ادرج هذه المقالة المتواضعة جدا لشخص مغمور يدعي معرفته لزفزاف حملها بقسط وافر من الحقد والتحامل على الروائي
مقالة لا تستاهل ان تقرا لكن ادرجها لاغناء هذا الملف وتسليط الضوء عليه من زاوية مغايرة

حقائق لم تنشر من قبل
عن الأديب المغربي الراحل محمد زفزاف
بوشعيب الشوفاني
منذ أواسط ثمانينات القرن الماضي كنت أهتم بعالم الكتابة والأدب والأدباء، وكأي مبتدأ في هذا العالم الملئ بالخفايا والصراعات والأسرار ,حرصت أن أعرف بعض الأدباء الكبار عن قرب، خصوصا وأن البعض من هؤلاء كانوا على صلة ببعض أصدقائي القدامى المقربين، وكأي شاب طموح يحاول أن يتطلع إلى عالم الأدب والأدباء كنت أتفانى في هذا المنحى. وكنت أحاول جاهدا أن أتلمس طريقي من خلال البحث عن صداقات هؤلاء الكتاب الكبار، لأتعلم منهم وأعرف خفايا الأدب والأدباء إلا أني صدمت كثيرا حينما اقتربت من حياتهم العادية وعندما رأيت الحقيقة وعاينتها وعايشتها وعانيت منها.
ومن حسن الحظ أن بعض شهود هذه المرحلة من تاريخنا الأدبي مازالوا على قيد الحياة، وكان من نتائج علاقتي بهؤلاء الأدباء أنني حملت ذكريات خاصة جدا مع الأديب المغربي الكبير الراحل محمد زفزاف منذ أواخر ثمانيات القرن المنصرم .
من هنا رأيت أن أقوم بإبراز مجموعة من المواقف والذكريات التي لم يتناولها من كتب عنه من النقاد والمثقفين والأدباء والمهتمين بالشأن الأدبي المعاصر، من هنا تأتي أهمية تدوين هذه المرحلة لتضاف إلى ما كتب وما قيل عن الرجل الذي يعتبر الآن وبعد موته قمة الأدب المغربي المعاصر .
إن استمداد التصورات أو الملاحظات عن زفزاف من خلال ما يستنبطه القراء وبعض النقاد من كتاباته هو أمر لا يعطي الصورة الحقيقية لأديب غريب الأطوار، كما أن الكتابة من موقع القرب والصداقة أهم بكثير من استنباط الأشياء من الكتب أو عن بعد.
ولد الأديب المغربي الكبير محمد زفزاف سنة 1945 بسوق الأربعاء الغرب (قرب القنيطرة)، درس الفلسفة في كلية الآداب بالرباط، ومارس مهنة التدريس في المدارس الثانوية بالدار البيضاء.
كان الأديب محمد زفزاف في شبابه طموحا لآن يتبوأ مكانا عاليا ومرموقا في عالم الكتابة، وكان أبرز صفاته خفة دمه، فأنت تشعر عندما تجلس إليه أنك مع أديب، رغم محاولته الظهور بمظهر الصعلوك، لقد بدأ زفزاف يتألق مبكرا في سماء كتابة القصة والرواية منذ شبابه، فقد كان صاحبنا أديبا رقيقا لديه من الخيال والموهبة والقدرة على الإبداع والتحكم في اللغة ما يجعله أكبر الأدباء والكتاب في المغرب على الإطلاق، عرفته في مرحلة الستينات حينما كان يكتب في جريدة "العلم". بفتح العين.
كما كانت جملة إبداعاته التي ناهزت الخمسين كتابا بين قصة قصيرة ورواية موضوعا لأغلب الدراسات الأدبية والنقدية المغربية والرسائل والأطروحات الجامعية.
ومن المعروف عن زفزاف أن الكثير من الشخصيات الفكرية والأدبية المعروفة والمرموقة من داخل المغرب ومن خارجه كانت تتردد على بيته، فقد كان كان كريما مضيافا وبيته عبارة عن صالون أدبي وفي نفس الوقت كان قبلة للأدباء الشباب وللمبدعين المغاربة والأجانب الذين كانوا يعقدون جلساتهم الحميمية فيه بحي المعاريف بمدينة الدار البيضاء، كان كريم اليد سخيا يفرح حينما يزوره أصدقائه, وكان يتميز برحابة الصدر فلم تكن تصدر عنه تصرفات تدل على تضايقه من كثرة الأصدقاء والمعارف، كان يفرح عندما أزوره ببيته بالمعاريف برفقة بعض الأصدقاء، وكان هناك أربع من هؤلاء الأصدقاء وهم الفنان التشكيلي والمخرج السينمائي الشريكي التيجاني والناقد الأدبي نور الدين صدوق والصحفي بجريدة رسالة الأمة فؤاد ناوير، وصديق الطفولة عبد الحميد يسيف .
كان يسمي منزله بالزاوية لأنه كان مفتوحا لكل الأدباء والفنانين والصحفيين والشعراء والطلبة ولكل عابر سبيل، كنت أجد عنده العديد من الأدباء ومنهم الروائي عبد الإله الحمدوشي والشاعر المرحوم محمد الطوبي وغيرهما من المبدعين وخصوصا الشباب منهم الذين كانوا يتلمسون طريقهم مثلي، فقد كنت أجد عنده العديد من الأدباء والشعراء والأساتذة والطلبة.
كنت آنذاك أهتم بعلم النفس والتصوف، وهكذا كتبت عدة مقالات في بعض الصحف العربية , ومن ضمن هذه المقالات " موضوع بجريدة السياسة الكويتية بتاريخ الاثنين 11 أبريل 1988 بعنوان " الجوانب النفسية في عملية الإبداع الأدبي " نشره الصحفي الكبير الأستاذ أحمد الجار الله حيث اعتنى بنشره وحرص على وضع صورة لي بجانب المقال. وهو تشريف لم أكن أحظى به في صحف بلدي إلا فيما بعد، فذهبت به إلى محمد زفزاف ليعطني رأيه في الموضوع, وحاولت من خلال هذا المقال أن أصل إلى أن الإنتاج الأدبي ككل سواء كان شعرا أو رواية أو قصصا أو غير ذلك إنا يعبر بشكل عفوي وتلقائي عن الميول والعقد النفسية والمطامح والأهداف الشخصية. ومن هنا تبرز إمكانية قراءة نفسية الأديب من خلال تحليل النص الأدبي.
حينما تطورت علاقتي بزفزاف وقرأت رواياته وجلست إليه مرارا , حاولت أن أجس النبض لنفسيته، فهو على الرغم من كونه كاتبا كبيرا إلا أن أثر الجرح النفسي كان يبدوا واضحا في شخصيته, ولذلك اتجة إلى الكتابة الاحتجاجية، أي تلك التي تشكوا. من جاني كنت أرى أن الكتابة بهذا الشكل إنما هي عبارة عن كتابة سلبية لا تعبر في نظرتها ورؤاها سوى عن التشاؤم، أحسست أنه كان يعاني من جروح غائرة تعود إلى طفولته البائسة المبكرة، أو هكذا خيل إلي.
وفي نفس السنة صدرت روايتي الأولى والأخيرة " من ثقب الباب " فطلب مني صديقنا المشارك الصحفي فؤاد ناوير إجراء حوار معي بالملحق الثقافي لجريدة " رسالة الأمة " وكان هذا الصديق يشرف على تحريره وصدر الملحق بتاريخ الأحد 29 يوبيوز 1990 وبه عنوان" الأدب إمساك باللحظات الهاربة".
وفي إشارة إلى محمد زفزاف سألني صديقنا المشترك فقال "
بدون شك أنت تعرف غياهب الساحة الأدبية المغربية، ولك وجهات نظر حولها؟
وكان جوابي: لدي علاقات شخصية مع بعض الأدباء الكبار، ولدي علاقات مع بعض المغمورين منهم. إنني أحترمهم كثيرا, وأحترم كل ما هو جاد، لكن الذي أحبذه هو أن يحاول هؤلاء الأدباء الكتابة بسمو، فالكتابة ليست فعل احتجاج كما يعتقد البعض. من جهتي فإنني لا أعبر في كتاباتي عن أي تيار فكري بقدر ما أعبر عن واقعية المجتمع، ومن هنا فإني أومن أن الأدب الجاد هو البعيد عن جميع التيارات الأيديولوجية المختفية وراء ما يسمى بالكتابات الملتزمة , إن الأدب في نظري بعيد عن هذا، إنه فقط يحاول الكشف عن معاني الحياة، وينطلق من التجربة الإنسانية المعاشة.
ولعل القارئ يتساءل لماذا كان جوابي هكذا، والجواب هو أن الأدباء الذين كانت تربطهم بي علاقات هم محمد صوف الروائي المغربي وعبد الحميد الغرباوي ومحمد زفزاف وغيرهم، وكنت أقصد هنا بالضبط صديقي محمد زفزاف.
فماذا كنت أعرف في غياهب الساحة الأدبية أنذاك؟
في تلك الفترة من تاريخنا الأدبي، كانت الساحة الأدبية تعج بأنواع من الأدب، الأدب الموجه وهو أدب نمطي حاولت بعض الهيئات الأدبية الإسهام في بلورة التصورات الأدبية والنقدية وإطلاق شعارات وبيانات تسهم في توجيه وتأطير وضع الكتابة الأدبية مقابل الحصول على امتيازات، الأدب الملتزم وقد برز هذا الأدب في ظل المد الماركسي ويعتقد أصحابه ومريديه إن هذا النوع من الأدب هو المعبر الحقيقي عن آمال النفس البشرية. الفردية والجماعية ومن أهم معايير الأدب الملتزم الناجح في نظرهم هو الاحتجاج والتمرد أي القدرة على اتخاذ مواقف تعبر التمرد على قيم سائدة سلبية وتقليدية تجر في نظرهم إلى الوراء "أدب الشكوى " .
لقد دأب الراحل محمد زفزاف على كتابة نوع من الأدب قد نسميه "أدب الشكوى " وهو أدب غير مستساغ بالنسبة لتصوري الشخصي، إذ له جانب وحيد يطل منه هو الرؤية المظلمة أو النظرة التشاؤمية وكنا لا نجد هذا النوع الأدبي في تراث المغاربة، ولعل السر في ذلك يعود إلى أن زفزاف رحمه الله ينتمى إلى الطبقة الفقيرة المسحوقة التي تعتقد أن الكتابة لها جانب واحد هو الشكوى والاحتجاج، ناهيك على أنه تعرض في طفولته لأنواع معينة من الإهانة بالإضافة إلى الشعور بالظلم الناتج عن حالة اليتم المعنوي حيث أن والدته كانت مفصولة عن والده زيادة على نشأته في حي فقير وبئيس .
وهذا ما استنبطته من خلال تصرفاته ومما كتب عنه لاحقا, لذلك كان زفزاف يبتعد عن كتابة الأدب الذي يتناول القيم الإنسانية المتمثلة في التفاؤل و الخير والنبل و الجمال، ورغم أنه لم يربط الأدب بالمبادئ الأخلاقية و لم يوظفه لغايات تعليمية أو احترام التقاليد الاجتماعية السائدة. إلا أنه في نفس الوقت كانت له خصائصه كذلك كعنايته الكبرى بالأسلوب وحرصه على فصاحة اللغة و أناقة العبارة, وغالبا ما كان يخاطب الجمهور المثقف .
قبل زفزاف ومحمد شكري كنا لا نجد هذا النوع الأدبي في تراث المغاربة. هذا النوع الأدبي يعرف باسم «أدب الشكوى»، ومن أبرز صفاته تسجيل المعانات والعذاب والإضهاد والاهانة، وقد يكون هذا النوع بارزا من خلال شعراء الملحون، وهو نوع قديم من الأدب الشعبي يتحدث بشكل مأساوي عن معاناة الفرد .
أما «أدب الشكوى»، في نظري فله وجه آخر فقد كانت أغلب قصص هؤلاء الأدباء في تلك الفترة تنتمي إلى ما يسمى بـ "أدب الاحتجاج"، الاحتجاج على أوضاع معينة إنطلاقا من بيئة غريبة عن المجتمع المغربي , وهو مجال خصب يسلط الضوء على الهامشي واليومي للظروف التي يعيشها الفقراء والمهمشين والبؤساء, يقول بعض النقاد عن أدب محمد زفاف : أدب سار ضد كل تحاليل وتصنيفات الأكاديميين , أدب مبتكر , وغارق في تفاصيل الهم اليومي للإنسان العادي البسيط .
أما ما أعرفه شخصيا عن زفزاف فقد كان يعيش حياة بوهيمية زاهدة, عاش بوهيميا لا يعرف غير الكتابة ولا يعطي قيمة للمال أو المتاع , وهذا أجمل ما فيه رحمه الله، وخلافا لما ذكره البعض من أنه كان لا يجد ما يشتري به الجرائد، فكنت أعرف أنه يعيش من مرتب قار , فقد كان معفى من العمل مع احتفاظه براتبه .
في تلك الفترة من تاريخ الأدب في المغرب كان هناك نوع من النقاد ينحازون إلى جماعة من الأدباء بالإطراء والمدح والشكر والتنويه بالعمل الأدبي لا لشيء إلا لأنه من عمل أحد الأصحاب أو الأحباب أو من فريق معين.
كما أن هناك من النقاد من يعكس الآية فيقلل من قيمة العمل الأدبي او ازدرائه أو السخرية منه لأنه من أديب معين نكرة وبعيد .
ورغم هذا الإنحياز فقد كان محمد زفزاف يكره النقد والنقاد , وقد صرح لي بذلك، ورأيته يتصرف تصرفا يدل على هذا .
وسأروي كيف ذلك في الجزء المقبل ..