أنت غير مسجل في منتدى مطر . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا
آخر 10 مشاركات
صدور الترجمة الفرنسية للمجموعة الشعرية "إمين إفري... (الكاتـب : أشرف كانسي - آخر مشاركة : ابراهيم درغوثي - مشاركات : 2 - )           »          فرصة العمر (الكاتـب : محمد حساين - مشاركات : 8 - )           »          مهرجان (الكاتـب : محمد محقق - مشاركات : 0 - )           »          كيف ترسم وجها (الكاتـب : محمد فري - آخر مشاركة : لميس سعديدي - مشاركات : 4 - )           »          يا عايشة مامتيش (الكاتـب : لميس سعديدي - آخر مشاركة : حسين الدمرداش محمد العدل - مشاركات : 5 - )           »          حنيــــــــــــــــــــــــــن (الكاتـب : حسن بواريق - آخر مشاركة : سعاد بني أخي - مشاركات : 2 - )           »          حياة من ورق لمحمد محقق ترجمة مرتضى العبيدي (الكاتـب : مرتضى العبيدي - آخر مشاركة : محمد محقق - مشاركات : 1 - )           »          جزء منــــــــــــــــي ... (الكاتـب : حسن بواريق - آخر مشاركة : حسين الدمرداش محمد العدل - مشاركات : 4 - )           »          توجس (الكاتـب : مليكة الغازولي - آخر مشاركة : محمد عدناني - مشاركات : 9 - )           »          قصيدة لمنتدى مطر (الكاتـب : أبو محمد الديري - مشاركات : 3 - )


العودة   منتدى مطر العودة امتدادات العودة تشكيل

إضافة رد
   
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  مشاركة رقم : 1 (الرابط)  
قديم 02-05-2010, 12:48 AM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 8,878
بمعدل : 13.59 يوميا

نقوس المهدي غير متصل عرض البوم صور نقوس المهدي



المنتدى : تشكيل
افتراضي قراءات في الفن التشكيلي - مجموعة مقالات


تحية لاهل الفرشاة واللون

نقدم مجموعة من المقالات ذات الطابع الجمالي الوثيق الصلة بالفضاء البصري لكبار نقاد علم الجمال حول حفريات التشكيل و اللون والحروفية وفن العمارة والصورة والتشكيل والنقد الفني والمتاحف ومهامهم الوظيفية والجمالية ، لا نستثني في هذا المقام بطبيعة الحال دراسة الدكتور عبد الكبير الخطيبي حول مقدمات عن الفن العربي والمغربي المعاصر والتي وضح من هلالها الخطوط العريضة والأسس لأي خطاب معرفي حول الفن منذ الواسطي

متابعة ممتعة


توقيع نقوس المهدي



المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.




  مشاركة رقم : 2 (الرابط)  
قديم 02-05-2010, 01:03 AM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 8,878
بمعدل : 13.59 يوميا

نقوس المهدي غير متصل عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : تشكيل
افتراضي

القلم
حسن المسعود

المقصود بكلمة " قلم " هنا هو القصبة المبرية للكتابة، وليس ما هو شائع اليوم كقلم الرصاص وقلم الحبر والقلم الجاف . قلم القصب كان الآلة الاكثر استعمالا ً منذ الحضارة المصرية القديمة ، ولحد القرن العشرين .

ولا يمكن مقارنة القلم القديم بالقلم الحديث. فأن قلم القصب كان في الماضي محاطا ً بهالة من القدسية والاحترام . كهذا الوصف :
" أقلام تختلس بلطفها أحلام ، صافية الجواهر ، زاهية الأزاهر ، لينة الأعطاف ، ناعمة الأطراف، طويلة الأنابيب، تسلب القلوب بحسن الأساليب، تدهش الناظر، وتحجل العامل ولا ترض بامتطاء غير الأنامل ... "
ابن الحبيب الحلبي


وقد يتساءل البعض عن الهدف من الكتابة عن القلم والذي لم يعد يستعمله إلا القلائل من الخطاطين.

يمكن أن يكون للقلم فوائد كثرة للجسم والفكر والإحساس تجعله آلة فنية، معطاءة كالآلة الموسيقية. سوى أننا إزاء آلة للكتابة، وكل إنسان يحتاج للكتابة، والقصب متوفر بكثرة وبشكل مجاني في ضفاف البحار والأنهار وداخل الأهوار. وكما تعطى دروس في الموسيقى والرسم في المدارس فيمكن إعطاء دروس خط بالقلم، لمدة ساعة او ساعتين في الاسبوع . فوائدها: إضفاء الطمأنينة والهدوء إلى نفس المتعلم، إضافة إلى منافع جمالية متعددة .

إن عطاء القلم للهدوء يكون بسبب ارتباط القلم بالتنفس . فعند الكتابة يوقف الإنسان تنفسه بشكل أوتوماتيكي. ويأخذ شهيقا من جديد عند التوقف عن الكتابة، أي في لحظة العودة للمحبرة للاستمداد من جديد .

توقف التنفس لحظة الخط إنما هو منح الحياة للحركة الخطية. وأن هذا التوقف هو شيء طبيعي يولد مع الإنسان منذ الطفولة. فكلما أراد الطفل التركيز على عمل شيء صعب يعض لسانه بشكل عفوي. أي انه يحبس نفسه لبعض اللحظات. ولكن هناك فرق بين الخط بقلم القصب حسب تقاليد الخط العربي، وبين الكتابة بقلم الجاف. قلم الماضي كان يجعل توقف النفس متعادلا ً ومتناغماً. وأقلام اليوم توقف التنفس عشوائياً.

يتكلم الخطاطون القدماء دائما ًعن أهمية التحكم في التنفس، وأتفق الكل سابقا ً بضرورة البطيء في الخط. وهذا يعني إطالة ما يسميه الخطاطون " حبس النفس". أي التوقف عن التنفس حتى العودة للمحبرة... ولحظة العودة للمحبرة على قصر زمنها تسمح بالتنفس من جديد ورواء الدماغ بالأوكسجين ، والتفكير بالجزء القادم من الحرف . وبهذه الطريقة يمكن للإنسان التحكم ليس في تنفسه فقط إنما بكل جسمه .

ولو نضيف خزان حبر للقصبة لن يمكن التحكم بالتنفس. فأن القصبة تأخذ حبرا ً قليلا ً يعادل إمكانية الإنسان على إيقاف تنفسه.


كانت الكتابة ومنذ الزمن القديم تعمل حسب " النسب الفاضلة " أي القياسات السليمة التي تعرف عليها الإنسان عبر دراسته للطبيعة في العلاقة النسبية بين الأجزاء الصغيرة والكبيرة .

كل حرف يتكون من عدة أجزاء وكل جزء مدروس بشكل دقيق، وبهذا يكون للحرف شكل متعارف عليه من بدايته إلى نهايته .

كان متعلم الخط بالقلم يتحكم بسهولة في اطالة وتقصير تنفسه .

وهذا يساعده في مواجهة ما يخيفه، فكما هو معروف أن تنفس الإنسان يقصر ويسرع عند مواجهته لشيء مخيف . والعكس هو الصحيح فأن إطالة النفس وإبطائه يجلب شعور بالهدوء والطمأنينة .

إن أول ما يتعلمه الخطاط هو أن لا يجاهد ضد الآخرين ، إنما يجب أن يكافح الإنسان ضد غرائزه. عبر تمارين الخط . وعندما يختار عبارات ليخطها، فأنه بنفس الوقت يكافح أيضا ًضد أنانيته. فالعبارات التي يخطها هي عبارات تتكلم عن الخير والجمال والكرم ، بهدف خلق أجواء منيرة ، سليمة ومسالمة .

قبل الدعوة للسلام لابد للإنسان أن يفرضه على ذاته أولاً. ففي داخلنا تكمن أنانية فردية، آتية من سوء التربية داخل المجتمع ، وهذه الأنانية هي العدو الأكثر شراسة .

روح العداء عند الإنسان هي غريزة طبيعية ، وهي كالحيوان الوحشي في داخلنا . ودور التربية السليمة هو قيادة هذا الحيوان نحو التهذيب ليصبح قوة إيجابية. لكن الأحداث السلبية تطور روح العداء وتعمقها، وتوجهها ضد المجموعة البشرية التي تطوّق الفرد . فتخلق أجواء من التوتر.

يمكن أن توجه هذه الغريزة نحو دروب سليمة بوسائل الثقافة وأحدها الخط. فتصبح بالنتيجة طاقة بناء، وليست طاقة هدم .
السرعة في الزمن الحالي هي سمة العصر، لها فوائدها في بعض المجالات. ولكن لها مضارها ايضا ً. على سبيل المثال: استعمال القلم الجاف للكتابة والذي يسمح بالسرعة ، وسهولة الانسياب على الورق، فيه ضرر لمن لم يتعلم شكل الحروف ، وخصوصا ً عند الأطفال. فلا يعرف الطفل في أي مكان سيتوقف وبالتالي يفقد سيطرته على التنفس بشكل سليم ، على العكس من متعلمي الخط في الزمن القديم . كان التعليم وقتذاك يتناول الحركات المتناغمة للحروف وبالتالي يتناغم التنفس ايضا ً.

الكتابة الحديثة هي فوضى من الحركات ... في البداية كان كل فرد يخلق شكل كتابته حسب الدافع الداخلي العفوي. ومع الزمن تصبح هذه الكتابة طريقته في التعبير . وهذه الفوضى لها تأثيرات سلبية على الإنسان .

الأقلام الجافة تتطلب ضغطا ً على الورق ، بينما آلة القصب كانت تلامس الورقة برقه . ولعدم معرفة الطفل أين سيتوقف في كتابة الحرف بالقلم الجاف ، فأنه سوف يستمر بوقت أطول من قدرته ، بسبب سيولة الحبر وسهولة الاستمرار، ويسبب هذا الاختلال إنهاكاً للدماغ بسبب عدم وصول الأوكسجين إليه ، لأن كل حركة طويلة هي قطع للنفس اكثر ما يمكن ... وهذ يقود الى ردود فعل سلبية وعنيفة لدى الطفل .

كان المتعلم للخط في الماضي يتعلم اولا ً طريقة الجلوس ... يستند الرأس فوق العمود الفقري تماما ً . وكان قدماء الخطاطين ينصحون المبتدئين بوضع كتاب على رأسهم لحظة الخط فأن سقط فأن ذلك دليل خطأ في الجلوس . وان هذا الخطأ له مردود سيئ للجسم ، وينهك متعلم الكتابة .

بعد ذلك يتعلم المبتدئ كيفية مسك القلم ، بثلاث اصابع ممدودة . وأي اتجاه يأخذ منقارالقلم على الورقة . إذ يكون منحنيا ً بما يقارب ال 45 درجة نسبة إلى الخط الأفقي للورقة .

وهذه الهندسية المبسطة تجعل من يتعلم الكتابة في علاقة مع المركز والمحور العمودي والخط الأفقي . مما يعطي الفرد هياكل بناء داخلية في ذهنه تعينه على بناء حياته داخل المجموعة البشرية .

ولا يعني هذا أن تعاليم الخط هذه، هي تعاليم متجمدة ثابتة بل على العكس أنها تعطيه السعادة عند تجاوزها . فهو يعرف ما يتخطى من تعاليم المجتمع .

إن قواعد الخط وضعت منذ مئات السنين ومن قبل أجيال متعددة . ولكن كل جيل أضاف شيئاً جديداً . بعد معرفة وهضم ترِكة الأقدمين . فأن الحدود ما وضعت إلا لتخطيها نحو إبداع وابتكار جديد .

وهذا ما يعبر عنه بكلمات قليلة ابراهيم بن العباس الصولي: " وربما طغى القلم فوصل منفصلا ً، وفصل متصلا ً "

لم يعط قلم القصب المتعلم عبر أستاذه ، تعلم الكتابة بشكل جيد فقط، بل يعطيه أيضا ً تعلم طرق العيش، والكينونة في الحياة والتغذي بالمباديء الاخلاقية .

منذ خمسة آلاف سنة وحتى منتصف القرن العشرين ، كان التعليم يتم في آن واحد باتجاهين. الأول: يتناول المعنى كما في الكتابة المصرية القديمة، أو الصوت في الألفباء . والاتجاه الثاني وهو ما يهمني هنا ، كان يتضمن تعلم بناء شكل الحروف ... كيف نرسم الحرف ؟ من اين نبدأ وأين ننتهي ؟

بينما عندما ولد القلم الجاف في منتصف القرن العشرين. أهمل الجانب الثاني . أي أهمل الفن في الكتابة أن صح القول . وهذه الظاهرة هي ظاهرة عالمية . ويعتقد البعض أنها التطور بينما بالنسبة لي أن الإنسانية تراجعت وتخلفت في الكتابة . وأن السرعة في الكتابة هي ضرر للفرد والمجموعة ... ضرر متعدد الاتجاهات ، منها النفسية والجمالية ...

وقد يتساءل البعض عن الفائدة من هذا الكلام، ألا يمكن العودة للكتابة بالقصب في المدارس ؟ ونحن في عصر الكتابة الإلكترونية ! اعتقد انه يمكن اليوم الاستفادة من القلم كممارسة فنية كما الموسيقى. فالهدف هو التعرف على الجسم والتنفس . والاستفادة من هذا في وجود اجتماعي سليم. فقبل أن نخط بشكل منتظم على الورق ، لابد أن نخلق هذا الانتظام في داخلنا .

وبالإضافة لتحسين الكتابة. فأننا نتعلم تطويل النفس للهدوء. وفي خلال هذه العمليات أي تطويل النفس أو تقصيره، فأن الجسم يّولد موادا ً في الذهن تمنح السلام والهدوء للإنسان، أما فقدانها فيدفعه نحو العنف. وهذا العنف قد يوقظ الحيوان النائم في داخلنا .
التمرين على الحروف المدروسة يجعلنا نرسل إلى اللاوعي معلومات سليمة . إذ لابد من حفظ على ظهر قلب نسب الحروف وقياساتها. فنغذي عالمنا الفطري. إن العالم الفطري في داخلنا هو كالحجر الصلد ، وبالتعلم ننحت هذا الحجر ونصقلة ليتحول الى الجمال . بدل ان نتحمل ثقل شكله المبهم .


هنالك دائما ً تجاذب مستمر بين الحيوان الغريزي الكامن بداخلنا والإنسان الذي نريده . في بعض الظروف يتردد الإنسان في اتخاذ موقفه تجاه هذا الحيوان . فيصبح أسير الغريزة ، ويتحول إلى فرد سلبي في المجتمع .

هناك من يستطيع كبح جماح غريزته عبر الاختلاط بالآخرين ومعرفتهم وبالتالي محبتهم . والوصول إلى حقيقة جوهرية ألا وهي احترام الإنسان ... احترام الحياة .

كما يعبر عن هذا الشاعر الكوفي والبة ابن الحباب ، في القرن الثامن :

احسن من در ٍ ومرجان ِ
آثار إنسان ٍ بإنسان

وفي العصر الأموي يبالغ الشاعر الاحمير السعدي يأسه من الإنسان ويترك الغريزة تعبر في هذا المقطع الشعري . والذي لا يوجد أي تبرير له :
عوى الذئب فاستأنست للذئب إذ عوى
وصّوت إنسان فكدت أطير

* * *


تحيط القلم نصوص جميلة ، كهذا النص حول إتقان الحروف لخطاط مجهول :
"الخط يحتاج إلى سبع معانٍ: الخط المجرد بالتحقيق، والمحلى بالتحديق، والمجمل بالتحويق، والمزين بالتخريق، والمحسن بالتشقيق، والمجاد بالتدقيق، والمميز بالتفريق . "
ثم يستمر بعد ذلك بشرح هذه الكلمات بنص جميل ومقفى .

ويصف خطاط آخر ما يستحق بالجودة في الخط :
" إذا اعتدلت أقسامه / وطالت ألفه ولامه ، استقامت سطوره ، وضاهى صعوده حدوره ، وتفتحت عيونه ولم تشتبه راءه ونونه . .. "

كل هذه التعاليم لتناغم الحروف وجمالها . والنصوص ذات المعاني الإنسانية التي كان الخطاطون يخطونها . جعلت منهم وجودا ً إيجابيا ً في المجتمع الإسلامي القديم . ولم يذكر لنا التاريخ حادثة إجرام واحدة ارتكبت من قبل خطاط. ولابد من التذكير أن أعداد الخطاطين في السابق ليست مثل اليوم فقد كان عددهم يحسب بالآلاف. كان الخطاطين يتفاخرون بحملهم القلم وليس السيف .


هذه نصوص قديمة بخصوص القلم توضح لنا كيف كان المعلم يلقن تلميذه على معرفة رهيفة بالقلم :
" إن للقلم سنا ً ايمن وسنا ً ايسر، وعرضا ً، ووجها ً، وصدرا ً، وأنه يتعين على الكاتب معرفة كل منهما، ليعطي كل واحد منهما حقه في الموضع الذي يقتضيه الحال ... " السرمدي

ويؤكد الخطاطون على أهمية تحضير القلم من قبل الشخص نفسه :
" إن جودت قلمك جودت خطك ، وأن أهملت قلمك أهملت خطك . "
أمين الدين ياقوت الملكي



وإبراهيم بن المحبس يلخص الموضوع بهذه العبارة :
" الخط كله القلم "


جمهرة من المثقفين في التاريخ الإسلامي شهدوا على أهمية القلم ضد السيف ... على أفضلية الثقافة ضد العنف ...


" القلم مجهز جنود الكلام ، يخدم للإرادة ، ولا يمل الاستزادة ، يسكت قائما ً ، وينطق سائرا ً . على ارض بياضها مظلم وسوادها مضيء ... "
ابن المعتز


"ما رأينا ضربة من بطل بحسام قطعت ألف قلم. بل رأينا مترجة من قلم بمداد نكست الف علم .... "
حسن الحسيني

وإذا أمرّ على المهارق كفهُ بأنامل يحملن شختا ً مرهفا
مُتقاصرا ً، مُتطاولا ً، ومفصلا ً ومُوصلا ً ومُشتتا ً ومُؤلفا
ترك العُداة رواجفا ً احشاؤها وقلاعها قـُلعا ًهنالك رجفا
كالحية الرقشاء الا انه يستنزل الاروى اليه تلطفا
يرمي به قلما ً يمج لـُـعابه فيعود سيفا ً صارما ً ومثقفا ً

طلحة بن عبد الله


قال القلم للسيف :

" ... انا آلة الحياة وأنت آلة الردى ....
أنت للرهب وأنا للرغب ...
انا ابن ماء السماء . وأليف الغدير وحليف الهواء ...
وأما أنت فأبن النار والدخان ...

كم افنيت وأعدمت ....
وأرملت ويتمت ...

لعمرك مالسيف سيف الكمي
بأخوف من قلم الكاتب ... "
ابن الرومي





* حسن المسعود ـ باريس ـ نيسان 2007


توقيع نقوس المهدي



المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.




  مشاركة رقم : 3 (الرابط)  
قديم 02-05-2010, 01:19 AM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 8,878
بمعدل : 13.59 يوميا

نقوس المهدي غير متصل عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : تشكيل
افتراضي

الحــبر الاســود
حسن المسعود ـ باريس

بعض الرسائل على دفتر الزوار في موقع " الفـنان العـراقي " تطلب مني الكتابة عن كيفية عمل الحبر الجيد. وأعتقد انه طلب محق، لأن من يحضر حبره سيجد تدريجيا ان خطه قد تحسن، كذلك ان تحضير الحبر الاسود يساعد على تحضير الالوان الاخرى ايضا.

من الصعـب تلخيص كيفية تحـضـير الحـبر. ولكني سـأعـمل كما الاقـدمـين بإعـطاء الوصـفات والحوار معها. وبعد مقدمة شاعرية قصيرة، سـأتكلم بشـكل موسع عن الحبر للتأكيد على أن تحـضـير الحـبر هـو أيـضا موضوع نفـسي واجتـماعي وأدبي، ويتـطـلب خيالا واسـعا مــن قــبـل الخــطــاط.

في يوم من ايام الـشـتاء الرمادية، حيث السماء مثـقـلة بالغـيوم ، والمطر ينهـمر بخطوط هـوجاء في مهـب الرياح. كـنت اشـعر بالانـقـباض والضـيق لـتـقـلص الـفـضاء المحـيط بي وبـفـقـدان الاتساع والعمق للمنظر المرئي امامي. ولكنني قررت ان لا استسلم لضغـوط الطبـيعة، بل ان احـساسـاتي ذهـبت الى ماتـعلـمـته من رؤى الفـنانيــن. وهو أن الالوان كلها متساوية في العطاء، ولا يوجد مجال هـناك لمـعاداة لون على حـساب لون آخر.

وأن الالـوان الرمادية والـسـوداء هي التي تـتجمع وتخـتــلط فـيها كل الالوان .

وقـلت في نفـسي ان الـمعـرفة والـتـحليـل لـشيء مـتعـب ســوف يـساعد حتما على تحمله. وان الايمان بأن ألوان الــشــتاء الرمادية هي جزء من الحياة والطـبيعة، سـوف يـسـهـل تـقـبلها... وان هذه الالوان تخـفي بداخلها كل الوان الربيـع الزاهــية.

ومن هـذه الافكار التي بحـثت عـنها في زوايا ذهـني المـتعـب . قررت ان اعمل خطوطا بالالوان الرمادية. أريد ان أكون أنا الالوان الرمادية، كي أتـفاعل معها ولا أكون ضحية لها، قررت ان أتحد مع اللون. وأصبح أنا والخطوط واحد.

وهـكذا عـملت على خط عـشـرات الاوراق بالخـطوط العـريضة الرمادية والـسـوداء. وضعـت اناء كبـير للحــبر الاســود وآخر للماء. وبآلات الخط أتــنـقـل من الاسـود الغامق الى الرمادي الفاتـح وتـدريجـيا ًوبعد ساعات اخـتــفى اللون الاسود لـتــبقى نغـمات رمادية فـقـط... رمادي فاتح ورمادي افـتـح... وكـنت اريد الوصول الى اقـل درجة من اللون، فبـدأت العلاقة بـين الرمادي الفـاتح والرمادي الغامق تتحول الى عــلاقات ضوئية. الرمادي الفاتح كان أكثر منيراً من الرمادي الغـامـق، وتذكرت قول نظامي: " اللــيلة الاكـثر سـوادا لها نهاية مضــيئة " فرفعت عيناي نحو الــسـماء ، وأخذت اتأمل تلك القبة الرمادية الغائمة، انها الان تبدوا لي كصـفحات ملـساء... صفحات من النور الخافـت المـريح. ألـوان رمادية لاعـدد لها، والآن أريد لها ان تدخـل في خطـوطي. ولكن هنالك فرق شاسع بيـن اللـون كضـوء وهـو الغـيوم. واللون كمادة وهـو الحبر. بين ما أراه وبين ما أعـمله على الورق. ولكني مع ذلك اريد ان يتوغل هـذا النور في خطوطي. وبقيت اعيش ألوان الـفجر وكلي أمل بأن شـعــاع الشـمس ليس بعــيداً. ولم اعد كئـيبا. ولم يعــد اللون الرمادي بالنـسـبة لي من الالوان الحزينة.... الغـيوم الـفاتحة اللون عائمة تـسـبح في الـفـضاء... ترقص مع غـيوم اخرى بلون غـامق. هالات من النور ترقص مع هالات اخرى من النور.

إذن ماهي الالوان الرمادية؟... انها اللون الابـيض عندما يفتح ذراعـيه لذرات السـواد... الالوان الرمادية... اسـمها يأ تي من رماد... والرماد يأتي بعد حرق الاشـياء... وهكذا ان الالوان الرمادية آتـية من اللون الاسود...

وما هـو اللون الاسود اذن ومــن أيــن يأتي؟ انه اللـيل كنور... وانه الفـحم كـمادة. وكل الالوان تسودّ بعد الحريق... انه جوهر الالوان، وأن الالوان كلها مجتمعة لتكوّن اللون الاسود.

أريد من هـذه المقـدمة الـتأكـيد على ان الذهـاب لتحضـير وصـفات الحـبر الاسـود هـو رغـبة داخلـية عـمـيـقة. مثلما الجوع يـدفـع الانـسان لتحضـير الاكـل .

* * *
يعرف الخطاطون اللون الاسود ويستعملونه، منذ خمسة الاف سنه، يسجلون بواسطته الذاكرة الانسانية .

الحبر هو المادة المـرئـية الاولى لـفن الخـط، بل هـو الخـط نفـسه. اما كـيـفـيـة تحـضـيره وكيفـية اسـتخدامه، وبأي كثافة تخطه القـصـبة على الـورق. كل هذه الأشياء يصعـب التـكلم عـنها بـدقـة نظرياً وبـشكل وافٍ، فبالاضافـة للـمواد واسـرارها والـتـحضـير الكـيماوي لوصـفات الـحـبر، تاتي الحالة النفسية للخـطاط .
هنالك وصفات كـثيرة تركها القدماء لتحضير الحبر ، ولكنها مختصرة، وغــير دقيقة، وتـتـطـلب التأويل، كما قـد تغيرت اسماء بعـض المواد مـما يجعـلها غير مـفهومة احيانا . وقــسم مـنها لم يعـد متـوفـر بـسـهـولة.

في الـزمن القــديم لم تكـن هــناك قــنـاني حـبــر جاهز تــباع فـي محـــلات مخــتــصة كـما في يــومــنا الحالي. انـــما كان عــلى كل خـــطاط ان يحــضــّر الحـبر بــنــفــسة، حــســب الـمـواد المــتــوفـرة في مدينـــته. لذا ابــتــكر الخطـاطـون بعـــد الـتـجارب وصــفـات جــديــدة .

الوعي باهمية الحـبر، انما هـو الوعي بالمادة الأكثر اهمية في عـمل الخـطاط. ان معـرفته لهـذه المادة يقوده الى تطـوير معـــرفــته بالخــط ايضـا. وهـذا الـوعي بالمادة الملونة انما هـو من هـموم كل الـتشــكيلـيين ايضا. فـكل الفنانـين ومنـذ العـصور القـــديــمة وحتى القـرن العـشرين كانوا يحضرون الالوان بأنــفــــسـهــم أو من قــبل مساعـديهم، فكانوا يعــرفــون جــوهــر الالــوان ومن أين تأ تي، وأصـل هذه المواد وردود فعـــلها ....
مــدى تغـــيـر لونها عــنــد الجـــفاف، وبـمرور الزمن، أو عـــند الــتــمازج مع مواد اخرى. فــهــناك ألــوان تــسـتــخرج من الارض وأخرى من الــنــباتات وثالـثة مـصـدرهـا الحــيـوانات.
لا يــتـلائــم كل حــبـر مع جميع أنواع الورق، وبهــذا لابــد من معــرفــة مــواد الحبــر والورقة الــتي يراد الخـط علــيها .

هــناك كــلمـتــان في القــامـوس العــربي لهــذه الــمادة الســـائلة الســـوداء : الكــلـمة الاولى هــي " الحـــبر " والكــلمة الــثـــانــية هــي " الــمداد " . وهــنالك تعــريف للحــبرعــند الكاتــب الاديب " الصــولي " في القرن العاشر الميلادي
وهــو :
" ســمي الحــبر حـبــرا ً لتــحــســيــنه الخط ، ومن قــولهــم حبــرت الــشــيء تحــبــيــرا ً وحــبرته حــبرا ً ، زيــنـته وحــســنــته . "
" قـــيل لخــطاط : إخـفِ رداءة خــطــك بجــودة حــبرك "
ولــكاتــب مــجهــول نــص يــعـّرف الكــلـمـة الــثــانــية " المـــداد " بــهــذه الكــلمــات :
" ســمــي مـــدادا ً لانــه يمــد الــقـــــلم ، ويــعــيــنه عــلى الاســـتــمــداد . "
وان نــستعــمل الــيـوم كلـمة حــبراكــثر من كـلمة مــداد ، فأن الــنصــوص العـربــية الــقـديــمة تــسـتـعـمل كــلمة مــداد اكــثر من كلــمة حــبر .
( مــن لــم يــحـــســن الاســتــمــداد وبـري الــقــلم ، فـلــيـس مــن الكـتابة بــشـيء ـــ المــقر العــلائي )

* * *
عـندما كـنت خـطاطا ً مبتـدءً في بغـداد وقــبلها في النجـف لم اكن اعـرف تحضير الحبر ، ولم يعـلمني احـد كيـفــية تحضيره. فكنا نــشـتـري الحــبر الصـناعي في قـناني صغـيرة تباع في محلات بــيع مواد الرسـم. وكان هـذا الحـبر اسـودا ًغامـقاً والصمغ الذي فـيه أي ما يخــلط مع الــمـواد السوداء لعـمل الحبر يكون غــير جـيد للـخط. انه مــن نوع الصـمغ الابيـض المـسـتعــمل في لصــق الخشـب يـسـتـخرجونه مــن النـفط ...

في عام 1961 كـنــت ارســم لوحة اعلانــية على الرصــيف في شــارع الرشـــيد بـبـغـداد في زقاق قرب اوروزدي باك . كــنت اعــمل وقتذاك كــمــســاعد للخـــطاط عــباس . وأذا بــرجل ثــقــيل الخطوات ، في الســـتــين من العــمر، يتــقدم مني عارضا ً عــليّ قـــنــيــنة يحملها في يده ملــيــئة بالحــبرالاســود طالباً مــني شــراءها . بــعــد ذلك قــيل لي انه الخــطاط عــبد الــقــادر وانه خــطاط جــيد لكـنما وبــســبب ادمـانه عـلى الخـمـر لم يعـــد يــســتـطـيع الخــط . فـصار يــكــتــســب رزقه مـن بــيع الحــبر الذي يحــضره بنفـــسه . وعــند تجربتي لهـذا الحبـر آنــذاك لم اجده مــقــنعـا ً اذ كان اقــل ســوادا ً من الحــبر الصــناعي واكــثـر كــثــافة . وحــتــما ً انـني لــم اكـن اعرف ان هذا الحـبر كان يـسـتـعـمل مع "اللـيـقـة " أو " الــطرة " وهـي شــريحة من خــيوط حريرية توضــع في المــحـبرة .

ولأول وهـلة ولـمن لم يـتعــلم طــرق اســتعـمال الحبر القـديم يــبـدو الـيه ان الحـبر الصناعي احـسـن وأنـظـف من الحـبرالــمــحضــّر من قـبل الخطاطــين. ثـم انني كــنت مـنـبهـرا بـثـبات الحــبر الصناعي اذ يمكن غســل الورقة بالــماء فلا يؤثر ذلك على الحـبر.
ولكـني في ذلك الزمن كــنت كلـما عـملـت خطا بالحـبرالصــناعي اجده غــير دقــيقٍ، وكــنت اعـاني من ذلك كثــيرا، ولـم اكن اعـرف ان ســبـب ذلك هــو رداءة الحــبر الصــناعي الذي اســـتعــمله . فكــنت اعود لتصـليح الحــروف وخصـوصا ً نهــاياتها الدقيقة باللون الابيـض. بـينما كـنت معـجــبا ً بدقــة وأناقــة حروف الخـطاطـيــن الكبار. وخـصوصا من تعــرفــت علــيهم كالخــطاط هـاشـــم او الخـطاط مـهــدي محــمد صالح. فقــد كانوا يحصــلون على الاناقـة للـحروف بارفــع السـلايات ولأصغر الحـروف .
الآن ادرك جـيـدا ً ان معــرفـتهم العـاليـة بالـمواد كالحـبر والورق لها جانــب مهـم في جــودة عملهــم الـفـني. وكمــثال على ذلك، فأن من يحضـر الحبـر بنــفــسـه هــو كــمن يحضــر الاكل في مـــطــبخ داره . ومن يـــشـــتري الحــبر الصــناعي هــو كــمن يقـــتــنع بأكــل المعـــلبات . ان الــمصــانع التي تــنـــتج المعــلبات لا تـبحث عــن الصحي و الــنادر والخاص وانــما تــبحث عــن المــواد المـــتــوفــرة بــســـهــولة لعـــمل آلاف العـــلب . ونفـــس الشــيء يكون في مصــانع الحــبر فأنها تحــضــر الحــبر من المــواد المتـــوفــرة بكــثـــرة . ولا تحضـــر الحــبر للخــطاط فــقـــط انمــا لاســـتعــمالات اخرى متعــــددة .

وهـكـذا عــنــدما كــنت في بغــداد ، كان يــبدوا لي ان تحــضــير الحبـــر هــو شـــيء قــديــم ، شـيء ثـانـوي ... ولم نعـد نحــتاجه بل انـني كـنت معـــجب بالالوان الصـــناعــية الـكـيـمـائـيـة الزاهـــية الــبراقـة الــسـهــلة الاســتــعــمال . فالحــبر الـمحــضـــر عــند الخــطاطــين كان يتــعــفــن في بعـض الاحــيان ، ويحـتاج لأضــافــة الصـــمغ من جــديــد او مواد اخرى ، لانه مادة حــية وتصــيـبه تحــولات عــند تركه لمــدة طويلة في محـــبرة مـغــلــقــة . بـــيـنــما الحــبر الــصــناعي كان مــيــتا ً ولايهــمه ان بــقي مــســجونا ً في المــحــبرة .

لم اكن اتصّـور ان هـذا الحـــبر الصـــناعي " الجــميل المـظهر " كان يــسـاهـم في رداءة خــطي . ولم اعرف انـذاك ان الحــبر الصــناعي يجـعل الـــمادة الــمرئـية لكل الخـطوط على الكـرة الارضـية متــشــابهــة . بـيــنما عــندما نـنــظر لخـطوط المــتاحف ، فأنــنا سـنــمتع نـظرنا بأخــتلاف الــمادة الــسـوداء للحــبر. كل خـطاط عــنده حـبر اســود يعــكـس شــخصــيــته .
ربـع الكــتابة في ســواد مــدادهــا
والربــع حــســن صــناعة الكــتـــاب
والـربــع فــي قـلــم مــلــيح بــريـه
وعــلى الاوراق رابــع الاســبــاب.
عـن ملخص الفـطر والالباب ومصباح الهـدى للكـتاب

* * *
عام 1980 كـنت اعـمل عـلى تحضـير كـتاب عـن الخــط العــربي القــديم، وعــندما وصــلت الى موضــوع الحـبر اكـتــشـفـت ان الحـبر الـمـستــعـمل ســابقا عــند الخــطـاطــين كان عـلى نوعـين : الاول يـسـمى: " الحــبر الــفحــمي " والـثـــانــي يـسـمى " الحـبر العـفــصي ـ الـمعـدني" .

الاول يعــود اســتــعــماله لاول مرة الى الخـطـاطــين المـصــريــيــن القـــدماء زمن الفــراعــنة . والثاني كـنت ابحـث عــن بداية اسـتـعـمالة ، وقـــرأت فــي بعــض الكـتـب العـربيـة، ان ابن مقــلة خـطاط بــغــداد في القــرن العـاشــر كان يــســتـعــمل العــفـص في وصـفاتــه، فـقـلت ربما انه هـو نـفـسه الـذي ابتـكرالوصفة الـثـانـية. ونـقــرأ ايضا ً ان ابن مقــلة تــرك " رســالة في عــلم الخـــط والقـــلم " محفــوظة في دار الكــتاب بالقـاهـرة . فذهبت الى القاهـــرة للاطلاع عــليها . وعـند قــراءتها وجــدت ان ابن مقـــلة لم يــذكر العــفص . والنســخة ليـسـت مخـــطــوطة بيـــد ابن مقــلة. انــما نـــســخت من قــبل خطاط آخر اسمه محـــمد الشـــافــعي عام 1663 وتوجــد نــســـخة اخرى بالمـكـتـبة الـوطـنـية بــتــونــس فــيها نفــس النصوص .

الــمعــروف ان ابن مقــلة دعا الى تبـــديل اســـلوب خــط القــرآن من الكــوفي الى النـــســخ ، وعــنده تجارب كــثــيرة في تــقــنــيات الخــط ومواده ، وهــو الــذي رســم القـــواعــد للحــروف وعمل نـــســبة مابــين حرف الالــف والدائــرة المــحيــطة به وجعــلهــما المــقــياس لــكل الحــروف الاخرى . ورغم انـنا لم نر خطـوطه ، لكنـنا نعـرف انه كان عـبقـري زمانه .

ولكـني لم اكــتـشــف حــسـنة جـديـدة لابن مقــلة بأســتعــماله لأول مرة العـفـص في الحــبر ، فأنه لم يــتـكلم عـن العــفــص . ولا ادري من الذي اضـاف ذلك الى وصفة ابن مقــلة في بعــض الكــتب العـربـية . وبعـد البـحث والتـنـقـيـب عـرفت ان هــذه الوصـفة ايـضا ً قـديــمة جدا ً . ويــعـتــقـد الــبعــض ان اســتعــمال العــفـص والاملاح الـمعـــدنـية في الحــبر يعــود اكــتــشـافـه للاغـريق منذ حوالي 2200 ســنة .

أعـود الان لـشــرح الفــرق ما بيــن النــوعـيــن :
الحــبر الــفحــمي يعــود اكــتـشــافـه الى مصــر الــفرعــونيــة ، واما ماكان قــبل العــصور المــصرية القــديــمة ، فلا نعرفه اذ لم نجد وثــائــق مخــطــوطة بالحــبر ... قـــبل عصــر حضــارة المــصــريــيـــن القــدماء كان اللون الاســود عــبارة عن مادة غامقـــة يجـــدها الانســان في ارض الكهــوف ويضــيف لها الماء ، وقد تكــن خلــيط من الطــين وبقايا النار .

والزخارف الســومرية الســوداء على الخــزف قــد تكــن من نفــس المصدر . اما الحبر كما نعــرفه اليــوم فهــو اكـــتــشــاف مصــري .

عـند تحــلـيل العــلماء للخــطوط المــصرية اكتــشــفـوا وجود الصــمغ العـربي مع المـســحوق الاســود المــكــّون للحـبر . وهـذا اكــتــشـاف مهـم ، فــقـبل اســتعـمال الصــمغ العـــربي كان الحــبر عــند تركه في الاناء تـــنزل الذرات الســوداء للاسفــل ويــبــقى الماء في الاعلى .

واســتعــمال الصـمغ العـربي غــّير كل شــيء . فالــذرات الجــزئية للصــمغ العــربي عــند اخــتلاطها بالــماء ، تعــوم فوق سطح الســائل ويصــبح الماء ممـــتــزجا ً بالصـــمغ ولاتــهــبط ذرات الصــمغ لأسـفــل الاناء بل انها تــســبح في الــماء . فتــصعد على ظهـرها ذرات السـخـام الــســوداء الناعــمة ويــتحول الــماء الى ســائل اســود نسـميه الحـبرالفـحمي او : " حــبر الكاربون " .
وهـكذا بعــد التحلــيل للكـتابة المـخـطوطه على ورق الـبردي للحضارة الـفـرعونـية . يرى العــلماء ان احد الخــطاطــين المــصــريــيـن جاءت له فــكرة مزج الصـمغ العربي مع الماء والمسـحوق الاســود، ليـهـدي للانـسـانية " الحــبر" هذا الحبر الـذي أوصـل لــنا أهـم ثــروة للـثـقــافــة العــربية، ألا وهــي كـنوز الشــعـر ، كذلك كـتابات الفارابي عن الموسـيـقى وكتابات ابن سينا عن الـطب على سـبيل الـمـثال .

أما المـواد الاسـاســية لصــنع الحـبر فيـمكن الـيوم شــراؤها أو البـحث عـنها في الطـبيعة . وللحصول على سـخــام الدخـان لتــحضــير الحــبر مثلا ً . تــوجد طــرق عــديدة ، مــنها وضع أواني خـزفـية مائـلة في أعـلى الشـــموع ، وعـند ملامــسـة اللهـب للاناء ســـيترك اللهــب سـخام الـدخان على الاناء وبعــملية دقــيــقة تــؤخذ ذرات الســخام الاســود لعــمل الحــبر . وكان هـذا يأخـذ في الـزمن القــديم اياما ً عـديدة . وهـناك من يعــمل جهــازا ً من الحــديد يــشــعل فــيه النــار ويضــع في الاعلى صـفائح مائــلة لتــجمـــيع ســواد الدخان . كان خـطاطي اسـطـنــبول يــتــزودون بــسـخام الدخان من اللــذيــن يــشــعلون النار للتـــدفــئة والــماء الحار قرب ســـور المــديــنة .

ويفضل الخطاطون السـخام المأخوذ من مادة غير جافة كالنفـط . او الـشـموع الكبــيـــرة .

في العــصر الحالي يــباع الـســخام بالكيــلوغرام في المـحلات التــي تجـــهــز المخــتــبرات العـلــمــية ، او عــند بائعي المــســاحيــق الملونة .

كـنـت في احـد الايام اشـــتـري الحــبـر الجــاف من مــحل مخــتص بمــديـنــة نارا اليــابانــية . مـحل لازال بمــكانه مــنذ الــقــرن الـســادس عــشــر . وكانت هـنالك عــشــرات الاشــكال من الحــبر الجاف على شـكل قـضـبان كالاصــابع ، كلهــا تــقـريبا ً بنفــس الحجــم لكــنما الاســـعار تخــتــلف بــشــكل مبـالغ فــيه . فكان بعــضها أغلى مائة مرة من الاخـريات . وعـندما ســـألت صـاحب الـمحل عـن ســبب هـذا الـفرق الـشـاسـع قال لي: ان الـفرق هـو مدى نعــومة المــسـحوق الاســود، وأصله وطريــقة تحضــيرة ، ولم ينــس ان يــذكر لي اهــمـية الصــمغ الذي مزجت به كل الـمواد لعـمل الحــبر . ورغم ان اليابان هـو من كبار البلدان الصناعيـة ، الا ان الخطاطين هنـاك لازالوا يسـتعـملون الحبـر القـديم . ولا يـحـبذون اسـتعــمال الحــبر الصناعي للـخـط . ويعـتـبر اليابانـيـون ان أحد روافد تقـدمهم الصناعي هو اسـتمرارية الفـنون والمهـن القـديمه . لأنها تعـلـمهم الدقـة والذوق الراقي للاشكال. والذي انعـكــس على صـناعاتهـم الالكــترونية .

اما الصـمغ العربي والـمـسـتعـمل بكـثرة في صناعة الحـبر عـنـد الخطاطين فأنـه مــســتـخرج من شــق يعــمل على اغـــصان بعــض ا شـجار الاقـاصـيا في الصـحراء الحارة . والخطاطون العـرب الـقــدماء كانــوا يجــدون الصــمغ الجــيد في صـحراء دول الخلـيج ايضا ً. وهـو نفــس الصــمغ الاصـفر الذي نجده عــند باعة القــرطاســية . وتــوجد انـواع متــعـددة من الصمـغ العـربي ، ويعـود ذلك الى الاشــجار ومــناطق وجـودها ومـدى ارتـفـاع درجة الحرارة فــيـها . واسـتعمال الصمغ العـربي واسـع ولا يمكن حصره . كان ولازال يدخـل في بعض الادوية . في وصـفات الاكل وفي صـناعات عـديـدة . كان الخـطاطون في الزمن القــديـم ، يـبلعـون حبة من الحبر الجاف ، عـندما تكون يشعرون باوجاع في المعـدة. فهـم يعـرفـون ما وضعــوا من المواد لتحضـيره . كالصــمغ والفحـم ... وبـدون الصمغ العـربي لايمكن عمل " الليتوغرافي " أي الطـباعة المـلونة بواسطة الصخر، قـبل معرفة الاوفـسيت ، ولازال التـشــكيــليــون يـسـتعـملون هـذه الطريقة اليدوية بالطباعة لاعـمالهم المـســتــنســخة .

ان وصـفة الحـبر الفـحمي الآ تـية من مـصر الـقــديـمة اســتـمرت ليـومــنا الحاضــر . ويــســتعــملها الخــطاطــون في العــالم العـــربي مع اضافات متعـــددة لتحــســيـنها فــمـنهم من يضــيف القــلــيل من العــسـل لاعــطاء مرونة وســيــولة، او المــلح والـشــب.

لقــد رأيت في صـحراء مـوريتانيا اطــفالاً لازالوا يحـضّرون الحـبر بهـذه الوصــفات البــســيطة . فـيأخــذون مســحوقا ً ناعـما ً من بقــايا النــار الاســود ، ثم يصــعدون على شــجرة قــريــبة يـبــحثــون عن قطـرات جافــة من الصـمغ ، ويخــلطــون كل هــذا في اناء صغــير من الطيــن ، ليكــتـبوا بقــلم القــصب الذي يأخــذونه من نبــاتـات الصـحراء المحـيطة بهم ، ويكــتبون على قـطعة من الخـشــب يسمـونها " اللوحة ". عـندما ارى هـذا المنـظر امامي اشـعر بانـني اشـاهــد الانـسـان يكـتب كما كان قــبل الآف السـنـين... اكـتـفاء ذاتي وممـارسة فـنـــية
وهكذا فان الحـبر الفـحمي هـو اقــدم حـبر ويعــود الى حوالي خمــسة الآف ســنة .

اما الحـبر الثـاني المــسـمى بالحبــر " العــفــصي ـ الـمعــدني " والــذي يعــود الى حوالي الالفـين ســنة، فيرى المـؤرخـون انه من ابتكار الاغـريق. فـتـستعـمل فـيه مادة " الدبـغ " الـتي تــتــوفـر في العــفص بحــوالي 40 بالـمائة وتــتوفر في نبـاتات اخرى كالبلوط او قــشــور الرمان .... بنــســب قــلــيلة .

لذا فان العــفـص يدخل في العــشــرات من الوصــفات في دول ما حول حوض البــحر الابيــض المــتوسـط. والعــفص هـو مرض يأتي على بعــض اوراق شــجرة الــبلوط فيـكون كرة صغــيرة هي العــفصة. وأحسـن العـفص هو عـفـص حلب وحجـمه كالجـوزة . وكـنت اجده بسـهـولة في باريـس في الثـمانيـنات. في المحلات التي تكـثر فيها عـوائل مهاجرة من دول شـــمال افريقـيا. حيـث يســتـعـمـل لـتـقـويـة وتـلـوين شـعـر الرأس. ولـحـد الآن يـتــوفـر بسهـولة ولـكن بحجم صغـير جدا. ويـباع بالكـيلوغرام .

كيف نـسـتخرج مادة الدبغ من العـفص ؟
في الوصـفـات العـربية القـديمة او الوصفات الغـربية نجد طريقـتين : الاولى تـتم بوضع العـفص مع الماء في قـدر وتركه على النار لمدة ساعـتـيـن بحرارة تعـادل 90 درجة أي قـبل الغـليـان . ومن ثم تصـفـيته لأخـذ المحلول النـقي .

والطريقة الـثانية للحصول على مادة الدبغ تـتم بوضع العـفص مع الماء في اناء وتركه لاسابـيع .

وفي الـسابـق كان للخطاطين طوال الـسـنة اناء يحوي على هـذا السائل، ياخذون منه دائما ما يحتاجونه ويضـيفون الماء والعفص كلما قل السائل في الاناء .

كيــف يتحول ســائل الدبــغ الى حــبر ؟
لابد من اضــافــة الــمادة الـثــانـيــة المــحمــلة بذرات معــدنيــة . في الوصــفات العــربية القـــديــمة يطلــق علــيها اســـم " الزاج " ويــمــكن ان نجـد اليــوم اشـــياء متعــددة تعــطي نفــس النـتـيـجة كـســلـفـات الحـديد او ســلفات النحاس. ولكن ابــسـط طريقـة للحصول على ســائل مــشــبع بأملاح الحــديد، يتم بأخذ مــســامــير قــديمــة صـدئه ، او اشـــياء اخرى حديــدية مـشــابهة ، ووضــعها في اناء مع الخل وبعد اســـابيــع ســوف تــتــآكل المـســامــير بفــعــل الخل ويصــبح الــسـائل مــمتــزجا ً بأملاح معــدنية.
وعــند مـزج ســائل الدبــغ مع الخــل المحـــمل بالحــديد وبأ تصـــالهــما بالاوكســجـين يتحول المــزيج تــد ريجــيا ً الى حـبر اســود . ولكنه يخـتــلف كل مرة حــســب اخــتلاف المــواد وكــثــا فــتها. وهــنا لابد من الــتجربـــة الــمــتــكررة لمــن يحضــر الحــبر لاول مرة .
وتــدريجــيا ً يتــحــسـن الحــبر وبعــضهــم يضــيف اليه سـواد الدخان لاكـثــار الســواد . وآخرون يضــيـفون الــشــب المــطحون ومن خــصائصــة انه يـزيد من الســواد ويــسـاعد على تمــاســك المــواد فــيما بــيــنها . ولابــد من اضـافة الصـــمغ العــربي . الذي يـثـبــته على الورق . ويـرفع من كــثـافــة الحــبر . ان هــذا النــوع من الحــبر يكون بحاجة الى لـيـقـة " طـرة " داخل المحـبرة . ويمكن ان تكـون اسـفــنجة طــبــيعــية . او خــيـوط من الحرير .

وقد قال اسحاق ابن ابراهـيم : ومما يزيد الخط حـسنا ً، ويـمـكن له في الـقـلب مـوضـعا ً ، شـــدة ســـواد المـــداد ..

وبعــض الخــطاطــين يضــيف للحــبر ماء الورد او الـقـــرنـفـل ، او الـمـســك لتــطيــيـب رائـحة الحـبر .
مـداد المـحابـر طــيـب الرجال
وطـيـب الـنـساء من الزعـفران
فهذا يـلــيــق بأثـــواب ذا
وهـــذا يـــلـــيــق بــثـــوب الحـسان.
ابو عـبـد الله الــبـلوي

المــقـاديــر القــديــمة الـمذكـورة في الوصفات اكـثرها غـير دقــيـقــة ولابــد من الـتجارب المــتـعــددة . ويــتــطــلب الحــبر لـتــما ســكه تحــريكه بكــثرة لدمــج المـواد فــيــما بــيـنها . وفي الوصــفات العــربية الـقـــديــمة نـصــائح تــثـــير الضــحــك ، ولكـن لها حـقــيـقــة . فــمـثــلا يقــال انه من الضــرورة هز قــنــيــنة الحــبر الآف المــرات . ولــمن لايــســتطــيع ذلك يــعــطــيها الى صــديق يــسـافر الى مكة ليربطها على ظهــر البعــيــر . او اعــطــائها الى صــاحب حــمام لربطـها على الـباب .
" لاتجزعن من المداد ولطخه ان المداد خلوق ثوب الكاتب "
محـمـد بن مـوسى الرازي
* * *
وصـفـة الحــبر لأبن مقــلة كـما جاءت في نــســخة محمــد الشـــافــعي 1663 القــاهــرة والمــنــسـوخة عــن كــتاب ابن مــقـلــة المـفـــقود :
أجـود الـمــداد ما أخــذ من دخان النـــفـط بأن يــؤخــذ مــنه ثـــلاثــة أرطال فــيـجاد تخــلصـها وتصــفــيــتها وتــلقــى في طنــجــير ويصــب عــليه من الماء ثــلاثــة امثـــاله ومن العـــســل رطــل واحــد ومــن المــلح خمـسـة عــشــر درهــما ً ومن الصــمغ المــســحــوق وزن عـشـرة دراهـم ويـسـاط عــلى نار ليـــنة حــتى يثـــخن جــرمه ويصــيـر دُهـــنه كالـطــيـن ويــترك في اناء ويـسـتـعـمـل عـنــد الحـاجة بقــدر مايكـتـفي به .

وهـناك وصفات مبـســـطة لتــحضــير الحــبر الاســـود كهذه الوصفة لأحد الخــطاطين القـــدامى :
" ضـع ورد جـوري في قــدر كبــير ، ثم دعه يغــلي بالــماء الحار ، حــتى ينحل ، ويــقـطر مـنه ماء الورد ، ثــم خــذ البــقــيــة ( الحــثــالة ) او العـصارة على لغـة اهل الصــناعة . ضع فـيها ( حديد صـدء ) فيــتـفاعل معها بالـتأكــسـد ، ويــتـــبدل لون الحـثـــالة الى اســـود ، ثم تجـــفــف هـــذه الحـــثــالة حـتى تكون كالفصـوص، ثم تطـحن جـيدا ً وتـذاب بالمـاء الحار فـــتــكون اســودا ً .
يضــاف الى هـــذا الحــبر ، قـليــل من الصــمغ العـــربي حتى يــلـتــصق الحــبر بالورق عــند الكــتابة ، ولا يســقـط بالنــفــض او النـــفخ ، كذلـك يكتـــسـب الحـبر من الصــمغ لمعــانا ً . "

وهـذه وصـفة قـد يـمة لمـداد من مديـنة الكــوفة :
" تأخـذ قــشــور الـرمان ، تحـرقـه ، وتأخـذ رماده ، تعـجـنه بلـبــن حلــيـب وشـيء من صـمـغ محـلول .
ثـم اجـعـله ا قــراصا ً ، وجــفـفه في الـظل ، فأنه اجـود مايكون من المـداد ."
وعــند الاطلاع على وصفــات الحــبر القــديمة نــجد ان اكثــر الخــطاطــين كانوا يحاولون تحــسـيـن الحــبر بإضــافات جديـــدة ، فهــناك من يحــمص الرز كالقهـوة حتى يصبح اســـود ثم ُيـبرّد ويُــطـحن ويُخـــلط بالصـــمغ ويتـــرك في الـشـمـس لــعــدة ايام ، يضــاف اليه الصـبر لمـنع مجيء الـذباب علـيه، وبعضـهم يضـيف اليه الـسـخام المتجـمع من الشـموع التي تستخدم في حفلات العـرس الكبــيــرة .

خطــاط آخــر يحرق نوى التـــمر ثم يطـــحنها ويضـــيــفها للحــبر. وفي دول المغــرب العــربي ، ولحـــد اليــوم ، في بعـــض المــناطــق يحرقــون بقـــايا خــروف من قــطع جلــد وصــوف وقــرون حتى التـكلــس ، والعجيـنة السـوداء الـتي تــتـكون يكـفـي خلــطها بالــماء لتــكون حبــرا بــنــيا ًجـيدا ً، يــســتــعــمل للوحات الخــشــبــية في الـمـدارس القــرآنــية . وحـتما ً كان هـذا النــوع من الحــبريـســتعــمل في الماضي للخط على جلود الحــيوانات . وكل هــذه الأشـــياء المــخـلوطة في عـمل الحــبر تــتــطلب تصــفيــة ، واحــســن شيء يـســتـعـمل للـتصفـية هـو الـقـماش النــاعـم جدا ً كالحــرير او كالـجوارب النــسـائــية الــناعــمة .
وهـنا يتكلم ابن شهــيد في القـرن 12 عن نـظافـة الحبر والاعـتـناء به :
" انما مدادكم ماء ديــباجتـــكم وصــبغة امانتــكم ، فأســتـنـظفـوه اسـتـضا فـتكم لـملابـسـكم ، وأسـتجـملوه اســتجـمالكم لمـصابغـكم ، وإنـما خطـوطـكم خلـفاء الـسـنـتـكم وخطبـاء عـقـــولكـــم ..."
ابــن الــبواب في القــرن الحادي عــشــر يتــكلم عن الحــبر :
وألـق دواتـك بالـدخان مـدبــرا ً بالــخل او بالحــصــرم المعــصور
وأضــف اليــه مغــرة قــد صـولت مع اصــفر الزرنيــخ والكافــور
حتـى اذا ماخــمــرّت فأعــمــد الى الورق النــقي الـناعــم المـخبـور
ويعتني الخطاطون بالدواة وهـناك اوصـاف مـتعددة لها ويضع أكثر الخطاطين فيها ليقة ، وهـي كمية من خيوط الحرير . وتـسمى ايضا ً طرة . ويمكن كذلك وضع اسفنجة طبيعية تـساعد القلم على اخذ الكمية الملائـمة من الحـبر .

وتوجد نصــوص ادبـــية وأشـــعار كــثـــيرة حول المــحــبرة .
وهــذا النــص يعــود للخــطاط احمــد بن بنــت الاعـــز . اذ انه ترك الدواة لــمدة طــويلة دون ان يخـط لانه لم يحصل على عمل له . وعند عودته للمـحـبرة فـيــجد البــياض قد غـطى الســواد بســـبب التعـــفن فقــال :
تعــطـلــت فأ بيــضت دواتي لحـزنها
ومــذ قــل مالي قــل منها مـدادهـا
وللــنـاس من ســـود اللــباس حدادهــم
ولكــن مــبــيض الدواة حدادها
وقد عبر الخـطاطون عن مـشاعرهم بأستعارات عن مواد عملهم، وعن المداد ومركباته كما في النـص التـالي :

" قال ابو هـفان الـشــاعر العـباســي ، ســألت خــطاطا ً عن حاله فــقـال : عــيـشـي أضــيق من محــبرة ، وجـســمي أدق من مـســــطرة ، وجاهــي أرق من الزجاج ، ووجهــي عــند الــناس أشـــد من ســواد الحــبر بالزاج ، وحــظي أخــفى من شـــق الــقـلم ، وبدني اضعــف من قصــبة ، وطــعامي أمّر من العــفص ، وشــرابي أحــر من الحــبر ، وســوء الحال ألــزم لي من الصــمغ .
فــقــلت له عــبرت عن بلاء بــبلاء .... "

وكان عـمل الخطاطين في الماضي يقـترب من العـمل الســياسي ايـضا فعـندما أراد ابن المقـفع فـضح الـسـفاح اســتعـمل الحـبر الســري والكــتابة بالحـبر الـســري تـــتم اولا بالكـتـابة بالــمحـلول الــشـفاف المـســتخــلص من العــفص . فـتكون الحــروف غـير مرئية عـند الجفاف. وترسل الرســالة الى الــشــخص الذي يــجــب ان يــقــرأها . فــيــمرر عليــها قــطنة مــبللة بالـمحلول المــكون من الخل والاملاح الـمعــدنــية كما ذكرنا ســابقـا ً بوصــفة الحـبر ، فــتــظهر الكــتابة ســوداء . ويمكن قراءتها .


وهــناك نص قـديم يتــكلم عن هــذه الوصــفة :
" ..إن َقــتل الخلــيــفة ابن المقـــفع ، فأن طريقــتــه الســـرية في تهــريب الكلام الحر انـتــقــلت الى الـقـرامــطة فــحــملوهــا دعــوتــهم الى الثــورة والعــدل .
ثم بلغــت محــمد بن علي فدعا بها الزنوج بــســباخ البــصرة الى كــسر الاغــلال ... وأنــتهى هــذا الحــبر الى اخوان الصفـا فدونوا به رســائلهم الســرية الداعــية الى اســقاط الخلافــة العــباســية المـــتهــرئة .
وكاد المخــبرون والوشــاة يلــقــون الــقــبض على الطريقــة الســرية لاســـتحضـار هــذا الحبر لما داهــموا دار الاديب الــفــيلــســوف ابن الراوندي في الــقرن التــاســع وقــتـلوه ... الا ان احدى معــشــوقات الفــيلــســوف تــمكــنت من اخــفاء الوصفة بيــن نــهديها وهــربت ... وتجوب هــذه الوصـــفة الآن بلاد العـــرب متخـــفــية عن عــيون الســلــــطان ... "

ويعـبرابي بكـر محمـد بن يحـيي عن اهــمـية الحـبر والقــلم بالكــلمات الـتالـية :
" ... فـما رأيـنا مـدادا ً قـبل ذاك دما ً ولا رأيـنا حـساما ً قـبل ذا قصـبا ... "
وقـبل الف سـنة كانت التـقارير السـرية التي ترسـلها المـدن للســلطان ، تـكـتـب من قـبل الخطاط . ولكـنه عـندما كان يـراهـا ظالــمة ، فأنه يكـــتـبها بحــبر رديء كي لاتــقرأ . كما يعـلــمـنا النــص التــالي لاحــمد بن ابراهــيم :
" كان مــشـايخ الكـتــــّــاب وزهـاد العـــمال يخــتارون ان يكون مايــرفــعــونه من جـــماعــاتهـم الى دواويــن الســلطان بخـط غــير جــيد ومداد غــير حالك ، في صحف مظــلمة ، ليثـــقــل على من يرد عــليه من المــتــصـفحين ، فــيـعـدل عـنها الى غــيرها مــما لايــتعــبه ..."

وأخيرا ً ما هي اهــمية تحضــير الحــبر في عــصرنا الحالي ؟
اولا ً: للخطاط المهني ضرورة لابد مـنها لتحسـين خطه ، واضفاء الاناقــة لأشــكال حروفه .

ثـانـيا ً: ان هــذه المعـرفة ســوف تعــطي الخطــاط ( او الفــنان التــشـكـيلي ) الحـرية لتحضــير الالوان حـسـب المــواد المتــوفرة بالـمكان الذي يتواجد فيه ، فأن وصفات الحــبر الاســود هي الــقاعدة الــتي يمكن ان تطــبق لتحضـير بقـية الالوان ، وذلك بتــبديل الســخام الاســود بمــســـحوق ناعــم ملون آخـر .
لتحضــير لون ترابي مثلا ً يكــفي عــند التــجول في الريف اخذ طين غامـق اللون من الارض ومن الافـضل ان يمــيل لونه للـصفرة او للـحمرة . وثم خلــطه بالـماء في اناء كـبـيــر ، وتركه يــترســب لمدة قــليــلة ، ثم اخــذ الماء الخابط في اناء آخر وتركه في الشـمــس حتى يجــف ، وما ســوف يترســب في قعــر الاناء من قــشــرة ملونة ، تطحن لكي تصــير ناعــمة جدا ًوهــذا هــو المــســحوق الـملون الذي يــسـتــعـمله كل الفـنــانيــين للحصـول على الالوان التــرابـية . وتطبق عليه نفــس وصــفة الحبــر الاســود .

وإن أردنا لونا ً كثـــيفا ً فيـجب خلط المـسحوق الملون مع قـليل من الـماء ، حتى يصبح كالمـعجون ، وثم يضاف اليه الصمغ لكي يثــبت على الورق عند اســـتعــماله .


وهكـذا يكون بالامكان انـتاج الوان لا تـشابه الالوان التجارية ان كان المتوفر منها رديــئا، وكذلك يمكن ايضا ً تحـســين الالوان المــباعة بخلــطها بمواد نــبــيلة كالمــسـحوق التــرابي الذي عــملناه . فالاحبارالصــناعية ذات الوان فاقــعة وفـقـــيرة ، وبمجرد خلطها بمــســحوق ملون جــيد فــســوف تكون اكثـــر نــبلا ً وأكـــثر ثراء ً .

* حسن المسعود ـ باريس ـ كانون الثاني 2007


توقيع نقوس المهدي



المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.




  مشاركة رقم : 4 (الرابط)  
قديم 02-05-2010, 02:54 AM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 8,878
بمعدل : 13.59 يوميا

نقوس المهدي غير متصل عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : تشكيل
افتراضي

الفضــــــاء
ألا يا حمامات العراق أعنني!
حسن المسعود


أن كل من يمارس العمل الفني، يدرك أن عمله هذا مشابه تماما ً لما يعمله الفلاح ، حين يبذر حبوبه. وما عليه إلا الصبر والانتظار طويلا ً كي تتحول الحبة الصلبة الصغيرة إلي شجرة مفعمة بالحياة … شجرة ذات عطاء من ورود وأثمار … وكلما أراد الفلاح بذر الحبوب في الموسم القادم، تكرر كل شيء من جديد..

إن الابتكار الفني هو عبارة عن رغبة تكون في بداياتها كالبذرة نابعة من داخل الفنان، وهي في ظهورها تشبه عملية إيقاظ أشكال وألوان مضى عليها زمن طويل وهي راقدة في مخيلته.

في بعض الأحيان تكون الرغبة للابتكار متوفرة، إضافة إلى كل ما يتطلبه العمل الفني من ألوان وأوراق، لكن الأشكال قد تكون لازالت في حالة نعاس أو حتى في سبات عميق، فتولد هشة ضعيفة .

ففي هذا الصباح مثلا، أردت عمل خطوط حمراء، على مساحات كبيرة بيضاء. وكنت أرى في مخيلتي أشكال هذه الخطوط وما يحيط بها من فضاء واسع. لكن كل ما كنت أخطه على الورق كان يبدو صغيرا ومحصوراً ضمن مساحة ضيقة .

أردت من يدي تنفيذ ما أتخيله من فضاء لانهائي، ولكنها لم تطاوع رغبتي.

لابد من أن أوضح أولا ً لماذا أريد أن تعكس خطوطي الفضاء الواسع. لأن الفضاء الواسع يعني لي مجال النور و الحرية، أو هكذا أتصوره. فبالنسبة لي أن القضية هي التعبير عن موقفي من خلال العمل الفني.. لذا فأني أريد أن يعيش المشاهد لحظات الحرية من خلال رؤيته للخط الذي اعمله ...

أريد أن أخط كلمات تهِبُ الأمل، مجابهة العنف البشري والحزن الذي يخلفه فينا..

لذلك أريد لعملي الفني أن يكون مشحونا ً بطاقات مقنعة، تعين على مواجهة صعوبات الحياة. أريد أن احوّل الألم الذي احسه إلى مادة للخلق المتسم بالتفاؤل، ماذا ينفع العويل والبكاء في بيت يحترق..؟ وأثناء عاصفة هوجاء ومدمرة هل سينفع وصف هذه العاصفة لمن يعيشها ؟

يمكن للخط كعمل فني أن يتحول إلى موقف أخلاقي، عبر التقبل أو الرفض، في تعبير حركات الحروف وعبر المعنى للكلمات ... للخط أيضا ً قيمة جمالية من خلال البناء الهندسي والنور الذي يخترق المادة اللونية.

في الفضاء تهيم الغيوم وتطير العصافير… وفي الفضاء تتجدد الحركات بدون توقف… الفضاء ليس فارغاً. جميع الفنانين يختبرون الفضاء في عملهم الفني، وحتى الأدب الشعبي كان يعوم في الفضاء عبر بساط الريح... في الفضاء تعوم هذه الكرة الحجرية الكبيرة التي نعيش عليها: الأرض. ومن بعيد نرى الكواكب والنجوم بحركاتها البطيئة.

يقول الحكيم الصيني لاو تسو: " تُصنع الأوعية من الطين ولكن الفراغ هو الذي يعطي الإناء منفعته". فالفضاء إذن هو الذي يمهد الطريق للشكل للبحث عن الكمال.

إذن، كل شيء ممكن في الفضاء... وكل الحلول يمكنها أن تتحقق... الفضاء هو الجديد غير المعروف. وهذا ما أبحث عنه في عملي الفني، وهو الذي يضفي التناغم في الخط كما الصمت في الموسيقى...

الفضاء في المعمار هو الجانب المفيد للسكن... وهكذا سيكون الفضاء خلف الخطوط ... مجال الحلم لي وللمشاهد فيما بعد.
أريد بجانب خطوطي فضاءً ممتلئاً، كامتلاء الفضاء المحيط بنا بموجات غير مرئية للبث المتعدد: راديو وتلفزيون وتلفون... نعم فضاء ممتلئ... لا يمكن إضافة أي شيء إليه. ولكنه يبقى فضاءً رحباً يمكن للخيول أن تعدو فيه .

كل ما عملته هذا الصباح من خطوط بدت لي صغيرة ومغلقة داخل مساحات ضيقة كما قلت، فتوقفت عن الخط متسائلا ً متى سأستطيع خط ما أراه في ذهني؟… متى سأرى على الورق الخطوط التي أراها بوضوح في مخيلتي؟ متى سأرسم الحرية من خلال حروفي وكلماتي الطائرة داخل فضاء مطلق؟
بقيت في حوار داخلي انتظر تحقيق هذه الرؤى...
يقول السرياليون: إن التمدد والتخيل هو عمل أيضا، فقلت في نفسي لأترك الألوان والأوراق جانبا . وأبقى في التأمل… في حلم يقظة … التأملات تترك الذهن عائماً على الدوام... فيكون رحباً لاستقبال مختلف الأحاسيس.

ألم يبتكر الخطاط الإيراني القديم أسلوب التعليق، بعد حلم رأى فيه أشكال الحروف مرسومة على جسم بط طائر في الفضاء؟ ومنذ القرن الرابع عشر تتطاير حروف التعليق في الفضاء غير آبهة بالسطر الذي تحتها. ومنذ ذلك الزمن يغذي حلم هذا الخطاط الملايين من الناس جماليا .

عدت بأفكاري بعيدا... بعيدا… إلى الأزمنة القديمة، عندما كان الخطاط ينهض في الصباح الباكر. يأخذ قلمه ومحبرته وأوراقه. وبعد ساعات طويلة من التمرين على الحروف وقواعدها يتوقف فجأة ليقول انه لم يصل إلى ذروة القوة المطلوبة لحرف الهاء أو حرف الحاء مثلا. ويقرر العودة في اليوم التالي للخط من جديد...
فهنالك طاقات ضرورية ولابد منها للخط ، تشبه طاقة التيار الكهربائي، التي تولّد النور في المصباح... طاقات تشحن الحروف فيبدو الخط جميلا. وعندما يتلذذ المشاهد بهذه الرؤية فأنه سوف يتسلم هذه الطاقات التي ستشحن بدورها قدراته وتعينه على العيش .

وقد لخص الخطاط ابن البواب قبل ألف سنة معضلة الخلق الفني بهذا النص:

"إن من تعاطى هذه الصناعة ـ يحتاج ـ إلى فرط التوفر عليها، والانصراف بجملة العناية بها والكلف الشديد بها، ولوع الدائم بمزاولتها.
فأنها شديدة النفار بطيئة الاستقرار، مُطمعة الخداع، وشيكة النزاع ، عزيزة الوفاء، سريعة الغدر والجفاء.
نوار قيدها الأعمال، شموس قهرها الوصال، لا تسمح ببعضها إلا لمن آثرها بجملته ، وأقبل عليها بكليته، ووقف على تآلفها سائر زمنه واعتاضها عن خله وسكنه.
لا يؤسيه حيادها ولا يغمره انقيادها، يقارعها بالشهوة والنشاط، ويوادعها عند الكلال والملال حتى يبلغ منها الغاية القصية، ويدرك المنزلة العلية .
وتنقاد الأنامل لتفتيح أزهارها، وجلاء أنوارها، وتظهر الحروف موصولة ومفصولة، ومعماة ومفتحة في احسن صيغها وأبهج خلقتها .
منخرطة المحاسن في سلك نظامها، متساوية الأجزاء في تجاورها والتآمها، لينة المعاطف والأرداف، متناسبة الأوساط والأطراف.
ظاهرها وقور ساكن ومفتشها بهج فاتن، كأنما كاتبها ـ وقد أرسل يده وحث بها قلبه ـ رجع فيها فكره ورويته… "
إن ابن البواب يقول في هذا النص كل شيء. إذ لابد من الولوج في عالم الخط بتهيؤ كامل من الجسم والإحساس. من القلب. فإن كان القلب مثقلا ستكون الخطوط ثقيلة ويتضاءل الفضاء من حولها. وإن كان القلب خفيفا ستطير الخطوط في الفضاء الرحب. ففي لحظة الخط أكون والخط واحد، أي يصبح الخط أنا، وأصبح أنا الخط.

ولكن هل أن ما أعمله يشابه مما يعمله ابن البواب في القرن الحادي عشر، وهل يمكنني المقارنة في هذا المجال؟ كان الخطاط القديم يريد التوصل إلى خط يقترب مما تعلمه من أستاذه وأستاذ أستاذه… بينما إنني اليوم أتتمسك بتركة الماضي بما هو الأكثر نبلا ً والأكثر جمالا ً فقط. ولم يعد الخط عندي وسيلة للكتابة فقط ، بل عمل فني بحت.

الخط لدي شيء آخر... إنني أخط للرؤية أكثر من القراءة، لذا تأخذ حروفي التعبير عبر اشكالها وهندستها المبسطة… تبدو مرة في الراحة والثبات، وأخرى في الحركة والمثابرة... تطير في الذهاب والإياب… في تردد أو إقدام... في غضب أو فرح.
وكل التقاء بين حرفين أو ثلاثة سيولد شكلاً جديداً لم اكن اعرفه مسبقا . كما أنني لا انظر للشكل فقط كما قلت، بل للفراغ أيضا الذي يكون خلفية للخطوط.
الفراغ موضوع هذه السطور ...
أبذل نفس الجهد في خط الكلمة والبياض خلفها على حدٍ سواء... نحو جسم الحرف واللاجسم المحيط به... وأهمية الفضاء هنا تعادل اهمية الكلمات المخطوطة ... فيتحول الفضاء إلى عنصر مادي أيضاً، يمكن فتحه وسحبه وتوسيعه .
أريد أن تتحول الكلمة عندي إلى ما يشبه تمثالاً كبيراً على ارض شاسعة، وهكذا أكون اقرب للفنانين التشكيليين ... فيتحول الخط لدي إلى لوحة تجريدية، لأنني اعمل شكلا ً يشغل مساحة نسميها بالسطح التشكيلي .
ولكني أتساءل مع نفسي وأقول: إنني اقرب للفنانين التشكيليين. وأظل أعيد السؤال: هل أنني فعلا ً اقرب للتشكيليين أم اقرب لخيال للشعراء ؟
إذا كان مظهر عملي يتطلب تقنيات الفن التشكيلي، فأن جوهر عملي على أية حال يقترب كثيرا ً من الشعراء. فكلانا يلعب بالكلمات … نحذف من العبارة ما نريد ... نقرب ونفرق الكلمات ، بهدف ولادة شرارة نور جديدة …
ألم يقل الجاحظ "… والشعر صياغة وضرب من التصوير. "
وأنا اكرر معه: الخط أيضا ً هو صياغة وضرب من التصوير...
الحرف ليس مجرد خط هندسي بسيط، إنما هو عدة حركات مستقلة في ذاتها ولها حياتها الخاصة بها… كل حرف له بداية وتطور ونهاية. وعلى الرغم من كونه محدداً، فأنه لابد من أن يعطي تأثيرات وجدانية وعاطفية لا حدود لها، تكمن في إثارته إلى اللامحدود داخل شكله المحدد والمتواضع .
ثم أن معنى الكلمة قد يحاول الحضور في بعض الأحيان ويزج نفسه من خلال الشكل . فعندما اخط كلمة هواء أرى الهواء في الحروف. وعندما اخط النار فستكون الحروف كاللهب ترتفع إلى الأعلى. وخلف هذه العناصر سيكون الفضاء المرئي على الورقة خلف الخطوط، وهو النتيجة الحاصلة من علاقات الحروف فيما بينها. لذا فان الفضاء هو جديد في كل خط جديد .
نعم أجد نفسي اقرب للشعراء لان مادتنا الكلمات، ودائما ً ما يفرض الشعر نفسه عليّ… كهذا البيت للشاعر الأندلسي أبو المخشى عاصم بن زيد :
فبتنا والقلوبُ معلقاتٌ
وأجنحة ُالرياحُ بنا تطيرُ

سبع كلمات تربط الإحساس الإنساني بالطبيعة… سبع كلمات ترسم لوحة أرى فيها الفضاء الواسع وهذا ما يهمني في كلمات أبو المخشى . وكل من يسمع هذا البيت الشعري، يخلق في ذهنه الصورة التي يريدها . ولا تتشابه هذه الصورة عند شخص وآخر وكذلك مدي اتساع المنظر. إن الشعراء يجعلون السامع ذكياً، يجعلونه يخلق الصور هو نفسه …
سبع كلمات لامعقولة … فلا يمكن للقلوب أن تعلق … و ليس للرياح أجنحة .

ألا يمكننا نحن الفنانين إعطاء صور بهذه القوة والبساطة ؟

ويحضرني الآن قولا ً للشاعر" كثيـّر" يجيب على حالتي في هذا اليوم بعدم الالتقاء مع الإيحاءات ، فقد قيل له: " يا أبا صخر كيف تصنعُ إذا عسر عليك قول الشعر ؟
فقال كثيّر : أطوف في الرباع المُخلية والرياض المُعشبة ، فيسهلُ عليّ أرصنهُ ، ويسرع اليّ أحسنهُ . "
إذن سأفعل ككثـيّر سأتجول في الرباع المُخلية كالصحراء … والرياض المُعشبة. فنحن محاطون بالحدائق …
لا.. لا فأنني الآن اجلس لأغور في تخيلات هادئة… استعيد الذكريات عن كل ما يقترب من مناظر الفضاء الواسع ... وأنظر بوضوح في داخلي، فأرى عالما واسعا ً، وها هي الآن الخطوط الحمراء التي أود رؤيتها. وبالضبط كما أتخيلها داخل هذا العالم الرحب. لأن ليس كل ما هو كامن في داخلي صغير و مظلم. إن صور الرؤى الداخلية قادرة على أن تكون اكبر بكثير مما تراه العيون …
التأمل يقودني دائما ً إلى تكثيف طاقاتي الداخلية، لرؤية هذه الصور الكبيرة. وأحيانا ً يفجرها عندي بيت شعر، كما نسمع ونرى هنا صور الشاعر جميل بن معمر :
أقلب طرفي في السماء لعله
يوافق طرفها حين تنظر

إن المثلث العالي الذي يرسمه الشاعر في الفضاء، مذهل من حيث الاتساع . فنظرته تصعد للسماء. ومن مكان آخر فأن نظرة عينها تعلو للسماء أيضا، ولعل اللقاء بين نظرتيهما قد يتحقق هناك في الفضاء ... ليس المهم هنا واقعية رغبة الشاعر جميل فأنه يعرف جيدا ً أن ما يبغيه لن يتحقق قط . ولكن ما يهمني هنا هو الصورة المتخيلة المرسومة داخل الفضاء. إن هذا النوع من الصور هو ما أبحث عنه ، وهذا الفضاء الذي أريده ...هو فضاء كبير أرسمه بتسع كلمات فقط .

أما الشاعر ابن زيدون فيتكلم مع المطر طالباً منه أن يذهب إلى قصر حبيبته ولادة قائلاً:
يا ساري البرق غاد القصر وأسق به
من كان صرف الهوى والود يسقينا
التأمل في الفضاء يقود ابن زيدون إلي ابتكار هذه الصورة الفضائية الهندسية... نظرة عمودية إلى الأعلى لرؤية الغيوم ... آمراً إياها بالتوجه أفقيا ً لضواحي قرطبة... وأخيرا الهطول على قصر الأميرة .
عند التأمل يكون الإنسان معلم نفسه . وها أنا أقول لنفسي: إن الشكل في الفن هو قبل كل شيء " فكرة " ولابد من رؤية هذه الفكرة بوضوح في ذهني قبل الانطلاق للبدء بالخط … وعندما لا توجد علاقة وصل بين اليد وهذه الفكرة ، فسيحكم على عملية الخط بالفشل مقدما.ً

وعندما وجدت هذه النظرية جاءتني عقبها وبسرعة نظرية متناقضة معها :
" الفكرة " تبقى عقلانية وفي العمل الفني لابد من مجال واسع للحدس، وعلى الجسد أن يعبر عن ذلك. لذلك اجدني مجبرا ً على تجاوز هذه الفكرة بسرعة وتخطيها إن أردت الابتكار .
ففي العمل الفني وفي لحظة الخط علينا أن ننسى كل ما فكرنا به مسبقا ً ونترك الجسم يعبر حسيا ً وحدسيا ًلحظة الإبداع .

***********

أعود للمتنبي في هذا البيت الشعري وأتساءل هل كان عقلانيا ً ؟ أم انه ترك لخياله حرية التعبير … التعبير عن الحالة الوجدانية والصورة الطبيعية في آن واحد :
كريشة ٌفي مهبِ الريح ساقطة
لا تستقر على حالٍ من القلق
إن هذا البيت في حد ذاته لوحة خطية. أرى فيه فضاءً واسعاً وحروفاً ترقص في مهب الريح. الحروف كما الريشة تتحدى قانون الجاذبية الأرضية. تسلّم نفسها للرياح وتستسلم لها. أردت لخطوطي دوماً أن تكون كتلك الريشة، وأن تلمس الأرض بأقل ما يمكن، أن توحي بالطيران، تماما ً كالحمامة التي تركل الأرض برجل واحدة، فاردةً جناحيها للطيران. في كل شكل أردت أن أرى نقطة ثبات ونقطة هروب، في آن واحد.

يرسم البحتري صورة مشابهة لصورة المتنبي من الناحية الوجدانية، ولكن بكلمات يختلط فيها البعد الجغرافي والفضاء:
وأستبطي إلى بغداد سيري
ولو أنى رحلتُ على البراق ِ"

ونجد نفس المشاعر عند ابن المعتز، هذا الشاعر الذي عاش في بغداد يوم كانت " دار السلام " تعيش ظروف لا تختلف عما نعيشه اليوم من آلام ومآسي. إذ قتل ابن المعتز بعد توليه الخلافة ليوم واحد فقط . وفي هذا البيت الشعري يلخص الفضاء الواسع للعراق ، والأسى في قلبه :
الدار أعرفها رُبى ً وربوعا
حتى أساء بها الزمان صنيعا .

ولو نهبط لجنوب العراق، في صورة أخرى يائسة للفضاء الصحراوي. تركها لنا شاعر مجهول، في لوحة تنم عن قدرة واسعة في رسم التخيلات :
سرى طيف ليلي عندما غلب الكرى
سحيرا ًوصحبي في الفلاة رقود
فلما انتهينا للخيال الذي سرى
أرى الجو قــــفرا ً والمزاد بعيد

أكاد أرى صورة هذا الشاعر في الصحراء متكورا ً على نفسه يزوره الحلم بعد أن غالبه النعاس ، يتدفأ بجنب بعير نائم في ليل شتوي بارد . يحيط به بعض رفاق الرحلة وحولهم الفضاء بلا حدود ... فضاء موحش وممتد حتى اللانهاية .

************

لوحة أخرى للشاعر أبو الطيب المتنبي عن الفضاء في الصحراء . فأني أرى في مخيلتي الفضاء الذي يتكلم عنه في البيت الشعري التالي. ( فـقد ولد في الكوفة بمكان لا يبعد كثيرا عن المكان الذي ولِدتُ فـيه . )

وبعيدا عن جماليات الصحراء، يرسم لنا أبو الطيّب الفضاء الصحراوي بشكل تراجيدي :
ذراني والفلاة ُ بلا دليلٍ
ووجهي والهجيرُ بلا لثام ِ

كم من مرة تذكرت هذا البيت للمتنبي. أولا ً في النجف وصحاريها بجنوب العراق، والرياح السريعة المحملة بالرمال والتي كنا نسميها " السموم ". وبعد ذلك في صحاري دول المغرب وموريتاني... عندما تداهم عواصف مدمرة تسدّ الفضاء وتحجب الرؤية . ولكني كنت دائما ً اشعر بفرح غامض يشوبه القلق عند مجيء الرياح... فأن الرياح في الصحراء كطيور عملاقة غير مرئية في الفضاء الواسع. تـُغير على الكثبان المحدبة فتأخذ من رمالها الناعمة كالدقيق، وتصعد بها للسماء، فتصبح الرمال أمام الشمس وكأنها ستائر نسجت من نور ذهبي .


يأخذ الفضاء اللانهائي أشكالا ً محددة معلقة في السماء، الستائر الرملية البعيدة تكتسي باللون الذهبي، أما القريبة فتميل إلى اللون البرتقالي القاتم... عند ذاك تتحول الصحراء إلى مدينة ذات معالم ذهبية من النور تقف على الكثبان التي تشبه حروف انسيابية من الخط الديواني أو خط التعليق.. النور هنا يقاوم الظلام ويتحداه...

إن هذه الصور الكبيرة للفضاء لا يمكن رؤيتها بمكان آخر غير الصحراء. ولكن على أية حال لا يمكن تصويرها أبدا ً لأن كل هذا المنظر يرتسم في دائرة كبرى مركزها الإنسان. فيكون الأفق في نفس البعد لعين الإنسان من كل الجهات .
فراغ وفضاء الصحراء دائري... ولاشيء يوقفه عند صعوده نحو الأعلى ... سوى بعض الغيوم البيضاء في عز الشتاء.

هنالك نقطة واحدة منيرة في هذا المنظر الكبير تحت السماء المعتمة. ألا وهي الشمس، مصدر النور الذي يعطي لكل لون قيمته. وبذلك يخلق نور الشمس بدرجات لونية متناغمة توحي بعمق الفضاء... قرص اصفر كبير من الذهب معلق في الأعلى بين الستائر الرملية التي يلاعبها الهواء .

وتنتهي مشاهد لعبة الرياح والرمال عند غياب الشمس ليلا ً وهبوط الألوان القاتمة. وعندما يأتي القمر نكون" نحن الثلاثة : القمر وظلي وأنا " كما يقول الشاعر الصيني لي تاي به. وهذا الشاعر هو الآخر يرسم لنا لوحة كبيرة في الفضاء ولكن بأقل كمية ممكنة من الحروف. بساطة مذهلة أليس كذلك ؟
وهكذا أن فضاء الصحراء الدائري والحرية المطلقة التي يوفرها ، يجعلنا نفهم ما يقوله الشاعر الشنفرة :
لعمرك ، ما بالأرض ضيق ٌ على امرئ
سرى راغبا ً أو راهبا ً ، وهو يعقل ُ

فكر الشنفرة وإبداعه الفني ملخص هنا بكلمات بسيطة... أهداف أخلاقية تزيد من وعي الإنسان وتساهم في تكوين مبادئه... فأن فضاء شنفرة هو الحرية، وهو يرى أن الإنسان يمكنه أن يكون حرا ً إن أراد ولا ضيق عليه في الأرض، لأن الحرية الحقيقية والفضاء الواسع موجودان في ذهنه. ويوضح فكرة شنفرة الزنجي الأمريكي مارتن لوتر كنج في العبارة التالية: " لا يستطيع استعبادي أحدا ً إذا لا أفكر كعبد " ... فضاء شنفرة إذن هو حرية الإنسان وكل هذه الحرية تكمن في ذهنه قبل كل شيء . وهذا هو الفضاء الذي ابحث عنه وأريد أن أضعه في خطوطي .

هنالك نص للشاعر جلال الدين رومي يروي فيها قصة نهر يريد عبور الصحراء فتمتصه الرمال كلما توغل في الفضاء الصحراوي. فيصيح متعجبا ومحتجا ً بأنه عبَََرَ الجبال والوديان فكيف لا تسمح له الصحراء بالعبور ؟
فيأتيه صوت من الرمل يقول له : انك تستطيع عبور الصحراء ولكن على شرط أن تتغير و تتحول إلى بخار، وتصعد في الفضاء فيحملك الهواء على شكل غيوم ، وفي نهاية الصحراء سوف تصطدم بالجبل وتسقط كمطر وتسيل كنهر من جديد ...

وهكذا علينا نحن الفنانين قبل البدء بعمل فني مبتكر، أن نعيش مخاضا ً جديدا ً مثل ذلك النهر، وأن نتغير في كل يوم جديد عن الأمس القديم ...
وإلا سوف تمتصنا الرمال ...

لو أردت عمل خطوطي الحمراء داخل فضاء واسع، فلابد من أن اخلق هذا الفضاء في داخلي قبل بدء الخط ... وهذا هو الشرط الأول ... أي أن العمل الفني هو انعكاس لصورتي الداخلية. إذا كان الفضاء ضيقا ً، فذلك يعني أنني أعيش حالة انكماش وتقوقع . وان أردت للفضاء أن يكون متسعا ً فيجب أن اعمل على الوصول إلى هذا الاتساع قبل كل شيء . ولو أردت الحرية في مظهر خطوطي علي ّ أن أعيش هذه الحرية كما يقول المتنبي:
وكم من جبال جبت تشهد أنني
الجبال وبحر شاهد أنني البحر
العلو في ارتفاع الجبال يوحي بأشكال عمودية. ومنظر البحر اللانهائي يوحي بامتداد أفقي ...
وفي هذه الأماكن تكون السماء عريضة والفضاء على اتساع كبير ...
وهكذا نرى في هذا البيت الشعري فضاء آخر رسمه لنا الشاعر المتنبي ، يختلف عما رسمه في البيت الشعري السابق للفضاء الصحراوي .

بعد هذه الجولة في عالم الشعراء ورؤية الفضاء الذي يرسمونه . أرى الصور الخطية في مخيلتي أكثر وضوحا ً، وما علي ّ الآن ألا أعود للألوان الحمراء والورق ...لقد تحررت تخيلاتي من التردد. استيقظت الرؤى، وأشكال الخطوط اقتربت .
سأحاول دائما ً الولوج والتغلغل في مخيلة الشعراء وسأخط كلماتهم :
سأخاطب بغداد مع الجواهري :
حييت سفحك عن بُعد فحييني
يادجلة الخير يا أم البساتين .

وأحيي مع ابن الدمينة :
أيا ساكنين شط دجلة : كلكم إلى القلب من اجل الحبيب ، حبيب .

وسأخط قول قيس ابن الملوح :
ألا يا حمامات العراق أعنني ...

* حسن المسعود ـ حزيران 2007


توقيع نقوس المهدي



المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.




  مشاركة رقم : 5 (الرابط)  
قديم 02-05-2010, 09:10 AM
مواضيع المدونة: 12
الصورة الرمزية ابتسام السيد


رقم العضوية : 2786
تاريخ التسجيل : Oct 2009
الدولة : طرابلس ليبيا
المشاركات : 2,036
بمعدل : 6.07 يوميا

ابتسام السيد غير متصل عرض البوم صور ابتسام السيد



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : تشكيل
افتراضي

ما إن نبدأ بتطبيق التنظير في اي شئ
حتى يذهب الكثير من متعة
الكتابة
الرسم


بالنسبة للريشة الشئ الوحيد الذي يحتاجه الفنان هو معرفة مزج الالوان والخطوط الصحيحة
وبعدها نطلق الروح
هكذا يكون الإبداع
أما عن إقتفاء الثر
لا اؤمن به

تحية

توقيع ابتسام السيد

قوت القلوب
http://www.tvquran.com//]


  مشاركة رقم : 6 (الرابط)  
قديم 02-05-2010, 12:08 PM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 8,878
بمعدل : 13.59 يوميا

نقوس المهدي غير متصل عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : تشكيل
افتراضي

سـلطـان الصـورة
حسن المسعود



كنت اشاهد فيلما عن العراق في القناة الخامسة الفرنسية. تدخل الكاميرا الى دار عائلة عراقية في منطقة شعبية.. نرى شابا يتحدث عن انتمائه الى احدى المليشيات... تنتهي الصور في التجوال داخل الغرفة، وتـتوقف الكاميرا على الشاب وحيدا يؤدي الصلاة. ولكن ما أثار انتباهي وأستغرابي هو ان التلفزيون كان مفتوحا امامه اثناء تأدية الصلاة.

كلما دخلت دار احد معارفي من العوائل المنحدرة من عالمنا العربي ـ الاسلامي اجد التلفـزيون مفـتوحا والصور تتوالى وتتغير بينما نحن نتحدث ونأكل، ومن حين لآخر تـلقي عـيوننا نظرة على شاشة التـلفـزيون وبشـكل لا إرادي وبلا مبالاة، فـتـخـتـلـط الصور بالأحاديث والاكل . هؤلاء البـشـر، تعـودوا على عـدم الاصغاء ، او سـماع فـقـرة هنا وكلمة من هناك .

ما الذي يغري في هذه الصور؟ ولماذ نترك التلفزيون مفتوحا طوال اليوم؟ هل هو البحث عن المعرفة وبهدف التعلم؟ هل الهدف هو سماع آخر الاخبار؟ هل هو عـطـش للصور بعـد قـرون من الكراهية لها؟ هل هو اغـراء النور الآتي من الشاشـة؟ ام انه رمز للتطور او الثراء بعدما كنا محرومين منه...؟

تهت في البحث عن السبب، لأن موضوع الصورة واسع ومعقـد . فهي تقع في جوهرها على الحياد، ولكنها تـُجذب باستمرار لهذه الجهة او تلك، فهناك صور لها مفعول كالعـسل واخرى كالسم، ومن الصعب ادراك ذلك بسهولة في اول وهلة، من الصعب التمييز بينها. لابد من التـذوق، فهنالك صور نافعة وأخرى ضارة ولها تأثير سلبي رديء على المشاهد .
ورحت أسأل نفسي:
ماهي الصورة ؟
ومن اين أتت ؟
ماذا وجد رجال الآثار من اقدم الصور التي أبدعها الإنسان؟ وكيف تطورت هذه الصور ؟
و كيف تـنظر الأديان السماوية للصورة ؟

وهل ان تأثير الصور تغـير في ما نـشاهده من اتساع لاستعـمال الصور في العالم ؟
الصورة عند الاسلام لم تكن محببة بينما اليوم بدا العكس هو الصحيح.

في بداية القرن العـشـرين لم يكن الكثير من الرجال يقبل على عـمل صورة لجواز السفر بينما الآن الصور مباحة ومقبولة ولحد التخمة .

في النتيجة لم اسـتطع اكمال رؤية الفيلم فأغلقت التلفزيون وبدأت مخيلتي تبحث عن اصل الصورة.

***
اتذكر عندما كنت صغيرا في الخمسينيات بمدينة النجف لم نكن نعرف الصور، كنا في مدينة بعيدة عن المنتوجات الصناعية ولا تصل الينا المطبوعات المصورة، والتي لم تكن منـتـشرة وقتذاك كما في عصرنا الحالي. كانت النجف في صغري تشبه كل المدن القديمة قبل اختراع الصور الفوتوغرافية .

اكتشفت الصور بشكل حقيقي في بغداد وأخيرا في باريس. وها انا اليوم اعوم في بحر من الصور، كمن يسبح ضد تيار الموجات العنيفة، اريد التخلـص من التأثير السحري للصور.

الصورة اليـوم هي ظاهـرة العـصر. نراها بكل مكان ونستـخدمها في الحياة اليومية. ولكن لابد من التساؤل امام دورها المهم في عصرنا الحالي. فما هي ايجابياتها وما هي سـلبـياتها ؟ وهل ان الانسان اهم من الصورة ام الصورة اهم منه ؟

من اهم الصور في عصرنا انتشارا هي صور التلفزيون بلا شك ، حيث تنقـل لنا اخبار العالم ، تنقلنا الى قـلب الحدث، تعرفنا على الشخصيات السياسية ، ولكن بنفس الوقت تجبرنا على تجرّع ما لا نريد رؤيته.

ومن جانب آخر ان الادمان الجماهيري على صور التلفزيون يلغي الاحاديث العائلية المطولة والقصص والحكايات التي كانت سائدة قـبل زمن التلفزيون . وهذا احد الادوار السلبية للتلفزيون.

وقبل التلفـزيون كان للصورة الفوتوغرافية سلبياتها ايضا...
قرأت مرة مقالا ً يقول: ان شخصا ً يطرق باب دار بهدف الدعاية فتفتح صاحبة البيت الباب. فيقول لها الرجل بأعجاب: ان طفـلك جميل جدا. فـتجيـب السيدة: آه انه اجمل في الصورة، وتركض لتبحث عن الصورة كبرهان على ذلك . وهكذا نجد في هذه الحكاية ان الصورة تأخذ قيـمة اكـثر مما تسـتحق عند بعض الناس، لأنه و بالتأكيد يبقى الـطـفـل اجمل بكثـير من الصورة .

في السنين الاخيرة، وبشكل عام تتفرج العوائل العربية – الاسلامية بكثرة على التلفـزيون منبهرة بالصور. ولكن لماذا كل هذا الادمان على الصور؟ فقبل ظاهرة التلفزيون لم نكن نعرف الصور الا ما ندر.

هل انها نتيجة لرغبات مكبوتة عـميقة مضت عليها قرون عـديدة. وهاهي اليوم تصعد وتعود بسرعة وخلال بضع سـنوات؟

ندع التـلفـزيون مفـتوحا ً وكأن الحديث مستمر، بينما الحقيقة هي، ان هنالك شخصا خلف الشاشة هو الذي يتحدث وحده سواء نرضى بما يقول او لا نرضى...
ولكن أين تكمن رغبتنا؟
هل في مشاهدة الشخص المتحدث ؟
ام في سيل الصور المنهمر من هذا الجهاز الصغير ... ؟

دخلت مرة دار احد معارفي فـنهض لاستقبالي مرحبا، وبعد المصافحة ركض يفـتح التلفـزيون وهو يعتـذر لكونه مغلقا، ولم اجرؤ القول انني اتيت لرؤيته لا لرؤية التلفـزيون . بينما في المجتمعات الاوربية فالعكس هو الصحيح ، أنهم يغلقـون التلفزيون عند مجيء زائر لهم .

هل ان التلفـزيون علامة من علامات الثراء ودليل على التطور ؟ ام انه دين جديد ؟ نسجد له بخشوع كل مساء . .
هل انه المعـبد الجديد ... ولشعوب كثيرة على الارض !
صور جذابة متحركة وملونة غاية في الاتقان ولكنها هنا تخدم الدعاية والاعلان والرأسمال التجاري وهناك صور اخرى تخدم رجال السياسة ... وهكذا

في مجتمعاتنا الاسلامية القديمة كانت صور الكتب هي الأهم . ولكن الكتب في الزمن الماضي كانت محصورة بيد جمهور مثقـف قليل العـدد وعامة الناس آنذاك لم يشاهدوا تلك الصور .

كانت هنالك ظاهـرة مؤقتة للصور الشعبية المطبوعة... استمرت حوالي النصف قرن وأختفت منذ سنوات قليلة. وموضوعاتها كانت تعكس المخيلة الشعبـية منها : " سيرة بني هلال " وصور " مقتـل الحسين " كذلك صورة البراق الذي كان يُرسم على شكل حصان و برأس فتاة. اتذكر انني اشتريت عددا مختلفا من هذه الصورة في القاهرة في الثمانينيات ومما كان يطبع في مصر آنذاك ، كانت الفتاة دائما الممثلة المصرية الأكثر شهرة في زمن طبع الصورة .

تباع سابقا هذه الصور في بعـض الدكاكين، او في ساحات شعبية ، كما شاهدت ذلك في المغرب والجزائر في السبعـينيات، حيث تجمع الناس حول الراوي يسـمعون الحكايات، وعـندما تنتهي الحكاية، يبيع لهم تلك الصور التي تحتل مكانها على جدران بيوتهم.

ولكن هل يمكن مقارنة تلك الصور بصور التـلفزيون الحالية ؟ ان الصور القديمة على بساطتها وسذاجتها كانت تنمّي من مخيلة الجمهور. فالكل أي كل المشاهدين يحفـظـون القصص الطويلة عن ظهـر قلب، والصورة الصغـيرة تكون كملخص مرئي لكل قـصة . الجمهور آنذاك هو الذي ينسج فلم القصة في مخيلـته امام الصورة المطبوعة، بينما صور اليوم الكاملة والمتحركة، الوفيرة المعلومات لا تترك لمخيلة المشاهد امكانية التدخل والتأمل. صحيح ان الصورة التلفزيونية يمكنها ان تكون وسيلة تطور ثقافي، وهي قادرة على ذلك، بشرط ان ننظر اليها بوعي وأن نحاول اختيار الصور الجيدة منها، لأن مجرد النظر لأي صور كانت ، وبكميات كثيرة، سيؤدي في النتيجة إلى خنق مخيلة المشاهد ، والحد من التطور الثقافي .

حتما ان الصورة يمكن ان تكون وسيلة ثقافـية . ولكن عن أي صورة نتكلم ؟

إن النقد الذي اوجهه هو للصور التي في النهاية لاتدفعنا للتأمل والتفكير... النقد للصور التي تنهك الإنسان ولا ترفعـه إلى الالتقاء باحساساته... بينما الصور الجيدة والجميلة تضع الانسان بأحسن حال. ان المتعة الآتية من الجمال تتحول الى طاقة ايجابية نحو الارتقاء، بينما الصور الرديئة تزج بالانسان في متاهات الحزن والتخلف...

يرى العلماء بأن الانسان الذي يشابهنا يعود الى حوالي 300 الف سنة. وأقدم صور معروفة عملها البشر تعود إلى ما قبل حوالي 30 الف سـنة ، في كهوف بجنوب اوربا . رسـوم حيوانات وعلامات متعددة تعكس الحياة اليومية للانسان القديم . رسمها الانسان من الطين الملون بالدم وسخام الدخان على الجدران الصخرية للكهوف .

صور يرى الباحثون انها عملت بدوافع فطرية، وكان هدف الانسان منها اعطاء الثقة لنفسه بنـفسه. وليطمئن ذاته بالسيطرة والانتصار على الحيوان والطبيعة .

تدريجيا ً تطورت هذه الصور حتى الحضارات القديمة: السومرية، البابلية، الاشورية في وادي الرافـدين. فأخذت الصور تعكـس الاعتقاد الديني او تسجل مراحل تاريخية. وكل من يملك الحكم سوف يفرض افكاره: كمسلة " نرام سـن " المحفوظة في متحف اللوفـر بباريس حيث نرى الملك الاكدي يقود الى شمال العراق حملة عسكرية يعتقـد المؤرخون انها للسيطرة على منابع القار والنفط ... نراه منتصرا ً وأعداؤه يتساقــطون .

وفي مصر القـديمة انتجت الحضارة الفرعونية صورا من كل الأنـواع، ربما تكون اجمل ما خلق البشر من الانتاج الفني. عملت التماثيل والصور بمواضيع عـديدة وكانت على غاية من الاتقان الفني... واستخدمت لتزيين المعابد والقصور والمقابر .

في المعابد الدينية المصرية كانت الآلهة انذاك اكثـرها من الحيوانات يرسمها وينحتها مختصون بهذا العمل. فأمتلات المعابد بالاشكال العملاقة الخارقة : ارادوا استمالة او السيطرة على كل ما يرهب الانسان . وكان لكل حيوان قدرات خصوبة او قوة استعانوا بها .

كل هذه الاعمال الفــنـية كان ينــظراليــها بقدســية انذاك . وكانت العلاقة معـها تخـتــلف تماما ً عن علاقــتـنا اليوم بها ، فـنـحن ننــظر لها اليوم كأعمال فــنية ونســميـها تماثــيل بـينـما انــسان ذلك الزمن ينظر اليها بخـشـوع وهلع وكانت تعرف كآلهة .

كان الهـدف من هذه الاعمال الفــنية هو ممارسة تأثـــير اخلاقــي على المتعــبدين . يتـوجه اليها الجمـهور الشـــعبي بالدعاء لتحــقيـق مطالبه .

او كانت بهدف سياسي لتأكيد طاعة الشعـب لسيده الحاكم .

وهكذا ان ما نسميها اليوم تماثيل ترقد في المتاحف كان اكثرها في عهد مضى آلهة للناس. وكان هؤلاء البشر يؤمنون بشكل قاطع بأنها تقرر مستقبل الانسان وتؤثر عـليه. يتضرعون اليها في حالات الأزمات والمرض آملين منها المساعدة . وبالتأكيد ايضا أن جزءً كبيراً من أبطال هذه الاعمال الفنية لعب دورا سياسيا . فمن يتجول في اروقة هذه المعابد والقصور يرى صور رجال الحكم وانتصاراتهم على الاعداء. كصور رمسيس الثاني منتصرا على جدران معابد مصر القديمة. وفيما بعد يكرر الاشـوريون نفس مواضيع المنحوتات البارزة والذي كانت تمثـل غزوات سرجون الثـاني وانتصاراته. فالمنحوتات ترهب كل من يدخل المعالم المعمارية .

هنالك فترة قصيرة حدثت فيها تساؤلات في تاريخ الفن المصري القديم . فعـند وصول اخـناتـون الى الحكم في القرن الرابع عشر قـبل الميلاد اهتم كثيرا بالشكل الفـني.. قبل اخناتـون كان النحاتـون يغيـرون من صور البشر والحيوانات ويعطـونها صفات لايملكونها. وخصوصا كل ما يتعلق بالآلهة . مظاهرهم كانت محورة وغير طبيعية. وبحجوم عملاقـة وخارقة للعـادة .

ولكن عند مجيء اخناتون طلب من الفنانين ان تكون الصور مطابـقة للاشكال الطبيعية. أي عمل ماهو مرئي وليس ماهو متــخيل. وهكذا غير قواعد الجمال في مصر القديمة.

اما بالنـسـبة الى الآلهة فـمنع اخناتون تعـددها وابقى على إله واحد فقط

وهو " آتون " الذي طلب ان يكون شكله على شكل قرص الشمس والاشعة المنبعثة منه .

سجل زمن هبوط الحضارة المصرية تراجع الفن المصري وأرتقاء الحضارة اليونانية. رفض الاغريق فكرة المصريين في عبادة الحيوانات، ووجدوا انها لا تصلح الا للنذور، او الاحتياجات اليومية للبشر. وقرروا ان تكون صور الآلهة على شكل صور البشـر ولكن بجماليات خارقة للعادة .

عندما كان يُطلبُ من احد النحاتين في ذلك الوقت عمل آلهة أنثى، يطلب النحات ان يأتوه بأجمل شابات المدينة ليختار من كل واحدة الجزء الأكثر تناسقا، وبالتالي يجمع كل ذلك في تمثال واحد. وهذا ما سمي " بالجمال المثالي " أي الجمال الذي لا مثيل له من حيث الروعة والقياسات السليمة حيث لايـوجد على الارض. ونرى هذا مجسدا في تمثال " فينوس " بمتـحف اللوفر بباريـس. او ما اكـتـشف في قاع البحر في اليونان لتمثال من البرونز يعتقد انه كان يمثل شـيخ الآلهة " زوس " حيث الجسم يـشابه جسم شاب رياضي والرأس يمثــل الحكمة والـتأمل .

ان هذه الطريقة في عمل الفـن دفعت الفيلسوف افلاطون على الثورة والرفض لهذه التقاليد ، اذ يقول : " ان هذا الفن لا يمكنه الوصول الى الحقيقة ، بل على العكس انه يحيد الانـسان عن طريق الحقيقة " وبالنسبة الى افلاطون، ان الصور كلما كانت فاتـنة ومغرية فانها سـتلعب دورا سـيئا ً في المجتمع .

عندما حكم على الفيلسوف سقـراط بالموت ، تسائل افلاطون : ماذا يجب عمله لكي لا يكرر البشـر نفـس الجريمة في الحكم بالموت على رجل مثـقف كسقراط . ولم يجد الا جواباً واحداً : التربية .

وكان يرى ان المدينة يجب ان تحكم من قبل الفلاسفة، وتخيل ذلك في كتابة "الجمهورية" حيث يتعلم الناس في هذه المدينة الفاضلة، الشعر والفلسفة، الموسيقى والعلوم، ويتعلم الانسان ما يخفى خلف المظاهر. ويعطي مثلا ً لذلك:
سُجن رجال منذ ولادتهم في كهف مظلم، ولا يرون شيئا ً سوى ظلال تماثيل متحركة، يرفعـها اشخاص على رؤسهم. وبسبب وجود جدار يفصل بين السجناء والاشخاص الذين يحملون التماثيل، لذا فكان السجناء يرون الظلال فـقط ولا يرون حاملي التماثيل. وكانوا متأكدين ان هذه الظلال السوداء المتحركة هي الحقيقة .

وفي احد الايام يهرب احد السجناء خارجا من الكهف فيرى النور، ويكتشف ان الظلال التي كان يراها في الكهف ما هي الا صور، وأن الحقيقة موجودة في الخارج. وعندما اعاده الحراس للسجن ، اخذ يقص ما رآه للسجناء الآخرين، ولكن لم يجد احداً يسـمعه .

يقول افلاطون في هذا المــثال ان الفــكرة تخـتـفي خلف الظلال .
وأن الانــسان لايحب ان يقـبــل بأكتــشـاف حقــيــقة تخــتـلف عن معــتـقـــداته الاعـتيــادية .

ولو نطبق افكار افلاطون اليوم على اكثرالصور التي نراها يوميا ، ونحاول التفكير بما هو خلف الصور التي نشاهدها في الافلام و التلفزيون لنجده محقا فيما يقول، فأن نرى فيلما من بضعة دقائق ، نعرف ان المخرج طلب من مصورية عمل الكثير من الصور ولعدة ساعات قبل ذلك وأختار فيما بعد ما يناسبه بعملية المونتاج ، ورمي الباقي . وهكذا تكون الحقيقة حقيقة المخرج . ولو يأتي مخرج آخر لكان عمل شـيئا آخر من نفس الصور الأولى . ويكون بذلك قد اعطى حقيقة ثانية .

ويمكن ان نأخذ الموضوع بشـكل آخر.. شركة تجارية تسعى لتصريف منتوج لها فتدفع مبالغ باهظة لمخرج من اجل عمل فـيلم دعاية لدقيقة واحدة . فيصور مخرج الفلم الكثير من الصور لعائلة جميلة في بــيت جميل واطفال بملابس جميلة، يلعبون في حديقة جميلة كالجنة ، ويستهلكون ذلك المنتوج اللذيذ أو الجميل. يلتقط المخرج اجمل الصور في دقيقة واحدة. ويعرضه كفلم دعاية. في اليوم التالي ترتــفع المبـيعات لذلك المنتوج. رغم وجود شركات اخرى تـنتج منتوج افضل وأقـل سعرا. وهكذا يمكن ان نقول ان الفكرة خلف صور الدعاية الجميلة هي الربح المادي قبل ان تكون بحثـا ً عن حقيقة الجودة للمنتوج .

ان الصور هي وسائل تعود لمن يستخدمها وبالاتجاه الذي يبغيه. وبعدد اختلاف افكارالتيارات البشرية تتعدد اتجاهات الصور. وعموماً ان الاقتصاد والمال هو اليوم الموجه الاكبر للصور. بينما في السابق كانت السياسة والاقطاعيون وبعض الاديان.

المشاهدون هم انفسهم في كل زمن، الطبقات الشعبية العريضة المراد التأثير عليها. ولحد اليوم يبقى المشاهدون للتلفـزيون بكثرة هم الطبقات الشعـبية.

ويعطي فريد الدين عطار في القرن الثالث عشر قصة الفراشات والشـمعة للتأكيد بأن صورة الشمعة هي ليسـت حقـيقة النور:
اجتمعـت بعض الفراشات في احدى الليالي ، وتساءلن عن ماهية الشـمعة والنور ؟
كما نتـساءل نحن اليوم عن ماهية الصور... في هذا المقال..
فـذهبت إحدى الفراشات لرؤية شمعة قريبة، ورجعت تصف على قـدر فهمها ما رأت.
ولكن " الفراشـة الحكيمة " التي ترأست الجلسـة قالت لها: يا عزيزتي انك لم تحظي بمعرفة حقـيقة النور .
فطارت فراشـة اخرى الى نحو النور وطافـت حول الشـمعة ولامـس جناحاها اللهب ، ثم رجعت تـقص للاخريات بعـض الاسـرار عما رأت وما تحسـست . ولكن " الفراشـة الحكـيمة " قالت لها: ان وصفـك يبـقى ناقـصا وغير مقنعا ً.
فـنهضت فراشـة ثالـثة ، ثملة ونشـوانة من حبها للنور ، ذهـبت وارتمت على لهب الشــمعة فاحتـرقـت وأصبحت حمراء اللون كالـنار تماما ً .
وعندما رأت " الفـراشــة الحكيــمة " ان الشـمعة قـد غـيرت لون الفـراشـة ، قالت ان هذه الفراشـة قد توصلت إلى ما تريد معرفـته .

اما في الاديان الســماوية فأن الصورة مـنذ الـبداية مرفوضة عند اليـهود . ان الوصية الــثانـية تمنعها : " لاتعـمل ابدا ً صور منحوتة ... " . ونقرأ ايضا ً في ســفر التكوين :
موسى : اريد ان ارى صورتك
الأله : لا تســتطــيع ان تراني وتبــقى حيا ً .

بيـنما لعـبت الصورة دورا ً مهما ً في العالم المـسـيحي : " ان الاله خلق الانسـان على صورته " مما دفع بعـض الفــنانيــن لتــصوير الاله في شكل بشــر ولكن بأعــطائه هــيـبة اكبر . وأهم مثال على هذا تصوير الإله في سـقــف معـبد سـكســـتـيـن داخل الفاتــيكان بروما من قبل الفــنان ميخائيل أنجلو في القرن الســادس عــشر . وهـو يمد اصبعه الى آدم كي يلامـس اصبعه وبذلك يمنحه الحياة .

ولكن هذا لم يرق لبعــض المــسـيـحــيـين وأســتـغـربوا من اســتطاعة الفــنان ـ الإنـسـان تــخيل خالـقه. كانوا يرون في ذلك كما لو أننا نؤمن بأن الطين يستــطيع ان يخلق صانع الفخار . وأمتد النزاع الى الطبــقات السـياسـية العلـيا . وانتـصر مؤيدوا الصور تارة، والمعارضـون لها تارة أخرى.

الامبراطورية الرومانية منعـت الصور مابيــن سنة 235 و 476 ميلادية . ويقول الفـيلسـوف " زنون " في القرن الثالث : " ان الإله هو الوعي الكوني وانه موجود بكل مكان ولا يقــبل تمــثالا ولا معبدا ، المكان الحقــيقي له في الســماء المأهولة بالنجوم " . المـشــكلة التي كانت تـثــير الكـثــيرين في ذلك الزمن هو ماهــية الصور والتـماثـيـل . هل انها مجرد احجار وأصباغ تــشـير الى الآلهة فـقـط، ام انها تملك القدســـية لانها تمــثـل الآلهة ؟

الجمهور الشــعـبي البــسيــط يخلط بــين مادة الصـور وبــين الآلهة نفــسها ... في كل الازمان يريد الجمهور العريض صورا ً تـجعل الآلهة مرئية ومعروفة . فكان يعـبد الاصنام التي هي مجرد احجار ويطلب مسـاعدتها في كل نكــباته .

في حوالى عام 600 ميلادية ، امر " ســـرنوس " اســقـف مدينة مرســـيـليا بجــنوب فرنــسا بتحــطيم كل الصور والتــماثـــيل الديــنـية في مرسيـــليا . وكان البابا في ذلك الوقت يســمى " كريكوار الكبــير " فأحتــج على ذلك وكــتب اليه معاتبا ً، بأن الصور هي موجهة للأميــين الذين لا يعرفون القراءة ، لغرض تعلــيمهم بقـصص الـكـتاب المـقدس ... مكافأة الجنة وعذاب النارمثلا ً ...

لم يكن يقــبل سـرنوس رؤية الناس وهم يقــبلـّون هذه التــماثــيل معـتــقـدين انها تملك القـدســيــة بيــنما هي في الحقيقة احجار منحوتة لا اكــثر .

في زمن ســرنوس كان العرب يعـملون نفــس ما يعمله سكان مرســيليا . كانت الــقبائـل العربــية تــتجه الى مكة لعــبادة آلهـتها وهي تـنـــشـد الشـعر ...
واللات والعـزى
ومناة الـثـالـثـة الاخرى
فانهـن الغـرانيـق العلى
وان شـفاعـتهــن لترتجى

يـقول المؤرخون انه كان في الكعبة وحواليها 360 تمثـال وصورة تعـبدها القـبائل العربية .

ولكن مع مجيء الاسلام رفعت هذه التماثــيل والصور . وعندما طلب من الفـنـان المــسلم فيـما بعد عمـل ديكور للمعالم الديــنية ، لم يسـتــطع تصويرالأ له لأن الإسلام لم يحدد شـكلا يشخص الله وفي القـرأن نقـرأ " الله نور السـمواة والارض " فأكـتـفى الفـنان المـسـلم بخط اسم " الله " وآيات من القرآن . وحاول المهنيــون فيما بعد عمل هالات من النور آتـية من المواد التي عمل الخط علــيها كما نرى هذا في الســيراميك حيث تغــلف مادة الزجاج الطابوق الملون . وكـذلك بأسـتعمال تدرجات لونـية تجسيدا للايـحاء بالنـور .

وبشـكل عام ومنذ قـرون لم يـمـنع الاسـلام الصور انما ظلت غـير محبـبة في بعض الاحيان . أختــفـت الصور تماما ً من المعالم المعمارية داخل المديـنة . بـيـنما أسـتعـملت في الكـتب كأداة توضيح بأهداف ثــقافـية وتربوية . اما في ديكور المعالم المعمارية فــقد اسـتـعـمل الخط العربي بشــكل واســع واصبح كبـيرا ً جدا ً ، على عكـس الحضارات الاخرى والتي نادرا ً ما اعـطت الخط حـجما ً معــماريا ً .

واســتعـملت ايضا ً العلامات التــجريدية ، فأصــبح الديكور الاســلامي ديكورا تأمليا يعــطي المــشاهد مجالا ً واســعا ً للتــدخل وتـفـــســير الأشــياء المرسـومة ومن هذه العلامات : صور ورد وغــصون ولكـنها ليـســت مرسومة بشــكل طــبــيعـي ، وأنما يعاد رسمها على خلفـية هـياكل هـندســية ، الهـدف منها الايحاء بحديــقة الجــنة . وخطوط اخرى مــسـتــقيــمة تـتــشـابك فيما بـيـنها وتــتـكـسر فـتــكون بألتــقائها شكــل نجوم بهــدف الرمز إلى الكواكب، ولعكـس صورة قبة السـماء .

كل نجمة وحـسـب عدد اذنابها تعــكـس شـكل مربع ســحري فيه ارقام وحــسابات رياضية تمثــل الكواكب الســماوية . وان كان الجمـهور لا يســتطيع ترجمة كل هذه الرموز ولا يســتـطيع قراء ة النصوص المخطوطة فأن ذلك سـوف يفــتح المجال واسـعــا ً امام تخــيلاته . امام صور تجريدية غاية في الاناقة والجمال قام بعـملها كبار الفــنانــين .

حتما ً ان هـنالك علاقـة بين اختـيار التجريد في الفـن الاسـلامي والصحراء . لأن الاسـلام جاء من الصحراء ولأن من يسـكن الصحراء يعرف ان الصور هي في المخيلة اكثر منها في الاشـــياء المادية ... ولاننا في مجال الفـن فلابد من القول ان الفـن ليــس هـدفا ً بذاته ، انما هو طريق لتحرير اللاوعي . ان ما يكـتــنزه اللاوعي البـشـري يمكن ان تكون الثروة الوحيدة التي لا تـخضع لســيطرة العـقـل الواعي . وهي امكانية مهمة لمعرفة اللغز البشـري .

لم يهدأ النـقـاش حول الصور في العالم المــسـيحي ومن وقـت لآخر تعـود المعاداة للصور . فـبعد مجيء الاسـلام بقرن واحد يذكر لنا المؤرخون تحطـيم الامبراطور البــيزنطي " ليون الثالث " عام 730 لتمـــثال المـســيح في مدخل القصر الامبراطوري في عاصمة الامبراطورية البـيـزنطـية ( اسطـنـبول الحالية ) . ادت هذه الحادثة الى نـشــوب حرب اهـلـية اســتـمرت حتى عام 843 حيث رجعـت الصور ولكن على شـرط ان لا تملك ظلا ً بمعنى آخر تـشابهاً وهو ما نسـميه اليوم برسوم الكارتون . والمقصود بذلك ان الفنان يجب ان لا يعمل رسوما مشابهة لما هو في الطـبيعة . ولا يجب ان يوازي الخالق في صنعه .

بلا شك ان العالم المـسـيحي تأثـر في ذلك الوقت بمواقــف بعض الفـقهاء المـسـلميـن ، فـنحن الآن في بدايات ولادة الـفن الاسـلامي . وعندما وردت التـساؤلات عند فـناني الاسـلام ماذا ســنـرسم على الجدران . كان رد الفـقهاء قاطعا ً: لا تماثـيل ولا صور فأننا لا نريد تكرارعبادة الاوثـان .

اعود للعالم المـسيحي فـفي هذه الفـترة أي في القرن الثامن ولد تـيار أراد ان يمنع الايقـونات و يلغي الصور من المعالم المعمارية كما في الاسلام . وتيار آخر على العكس يرى في ذلك نوع من الهوية للعالم المـسيحي بعبادة الايقونات وبالتالي كانوا يرون ان هذا ما يفــرق بين المـســيحيــين والمسلمين .

دافع عن الصور في العالم المـســيحي وأيد اسـتعـمالها شــخصية معروفة اســمه : "جان الدمــشــقي " والذي كان معروفا ً في الاسـلام تحت اسـم " منصور " لانه كان يعمل مســتــشارا ً للخليــفة الاموي ( عام 730 ميلادية ) كان يؤيد فكـرة اســتعـمال الصور هو ما يميز المـســيحـيـن عن الاسـلام ، وكان يرى ان الصورة تـمثــل تطوراً للمحـســوس نحو المعــقول . بل انه ذهب الى ابعد من ذلك في المبالغة بالدفاع عن الصور الدينــية فـقال ان تمــثالا ً يصور المــسـيح لم تعد مادته مجرد حجر انما الحجر اكتـسـب قدســية لانه جسد دور تمثــيل المسـيح .

ويمكن القول ان النـقاش حول الصور لم يتـوقـف ابدا ً في العالم المــسـيحي ، ولكن المعارضة للصور ضعـفـت تدريجـيا ً . بل ان التــيار المـشـجع للصور حقـق نجاحات هائلة فيما بعد في الفن التــشـكيلي وخصوصا ً في فـترة عـصر النهـضة الاوربـية حوالي القـرن السـادس عــشـر . اذ اغـنـى ما عمله الفـنانون الاوربيـون الانسـانية جمعاء بتـراث جمالي ساعد على تـنــمية الذوق البــشـري وتطور الانسان في اكتــشـافاته للطبــيعة .

وقد جرب الفـنان الاوربي طرق تـقــنية مـتعـددة في العمل التــشـكيلي كالفريــسك وهو التصـوير بالالوان على نوع من الجص الرطب والموزائـيك وهي الصور المعمولة من قطـع الحجر الملون . وفي مجال التـماثـيــل فأن اكثـر النحاتـين كانوا في نفــس الوقت معـمارييـن فـخلفوا لنا معالم مدهــشة ، اذ تحولت البــنايات الى مايــشـابه الاعمال النحتــية العــملاقة .

اما في العالم الاسـلامي ورغم عدم التــشـجـيع للصور فأن العـديد من الفــنانين الكبار أثروا التراث الانـسـاني ببحوثهم الفــنية بصور الكــتب فرسـموا نتـاجات مـشـاعـرهم الحســية الرهــيفة ، وتمــيزوا بقدرات عالية على الملاحظة والرؤية للطبــيعة ، واسـتــلهامهم منها . وعلى سبــيل المثال الفــنان يحيي الواسـطي في بغداد ورسـومه التي تعــكس اجواء الحياة في العراق في القرن الثالث عــشـر، عـبر اخــتـزال للاشـكال ، وتوزيع ذكي للكتــل في الفـضاء . و اســتعماله منظور البعد الواحد على السطح التــشــكيلي . ان أي مشـاهد درب عــينيه على التأمل في الصور يثـمن بدهــشـة قـدرات هذا الـفـنان . فـنكاد نتـعرف على هؤلاء البــشـر وعلى حياتهم وملابسـهم من خلال تلك اللوحات.

وبهـزاد الفنان الايراني ترك لنا صور مؤرخة في نهاية القرن الخامس عـشر لمواضـيع من الحياة الواقـعـيـة . كصورة لعمـال البناء في قصر الخورنق حيث نرى حوالي عـشـرين عاملا يتـوزعون على العمل كل حـسـب دوره . ألوان بلون التـراب والطابـوق ...انسيابية الأشـكال في الرسـم ...ديـناميكــية الاشــخاص ... تكوين عام متــين حيــث يدخل الفـنان كل الاشــخاص في دوامة متحركة . .. فـتــدب الحـياة في الرسم عندما نتأمله، رغم القرون العديــدة التي تـفـصــلنا عن تاريخ رسـمه .

في صورة اخرى لنفــس الفــنان تخيل فيها الخليــفة المأمون في الحمام وهنا تـبدو عبقــرية الـفـنان في اعادة تركـيب اجزاء الحمام كما يريده هو في الرســم فيخــتـلط الخارج بالداخل ونرى كل الصالات ... المأمون ومـساعديه ... عمال الحمام يؤدون ادوارهم ... ولكن لم ينـس بهزاد انه فنان وانه يعمل قطعة فــنية ، فـيـسطـّـح المنـظور عبر بعض الاشكــال وعبر تـقـنــية عبقـرية يجعلنا نشــعر بالأبعاد والعـمق . وعلاوة على المهارة العالية والدقة في التصوير والمعرفة الكاملة لمواد الالوان ...فأن ما يــبهرنا عنده هوالــتكوين المعماري الذي يوحي بالاتساع والعلو .

ولكن عبــقرية الفــنانين المـسـلمـين تحولت بشــكل واسع وفي اكثــر المدن الى مجال الخط والزخرفة وليس في الكـتب فـحسب بل انهم ساهموا بشكل واسع مع المعماريين في رسم اشكال البــنايات وزخارفها .

ان استمرارية استعمال الخطوط والزخارف لقرون عديدة ادى الى بحوث كثيرة في مجال الشكل والمواد عبرسلسلة من اجيال الفنانين. فبسطت اكثر الاشكال وأختزلت، بل ان الفنانين الذين عملوا مع المعماريين والبنائين اخضعوا الاشكال الفنية لحاجات المواد نفسها وبذلك تعدد الابداع فأن الخط على الصخر لايشابه رسم الحروف بالسيراميك... والكتابة بالطابوق ألغت من الحروف اســتداراتها وأعـطتها خطوط مستقيمة ومظاهر هندسية وتكوينات محســوبة ومدروسة. وهذا ما نراه في الخطوط الكثيرة بمعالم اسيا الوسطى واصفهان اذ يتعادل شكل الحرف والفراغ المحيط به، ويتركز بحث الفنان على جانب تشكيلي الا وهو اجبار الحروف على الاطاعة والدخول في المساحة المطلوبة. بينما ان الحفر على الصخر وصلابة المادة ادت الى انعدام الفراغ بين الحروف، فأصبحت الحروف ككتل معمارية لها قدرات تعبيرية كخطوط مسجد السلطان حسن في القاهرة .

ان هذا الاستعراض السريع لعالم الصورة في حبها او كراهيتها يدفعـنا ان نبحث عن اجوبة عـقلانية لها رغم اننا في مجال الفـن ، فأن العلم والفـن هما اخوة يحتاج احدهما الآخر باستمرار .

ان الدراسات العلمية لدماغ الانسان في عصرنا الحالي تؤكد ان الانسان بحاجة لأستهلاك الصور أي لابد من رؤية صور. ولكن بنفس الوقت ان الانسان بحاجة لتحرير الصور ايضا. اي لابد ان ينشـط مخيلته ليعمل الصور في ذهنه. وهكذا ان قلة الصور سيؤدي إلى ضرر للانسان وكثرتها ستضر أيضا. فإذا لا نرى صورا ً سـنشعر بان شيئاً ما ينقصنا، وأن نمضي ساعات طوال في رؤية الصور فسوف نتعب أذهاننا. وهذ هو سـبب هذا الحديث والمقصود هنا هو التـلفزيون وكثرة صوره .

هنالك تقرير كندي يخص الشباب الصغار، يقول: ان هؤلاء في عصرنا الحالي اصبحوا شهود عبر الصور على عشرات الحالات من القتل والاغتصاب بسبب الافلام والتلفزيون. مما لم يكن يعرف ذلك شباب بعمرهم قبل قرن .

ان رؤية التلفزيون لساعات طويلة يجعل من المستحيل على الدماغ هضم آلاف الصور بسهولة ، لذلك سيبقى جزء منها غير مهضوم ومشوش ينتظر المجيء والتأثير على الانسان في ساعات ضعفه النفسي كما الكابوس. فـتتدخل هذه الصور وتلعب دورا في قيادة الانـفعالات .

ان الصور الكثيرة التي نرسلها للدماغ قد تشغـل الفراغ المتوفر للتخيلات والابداع. وبذلك يحدث العكس تماما لما ينتظر البعض من التلفزيون كجهاز ثقافي. ان الصور بلا شك هي ضرورة للتربية والثقافة وتنمية الاحساس ولكن بشرط تحديد كمياتها، وعبر التخمين والحدس او بالاستفسار من الاختصاصيين وقراءة آراء الـنـقاد لتــقدير نوعـيتها وأهمـيتها. فهناك صور تبني وهناك صور تهدم . وهناك فلم سينمائي يجعلنا اكبر، وآخر يحولنا الى اصغر و يحطم اعصابنا ...

ذاكرة الانسان تختلف عما هو في غيره من الاشياء . فلحبة الأرز مثلاً ً ذاكرة أيضا. وكما يقول مثـل شعبي من مدغـشقر : " حبة رز مزروعة، مائة حبة محصودة " وهكذا ان ذاكرة الرز لاتعرف الا تكرار صورتها . بينما ذاكرة الانسان تتطور وبحاجة مستمرة للتربية والتعليم. لأن ذاكرة الانسان فيها جزء وراثي ، وقسم آخر كالصفحة البيضاء ، يطلب املاءه ...

ان الصورة هي اسرع من الكتابة لإيصال المعلومات للدماغ. ولهذا نطرح هنا الاسئلة حول دور الصور وعلى الاخص التلفزيون ...

ومن الطبيعي ان كل ما يشبه التلفزيون من صور يشكل نفـس النوعية من العطاء والأخذ، ولكن من الاكيد مثلا ً ان نمضي ساعة لرؤية الانترنت سيكون افضـل من ساعة امام التلفزيون. لأن الانترنت يعطينا امكانيات اكبر لأن نتدخل في اختيار الصور ولأن الانترنت يعتمد كثيراعلى النص. لذلك ان بين هذين الوسيلتين فارق كبير .

ان الادمان على الصور هو كالادمان على المخدرات. لا يمكن اليوم للبعض أن يحتملوا غياب التلفزيون من دارهم ليوم واحد. وملايين العوائل تترك التلفزيون يبث نفس المواد من الصباح حتى المساء يـسـمعون نفـس الاخبار عـشرين مرة. لايمكنهم اغلاقه رغم وجود امكانيات عديدة للبقاء في اتصال مع العالم وسماع الاخبار. ان للصور سلطان علينا... نعم هناك صور سحر. بعض الشعوب القديمة التي كانت ترى في النذور والدم المنسكب صورا ً توفر السلام لبعض الوقت. فهل لازلنا بنفـس المعتقدات. اذ ان التلفزيون وفي نشرة الاخبار يوميا يعطينا هذه الصور المثيرة المخيفة... صور الدم المنسكب، ونادرا ما نرى في التلفزيون شــعـرء أو رسامين، يقودوننا بصورهم الى التأمل والتفكير والصفاء، يحاولون معرفة كنه الانسان وجوهره .

وبفضل الكاميرا نرى اليوم مساوئ الإنسان اكثر من خيراته. ولكن ان نضع ما ابدعه الانـسان من اشياء جيله الى جانب المساوئ سيكون ذلك عمل تربوي ويدفع المشاهد للتأمل. ان رؤية الحقيقة البـشرية بكاملها يدفعنا الى التفكير، بينما رؤية جانب واحد منها يدفعنا الى التشاؤم على مصير الانسان. يربط الادباء والفنانـون الانسان الحالي بالذاكرة الجماعية للانسانية. وحدسهم يقود الى رؤى مـسـتقبلية .

سحر الصورة شيء زائل فان اعجـبتنا اليوم صورة ، فـسوف لن ننظر إليها غدا بنفـس الاعجاب، ونبحث عن اخرى اكـثر اثـارة منها ونبقـى دائما ً في عـطـش للصـور. بيـنما الصور المتخيلة في الاعمال الفنية ، والعلامات، والخطوط العربية المتشابكة اعلى المعالم المعمارية والشعر، فأنها على العكس يمكن ان تكون منابع مستمرة لتخيلا تـنا... فأن كل هذه التـعابير الفنية لا تمنح نفـسها من اول وهلة وانما تطلب من المشـاهد هو نفسه إكمال العمل الفني... تجبره على التأمل والتصور، لكي يرى الانسان الأ شياء بوضوح ولكي يعطي لها التفـسـيرات الاقـرب الى احتياجاته النفــسـية وكل فترة من الزمن تتغير التـفسيرات حسب حاجة الانسان. ولهذا فان بعض الاعمال الفنية تجعلنا نـشعـر بالارتياح. بينما ان صور التلفـزيون تكون دائما منهكة .

الصور الكثـيرة لا تسمح لنا بالرجوع الى عالمنا الداخلي لإيجاد رؤية سـليمة للأ شياء ولهذا قال الشاعر الفرنسي جوبـير " اغمض العــيون وســترى " . وبنفـس المعنى قال فريد الدين عطار :
" تعلم من الاعمى ســر النظر " .

ان قدر الانسـان على الكرة الارضية ، ومنذ القـدم يســير عبر تـيارات متعــددة من البــشــر تـلـتـــقي مرة وتــتـباعد مرة اخرى ، تـتــحارب اليوم ، وتـنــهك غدا لتحقــق السلام ، وعندما تطول فــترة الســلام تعــود من جديد الرغبة بأشــعال الحرب وهكذا ولا يمكن اعطاء فكرة عن الحياة باختــيار تيـار واحد ، تيار المحاربين و بأعــطائه الجزء الاكبر من الصور . والتعــتــيم على التــيار الســلمي من الجماهير والقسم المبدع من الشـــعراء والادباء والموســـيقــيـــين و الفنانيــــين التـــشكــيليــين .... تيار يـبــدع ويخـلق ماهو غـير معـروف، رغم انه آت من تراث الماضي ولكنه المــسـتــقـبل ... تيار يوفر للانــسانـية فرص الالــتـقــاء والتــفاهم .

ان التــعـتــيم على المبدعــين ما هو الا خســارة لشـــعوبنا التي هي بحاجة لكل ما ينــشــط مخيــلتــنا نحو التــقدم واللحاق بدول العالم المتطور .

وأخيراً اعود لذلك الشــاب الذي كان في غرفــته يصلي أمام جهاز التـــلفزيون المفتـوح . انه نموذج للكــثــيرين من العراقيـــين اليوم . انه من العوائل الفقـــيرة والتي تعيـــش في بلد غــني . نعم هكذا يـســمى الآن بلد مثــل العراق " بلد غني وشعــب فــقـــير " ولا يكفي انهم سلــبوه كل شيء ماديا ًفحسب، بل فــقد حتى قدرة الاســتماع لما يقال ، حتى أنه أصبح يدرك او لا يدرك فأن لحظات الصلاة والتي هي فرصة للتأمل والخروج من هذا العالم لم تعد بالنـسبة اليه كذلك ... لأن ضوضاء التـلفــزيون حوله تـفــقده الصفاء و امكانية التأمل ... فلا هو مسـتمع لما يقوله التــلفــزيون ولا هو متأمل في صلاته ، ذهنه مكــتظ ومشوش ولم يعد يســتطيع التأمل .

ان الذهن البـشــري هو آخر مكان للحرية ... يستـــطيع الانسان ان يفكر بما يحب ولا يستــطيع اي شخص مراقـبته ، ولكن عندما يكون الذهن ممتــلئا ًبهذه الصور المــشوشة هل سـيــبــقى مكان للتـفــكير الحر؟ بالطبع سيكون الانسان ضحية للافكار السائدة ويفـقد قدرته كإنسان حر في الحكم على الاشـياء .

فما العـمل ...؟ وكيف سـنـتحرر من ســُـلطان الصورة ...؟

للصور الفـباء وكتابة خاصة بها ، فهنالك من يعرف قراءة الصور وهناك من لايعرف ، فـتــخـــتلط لديه الحقـــيقة ووهم الصورة .

ذكر الكاتب الفرنــسي ميـشــيل تورنيه في روايته " القطرة الذهــبية " 1985 قصة صورة جلــبت المــشاكل لكل من امـتـلكها ، حتى يقرر احد مالكـيها في النهاية رميــها في البحر. ثم تدفع الصدفة أن يأتي صياد ويصطاد حوتا ً، فيجد هذه الصورة في معدة الحوت ...يضعها في كوخه على الشاطئ ويـبقى تحت سـلطان ونفوذ تلك الصورة لأيام عديدة ولم يعد لداره ويرفض الذهاب للصيد ... فـتـــقـلــق عائــلته ...

ابنه رياض يتــعلم الخط عند خطاط كبــير ... فيخبر رياض معلمه بمأساة والده ... فـيقـول له الخطاط : ان الصورة ما هي الا مجموعة خطوط ولابد من معرفة قراءتها ... خذ قـلــمك وســنرسم وجها ً ... خذ صفحة من الرق الشــفاف وخط بقلمك على جهة اليمــين العبارة التالية ... فيخط رياض العبارة ... بعد ذلك على صفحة اخرى عبارة ثانــية وعلى صفحة ثالــثة عبارة ثالثــة ... وعلى صفحة رابعة خط على جهة اليــسار العبارة الرابعة واخيرا ً على الصفحة الخامــسة خط العبارة الاخـيرة ...

الآن ضع الصفحات الواحدة فوق الاخرى ... واســتــغرب رياض ظهور صورة وجه ... بعدها قال الخطاط لرياض: غير الآن من ترتيب الصفحات ... فـتــغــير التـعبـــير في كل مرة ... فـقــال الخطاط ان التعبــير يتغــير لأن الصفحة العليا والعبارة المخطوطة عليها تأخذ اكثر اهمية ووضوحا ً من الصفحة الاخيرة ...

والآن خذ يا رياض قـلمك ومحبرتك وأوراق الرق ... اركـض لدارك وأنقـذ والدك من الجهـل بقراءة الصورة ... علمه قراءة الصور...


* حــسـن المــسـعــود ـ باريــس 2006


توقيع نقوس المهدي



المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.




  مشاركة رقم : 7 (الرابط)  
قديم 02-05-2010, 01:09 PM
الصورة الرمزية محمد فري


رقم العضوية : 7
تاريخ التسجيل : Oct 2007
الدولة : الرباط
المشاركات : 6,393
بمعدل : 6.11 يوميا

محمد فري متصل الآن عرض البوم صور محمد فري



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : تشكيل
افتراضي

شكرا السي المهدي على طرح هذه المقالة الجميلة حول الصورة
عصرنا الآن عصر الصورة بحق
وأصبحت من أهم مميزاته
وما أحوجنا إلى ثقافة الصورة باعتبارها وسيطا يطالعنا
يوميا في مختلف وسائل الإعلام
تحيتي السي المهدي


توقيع محمد فري




  مشاركة رقم : 8 (الرابط)  
قديم 02-05-2010, 03:12 PM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 8,878
بمعدل : 13.59 يوميا

نقوس المهدي غير متصل عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : تشكيل
افتراضي

اقتباس : المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد فري [ مشاهدة المشاركة ]
شكرا السي المهدي على طرح هذه المقالة الجميلة حول الصورة
عصرنا الآن عصر الصورة بحق
وأصبحت من أهم مميزاته
وما أحوجنا إلى ثقافة الصورة باعتبارها وسيطا يطالعنا
يوميا في مختلف وسائل الإعلام
تحيتي السي المهدي

اعطر التحايا واطيبها اخي السي محمد

المفهوم الجمالي للصورة، وموقف الديانات منها خاصة ابان الامبراطورية الرومانية التي كانت تمنع التصوير حيث ياتي قول الفـيلسـوف زينون في القرن الثالث: " ان الإله هو الوعي الكوني وانه موجود بكل مكان ولا يقــبل تمــثالا ولا معبدا ، المكان الحقــيقي له في الســماء المأهولة بالنجوم " وبخاصة الدين الاسلامي الذي كان يحرم الصورة ويقتصرعلى الخط كفن بصري وحيد وما جاء فيه كل مصور في النار..... الى اخر الحديث النبوي الذي اورده ابن عباس، الى الدور الكبير الذي اضحى للصورة في مجال الاتصالات وتعاملنا مع الصورة جماليا واعلاميا

تساؤلات عدة يوردها هذا المقال الرائع والمقالات السابقة الاكثر روعة المدعوم بامثلة من الادب والفلسفة ، والمقالات الاروع اللاحقة لكبار اساتذة الفن وعلم الجمال

تحية لك اخي السي محمد


توقيع نقوس المهدي



المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.




  مشاركة رقم : 9 (الرابط)  
قديم 02-05-2010, 04:01 PM
الصورة الرمزية محمد فري


رقم العضوية : 7
تاريخ التسجيل : Oct 2007
الدولة : الرباط
المشاركات : 6,393
بمعدل : 6.11 يوميا

محمد فري متصل الآن عرض البوم صور محمد فري



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : تشكيل
افتراضي

فعلا أخي المهدي
رائعة المقالات السابقة التي رأيتها اللحظة ولم تظهر " تطلع " لي
في البداية، ورائع محتواها حول خصوصيات الألوان وتقنياتها
الدقيقة ذات التاريخ العريق
أحييك أخي ودام لك حسن الاختيار

توقيع محمد فري




  مشاركة رقم : 10 (الرابط)  
قديم 02-05-2010, 11:23 PM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 8,878
بمعدل : 13.59 يوميا

نقوس المهدي غير متصل عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : تشكيل
افتراضي

اقتباس : المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد فري [ مشاهدة المشاركة ]
فعلا أخي المهدي
رائعة المقالات السابقة التي رأيتها اللحظة ولم تظهر " تطلع " لي
في البداية، ورائع محتواها حول خصوصيات الألوان وتقنياتها
الدقيقة ذات التاريخ العريق
أحييك أخي ودام لك حسن الاختيار

تحية السي محمد

نعم راقتني وفرة معلومات صاحب المقالات وسعة اطلاعه وطريقته في تناول المواضيع بتلك الكيفية الجمالية التي تغري بالقراءة حتى لعديمي الاختصاص، واثراءه لها بالامثلة من امهات الكتب ورفدها بالادلة والحجج ذات المرجعية التراثية والفلسفية مما اضفى عليها مسحة من المتعة والطرافة

تحية لك


توقيع نقوس المهدي



المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.




إضافة رد


مواقع النشر
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ورشات الفن التشكيلي من تأطيري محمد منير تشكيل 14 10-13-2009 05:42 PM
وصايا الام التشكيلية (كتابات نقدية في الفن التشكيلي ) قراءات : عبود سلمان عبود سلمان العلي العبيد تشكيل 6 04-03-2009 12:28 PM
( مجموعة قراءات جمالية ونقدية ) واوراق تشكيلية ودراسات في الفن ( والتذوق الفني ) عبود سلمان العلي العبيد تشكيل 12 04-03-2009 11:44 AM
‏ من قاموس الفن التشكيلي العالمي عبود سلمان العلي العبيد تشكيل 0 03-15-2009 07:10 AM
الفن التشكيلي بالمغرب محمد فري تشكيل 0 11-06-2008 08:01 PM

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الساعة الآن 12:05 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.7.4, Copyright ©2000 - 2010