لماذا كل هذا الادمان على الصور؟ فقبل ظاهرة التلفزيون لم نكن نعرف الصور الا ما ندر.
هل انها نتيجة لرغبات مكبوتة عـميقة مضت عليها قرون عـديدة. وهاهي اليوم تصعد وتعود بسرعة وخلال بضع سـنوات؟
ندع التـلفـزيون مفـتوحا ً وكأن الحديث مستمر، بينما الحقيقة هي، ان هنالك شخصا خلف الشاشة هو الذي يتحدث وحده سواء نرضى بما يقول او لا نرضى...
ولكن أين تكمن رغبتنا؟
هل في مشاهدة الشخص المتحدث ؟
ام في سيل الصور المنهمر من هذا الجهاز الصغير ... ؟
دخلت مرة دار احد معارفي فـنهض لاستقبالي مرحبا، وبعد المصافحة ركض يفـتح التلفـزيون وهو يعتـذر لكونه مغلقا، ولم اجرؤ القول انني اتيت لرؤيته لا لرؤية التلفـزيون . بينما في المجتمعات الاوربية فالعكس هو الصحيح ، أنهم يغلقـون التلفزيون عند مجيء زائر لهم .
هل ان التلفـزيون علامة من علامات الثراء ودليل على التطور ؟ ام انه دين جديد ؟ نسجد له بخشوع كل مساء . .
هل انه المعـبد الجديد ... ولشعوب كثيرة على الارض !
صور جذابة متحركة وملونة غاية في الاتقان ولكنها هنا تخدم الدعاية والاعلان والرأسمال التجاري وهناك صور اخرى تخدم رجال السياسة ... وهكذا
في مجتمعاتنا الاسلامية القديمة كانت صور الكتب هي الأهم . ولكن الكتب في الزمن الماضي كانت محصورة بيد جمهور مثقـف قليل العـدد وعامة الناس آنذاك لم يشاهدوا تلك الصور .
كانت هنالك ظاهـرة مؤقتة للصور الشعبية المطبوعة... استمرت حوالي النصف قرن وأختفت منذ سنوات قليلة. وموضوعاتها كانت تعكس المخيلة الشعبـية منها : " سيرة بني هلال " وصور " مقتـل الحسين " كذلك صورة البراق الذي كان يُرسم على شكل حصان و برأس فتاة. اتذكر انني اشتريت عددا مختلفا من هذه الصورة في القاهرة في الثمانينيات ومما كان يطبع في مصر آنذاك ، كانت الفتاة دائما الممثلة المصرية الأكثر شهرة في زمن طبع الصورة .
تباع سابقا هذه الصور في بعـض الدكاكين، او في ساحات شعبية ، كما شاهدت ذلك في المغرب والجزائر في السبعـينيات، حيث تجمع الناس حول الراوي يسـمعون الحكايات، وعـندما تنتهي الحكاية، يبيع لهم تلك الصور التي تحتل مكانها على جدران بيوتهم.
ولكن هل يمكن مقارنة تلك الصور بصور التـلفزيون الحالية ؟ ان الصور القديمة على بساطتها وسذاجتها كانت تنمّي من مخيلة الجمهور. فالكل أي كل المشاهدين يحفـظـون القصص الطويلة عن ظهـر قلب، والصورة الصغـيرة تكون كملخص مرئي لكل قـصة . الجمهور آنذاك هو الذي ينسج فلم القصة في مخيلـته امام الصورة المطبوعة، بينما صور اليوم الكاملة والمتحركة، الوفيرة المعلومات لا تترك لمخيلة المشاهد امكانية التدخل والتأمل. صحيح ان الصورة التلفزيونية يمكنها ان تكون وسيلة تطور ثقافي، وهي قادرة على ذلك، بشرط ان ننظر اليها بوعي وأن نحاول اختيار الصور الجيدة منها، لأن مجرد النظر لأي صور كانت ، وبكميات كثيرة، سيؤدي في النتيجة إلى خنق مخيلة المشاهد ، والحد من التطور الثقافي .
حتما ان الصورة يمكن ان تكون وسيلة ثقافـية . ولكن عن أي صورة نتكلم ؟
إن النقد الذي اوجهه هو للصور التي في النهاية لاتدفعنا للتأمل والتفكير... النقد للصور التي تنهك الإنسان ولا ترفعـه إلى الالتقاء باحساساته... بينما الصور الجيدة والجميلة تضع الانسان بأحسن حال. ان المتعة الآتية من الجمال تتحول الى طاقة ايجابية نحو الارتقاء، بينما الصور الرديئة تزج بالانسان في متاهات الحزن والتخلف...
يرى العلماء بأن الانسان الذي يشابهنا يعود الى حوالي 300 الف سنة. وأقدم صور معروفة عملها البشر تعود إلى ما قبل حوالي 30 الف سـنة ، في كهوف بجنوب اوربا . رسـوم حيوانات وعلامات متعددة تعكس الحياة اليومية للانسان القديم . رسمها الانسان من الطين الملون بالدم وسخام الدخان على الجدران الصخرية للكهوف .
صور يرى الباحثون انها عملت بدوافع فطرية، وكان هدف الانسان منها اعطاء الثقة لنفسه بنـفسه. وليطمئن ذاته بالسيطرة والانتصار على الحيوان والطبيعة .
تدريجيا ً تطورت هذه الصور حتى الحضارات القديمة: السومرية، البابلية، الاشورية في وادي الرافـدين. فأخذت الصور تعكـس الاعتقاد الديني او تسجل مراحل تاريخية. وكل من يملك الحكم سوف يفرض افكاره: كمسلة " نرام سـن " المحفوظة في متحف اللوفـر بباريس حيث نرى الملك الاكدي يقود الى شمال العراق حملة عسكرية يعتقـد المؤرخون انها للسيطرة على منابع القار والنفط ... نراه منتصرا ً وأعداؤه يتساقــطون .
وفي مصر القـديمة انتجت الحضارة الفرعونية صورا من كل الأنـواع، ربما تكون اجمل ما خلق البشر من الانتاج الفني. عملت التماثيل والصور بمواضيع عـديدة وكانت على غاية من الاتقان الفني... واستخدمت لتزيين المعابد والقصور والمقابر .
في المعابد الدينية المصرية كانت الآلهة انذاك اكثـرها من الحيوانات يرسمها وينحتها مختصون بهذا العمل. فأمتلات المعابد بالاشكال العملاقة الخارقة : ارادوا استمالة او السيطرة على كل ما يرهب الانسان . وكان لكل حيوان قدرات خصوبة او قوة استعانوا بها .
كل هذه الاعمال الفــنـية كان ينــظراليــها بقدســية انذاك . وكانت العلاقة معـها تخـتــلف تماما ً عن علاقــتـنا اليوم بها ، فـنـحن ننــظر لها اليوم كأعمال فــنية ونســميـها تماثــيل بـينـما انــسان ذلك الزمن ينظر اليها بخـشـوع وهلع وكانت تعرف كآلهة .
كان الهـدف من هذه الاعمال الفــنية هو ممارسة تأثـــير اخلاقــي على المتعــبدين . يتـوجه اليها الجمـهور الشـــعبي بالدعاء لتحــقيـق مطالبه .
او كانت بهدف سياسي لتأكيد طاعة الشعـب لسيده الحاكم .
وهكذا ان ما نسميها اليوم تماثيل ترقد في المتاحف كان اكثرها في عهد مضى آلهة للناس. وكان هؤلاء البشر يؤمنون بشكل قاطع بأنها تقرر مستقبل الانسان وتؤثر عـليه. يتضرعون اليها في حالات الأزمات والمرض آملين منها المساعدة . وبالتأكيد ايضا أن جزءً كبيراً من أبطال هذه الاعمال الفنية لعب دورا سياسيا . فمن يتجول في اروقة هذه المعابد والقصور يرى صور رجال الحكم وانتصاراتهم على الاعداء. كصور رمسيس الثاني منتصرا على جدران معابد مصر القديمة. وفيما بعد يكرر الاشـوريون نفس مواضيع المنحوتات البارزة والذي كانت تمثـل غزوات سرجون الثـاني وانتصاراته. فالمنحوتات ترهب كل من يدخل المعالم المعمارية .
هنالك فترة قصيرة حدثت فيها تساؤلات في تاريخ الفن المصري القديم . فعـند وصول اخـناتـون الى الحكم في القرن الرابع عشر قـبل الميلاد اهتم كثيرا بالشكل الفـني.. قبل اخناتـون كان النحاتـون يغيـرون من صور البشر والحيوانات ويعطـونها صفات لايملكونها. وخصوصا كل ما يتعلق بالآلهة . مظاهرهم كانت محورة وغير طبيعية. وبحجوم عملاقـة وخارقة للعـادة .
ولكن عند مجيء اخناتون طلب من الفنانين ان تكون الصور مطابـقة للاشكال الطبيعية. أي عمل ماهو مرئي وليس ماهو متــخيل. وهكذا غير قواعد الجمال في مصر القديمة.
اما بالنـسـبة الى الآلهة فـمنع اخناتون تعـددها وابقى على إله واحد فقط
وهو " آتون " الذي طلب ان يكون شكله على شكل قرص الشمس والاشعة المنبعثة منه .
سجل زمن هبوط الحضارة المصرية تراجع الفن المصري وأرتقاء الحضارة اليونانية. رفض الاغريق فكرة المصريين في عبادة الحيوانات، ووجدوا انها لا تصلح الا للنذور، او الاحتياجات اليومية للبشر. وقرروا ان تكون صور الآلهة على شكل صور البشـر ولكن بجماليات خارقة للعادة .
عندما كان يُطلبُ من احد النحاتين في ذلك الوقت عمل آلهة أنثى، يطلب النحات ان يأتوه بأجمل شابات المدينة ليختار من كل واحدة الجزء الأكثر تناسقا، وبالتالي يجمع كل ذلك في تمثال واحد. وهذا ما سمي " بالجمال المثالي " أي الجمال الذي لا مثيل له من حيث الروعة والقياسات السليمة حيث لايـوجد على الارض. ونرى هذا مجسدا في تمثال " فينوس " بمتـحف اللوفر بباريـس. او ما اكـتـشف في قاع البحر في اليونان لتمثال من البرونز يعتقد انه كان يمثل شـيخ الآلهة " زوس " حيث الجسم يـشابه جسم شاب رياضي والرأس يمثــل الحكمة والـتأمل .
ان هذه الطريقة في عمل الفـن دفعت الفيلسوف افلاطون على الثورة والرفض لهذه التقاليد ، اذ يقول : " ان هذا الفن لا يمكنه الوصول الى الحقيقة ، بل على العكس انه يحيد الانـسان عن طريق الحقيقة " وبالنسبة الى افلاطون، ان الصور كلما كانت فاتـنة ومغرية فانها سـتلعب دورا سـيئا ً في المجتمع .
عندما حكم على الفيلسوف سقـراط بالموت ، تسائل افلاطون : ماذا يجب عمله لكي لا يكرر البشـر نفـس الجريمة في الحكم بالموت على رجل مثـقف كسقراط . ولم يجد الا جواباً واحداً : التربية .
وكان يرى ان المدينة يجب ان تحكم من قبل الفلاسفة، وتخيل ذلك في كتابة "الجمهورية" حيث يتعلم الناس في هذه المدينة الفاضلة، الشعر والفلسفة، الموسيقى والعلوم، ويتعلم الانسان ما يخفى خلف المظاهر. ويعطي مثلا ً لذلك:
سُجن رجال منذ ولادتهم في كهف مظلم، ولا يرون شيئا ً سوى ظلال تماثيل متحركة، يرفعـها اشخاص على رؤسهم. وبسبب وجود جدار يفصل بين السجناء والاشخاص الذين يحملون التماثيل، لذا فكان السجناء يرون الظلال فـقط ولا يرون حاملي التماثيل. وكانوا متأكدين ان هذه الظلال السوداء المتحركة هي الحقيقة .
وفي احد الايام يهرب احد السجناء خارجا من الكهف فيرى النور، ويكتشف ان الظلال التي كان يراها في الكهف ما هي الا صور، وأن الحقيقة موجودة في الخارج. وعندما اعاده الحراس للسجن ، اخذ يقص ما رآه للسجناء الآخرين، ولكن لم يجد احداً يسـمعه .
يقول افلاطون في هذا المــثال ان الفــكرة تخـتـفي خلف الظلال .
وأن الانــسان لايحب ان يقـبــل بأكتــشـاف حقــيــقة تخــتـلف عن معــتـقـــداته الاعـتيــادية .
ولو نطبق افكار افلاطون اليوم على اكثرالصور التي نراها يوميا ، ونحاول التفكير بما هو خلف الصور التي نشاهدها في الافلام و التلفزيون لنجده محقا فيما يقول، فأن نرى فيلما من بضعة دقائق ، نعرف ان المخرج طلب من مصورية عمل الكثير من الصور ولعدة ساعات قبل ذلك وأختار فيما بعد ما يناسبه بعملية المونتاج ، ورمي الباقي . وهكذا تكون الحقيقة حقيقة المخرج . ولو يأتي مخرج آخر لكان عمل شـيئا آخر من نفس الصور الأولى . ويكون بذلك قد اعطى حقيقة ثانية .
ويمكن ان نأخذ الموضوع بشـكل آخر.. شركة تجارية تسعى لتصريف منتوج لها فتدفع مبالغ باهظة لمخرج من اجل عمل فـيلم دعاية لدقيقة واحدة . فيصور مخرج الفلم الكثير من الصور لعائلة جميلة في بــيت جميل واطفال بملابس جميلة، يلعبون في حديقة جميلة كالجنة ، ويستهلكون ذلك المنتوج اللذيذ أو الجميل. يلتقط المخرج اجمل الصور في دقيقة واحدة. ويعرضه كفلم دعاية. في اليوم التالي ترتــفع المبـيعات لذلك المنتوج. رغم وجود شركات اخرى تـنتج منتوج افضل وأقـل سعرا. وهكذا يمكن ان نقول ان الفكرة خلف صور الدعاية الجميلة هي الربح المادي قبل ان تكون بحثـا ً عن حقيقة الجودة للمنتوج .
ان الصور هي وسائل تعود لمن يستخدمها وبالاتجاه الذي يبغيه. وبعدد اختلاف افكارالتيارات البشرية تتعدد اتجاهات الصور. وعموماً ان الاقتصاد والمال هو اليوم الموجه الاكبر للصور. بينما في السابق كانت السياسة والاقطاعيون وبعض الاديان.
المشاهدون هم انفسهم في كل زمن، الطبقات الشعبية العريضة المراد التأثير عليها. ولحد اليوم يبقى المشاهدون للتلفـزيون بكثرة هم الطبقات الشعـبية.
ويعطي فريد الدين عطار في القرن الثالث عشر قصة الفراشات والشـمعة للتأكيد بأن صورة الشمعة هي ليسـت حقـيقة النور:
اجتمعـت بعض الفراشات في احدى الليالي ، وتساءلن عن ماهية الشـمعة والنور ؟
كما نتـساءل نحن اليوم عن ماهية الصور... في هذا المقال..
فـذهبت إحدى الفراشات لرؤية شمعة قريبة، ورجعت تصف على قـدر فهمها ما رأت.
ولكن " الفراشـة الحكيمة " التي ترأست الجلسـة قالت لها: يا عزيزتي انك لم تحظي بمعرفة حقـيقة النور .
فطارت فراشـة اخرى الى نحو النور وطافـت حول الشـمعة ولامـس جناحاها اللهب ، ثم رجعت تـقص للاخريات بعـض الاسـرار عما رأت وما تحسـست . ولكن " الفراشـة الحكـيمة " قالت لها: ان وصفـك يبـقى ناقـصا وغير مقنعا ً.
فـنهضت فراشـة ثالـثة ، ثملة ونشـوانة من حبها للنور ، ذهـبت وارتمت على لهب الشــمعة فاحتـرقـت وأصبحت حمراء اللون كالـنار تماما ً .
وعندما رأت " الفـراشــة الحكيــمة " ان الشـمعة قـد غـيرت لون الفـراشـة ، قالت ان هذه الفراشـة قد توصلت إلى ما تريد معرفـته .
اما في الاديان الســماوية فأن الصورة مـنذ الـبداية مرفوضة عند اليـهود . ان الوصية الــثانـية تمنعها : " لاتعـمل ابدا ً صور منحوتة ... " . ونقرأ ايضا ً في ســفر التكوين :
موسى : اريد ان ارى صورتك
الأله : لا تســتطــيع ان تراني وتبــقى حيا ً .
بيـنما لعـبت الصورة دورا ً مهما ً في العالم المـسـيحي : " ان الاله خلق الانسـان على صورته " مما دفع بعـض الفــنانيــن لتــصوير الاله في شكل بشــر ولكن بأعــطائه هــيـبة اكبر . وأهم مثال على هذا تصوير الإله في سـقــف معـبد سـكســـتـيـن داخل الفاتــيكان بروما من قبل الفــنان ميخائيل أنجلو في القرن الســادس عــشر . وهـو يمد اصبعه الى آدم كي يلامـس اصبعه وبذلك يمنحه الحياة .
ولكن هذا لم يرق لبعــض المــسـيـحــيـين وأســتـغـربوا من اســتطاعة الفــنان ـ الإنـسـان تــخيل خالـقه. كانوا يرون في ذلك كما لو أننا نؤمن بأن الطين يستــطيع ان يخلق صانع الفخار . وأمتد النزاع الى الطبــقات السـياسـية العلـيا . وانتـصر مؤيدوا الصور تارة، والمعارضـون لها تارة أخرى.
الامبراطورية الرومانية منعـت الصور مابيــن سنة 235 و 476 ميلادية . ويقول الفـيلسـوف " زنون " في القرن الثالث : " ان الإله هو الوعي الكوني وانه موجود بكل مكان ولا يقــبل تمــثالا ولا معبدا ، المكان الحقــيقي له في الســماء المأهولة بالنجوم " . المـشــكلة التي كانت تـثــير الكـثــيرين في ذلك الزمن هو ماهــية الصور والتـماثـيـل . هل انها مجرد احجار وأصباغ تــشـير الى الآلهة فـقـط، ام انها تملك القدســـية لانها تمــثـل الآلهة ؟
الجمهور الشــعـبي البــسيــط يخلط بــين مادة الصـور وبــين الآلهة نفــسها ... في كل الازمان يريد الجمهور العريض صورا ً تـجعل الآلهة مرئية ومعروفة . فكان يعـبد الاصنام التي هي مجرد احجار ويطلب مسـاعدتها في كل نكــباته .
في حوالى عام 600 ميلادية ، امر " ســـرنوس " اســقـف مدينة مرســـيـليا بجــنوب فرنــسا بتحــطيم كل الصور والتــماثـــيل الديــنـية في مرسيـــليا . وكان البابا في ذلك الوقت يســمى " كريكوار الكبــير " فأحتــج على ذلك وكــتب اليه معاتبا ً، بأن الصور هي موجهة للأميــين الذين لا يعرفون القراءة ، لغرض تعلــيمهم بقـصص الـكـتاب المـقدس ... مكافأة الجنة وعذاب النارمثلا ً ...
لم يكن يقــبل سـرنوس رؤية الناس وهم يقــبلـّون هذه التــماثــيل معـتــقـدين انها تملك القـدســيــة بيــنما هي في الحقيقة احجار منحوتة لا اكــثر .
في زمن ســرنوس كان العرب يعـملون نفــس ما يعمله سكان مرســيليا . كانت الــقبائـل العربــية تــتجه الى مكة لعــبادة آلهـتها وهي تـنـــشـد الشـعر ...
واللات والعـزى
ومناة الـثـالـثـة الاخرى
فانهـن الغـرانيـق العلى
وان شـفاعـتهــن لترتجى
يـقول المؤرخون انه كان في الكعبة وحواليها 360 تمثـال وصورة تعـبدها القـبائل العربية .
ولكن مع مجيء الاسلام رفعت هذه التماثــيل والصور . وعندما طلب من الفـنـان المــسلم فيـما بعد عمـل ديكور للمعالم الديــنية ، لم يسـتــطع تصويرالأ له لأن الإسلام لم يحدد شـكلا يشخص الله وفي القـرأن نقـرأ " الله نور السـمواة والارض " فأكـتـفى الفـنان المـسـلم بخط اسم " الله " وآيات من القرآن . وحاول المهنيــون فيما بعد عمل هالات من النور آتـية من المواد التي عمل الخط علــيها كما نرى هذا في الســيراميك حيث تغــلف مادة الزجاج الطابوق الملون . وكـذلك بأسـتعمال تدرجات لونـية تجسيدا للايـحاء بالنـور .
وبشـكل عام ومنذ قـرون لم يـمـنع الاسـلام الصور انما ظلت غـير محبـبة في بعض الاحيان . أختــفـت الصور تماما ً من المعالم المعمارية داخل المديـنة . بـيـنما أسـتعـملت في الكـتب كأداة توضيح بأهداف ثــقافـية وتربوية . اما في ديكور المعالم المعمارية فــقد اسـتـعـمل الخط العربي بشــكل واســع واصبح كبـيرا ً جدا ً ، على عكـس الحضارات الاخرى والتي نادرا ً ما اعـطت الخط حـجما ً معــماريا ً .
واســتعـملت ايضا ً العلامات التــجريدية ، فأصــبح الديكور الاســلامي ديكورا تأمليا يعــطي المــشاهد مجالا ً واســعا ً للتــدخل وتـفـــســير الأشــياء المرسـومة ومن هذه العلامات : صور ورد وغــصون ولكـنها ليـســت مرسومة بشــكل طــبــيعـي ، وأنما يعاد رسمها على خلفـية هـياكل هـندســية ، الهـدف منها الايحاء بحديــقة الجــنة . وخطوط اخرى مــسـتــقيــمة تـتــشـابك فيما بـيـنها وتــتـكـسر فـتــكون بألتــقائها شكــل نجوم بهــدف الرمز إلى الكواكب، ولعكـس صورة قبة السـماء .
كل نجمة وحـسـب عدد اذنابها تعــكـس شـكل مربع ســحري فيه ارقام وحــسابات رياضية تمثــل الكواكب الســماوية . وان كان الجمـهور لا يســتطيع ترجمة كل هذه الرموز ولا يســتـطيع قراء ة النصوص المخطوطة فأن ذلك سـوف يفــتح المجال واسـعــا ً امام تخــيلاته . امام صور تجريدية غاية في الاناقة والجمال قام بعـملها كبار الفــنانــين .
حتما ً ان هـنالك علاقـة بين اختـيار التجريد في الفـن الاسـلامي والصحراء . لأن الاسـلام جاء من الصحراء ولأن من يسـكن الصحراء يعرف ان الصور هي في المخيلة اكثر منها في الاشـــياء المادية ... ولاننا في مجال الفـن فلابد من القول ان الفـن ليــس هـدفا ً بذاته ، انما هو طريق لتحرير اللاوعي . ان ما يكـتــنزه اللاوعي البـشـري يمكن ان تكون الثروة الوحيدة التي لا تـخضع لســيطرة العـقـل الواعي . وهي امكانية مهمة لمعرفة اللغز البشـري .
لم يهدأ النـقـاش حول الصور في العالم المــسـيحي ومن وقـت لآخر تعـود المعاداة للصور . فـبعد مجيء الاسـلام بقرن واحد يذكر لنا المؤرخون تحطـيم الامبراطور البــيزنطي " ليون الثالث " عام 730 لتمـــثال المـســيح في مدخل القصر الامبراطوري في عاصمة الامبراطورية البـيـزنطـية ( اسطـنـبول الحالية ) . ادت هذه الحادثة الى نـشــوب حرب اهـلـية اســتـمرت حتى عام 843 حيث رجعـت الصور ولكن على شـرط ان لا تملك ظلا ً بمعنى آخر تـشابهاً وهو ما نسـميه اليوم برسوم الكارتون . والمقصود بذلك ان الفنان يجب ان لا يعمل رسوما مشابهة لما هو في الطـبيعة . ولا يجب ان يوازي الخالق في صنعه .
بلا شك ان العالم المـسـيحي تأثـر في ذلك الوقت بمواقــف بعض الفـقهاء المـسـلميـن ، فـنحن الآن في بدايات ولادة الـفن الاسـلامي . وعندما وردت التـساؤلات عند فـناني الاسـلام ماذا ســنـرسم على الجدران . كان رد الفـقهاء قاطعا ً: لا تماثـيل ولا صور فأننا لا نريد تكرارعبادة الاوثـان .
اعود للعالم المـسيحي فـفي هذه الفـترة أي في القرن الثامن ولد تـيار أراد ان يمنع الايقـونات و يلغي الصور من المعالم المعمارية كما في الاسلام . وتيار آخر على العكس يرى في ذلك نوع من الهوية للعالم المـسيحي بعبادة الايقونات وبالتالي كانوا يرون ان هذا ما يفــرق بين المـســيحيــين والمسلمين .
دافع عن الصور في العالم المـســيحي وأيد اسـتعـمالها شــخصية معروفة اســمه : "جان الدمــشــقي " والذي كان معروفا ً في الاسـلام تحت اسـم " منصور " لانه كان يعمل مســتــشارا ً للخليــفة الاموي ( عام 730 ميلادية ) كان يؤيد فكـرة اســتعـمال الصور هو ما يميز المـســيحـيـن عن الاسـلام ، وكان يرى ان الصورة تـمثــل تطوراً للمحـســوس نحو المعــقول . بل انه ذهب الى ابعد من ذلك في المبالغة بالدفاع عن الصور الدينــية فـقال ان تمــثالا ً يصور المــسـيح لم تعد مادته مجرد حجر انما الحجر اكتـسـب قدســية لانه جسد دور تمثــيل المسـيح .
ويمكن القول ان النـقاش حول الصور لم يتـوقـف ابدا ً في العالم المــسـيحي ، ولكن المعارضة للصور ضعـفـت تدريجـيا ً . بل ان التــيار المـشـجع للصور حقـق نجاحات هائلة فيما بعد في الفن التــشـكيلي وخصوصا ً في فـترة عـصر النهـضة الاوربـية حوالي القـرن السـادس عــشـر . اذ اغـنـى ما عمله الفـنانون الاوربيـون الانسـانية جمعاء بتـراث جمالي ساعد على تـنــمية الذوق البــشـري وتطور الانسان في اكتــشـافاته للطبــيعة .
وقد جرب الفـنان الاوربي طرق تـقــنية مـتعـددة في العمل التــشـكيلي كالفريــسك وهو التصـوير بالالوان على نوع من الجص الرطب والموزائـيك وهي الصور المعمولة من قطـع الحجر الملون . وفي مجال التـماثـيــل فأن اكثـر النحاتـين كانوا في نفــس الوقت معـمارييـن فـخلفوا لنا معالم مدهــشة ، اذ تحولت البــنايات الى مايــشـابه الاعمال النحتــية العــملاقة .
اما في العالم الاسـلامي ورغم عدم التــشـجـيع للصور فأن العـديد من الفــنانين الكبار أثروا التراث الانـسـاني ببحوثهم الفــنية بصور الكــتب فرسـموا نتـاجات مـشـاعـرهم الحســية الرهــيفة ، وتمــيزوا بقدرات عالية على الملاحظة والرؤية للطبــيعة ، واسـتــلهامهم منها . وعلى سبــيل المثال الفــنان يحيي الواسـطي في بغداد ورسـومه التي تعــكس اجواء الحياة في العراق في القرن الثالث عــشـر، عـبر اخــتـزال للاشـكال ، وتوزيع ذكي للكتــل في الفـضاء . و اســتعماله منظور البعد الواحد على السطح التــشــكيلي . ان أي مشـاهد درب عــينيه على التأمل في الصور يثـمن بدهــشـة قـدرات هذا الـفـنان . فـنكاد نتـعرف على هؤلاء البــشـر وعلى حياتهم وملابسـهم من خلال تلك اللوحات.
وبهـزاد الفنان الايراني ترك لنا صور مؤرخة في نهاية القرن الخامس عـشر لمواضـيع من الحياة الواقـعـيـة . كصورة لعمـال البناء في قصر الخورنق حيث نرى حوالي عـشـرين عاملا يتـوزعون على العمل كل حـسـب دوره . ألوان بلون التـراب والطابـوق ...انسيابية الأشـكال في الرسـم ...ديـناميكــية الاشــخاص ... تكوين عام متــين حيــث يدخل الفـنان كل الاشــخاص في دوامة متحركة . .. فـتــدب الحـياة في الرسم عندما نتأمله، رغم القرون العديــدة التي تـفـصــلنا عن تاريخ رسـمه .
في صورة اخرى لنفــس الفــنان تخيل فيها الخليــفة المأمون في الحمام وهنا تـبدو عبقــرية الـفـنان في اعادة تركـيب اجزاء الحمام كما يريده هو في الرســم فيخــتـلط الخارج بالداخل ونرى كل الصالات ... المأمون ومـساعديه ... عمال الحمام يؤدون ادوارهم ... ولكن لم ينـس بهزاد انه فنان وانه يعمل قطعة فــنية ، فـيـسطـّـح المنـظور عبر بعض الاشكــال وعبر تـقـنــية عبقـرية يجعلنا نشــعر بالأبعاد والعـمق . وعلاوة على المهارة العالية والدقة في التصوير والمعرفة الكاملة لمواد الالوان ...فأن ما يــبهرنا عنده هوالــتكوين المعماري الذي يوحي بالاتساع والعلو .
ولكن عبــقرية الفــنانين المـسـلمـين تحولت بشــكل واسع وفي اكثــر المدن الى مجال الخط والزخرفة وليس في الكـتب فـحسب بل انهم ساهموا بشكل واسع مع المعماريين في رسم اشكال البــنايات وزخارفها .
ان استمرارية استعمال الخطوط والزخارف لقرون عديدة ادى الى بحوث كثيرة في مجال الشكل والمواد عبرسلسلة من اجيال الفنانين. فبسطت اكثر الاشكال وأختزلت، بل ان الفنانين الذين عملوا مع المعماريين والبنائين اخضعوا الاشكال الفنية لحاجات المواد نفسها وبذلك تعدد الابداع فأن الخط على الصخر لايشابه رسم الحروف بالسيراميك... والكتابة بالطابوق ألغت من الحروف اســتداراتها وأعـطتها خطوط مستقيمة ومظاهر هندسية وتكوينات محســوبة ومدروسة. وهذا ما نراه في الخطوط الكثيرة بمعالم اسيا الوسطى واصفهان اذ يتعادل شكل الحرف والفراغ المحيط به، ويتركز بحث الفنان على جانب تشكيلي الا وهو اجبار الحروف على الاطاعة والدخول في المساحة المطلوبة. بينما ان الحفر على الصخر وصلابة المادة ادت الى انعدام الفراغ بين الحروف، فأصبحت الحروف ككتل معمارية لها قدرات تعبيرية كخطوط مسجد السلطان حسن في القاهرة .
ان هذا الاستعراض السريع لعالم الصورة في حبها او كراهيتها يدفعـنا ان نبحث عن اجوبة عـقلانية لها رغم اننا في مجال الفـن ، فأن العلم والفـن هما اخوة يحتاج احدهما الآخر باستمرار .
ان الدراسات العلمية لدماغ الانسان في عصرنا الحالي تؤكد ان الانسان بحاجة لأستهلاك الصور أي لابد من رؤية صور. ولكن بنفس الوقت ان الانسان بحاجة لتحرير الصور ايضا. اي لابد ان ينشـط مخيلته ليعمل الصور في ذهنه. وهكذا ان قلة الصور سيؤدي إلى ضرر للانسان وكثرتها ستضر أيضا. فإذا لا نرى صورا ً سـنشعر بان شيئاً ما ينقصنا، وأن نمضي ساعات طوال في رؤية الصور فسوف نتعب أذهاننا. وهذ هو سـبب هذا الحديث والمقصود هنا هو التـلفزيون وكثرة صوره .
هنالك تقرير كندي يخص الشباب الصغار، يقول: ان هؤلاء في عصرنا الحالي اصبحوا شهود عبر الصور على عشرات الحالات من القتل والاغتصاب بسبب الافلام والتلفزيون. مما لم يكن يعرف ذلك شباب بعمرهم قبل قرن .
ان رؤية التلفزيون لساعات طويلة يجعل من المستحيل على الدماغ هضم آلاف الصور بسهولة ، لذلك سيبقى جزء منها غير مهضوم ومشوش ينتظر المجيء والتأثير على الانسان في ساعات ضعفه النفسي كما الكابوس. فـتتدخل هذه الصور وتلعب دورا في قيادة الانـفعالات .
ان الصور الكثيرة التي نرسلها للدماغ قد تشغـل الفراغ المتوفر للتخيلات والابداع. وبذلك يحدث العكس تماما لما ينتظر البعض من التلفزيون كجهاز ثقافي. ان الصور بلا شك هي ضرورة للتربية والثقافة وتنمية الاحساس ولكن بشرط تحديد كمياتها، وعبر التخمين والحدس او بالاستفسار من الاختصاصيين وقراءة آراء الـنـقاد لتــقدير نوعـيتها وأهمـيتها. فهناك صور تبني وهناك صور تهدم . وهناك فلم سينمائي يجعلنا اكبر، وآخر يحولنا الى اصغر و يحطم اعصابنا ...
ذاكرة الانسان تختلف عما هو في غيره من الاشياء . فلحبة الأرز مثلاً ً ذاكرة أيضا. وكما يقول مثـل شعبي من مدغـشقر : " حبة رز مزروعة، مائة حبة محصودة " وهكذا ان ذاكرة الرز لاتعرف الا تكرار صورتها . بينما ذاكرة الانسان تتطور وبحاجة مستمرة للتربية والتعليم. لأن ذاكرة الانسان فيها جزء وراثي ، وقسم آخر كالصفحة البيضاء ، يطلب املاءه ...
ان الصورة هي اسرع من الكتابة لإيصال المعلومات للدماغ. ولهذا نطرح هنا الاسئلة حول دور الصور وعلى الاخص التلفزيون ...
ومن الطبيعي ان كل ما يشبه التلفزيون من صور يشكل نفـس النوعية من العطاء والأخذ، ولكن من الاكيد مثلا ً ان نمضي ساعة لرؤية الانترنت سيكون افضـل من ساعة امام التلفزيون. لأن الانترنت يعطينا امكانيات اكبر لأن نتدخل في اختيار الصور ولأن الانترنت يعتمد كثيراعلى النص. لذلك ان بين هذين الوسيلتين فارق كبير .
ان الادمان على الصور هو كالادمان على المخدرات. لا يمكن اليوم للبعض أن يحتملوا غياب التلفزيون من دارهم ليوم واحد. وملايين العوائل تترك التلفزيون يبث نفس المواد من الصباح حتى المساء يـسـمعون نفـس الاخبار عـشرين مرة. لايمكنهم اغلاقه رغم وجود امكانيات عديدة للبقاء في اتصال مع العالم وسماع الاخبار. ان للصور سلطان علينا... نعم هناك صور سحر. بعض الشعوب القديمة التي كانت ترى في النذور والدم المنسكب صورا ً توفر السلام لبعض الوقت. فهل لازلنا بنفـس المعتقدات. اذ ان التلفزيون وفي نشرة الاخبار يوميا يعطينا هذه الصور المثيرة المخيفة... صور الدم المنسكب، ونادرا ما نرى في التلفزيون شــعـرء أو رسامين، يقودوننا بصورهم الى التأمل والتفكير والصفاء، يحاولون معرفة كنه الانسان وجوهره .
وبفضل الكاميرا نرى اليوم مساوئ الإنسان اكثر من خيراته. ولكن ان نضع ما ابدعه الانـسان من اشياء جيله الى جانب المساوئ سيكون ذلك عمل تربوي ويدفع المشاهد للتأمل. ان رؤية الحقيقة البـشرية بكاملها يدفعنا الى التفكير، بينما رؤية جانب واحد منها يدفعنا الى التشاؤم على مصير الانسان. يربط الادباء والفنانـون الانسان الحالي بالذاكرة الجماعية للانسانية. وحدسهم يقود الى رؤى مـسـتقبلية .
سحر الصورة شيء زائل فان اعجـبتنا اليوم صورة ، فـسوف لن ننظر إليها غدا بنفـس الاعجاب، ونبحث عن اخرى اكـثر اثـارة منها ونبقـى دائما ً في عـطـش للصـور. بيـنما الصور المتخيلة في الاعمال الفنية ، والعلامات، والخطوط العربية المتشابكة اعلى المعالم المعمارية والشعر، فأنها على العكس يمكن ان تكون منابع مستمرة لتخيلا تـنا... فأن كل هذه التـعابير الفنية لا تمنح نفـسها من اول وهلة وانما تطلب من المشـاهد هو نفسه إكمال العمل الفني... تجبره على التأمل والتصور، لكي يرى الانسان الأ شياء بوضوح ولكي يعطي لها التفـسـيرات الاقـرب الى احتياجاته النفــسـية وكل فترة من الزمن تتغير التـفسيرات حسب حاجة الانسان. ولهذا فان بعض الاعمال الفنية تجعلنا نـشعـر بالارتياح. بينما ان صور التلفـزيون تكون دائما منهكة .
الصور الكثـيرة لا تسمح لنا بالرجوع الى عالمنا الداخلي لإيجاد رؤية سـليمة للأ شياء ولهذا قال الشاعر الفرنسي جوبـير " اغمض العــيون وســترى " . وبنفـس المعنى قال فريد الدين عطار :
" تعلم من الاعمى ســر النظر " .
ان قدر الانسـان على الكرة الارضية ، ومنذ القـدم يســير عبر تـيارات متعــددة من البــشــر تـلـتـــقي مرة وتــتـباعد مرة اخرى ، تـتــحارب اليوم ، وتـنــهك غدا لتحقــق السلام ، وعندما تطول فــترة الســلام تعــود من جديد الرغبة بأشــعال الحرب وهكذا ولا يمكن اعطاء فكرة عن الحياة باختــيار تيـار واحد ، تيار المحاربين و بأعــطائه الجزء الاكبر من الصور . والتعــتــيم على التــيار الســلمي من الجماهير والقسم المبدع من الشـــعراء والادباء والموســـيقــيـــين و الفنانيــــين التـــشكــيليــين .... تيار يـبــدع ويخـلق ماهو غـير معـروف، رغم انه آت من تراث الماضي ولكنه المــسـتــقـبل ... تيار يوفر للانــسانـية فرص الالــتـقــاء والتــفاهم .
ان التــعـتــيم على المبدعــين ما هو الا خســارة لشـــعوبنا التي هي بحاجة لكل ما ينــشــط مخيــلتــنا نحو التــقدم واللحاق بدول العالم المتطور .
وأخيراً اعود لذلك الشــاب الذي كان في غرفــته يصلي أمام جهاز التـــلفزيون المفتـوح . انه نموذج للكــثــيرين من العراقيـــين اليوم . انه من العوائل الفقـــيرة والتي تعيـــش في بلد غــني . نعم هكذا يـســمى الآن بلد مثــل العراق " بلد غني وشعــب فــقـــير " ولا يكفي انهم سلــبوه كل شيء ماديا ًفحسب، بل فــقد حتى قدرة الاســتماع لما يقال ، حتى أنه أصبح يدرك او لا يدرك فأن لحظات الصلاة والتي هي فرصة للتأمل والخروج من هذا العالم لم تعد بالنـسبة اليه كذلك ... لأن ضوضاء التـلفــزيون حوله تـفــقده الصفاء و امكانية التأمل ... فلا هو مسـتمع لما يقوله التــلفــزيون ولا هو متأمل في صلاته ، ذهنه مكــتظ ومشوش ولم يعد يســتطيع التأمل .
ان الذهن البـشــري هو آخر مكان للحرية ... يستـــطيع الانسان ان يفكر بما يحب ولا يستــطيع اي شخص مراقـبته ، ولكن عندما يكون الذهن ممتــلئا ًبهذه الصور المــشوشة هل سـيــبــقى مكان للتـفــكير الحر؟ بالطبع سيكون الانسان ضحية للافكار السائدة ويفـقد قدرته كإنسان حر في الحكم على الاشـياء .
فما العـمل ...؟ وكيف سـنـتحرر من ســُـلطان الصورة ...؟
للصور الفـباء وكتابة خاصة بها ، فهنالك من يعرف قراءة الصور وهناك من لايعرف ، فـتــخـــتلط لديه الحقـــيقة ووهم الصورة .
ذكر الكاتب الفرنــسي ميـشــيل تورنيه في روايته " القطرة الذهــبية " 1985 قصة صورة جلــبت المــشاكل لكل من امـتـلكها ، حتى يقرر احد مالكـيها في النهاية رميــها في البحر. ثم تدفع الصدفة أن يأتي صياد ويصطاد حوتا ً، فيجد هذه الصورة في معدة الحوت ...يضعها في كوخه على الشاطئ ويـبقى تحت سـلطان ونفوذ تلك الصورة لأيام عديدة ولم يعد لداره ويرفض الذهاب للصيد ... فـتـــقـلــق عائــلته ...
ابنه رياض يتــعلم الخط عند خطاط كبــير ... فيخبر رياض معلمه بمأساة والده ... فـيقـول له الخطاط : ان الصورة ما هي الا مجموعة خطوط ولابد من معرفة قراءتها ... خذ قـلــمك وســنرسم وجها ً ... خذ صفحة من الرق الشــفاف وخط بقلمك على جهة اليمــين العبارة التالية ... فيخط رياض العبارة ... بعد ذلك على صفحة اخرى عبارة ثانــية وعلى صفحة ثالــثة عبارة ثالثــة ... وعلى صفحة رابعة خط على جهة اليــسار العبارة الرابعة واخيرا ً على الصفحة الخامــسة خط العبارة الاخـيرة ...
الآن ضع الصفحات الواحدة فوق الاخرى ... واســتــغرب رياض ظهور صورة وجه ... بعدها قال الخطاط لرياض: غير الآن من ترتيب الصفحات ... فـتــغــير التـعبـــير في كل مرة ... فـقــال الخطاط ان التعبــير يتغــير لأن الصفحة العليا والعبارة المخطوطة عليها تأخذ اكثر اهمية ووضوحا ً من الصفحة الاخيرة ...
والآن خذ يا رياض قـلمك ومحبرتك وأوراق الرق ... اركـض لدارك وأنقـذ والدك من الجهـل بقراءة الصورة ... علمه قراءة الصور...
* حــسـن المــسـعــود ـ باريــس 2006