مقدمة
ينتمي ديكارت بحكم نشأته الاجتماعية ٬ شأنه في هذا شأن أغلب كتاب فرنسا في هذا العصرإلى تلك الفئة الجديدة التي ستعرف الوجود مع نهاية عصر النهضة والتي سيطلق على أعضائها نبلاء الثوب ٬ مقابل فئة النبلاء الأصلية التي كانت تعرف بنبلاء السيف. برز نبلاء السيف كقوة اجتماعية عندما أخذ الانحلال يذبّ في جسم فئة النبلاء السابقة (نبلاء السيف). فقد اضطر هؤلاء النبلاء إلى خوض معارك الحروب الدينية التي عرفتها فرنسا في أعقاب حركة الإصلاح الديني ٬ الأمر الذي دفعهم إلى صرف أموالهم وبيع ممتلكاتهم لسدّ نفقات الحروب ٬ فأصبحوا عالة على البلاط ٬ بعد أن كانوا عُمدته وسنده القوي.وحين برز نبلاء الثوب كقوة اجتماعية ٬ استطاعت بجهدها الخاص جمع المال ٬ وشراء الأراضي والمساهمة في الحياة التجارية ٬ وإنشاء المصارف والأبناك ٬ فاضطر البلاط إلى الالتجاء إلى هاته الفئة ٬ الشيء الذي مكّنها فيما بعد أن تصبح عُمدته الأساسية.وتجدر الإشارة إلى أن لويس الرابع عشر سينتقي خُدّام القصر ومستخدميه من هاته الفئة.يقول لوسيان كولدمان:" لقد كانت البرجوازية تُزوّد الملك بالوسائل المادية لكي يُسدّد مصاريف القصر ٬ وخصوصا المصاريف العسكرية التي كان يقتضيها الارتزاق.وفي مقابل هذا كانت الملكية تحمي البرجوازية من خطورة نبلاء السيف ٬ وبالتالي فهي كانت تساعدها مساعدات اقتصادية ٬ وتسهر على مصالحها.وحينما عمل ازدهار الملكية ونموها على التعجيل بأفول فئة نبلاء السيف ٬ فإن هذه البرجوازية قد أصبحت تستولي على الجهاز السياسي والإداري للدولة ٬ وذلك عن طريق شراء الأسماء والألقاب ٬ وعن طريق خلق فئة جديدة في البلاد ٬ وهي فئة نبلاء الثوب." ذلك أن هذه الفئة لم تكن لتتعارض أشدّ التعارض مع البلاط ٬ ولم تكن حياتها الاقتصادية لتتنافر مع ما يهدف إليه حُكّام فرنسا آنئذ. فهي لم تكن فئة ثورية بالمعنى الصحيح ٬ ولم تكن تحِنّ إلى تغيير حقيقي يقلب الأوضاع في فرنسا. يقول لوسيان كولدمان :"إن نبلاء الثوب في فرنسا خلال القرن السابع عشر كانوا بحكم أصلهم البرجوازي ولوعيهم بأنهم يقومون بدور اجتماعي حقيقي.كانوا ينظرون نظرة ملؤها الاحتقار الممزوج بالحسد والغيرة لنبلاء السيف السابقين.وبصفة عامة ٬ فإنهم كانوا ينظرون هاته النظرة لحياة الفراغ التي كان يعرفها (قصر الفرساي) ٬ لقد كانت هذه الفئة تحِنّ إلى التغيير والتجديد ٬ كما أنها كانت بفعل أساسها الاجتماعي أشدّ التصاقا بالعهد القديم ٬ مما جعلها عاجزة عن اتخاذ موقف اجتماعي واضح في صالح تغيير جذري." هذا ما يُفسّر التناقض الذي ساد هذه الفئة ٬ وترددها بين نزعة إلى التفاؤل والإيمان بالعقل وقدرته على المعرفة والحماس للعلم ٬ ونجاحه ٬ وبين سقوط في الشك واليأس والقلق (راسين وباسكال). فنحن لا ينبغي أن نتذكر فحسب عند ذكرنا لعصر ديكارت وما سبقه ٬ لا ينبغيأن نذكر حماس كوبرنيك وبرونو و جاليليو وديكارت نفسه ٬ أي حماس هؤلاء للعلم والسيادة على الطبيعة ٬ وفهم قوانينها الميكانيكية ٬ وإنما لا يجب كذلك أن ننسى شكّ مونتانيي Montaigne وباسكال.هذا التردد بين التحمّس للمستقبل والحنين إلى التغيير ٬ وبين عقلية تتشبث بالتراث الوسيطي الطوماوي.ربما تبنّاه فيما بعد ديكارت نفسه.ولعلّ هذا ما يفسّر التناقض الذي نلفيه عند شُرّاح ديكارت ٬ إذ أن منهم من يجعله فيلسوفا دينيا يُشكّل فكره امتدادا للقرون الوسطى ٬ ومنهم من يجعله عدو التراث والتقليد ٬ ومؤسس العقلانية الحديثة.ولا يهمنا الآن إثبات أي الرأيين أكثر صوابا ٬ إلا أننا لا نستطيع أن ننكر أن ديكارت كان على وعي تام بحدّة العصر الذي يعيش فيه ٬ وأنه كان يدرك أهمّية الانقلاب المعرفي الذي سمح بظهور الفيزياء الجاليلية ( نسبة لجاليليو) ٬ تلك الفيزياء التي وضع هو نفسه أسسها الفلسفية ودعائمها المنهجية. ولا عجب في ذلك ٬ فديكارت قد أطلّ على عصره من أحسن نوافذه. إنه خبر عصره وجال في أوروبا"ليقرأ كتاب العالم الكبير". ثم إنه وإن كان ينتمي بحكم مولده إلى فرنسا ٬ فقد أقام ما يزيد على ٬ وفي هذا البلد سيكتب جميع مؤلفاته الفلسفية.هولاندا التي كانت Hollande عشرين سنة في هولاندة في هذا القرن " الممثل الحقيقي للدولة الرأسمالية"كما يقول ماركس.كانت هولاندا آنئذ تعرف ازدهارا تجاريا كبيرا ٬ وقد كان من بعض العوامل التي ساعدت على نشأة المصارف وازدهار الحياة البنكية.وقد كان بنك أمستردام يلعب دورا عالميا في التبادل . ثم إن موقع الموانئ الهولندية كان من العوامل التي ساعدت على تقدم القطاع الملاحي ٬ وفتح الأسواق الخارجية في وجه المُتاجرين ٬ حتى أن الملاحة التجارية الهولندية بين 1660 و 1670 كانت تشكل ربع ملاحة العالم. ثم إن وفرة الأيدي العاملة وانخفاض أثمان مواد الخام ٬ كانت وسيلة لهذا الازدهار التجاري. فالباخرة في هولندة مثلا لم تكن تتطلب إلا ثلث المصاريف التي كانت تقتضيها في فرنسا مثلا. كان من الطبيعي إذن أن يزدهر الاقتصاد الهولندي ٬ وأن تسيطر البرجوازية الهولندية الناشئة على أهم الأسواق الأوروبية ٬ حتى أن هولاندا أصبحت من المستعمرين الأساسيين. صحيح أن استعمارها لم يكن استيطانيا ٬ إلا أنها استطاعت غزو الأسواق والسيطرة على المبادلات التجارية. كل هذا يفسّر قوة هذه البرجوازية الهولندية ٬ تلك القوة التي مكّنتها من أن تقاوم الاحتلال الاسباني ٬ وتنفتح على المثقفين من العالم ٬ وتتبنى الإصلاح الديني ٬ وتعتنق الكلفانية.وكان من الطبيعي إذن أن يتفتّح الأفق العلمي والثقافي لهذه البرجوازية ٬ ولعل هذا هو ما يبرر كون هولاندا أصبحت ملجأ المثقفين الأوروبيين فإليها ستحجّ أسرة إسبينوزا Spinoza من البرتغال ٬ وإليها سيلجأ بعض المثقفين الفرنسيين ٬ في عهد ساد فيه في فرنسا ٬ ردّ فعل عنيف ضد الإصلاح الديني .وقد كان ديكارت من بين هؤلاء الذين وفدوا إلى هولاندا سعيا وراء حياة حُرّة.يقول في إحدى رسائله:" إنني أعتبر هذه الجمهورية حُرّة ٬ خصوصا وأن الجميع فيها متساوون في الحقوق."فإذا كنا لا نستطيع أن نفسر لجوء ديكارت إلى هذا البلد تفسيرا دينيا ٬ باعتبار أنه كان يسوعيا ٬ بينما كان النظام الهولندي كالفانيا ٬ فربما كانت هذه الحرية التي يتكلم عنها هي التي جندته نحو معقل الثقافة الغربية خلال القرن السابع عشر ٬ أي نحو ملتقى الناشرين لحرية الفكر ٬ ونحو مركز الاختراعات آنئذ ٬ إذ أن اختراع المنظار الفلكي والمجهر قد تم هنا في هولاندا. رغم كل هذا ٬ فلا ينبغي أن نفهم مما سبق أن عصر ازدهار مطلق قد جاء مع هذه البرجوازية الهولندية ٬ وأن عقلية جديدة ستحُلّ بصفة نهائية محل العقلية التقليدية ٬ وأن هذه البرجوازية ستعتنق العقلانية ٬ وستتحمّس للعلم الطبيعي دون أن تولي للماضي أدنى اهتمام.هاهنا أيضا ينبغي أن نلاحظ نفس التردد الذي ألفيناه عند نبلاء الثوب الفرنسيين ٬ ذلك أن البرجوازية الأوروبية في بداية نشأتها لم تستطع في أي بلد أن تفرض نفسها منذ الوهلة الأولى كقوة اجتماعية حقيقية ٬ وهي لم تحمل معها عند مولدها كل دعائمها الثقافية ٬ وركائزها الإيديولوجية.فالتغنّي بحرية المبادرة وتمجيد العقل والفردانية ٬ والخروج واكتساح الأسواق ونشدان الديمقراطية السياسية... فهذه العقائد وتلك الشعارات لت تتبلور بالفعل إلا عشية قيام الثورة الفرنسية ٬ وهي ستنمو وتولد تدريجيا بنمو البرجوازية نفسها. فهاته البرجوازية لمتنتزع عنها أثواب الماضي دفعة واحدة.يقول هنري لوفيفر:" إن هذه البرجوازية الناشئة التي استطاعت أن تجد وسائل تعديل عند نهاية القرن السادس عشر في فئة المعتدلين ٬ والتي ساندت هنري الرابع ٬ هاته البرجوازية لم تستطع فرض نفسها على المستوى السياسي ٬ لقد ظلت خلال فترة طويلة سجينة الأطر الاجتماعية الإقطاعية ٬ فعوضا عن استغلال الرساميل المتوفرة ٬ فإنها كانت تُكدّس الأموال بجشع كبير. وهذا ما سيطلق عليه ماركس التراكم البدائي للرأسمال.ومن هنا جاء زُهد هذه البرجوازية الناشئة واعتناقها البروتستانتية والكلفانية ٬ كما أنها ظلت تشتري الأراضي ..ولم يولد الوعي الحقيقي لهذه الفئة إلا خلال القرن الثامن عشر (عشية الثورة الفرنسية) ٬ فقد ظلت القوة المتحدّرة عن الإقطاع هي القوة المهيمنة." لا يعني هذا طبعا أن هاته البرجوازية الناشئة ظلت غارقة في القرون الوسطى. فمهما كان حُكمنا على هذه القرون ٬ و سواء أطلقنا عليها مع المؤرخين التقليديين عصور الظلام ٬ أو سميناها مع بعض المؤرخين عصورا غامضة ٬ فلا بد أن نعترف أن تحوّلا جذريا قد يظهر في أوروبا مع إطلالة القرن السابع عشر ٬ حملت لواءه تلك الفئات الناشئة الصاعدة ٬ والتي نزعت عن الأرض والسماء حُلّتها القديمة ٬ فأصبحتا مجالا للغزوات والاكتشافات الجغرافية والفلكية ٬ وميدانا للأسواق التجارية وسبل للمواصلات. فقد عرفت جميع البلدانالتي كانت سبّاقةنحو التنظيم التجاريوالحرفي ٬ كانجلترا وهولندا وفرنسا ٬ تقدما للعلوم كان يسير بخطى سريعة ٬ فوضع كوبرنيك تركيبا هندسيا للسماء مكان النظام الفلكي البطليموسي ٬ وألح كيبلر على أن السماء لا تختلف عن الأرض ٬ فأظهر أن لها قوانين كليّة منظمة ٬ وأن حركاتها ليست دائرية كاملة . وقد كان برونو Bruno Giordano( الذي أُحرق)أول من أدرك المغزى الكامل لعلم الفلك ٬ وتبيّت أهمية الثورة الكوبرنيكية:لم يعد يُنظر للأجرام السماوية نظرة الكائنات الإلهية ٬ التي لا تقبل التغير ٬ والتي تُخالف مادتها مادة العالم ٬ كما أن Bruno ألحّ على لانهائية الكون ٬ وعلى انسجام المكان ٬ لذا أصبحت الفيزياء السماوية امتدادا للفيزياء الأرضية ٬ وهذا بالضبط ما سيدافع عنه جاليليو الذي سيهاجم التصور الأرسطي ٬ وسيقضي على تعلّق الفكر بالماضي ٬ وسيتشبث بفكرة الثبات constance والسكون التي لمحناها عند أرسطو. يقول جاليليو :" إنّي لأصغي باستغراب كبير عندما تؤخذ صفة الثبات كأمر مُبجّل مكتمل ٬ يُميّز عن التغيّر الذي يُنعت بأنه عكي ذلك.وأنا أأكد أن أكثر ما يميّز الأرض هو بالضبط التغيرات التي تتم على سطحها اعتمد جاليليو على الرياضيات في وضع الفرض العلمي ٬ والبرهنة عليه.ووضع بذلك أسس المذهب الميكانيكي ( ضد الغائي ) واتخذ الطريق إلى الفلسفة الآلية التي سيتحمّس لها ديكارت وسيدافع عنها أشد دفاع. وهكذا لم تعد المعرفة مجرّد تأمل ونشاط باطني ٬ يتم في قلب العقل كما كانت عند اليونانيين. فعوضا عن المفهوم الإغريقي الذي يُعلي من قيمة النظر ٬ أصبحت المعرفة مع الفئات الجديدة وسيلة تغيير يجعلنا:"سادة على الطبيعة وممتلكين لها. كما يقول ديكارت نفسه في الفصل الأخير من المقال. فمع هذه القوة الجديدة ستقوم نظرة مغايرة إلى الفكر ٬ وسيُنظر إلى المعرفة في قيمتها التطبيقية. فهي لم تعد تستمد قيمتها من الموضوع الذي تنصبّ عليه ٬ بل أصبحت تُقاس بالوظيفة التي تقوم بها. فإذا كانت المعارف عند اليونان بصفة عامة تتفاضل وتتمايز حسب الموضوع الذي تنصبّ عليه ٬ فإن المعرفة هنا أصبحت تُقاس بمدى يقينيتها ومدى إفادتها ٬ أي بالمنهج الذي تتبعه والفائدة التي تُجنى منها. كان طبيعيا أن يحدُث صراع بين فئات أصبحت تدعو إلى نوع جديد من المعارف ٬ وإلى معايير جديدة لقياس المعارف ٬ وبين تلك التي كانت تتشبث بالمعارف المتجمدة لعقلية القرون الوسطى. لذا فإن مشكل العلاقة بين العلم الناشئ والتصور العقلاني الجديد من جهة ٬ وبين التصورات الأرسطية التقليدية. إن هذا المشكل وضع أيام ديكارت بحدّة كبيرة تجلّت في تلك الصراعات التي نشبت بين المعرفة العقلانية والتفكير اللاّهوتي تلك الصراعات التي كانت محاكمات مفكرين أمثال Bruno 1600 ٬وجاليليو دلالة عليها .يقول الأستاذ Alquiée عن ديكارت:"هذا التعارض بين التقنيات الموضوعية وبين عدم اليقين الذي تتصف به المعرفة بالغايات الحيوية ٬ هذا التعارض هو الخاصيّة التي ميّزت هذه الحقبة ٬ حيث ظهر أن اكتشافات العلم كانت تقضي على رؤية مسيحية طوماوية للعالم ٬ دون أن تضع موضعها أخلاق مُغايرة ٬ وقدرا جديدا للإنسان. لقد خلّفت الفلسفة الأرسطية الطوماوية مفاهيم لم تكن لتتناسب نع العلم الناشئ ٬ بل إنها كانت حاجزا من الحواجز المعرفية التي تقوم ضد تلك النشأة.كان أرسطو يُفرّق بين علل متعددة مُتعددة ونفوس مُتباينة ٬ وعوالم متفاضلة ومواد مُتمايزة ٬ وكان على ديكارت ٬ كما سنرى ٬ أن يُوحّد مفهوم العلة (سيحتفظ بالعلة الفاعلة)ومفهوم النفس (سيحتفظ بالنفس العاقلة المفكرة التي تُكتشف في الكوجيتو ).كما كان عليه أن يُوحّد مفهوم العالم الطبيعي. فهو عاصر كما قلنا ميكانيكا جاليليو حيث كان هذه الفيزياء الناشئة أن تنشئ تصوراتها على أنقاض مفاهيم فيزياء أرسطو. كان على ديكارت أن يُقيم المفهوم الجديد للطبيعة ٬ وأن يمُدّ العلم بما يحتاج إليه من تصورات جديدة.كان عليه أن يضع خطّا فاصلا بين المفاهيم الإيديولوجية التي خلقتها الإشكالية الأرسطية ٬ وبين التصورات العلمية التي كانت تقتضيها الإشكالية الجاليلية.يقول ديكارت:"يجب أن تعلموا في البداية أنني لا أعني بالطبيعة إلها (Dieu) بين الآلهة ٬ كما لا أقصد بها أية قوة وهمية. إنني أستخدم هذه الكلمة لأعني بها المادةذاتها من حيث أني أعتبرها مجموع الخصائصالتي ننسبها إليها. وسنرى أن هذه الخصائص ليست عبارة عن صفات ثابتة ٬ وهي ما كان يُشكّل الماهية الأرسطية ٬ بل إنها عبارة عن تحديدات هندسية ميكانيكية. هذا المفهوم الجديد عن الطبيعة ٬ كان يُعبّر بالضبط عن المتطلبات التي يقتضيها العلم الميكانيكي ٬ كما كان يناسب الوسيلة الجديدة لتحقيق ذلك العلم ٬ وأقصد الهندسة التحليلية التي هي اكتشاف ديكارتي. إن هذا المفهوم إذن لم يكن ليتواجد مع المفاهيم الأرسطية يقول F.Alquiée: " إن مفاهيم النفس والصورة والحياة ٬ تلك المفاهيم التي كانت تفسر عن طريقها الحركات ٬ قد فقدت قيمتها ٬ وإن ذلك التمييز الذي كان يضعه المذهب الطوماوي بين الكائنات الطبيعية التي تمتلك في ذاتها المبدأ الباطني لتغيّرها ٬ وبين الكائنات الصناعية التي يصنعها الإنسان. إن هذا التمييز قد أُهمل وتُرك جانبا. وقد سبق أن رأينا أن أرسطو يعتبر أن غاية الموجود هي صورته وعلّته الفاعلة ٬ وأن مفهوم الحركة يقوم على مفهوم العلة الغائية ٬ وبالتالي التفسيرات الغائية. فكل كائن طبيعي حسب أرسطو يتضمّن في ذاته غاية وجوده ٬ لذا فهو يسعى لتحقيق تلك الغاية. ها هنا إذن يكون نظام العالم سابق على العالم ذاته ٬ وها هنا ينظر إلى الطبيعة كقوة ذاتية ٬ وتعتبر الكائنات الطبيعية حاملة لشُحنة أنطولوجية.هذا الأمر مُخالف أشدّ المُخالفة للمبدأ الذي ستقوم عليه الفيزياء الجاليلية ٬ وهو مبدأ العطالة ٬ الذي يقضي بأن الجسم عاجز عن تغيير حركته ما لم تؤثر عليه قوة خارجية. يقول ديكارت في المبادئ:"لا يتغيّر الشيء في الطبيعة إلا بفعل أشياء أخرى. وهذا ما يُوضحه ألكيي Alquiée : " لقد وُلد عالم ديكارت وهو عالم تتكون فيه الكواكب والأجسام البشرية وفق نفس القوانين ٬ وعن طريق أشكال وحركات داخل هذا الامتداد المُتصل اللامحدود ٬والقابل للانقسام.وسيكون الإنسان في هذا العالم آلة داخل آلة." إن الفيزياء الجاليلية الديكارتية هي فيزياء ميكانيكية آلية ٬ تعتبر أن كل ظاهرة كونية بالإمكان تفسيرها عن طريق قوانين الحركة المادية .يقول ديكارت:"إن فلسفتي لا تأخذ بعين الاعتبار إلا المقادير والأشكال والحركات ٬ مثلما يفعل علم الميكانيكا. إذن سنرى أن القوانين العلمية عند ديكارت تشمل أيضا الجسم البشري ٬ بحيث يصبح الطبّ ذلك العلم الذي كانت تُحاربه مدرسة لافليش التي درس بها ديكارت ٬ نقول سيصبح هو كذلك علما تكون فيه السيادة للعلة المادية بدلا من القوة الخفيّة الغيبيّة والحقائق اللآمرئية. يقول ديكارت:" ليس الجسم شيئا آخر سوى تمثال أو آلة طينية. أريدكم أن تعتبروا وظائفه ناتجة فحسب عن الكيفية التي تنتظم بها أعضاؤه لا أقل ولا أكثر ٬ مثلما تفعل حركات الساعة أو أية آلة أخرى ٬ بحيث إنه يجب علينا أن لا نفترض فيما يتعلق بالجسم الحي أية نفس غاذية أو حسية ولا أي مبدأ آخر للحركة وللحياة.فليس هناك سوى الدم الذي يتحرك بفعل حرارة النار التي تحترق في قلبنا باستمرار". كان على ديكارت إذن لكي يُقيم مفهوما آليا ميكانيكيا عن العالم الطبيعي ٬ كان عليه أن يقضي على التصور الأرسطي ٬ وخصوصا على التصور الغائي. يقول ألكيي:"فإذا أردنا إخضاع الأشياء لأهدافنا وغاياتنا ٬ ينبغي أن لا نعتبر أن الأشياء تتمتع بغايات خاصة بها. هذا ما حدا بديكارت أن يُجدّد مفهوم المعرفة ٬ والمعرفة الرياضية على الخصوص ٬ ويُغيّر من الدور الذي كانت تلعبه فيما سبق.سيعمل ديكارت على إنزال الرياضيات من سماء المثل الأفلاطونية.ذلك أن علم الميكانيكا الناشئ كان يتطلب اكتشاف علاقات هندسية تتجسّد في الطبيعة ولا تسكن سماء المثل. لم تعد الطبيعة تُبنى وفق نموذج رياضي مُسبق ٬ بل أصبحت الرياضيات هي التي تُعدّل وفق مُقتضيات العلم الناشىء.يقول ألكيي:"كانت القرون الوسطى تضع الإنسان في مكانته داخل عالم يُقدمه الإيمان الديني. أما فلسفةديكارتفقد أرادت أن تضعه في موضعه داخل عالم يصوغه العلم.كانت هناك إذن ضرورة لتفكير انتقادي يُخلّص المعرفة من الأفكار المُسبّقة ٬ ويُذيب المعتقدات التي جمّدتها البرودة الفكرية للقرون الوسطى ٬ ويؤسس المفهوم العقلاني للطبيعة.ويجب أن يُُميّز المُفكر بين مستويات مختلفة ٬ ويفصل بينها ٬ يفصل بين ما هو بشري وما هو طبيعي ٬ ما هو حيوي وما هو ميكانيكي ما هو نفس وما هو امتداد. لقد أعلن ديكارت أن في مقدور العقل أن ينفُذ إلى الحقيقة. فبينما كانت هذه الحقيقة خلال القرون الوسطى تنزل من السماء ٬ أصبحت مع ديكارت على الأقل في جزء منها في حوزة الإنسان. فهو يعتقد كما يعتقد ألكيي أن في استطاعة الفكر البشري أن يبلغ مباشرة الوجود والحقيقة بوسائله الخاصة وحدها. ولكن ما حدود هذا الحماس ٬ سواء للنزعة عقلانية أو النزعة الميكانيكية ٬ وأين ذلك التردّد الذي أشرنا إليه عندما قلنا بأن الفكر الديكارتي يعكس أزمة فئات اجتماعية أصبحت مصالحها متوقفة على المستقبل دون أن تستطيع التخلص من الماضي؟ وعندما قلنا بأننا سنلحظ في موقف ديكارت ٬ بل وحتى في شخصيته ثنائية وتساكنا بين حماس إلى التجديد وتعلّق بالقديم. فهل باستطاعتنا كما يتساءل ألكيي:" هلباستطاعتنا أن نؤمن بأن الطبيعة بكاملها تعبير عن تركيب آلي ٬ وهل يجب أن نفترض أن وراء كل حياة وكل غائية حركات آلية.وهل في صالح العلم دوما أن يتمسّك بذلك الاحتراس الانتقادي ٬ وذلك الحذر من الوقوع ضحية الانخداع. إن مثل هذه الصعوبات ستدفع بديكارت فيما بعد إلى البحث عن المبادئ المفسرة لوحدة الفكر ٬ وفيما يتجاوز العالم .تلك المبادئ التي تعجز موضوعات الطبيعة عن تقديمها. سنرى إذن أن ذلك الحماس للعلم سرعان ما سيخفت ٬ وسيُصرّح ديكارت ابتداء من 1630 بأن العالِم عاجز وحده بأن يُدعّم حقائقه ٬ وأنه مُحتاج إلى ضمان خارجي . يقول في إحدى رسائله:"ولن يفوتني أن أذكر في دراساتي الفيزيائية عدة مسائل ميتافيزيقية وخاصة هاته: إن الحقائق الرياضية ٬ تلك التي تعتبرونها أبديّة قد أنشأها الله وهي مُتوقفة عليه كليا مثلها في ذلك مثل سائر المخلوقات(...) وأناشدك أن لا تتردد في القول في كل مكان أن الله هو الذي أنشأ هذه القوانين في الطبيعة ٬ كما ينشىء تلك القوانين في مملكته (...) وإذا قيل لك إن الله هو الذي كان يُنشئ تلك الحقائق لكان في استطاعته تغييرها كما يُعدل الملك قوانينه ٬ وجب الردّ بأن هذا يجوز لو كانت إرادة الله مُتغيّرة. أما إذا اعترض بأن الحقائق أبدية ثابتة فإني أُجيب بأن الله أيضا كذلك". هذا ما سيتبيّن لنا بوضوح عند عرض النقط الأساسية في الميتافيزيقا الديكارتية ٬ وسيظهر لنا أن الفلسفة ليست تأمّلا يجيء بعد دراسة الطبيعة ٬ بل إنها ستقوم كأساس لتلك الدراسة. إنها ما يبرر إيماننا بالعلم ٬ فالفلسفة كما يقول في تمهيد كتاب المبادئ:"هي بأسرها شجرة جذورها الميتافيزيقا ٬ وجذعها الطبيعة والفروع التي تتفرّع عن هذا الجذع هي كل العلوم الأخرى..." التي تؤول إلى ثلاثة رئيسية وهي الطب والميكانيكا والأخلاق. هاته المفارقات التي تطبع الفكر الديكارتي ٬ وهذا التردد بين حماس إلى تفسير عقلاني ميكانيكي وبين التشبّث بما يتجاوز العقل هو ما يسميه ألكيي قدرة على الاحتفاظ على التوازن داخل الفواصل والتمايزات ": إن مهمته البطولية كانت داخل التمييز والفصل بين الأفكار والواقع ٬ لأن الأفكار بإمكانها أن تكون صادقة دون أن يوفقها أي موضوع والفصلبين الإنسان العيني والإنسان المفكر ٬ بين الجسم وبين النفس".لا تهمّنا هنا التسميّة التي يجب أن نطلقها على هذا الفصل ٬ فسواء قلنا مع ألكيي أنها قدرة على الاحتفاظ بالتوازن أو قلنا بكل بساطة هو تناقض قائم في الفلسفة الديكارتية ٬ فيكفينا أن نؤكد على طابع التردد الذي قلنا أنه يطبع العصر بكامله.وهذا التأرجح بين تعلّق بالقديم وتفتح نحو الجديد ٬ بين التغيّر والاستكانة ٬ شيء يعترف به ألكيي نفسه :"ذلك أن عصر ديكارت لم يكن فحسب ذلك العصر الذي ساد فيه الحماس والتعطّش للمعرفة ٬ والذي يلِذّ للبعض أن يتصوره كذلك. فإذا كان عالم ابتدأ في هذا العصر ٬ فقد انتهى عنده عالم آخر ٬ عالم كان يضمن لكثير من الناس الاطمئنان واليقين ٬ ولكنه كان أيضا يضمن الثروات والحقائق. لذا لم يلق العلم في هذا العصر الإجماع على أنه وسيلة للكشف عن عالم جديد ٬ بل كان يعتبر أيضا وسيلة للقضاء على العالم والإنسان". وبإمكاننا أن نُلخّص هذا الأمر بصفة أوضح إذا نحن فحصنا موقف ديكارت من قيم عصره جميعها ٬ لا القيم المعرفية فحسب. فبينما لاحظنا رفضه للتراث الثقافي الذي حملته القرون الوسطى ٬ سنلاحظ تقبّلا للقيم الأخلاقية والدينية والاجتماعية التي حملتها نفس القرون.وهذا ما نتلمّسه بالضبط عندما نقرأ في المقال في المنهج ٬ذلك الكتاب الذي يُعطينا تلك المواقف المتعددة لوعي ديكارت أمام الواقع ٬ ففي كل فصل من فصوله الستة يُدرك العالم إدراكا مُختلفا عن الكيفية التي يدرك بها في الفصول الأخرى. فإذا كنا نلمس رفضا لعلم ملقن وروح فردانية ٬ واعتمادا على الذات في الفصل الأول ٬ فنحن نلمس خنوعا وتقبّلا في الفصل الثاني. بهذا المعنى يكون المقال تعبيرا عن موقف العصر لا عن موقف ديكارت فحسب. يقول ألكيي:"في المقال يجتمع موقف الخضوع والغرور ٬ هذان الموقفانالمتعارضان يضمان بعضهما إلى بعض دون توفيق حقيقي. فديكارت يُفضل الخضوع فيما يتعلق بالعمل والممارسة ٬ وينهج نحو التجديد فيما يتعلق بالفكر.والشيء الذي يرفضه النظر سيقبل به العمل ٬ ولن يكون التحرر إلا على مستوى الفكر. رفض الثقافة الوسيطية معناه رفض محتوى الدروس التي أسسها اليسوعيون في مكان وهبه إياهم الملك هنري الرابع ٬ لذا كانت المدرسة تحمل اسم الثانوية الملكية . لقد كانت هذه المدرسة من أحسن مدارس العصر ٬ ولهذا كانت تعكس عقلية الآباء اليسوعيين وتخوّفهم من الإصلاح البروتستانتي ٬ الأمر الذي جعلهم يسنون مقررات المدرسة ٬ بحيث يتجنّب العقل الخضوع في جميع المسائل التي كانت تعتبر رسمية ٬ وخصوصا أسس المذهب اليسوعي.كان الأساس هو تعويد الطلاب على طاعة رؤساء الكنيسة ٬ ذلك أن المذهب اليسوعي يُلحّ على أن الإنسان خُلق لتمجيد الله ٬ لا الخوض في مسائل الدين.هذا ما دفع المدرسة إلى أن تُخضع جميع الكتب التي كانت تقع بين أيدي الطلبة إلى مراقبة صارمة ٬ وتُحرّم تدريس بعض المواد مثل الطب والقانون ٬ هذا الطب الذي قلنا إن ديكارت جعله غصنا من أغصان شجرة المعرفة.. والظاهر أن هته التربية في مدرسة la Flèche استطاعت أن تغرس في ديكارت روح الخنوع ٬ وتجعله يتجنّب الخوض في بعض المشكلات. يقول:"وقد أعدت النظر في لاهوتنا وطمعت أن أبلغ السماء أكثر من غيري ٬ غير أنني تيقّنت أن الطريق ليس أكثر تمهيدا للعارف منه بالنسبة للجاهل ٬ وأن حقائق الوحي فوق فهمنا ٬ فلم أجرؤ على إخضاعها لتفكيري الضعيف". وهكذا سنرى أن ديكارت الذي يؤكد في المقال حدود العقل البشري ٬ سيؤكد في "التأمّلات " و" المبادئ"حدود الشك ٬ فلن يمتد الشك الذي سبق الكوجيتو إلى حقائق الإيمان ٬ ما دامت هاته لا تنتمي إلى نفس المستوى الذي تنتمي إليه حقائق الفلسفة ٬ وما دامت هذه تستمد تبريرها من العناية الإلهية لا من عقلنا السليم. يقول في الجزء الأول من المبادئ :"لكن يجب أن يُلاحظ أنني لا أقصد أن أستخدم هذه الطريقة الشاملة في الشك إلا عند النظر في الحقيقة ٬ إذ من المؤكد أنه فيما يتعلق بتوجيه حياتنا كثيرا ما يلزمنا إتباع آراءراجحة فقط ٬ وذلك لأننا لو حاولنا التغلّب على جميع شكوكنا لكان في ذلك ما يكاد يفوّت علينا فرص العمل. إن الدور الذي يقوم به العقل السليم في مستوى الطبيعيات والميتافيزيقا ٬ تقوم به العناية الإلهية في مستوى الخوارق. يقول في إحدى رسائله:"بما أنني أشدّ الإيمان بنزاهة الكنيسة ٬ وبما أنني لا أشك مطلقا في أفكاري ٬ فلست أخاف أن تتعارض الحقيقتان". فرغم أن اللاهوت والإيمان لا يتوقفان على وضوح الفكر الذي تقوم عليه المعارف الواضحة المتميزة ٬ فإن ديكارت لا يشعر بتناقض الأمر وخطورته ٬ ولا عجب في ذلك ٬ فلقد رأينا أن التربية اليسوعية التي تلقاها تمنعه أن يؤمن بإمكانية إصلاح ديني ٬ وتُلقّنه بأن ذلك الإصلاح هو مصدر اضطراب وحروب ٬ لذلك كتب يوما إلى أحد الوزراء الهولنديين البروتستانت:" إنني أتبع دين ملكي كما أخضع لدين مرضعتي". لن يمتد الشك إذن خارج الذات ٬ ولن يلحق بالقيم التي تخرج عن المعرفة ٬ يقول:" إن الإصلاح الذي أهدف إليه لا يخصّني إلا أنا وأنا فحسب ٬ وهذا الإصلاح هو إصلاح رجل يريد أن يٌقوّم نظام معارفه". لا إلى تحسين الأوضاع الاجتماعية.وسنلاحظ في الميتافيزيقا الديكارتية غياب كل عنصر من شأنه أن يقذف بهذا الأنا إلى الخارج بين الموضوعات أو داخل الزمان التاريخي. يقول ألكيي :"من البيّن أن ديكارت لا يريد إقحام نفسه داخل الاضطرابات السياسية. لقد كان شغله الشاغل هو اضطراب فكر عصر كانت مفاهيمه وسيطية ٬ وكانت فيه أفكار نابعة عن عصر النهضة واكتشافات تتجدّد دون انقطاع ٬ وكانت كل هذه الأمور قائمة في تعارض فيما بينها. لذا فحتى عندما يهتم ديكارت بذاته فإنه يلجأ إلى نفس الخضوع ٬وهذا ما تعبّر عنه القاعدة الثالثةمن قواعد الأخلاق ...:" أن أطيع قوانين بلادي وعاداتها ٬ وأن أحافظ على الدين الذي منّ الله علي بتطبيقه منذ حداثتي ٬ وأن أسير سير الاعتدال في كل شيء.لا عجب إذن أن يحتفظ ديكارت بفلسفة أخلاقية تعتبر الحرية في الخضوع للضرورة ٬ ولا عجب أن نلمس عنده نفحةرواقية ٬ إذ ليس البعد شاسعا بين القاعدة التي أشرنا إليها ٬ وبين ما يقوله الفيلسوف الرواقي إبكتاتوس:"لا ترجو أن تتم الأمور حسب ما ترغب ٬ ولكن ارغب أن تحصل كما تحصل بالفعل ٬ وبذلك تكون سعيدا. وهكذا فإن ديكارت سليل الأخلاق الرواقية ٬ تلك الأخلاق التي ظلت سائدة خلال العصور الوسطى. يقول جلسون :" لقد ظل ديكارتفي الميدان الأخلاقي سليل المثل الأعلى الإغريقي الذي نقلته المدارس الوسيطية والرواقية المسيحية إلى العصور الحديثة. لذا فإن هدف الأخلاق ظل بالنسبة إليه هو الخيرالأسمى الذي لا يمكنه أن تزودنا به إلا الحكمة... فأخلاقي لا تترك المجال طبقا لفكري في الميدان النظري ٬ ولكنها تحول بيني وبين كل تجديد في ميدان السياسة والدين.ونستطيع أن نقول مع جولدمان إن هذا الإهمال في التفكير الأخلاقي الذي نلحظه عند ديكارت ٬ يُُشكّل إحدى السمات الأساسية في الفكر الفرنسي إلى حدود القرن العشرين.فالفلسفة الفرنسية لم تكن لتهتم بالمشكل العملي بمقداراهتمامها بالمشاكل العلمية والإبستيمولوجية. ولكن سيكون علينا إزاء هذا الفشل العملي وعدم تدخل النقد للمسّ بالقيم الاجتماعية والأخلاقية ٬ سيكون علينا إثبات أهميّة النقد النظري لإنقاد الميتافيزيقا من أخطار العلم الناشئ ٬ تلك الميتافيزيقا التي لم تعد في شكلها الأرسطي الطوماويي تستطيع مواجهة ذلك العلم ٬ حيث إن مقولاتها الأساسية لمفهوم العلة ومفهوم الطبيعة ومفهوم النفس والمادة والجوهر ٬ إن هذه المفاهيم لم تعد تستطيع الاحتفاظ بمعانيها أمام الفيزياء الناشئة ٬ تلك الميتافيزيقا التي لم تكن فيها وسيلة تُجنّب الإنسان الخطأ وتمكّنه من تثبيت أقدامه فيما يتعلّق بالمعرفة. إن تلك الميتافيزيقا لم تكن لتُرضي ديكارت وهو كما يقول :"توّاق إلى أن يُميّز الصحة من الكذب ليرى بوضوح ويسير في ثبات. لذا فهو سيرفض مثل هته الميتافيزيقا ٬ بل وسيرفض كل علم مُلقّن:"إننا لن نصبح قط رياضيين حتى لو حفظنا عن ظهر قلب جميع البراهين التي قام بها الآخرون ٬ ما لم يصبح فكرنا قادرا بدوره على حلّ جميع أنواع المشاكل التي تطرحها الرياضيات.وهكذا فإننا لن نصبح قط فلاسفة إذا اطلعنا على فكر أفلاطون وأرسطو ٬ وإذا لم يكن بإمكاننا أن نُصدر حكما يقوم على أساس متين فيما يتعلّق بمشاكل معينة ٬ إذ أننا حينئذ سنبدو حفظة للتاريخ والعلوم." يشير ديكارت إلى أن ما يمنعه من التقليد وتقبّل علم مُلقن ٬ وتبنّي الفلسفة التقليدية ٬ هو ذلك الخلاف الشديد والجدال الذي طبع تلك الفلسفة فحجّرها. فحينما يكون هنالك جدال فلا وضوح ولا يقين ٬ إذ أن الوضوح لا بد أن يفرض نفسه علينا ٬ وأن يجرّ إلى الإجماع. فالبلبلة هي علامة على الغموض. يقول:" كان بإمكاني أن أقتصر على إتباع آراء الآخرين لو لم يكن لي استنادا واحدا ٬ أو لم أكن عرفت الخلاف الذي كان في كل زمان بين أكبر العلماء .وإذن لم أكن لأستطيع أن أختار رجلا كانت تبدو لي أفكاره واجبة التفضيل على آراء الآخرين ٬ ووجدتني كأني مضطر أن أتولّى توجيه نفسي بنفسي ٬ ولكن كان مثلي كمثل رجل يسير وحده في الظلمات ٬ فلو لم أتقدم إلا قليلا جدا ٬ كنت على الأقل قد سلمت من الذبل. لذا سيتوجه ديكارت بالنقد الشديد لمختلف المعارف التي تلقاها ٬ بل إنه سيطرح تلك المعارف جانبا وسينطلق من الشك. لاحظ ديكارت أن مُعظم أحكامنا ترتبط بالحس وتتعلّق به ٬ وأن معارفنا تتكون من آراء تتعارض فيما بينها. لذا يقول:" إذا ما أردت البحث عن معرفة يقينية ٬ فلا بد لي مرّة في الحياة من الشروع الجديد في إطلاق نفسي من جميع الآراء التي تلقّيتها في اعتقادي من قبل ٬ ولابد من إقامة بناء جديد من الأسس إذا كنت أريد أن أبني من العلوم شيئا وطيدا مُستقرا.. هكذا يُخيّل لديكارتأنه يعيش بين الأشياء( لكنني لست على يقين من وجودها الظاهر ٬ إذ لا دليل قويا لدي على ذلك ما دمت لا أستطيع الخروج عن ذاتي ٬ وما دام العالم يؤول إلى إحساساتي المتقلبة ٬ أي أنه يؤول إلى ما تمدني به الحواس ٬ غير أن حواسي تخدعني في بعض الأحيان ٬ وأنني لا أستطيع أن أميز عالم الحلم عن عالم اليقظة ٬ فعلي إذن أن أشك في وجود المحسوسات. لكن هل يستطيع الشك بلوغ المعقولات ذاتها ٬ هل أستطيع الشك في الأعداد والأشكال وفي مبادئ العلم والبراهين الرياضية؟ الأمر المؤكد هو أنني أخطأ بصدد هذه المعقولات مثلما أخطأ بصدد المحسوسات ٬ ثم لأنه هناك أناس ضلوا وهم يعملون فكرهم قي مثل هذه الموضوعات.والأهم من كل هذا أن هذه التمثلات قد في نفسي عن قدرة الله:"فإن معتقدا قد رسخ في ذهني منذ زمن طويل ٬ وهو أنه هناك إله قادر على كل شيء ٬ وهو صانعي وخالقي على نحو ما أنا موجود . فما يدريني لعله قد قضى بأن لا يكون هناك لا أرض و لا سماء ولا جسم ممتد ٬ وشكل ولا مقدار ولا مكان ٬ ودبّر مع ذلك أن أُحسّ هته الأشياء جميعا وأن تبدو لي موجودة على نحو ما أراد ٬ بل لما كنت أرى أحيانا غيري يغلطون في الأمور التي يحسبون أنهم أعلم الناس بها. فما يدريني لعله قدّر أن أغلط أنا أيضا كلما جمعت إثنين وثلاثة أو أحصيت أضلاع مربع ما ٬ أو أطلقت حكما على شيء أسهل من ذلك ٬ لو أمكن أن نتصورها كذلك.ما يبرر الشك إذن هو أنني لا أملك بعد الدعامة الميتافيزيقية للحدس العقلي تلك الدعامة وذلك الضمان الذي لا يمكن أن يوجد إلا في الله ٬ ولست أدري الآن ما إذا كان الله غير خادع:"وإذن فلأفترض لا أن الله وهوأرحم الراحمين ٬ وهو المصدر الأعلى للحقيقة بل أن شيطانا خبيثا ذا مكر وبأس شديدين قد استعمل كل ما أوتي من مهارة لتضليلي ٬ وسأرفض أن السماء والهواء والأرض والألوان والأشكال والأصوات ٬ وسائر الأشياء الخارجية لا تعدو أن تكون أوهاما وخيالات قد نصبها ذلك الشيطان فخاخا لاقتناص سذاجتي في التصديق ٬ وسأعُدّ نفسي خُلوا من اليدين والعينين واللحم والدم ٬ وأن الوهم هو الذي يخيل لي أني مالك لهذه الأشياء كلها. لا يبدو إذن أن هذا الشيطان الماكر من الأسباب الداعية إلى الشك بقدر ما يبدو وسيلة للشك. إن عقلي يفترض أنه يخدع نفسه ٬ وتكلّف الخداع هذا يدل على مدى إصرار ديكارت على الحصول على معارف أكيدة ٬ كما يدل على أن فلسفة ديكارت إن كانت تنطلق من الشك فهي لا تنطلق منه كما لو كان يعكس أزمة وجدانية ناتجة عن اضطراب النفس ٬ بل إنها تنطلق منه فقط كحالة انتقالية ناتجة عن سبق إصرار ٬ حالة تريد أن تقهر جميع الأفكار المُسبقة . إذن فالشك صادر عن إرادة وطواعية ٬ فهو ليس شكا مطلقا وإنما هو وسيلة إلى اليقين ٬ ذلك أنني عندما أتوقف عند الحكم أحفظ نفسي بمنأى عن الضغوطات الخارجية التي تفرضها الحساسية والخيال. إنني بافتراض الشيطان الماكر قد تعمّدتُ الخطأ ٬ وأرى أن كلما أعتقده ربما كان وهما.صحيح يمكن أن يكون كل ذلك وهما ٬ ولكن لا يمكنني إلا أن أكون أنا الذي أفكر:"أفكر أنا موجود ( 1).هته إذن حقيقة أولى ويقين أول ٬ نتيجة الشك المباشر لاكتشاف حقيقة أولى وهي الذات المُفكرة:"ولكنني اقتنعت من قبل بأن لا شيء في العالم موجود على الإطلاق.لا توجد سماء ولا أرض ولا نفوس ولا أجسام ٬ وإذن فهل اقتنعت بأنني لست موجودا كذلك.هيهات فإنني أكون موجودا ولا أشك إن أنا اقتنعت بشيء أو فكرت في شيء... ينبغي علي وقد روّيت الفكر ودقّقت النظر في جميع الأمور أن أنتهي إلى نتيجة وأن أخلص إلى أن هذه القضية أنا كائن وأنا موجود ٬ قضية صحيحة بالضرورة كلّما نطقت بها وكلّما تصوّرتها في ذهني. ولكن ما هذا الأنا الذي يُثبته الكوجيتو ٬ هل أنا هو الكائن الذي له يدان ورجلان ٬ والذي له جسم ٬ وأنا الذي أحس وأتذكر وأفكر: أنا واجد هنا أن الفكر هو الصفة الني تخصني ٬ وأنه وحده لا ينفصل عني . أنا كائن وأنا موجود ٬ وهذا أمر يقيني ٬ ولكن إلى متى؟ أنا موجود ما دمت أفكر. إن فكري هو الذي يجعلني موجودا ٬ هو الذي يشكل ماهيتي. فالكوجيتو يسمح لي بأن أأكد أسبقية الفكر على أي موضوع معرفة ٬ بل إن إدراكي للموضوعات الخارجية يرتد في النهاية إلى عمليات حكم أقوم بها. فالأجسام لا تُعرف بالحواس أو بالخيال وإنما بالفكر وحده ٬ وما قطعة الشمع التي أدركها إلا ثمرة أحكام...فلا يمكنني إذن معرفة أي شيء ما لم أعرف نفسي ٬ وإن معرفتي لنفسي هي شرط لمعرفتي لغيرها. يُعلن الكوجيتو إذن ذلك التمييز والفصل الذي سنثبته فيما بعد عند متابعة التأمل الأخير ٬ وهو التمييز بين النفس والحسد ...ولكنني لحد الساعة متأكد من وجود نفس مفكرة ٬ وأجهل كل شيء عن الجسم ٬ بل أجهل حتى ما إذا كان موجودا .ما أنا متأكد منه هو أن معرفتي لنفسي ليست متوقفة على معرفتي لجسمي ٬ لذا فربما كانت نفسي متميزة عن الجسد. ها أنا الذي أبعد ما أكون عن الشك ٬ لدي حقيقة أولى ٬ بل إن باستطاعتي أن أستخرج من تلك الحقيقة علامات اليقين. فالكوجيتو لا يقدم لي فحسب يقينا أولا بل إنه نموذج كل يقين ٬ وبالتالي فهو يُمكّنني من قاعدة تُمهّدني إلى حقائق جديدة ٬ هاته القاعدة هي كل ما أدركه بصفة يقينية. فهو واضح تميز ٬ والإدراك الواضح هو ما كان موضوعه حاضرا في ذهن منتبه ٬ والتمايز ما كان موضوعه غير مختلط مع أي موضوع آخر. ولكن علي أن لا أنسى أنني أشرت إلى إله قادر في استطاعته أن يوهمني و يجعلني أعتقد صدقا ما ليس كذلك ٬ فلا يمكنني أن أجزم أن هذه القضية (أفكرأنا موجود)هاته القضية التي لا أريد فقط أن أعتبرها يقينا فحسب ٬ بل أعتبرها نموذج اليقين ٬ ولا يمكنني أن أجزم أنها قضية يقينية ما لم أجد الضمان وما لم أعرف أن الله الذي خلقني ليس خدّاعا ولا موهما. يجهل الأنا المفكر ما إذا كانت هناك موضوعات خارجية. فإذا كان الشك قد أفضى بي إلى معرفة إلى معرفة نفسي من حيث هي تفكير(لا من حيث هي مبدأ حياة ) إذا كان الشك قد أفضى بي إلى معرفة ذاتي ٬ فهو ما يزال يمنعني من الخروج عن ذاتي والاتجاه نحو الموضوعات. بالرغم من ذلك فإن هذا اليقين لا يغلق النفس على ذاتها ٬ وإنما يعيد فتحها على غيرها من الموضوعات التي لم يثبت وجودها بعد. إن فكري يقتضي الخروج من الذات ٬ ويبدو أن أفكاري كلها تدل على الخارج وتحيلني إليه ٬ فلأمتحن إذن هذه الأفكار ٬ ذلك أن الأفكار ليست أحولا لنفسي فحسب ٬ بل إنها تعني موضوعات . فإن كانت هذه الأفكار لا تتفاضل فيما بينها من حيث هي أفكاري ٬ فهي متمايزة من حيث أنها تحيل إلى الخارج. إذا كانت لا تتفاضل في جانبها الذاتي ٬ فهي متمايزة في جانبها الموضوعي. يقول:" التفكير فيما لدى النفس من معاني مختلفة يُعيننا على ملاحظة عدم وجود فارق بينها من حيث أننا نعتبرها تابعة لنفسنا وعقلنا ٬ ووجود فارق كبير من حيث إن الواحد منها يمثل شيئا والآخر يمثل شيئا آخر ٬ وهو يعيننا في الوقت ذاته على أن نلاحظ أن علية الأفكار لابد أن تكون أكثر كمالا بقدر ما هناك من كمال في ما تمثله من موضوعها. فإذا كانت هناك أفكار فطرية idées innés صادرة عن نفسي وليست مستفادة من الحواس و لا من الخيال ٬ فهناك أيضا أفكار حادثة وصادرة عن أشياء غير نفسي.وأخيرا هناك أفكار أُكوّنها وأصنعها وأركّبها بمُقتضى هاته الأفكار الحادثة. يبدو من السهل علي أن أخرج من( عن)ذاتي نحو الموضوعات عن طريق تحليل الأفكار الحادثة.غير أنه كما سبق أن قلت كم من شيء سيتراءى لي وأنا في النوم ٬ ومع ذلك لا يكون له وجود فعلي. فبدل أن أنظر إلى هته الأفكار(الحادثة )من حيث ما تمثله من موضوعات لأعتبرها في قيمة الموضوعات التي تمثلها ٬ ذلك أن الموضوعات التي تردّنا إليها الأفكار تتفاضل فيما بينها في القيمة ( أو قيمة) ففكرة الملائكة أفضل من فكرة الإنسان ٬ وهاته أفضل من فكرة الجماد ٬ وفكرة الله أفضلها جميعا. "وأنا أقصد بلفظ الله جوهرا لا مُتناهيا أزليا مُنزها عن التغيّر ٬ قائما بذاته ٬ محيطا بكل بشيء ٬ قد خلقني أنا وجميع الأشياء الموجودة. إن صحّ أن هناك أشياء موجودة ٬ وهته الصفات الحُسنى قد بلغت الجلال والشرف حدّا يجعلني كلما أمعنت النظر فيها قلّ ميلي إلى الاعتقاد بأن الفكرة الني لدي عنها يمكن أن أكون أنا وحدي مصدرها. فلابد إذن أن أستخلص من كل ما قلته من قبل أن الله موجود ٬ إذ أنه – وإن كانت فكرة الجوهر موجودة في نفسي من حيث إنني جوهر ٬ إلا أن فكرة جوهر لا متناه ما كانت لتوجد لدي أنا الموجود المتناهي إذا لم يكن قد أودعها في نفسي جوهر لامتناه حقا. وأنا الكائن المحدود المتناهي عاجز عن تكوين هذه الفكرة بنفسي أو بفضل الأفكار الأخرى التي لدي ٬ ذلك أن مبدأ العلية يقتضي أن يكون المعلول حاملا لوجود أقوى من العلة ٬ وإلا فسيكون ذلك الوجود الزائد غير عائد للعلة وصادر عن العدم. إذ لا يتضح فقط بالنور الطبيعي أ ن العدم لا يمكن أن يكون علة شيء ما ٬ وأن الأكمل لا يمكن أن » يكون تابعا لما كان أقل كمالا ومتوقفا عليه". لابد إذن من وجود كائن هو علة هذه الفكرة التي لدي عليه ٬ هو الذي وضعها في نفسي. إنني كائن محدود ولست علة وجودي. " وكذلك فإننا نجد في أنفسنا فكرة الله أو الكائن التام ٬ فباستطاعتنا أن نبحث عن علة وجود تلك الفكرة فينا ٬ وأننا بعد اعتبارنا لما تمثله تلك الفكرة من كمالات عظيمة نجد أنفسنا مضطرين للإقرار بأنها غير صادرة فينا إلا عن كائن كامل جدّا ٬ أيعن إله موجود بالحقيقة". يكشف لي الكوجيتو عن وجود لحظي ٬ لكن وجود مستمر. فإذا كان وجودي وجودا مستمرا ٬ فذلك لأن الله يخلقه باستمرار."ولا أعتقد أنه من الممكن أن يشك المرء في صحة هذا البرهان إذا انتبه إلى طبيعة زمن حياتنا أو ديمومتها durée فمن شأن هذه أن لا تتوقف أجزاؤها على بعضها البعض ٬ وأن لا توجد معها بحيث أن وجودنا في الوقت الحاضر لا يستتبع وجودنا بعد ذلك ما لم تكن تلك العلة التي خلقتنا مستمرة في خلقنا أي حافظة لنا". إن المفهوم الديكارتي عن زمن متقطع لا حول له ولا قوة ٬ جعله يعتبر أن الله يحفظ وجود العالم في كل لحظة ٬ فيعيد خلقه دون انقطاع . فإذا كانت كل لحظة منفصلة انفصالا مطلقا عن سابقتها ٬ فإنها لا يمكن أن تشكل ديمومة إلا إذا كان هناك تدخل خارجي. إن ديكارت قد نقل مبدأ العطالة الذي يهيمن على ميكانيكا جاليلي ٬ والذي يجعل المادة قاصرة وعاجزة أن تغير من طبيعة حركتها وسرعتها واتجاهها إن ديكارت نقل هذا المبدأ الذي يطبع الحركة في المكان ٬ نقله إلى هذا النوع من الحركة والتغير الذي يسمى الزمن. وبهذا يقضي على مفهوم روحاني عن الطبيعة ٬ وعلى الطبيعة كإله ٬ وعلى كل نزعة طبيعية.يقولAlquié: " مع حلول النزعة الديكارتية قضت على ما تبقى مما خلّفه المفهوم الوسيطي من نزعة طبيعية من إيمان بأن للأشياء دواخل غير شفافة ٬ ومن اعتقاد في العلل غير المباشرة التي كانت تدع للمخلوقات فعالية خلاّّقة. إن الزمن أصبح متقطعا ٬ مركبا من لحظات لا رابط بينها يشدها. لم يعد استمرار الأشياء ودوامها يتوقف على الأشياء ذاتها ٬ بل إن جميع الأشياء تستدعي في كل لحظة إلها (Dieu) يخلقها ٬ وليست هي الآلهة نفسها. غير أني باستطاعتي كذلك أن أستنتج وجود الله إذا أنا قمت بتحليل فكرته. فكما أن باستطاعتي عند تحليل فكرة كائن رياضي أن أستنتج خصائصه ٬ فباستطاعتي تحليل فكرة الله أن أستنتج أنه موجود:"فعندما تستعرض النفس ما لديها من أفكار أو معاني مختلفة ٬ فتجد بينها فكرة كائن عليم بكل شيء ٬ قادر على كل شيء ٬ وفي غاية الكمال ٬ يدعوها ذلك إلى الحكم بوجود الله ٬ وهو الكائن الحائز لتمام الكمال ٬ إذ بالرغم ما لديها من أفكار متمايزة عن عدة أشياء أخرى فهي لا تلحظ فيها ما يؤكد وجود موضوعها ٬ بل إنها هي ترى في هذه الفكرة لا وجودا ممكنا فحسب كما هو الأمر في سائر الأفكار ٬ بل وجودا ضروريا أبديا لا وجودا ممكنا. وكما نقتنع النفس اقتناعا كاملا بمساواة زوايا المثلث القائمتين لكونها ترى تلك المساواة متضمنة بالضرورة في فكرتها عن المثلث ٬ كذلك تستنتج وجود الكائن الكامل ٬ ذلك أنها بمجرد رؤيتها لهته الفكرة ٬ ترى أن الوجود الضروري الأبدي مُتضمن في فكرتها عن هذا الكائن. يؤكد هذا الدليل ما قلته حينما أثبتت أن تفكيري في هذا الكائن الكامل إنما هو تفكيري في كائن هو من الضروري بحيث لا أستطيع إلا أن أُقرّ بوجوده. حاول البعض تقريب هذه الأدلة على وجود الله من بعض ما جاء عند فلاسفة القرون الوسطى ٬ إلا أننا ينبغي أن نؤكد من جديد ما سبق التنبيه إليه من كون ديكارت مؤسسا للفلسفة الحديثة ٬ ومن جدّة الإشكالية الديكارتية ٬ بل وجدّة الممارسة الفلسفية عند ديكارت ٬ التي أصبحت تتم في لحظة سياسية وعلمية مغايرة لما سبق. فديكارت معاصر لنشأة الدولة كقوة مجهزة ٬ومعاصر للفيزياء الجاليلية.وهذا أمر جديد كل الجدة في تاريخ أوروبا ٬ بالإضافة إلى هذا فإن المفاهيم المستعملة هنا مفاهيم مُغايرة كما رأينا للاستعمال الذي كانت تؤخذ به سواء في الفلسفة القديمة أو خلال القرون الوسطى. فالنفس الإنسانية عنده ليست تلك التي تدخل التجربة السياسية كما كان الأمر عند اليونان ٬ والتي اهتمت أساسا بالمشكل الأخلاقي السياسي ٬ كما أن النفس ليست مبدأ حياة ٬ إنها النفس المفكرة ... ثم إن هذه الأدلة على وجود الله لا ترمي إلى الحجاج على الحقائق النقلية ٬ ولا ترمي إلى تدعيم عقلي لما جاء به الإيمان ٬ بل إنها تهدف قبل كل شيء إلى تأسيس ضامن للعلم ودعامة للمنهج العلمي. إنها تهدف إلى توطيد دعائم اليقين.وهذا ما سبق أن أشرنا إليه لما قلنا إن المشروع الفلسفي عند ديكارت لا يرمي إلى تأسيس الإيمان الديني ٬ لأن هذا الإيمان قائم ولم يلحقه الشك. الآن وقد تأكدت من وجود الله ٬ أي من وجود كائن لا متناهي ٬ فأنا متأكد أنه لا يخدعني ما دمت لا أقبل إلا الأفكار الواضحة المتميزة ٬ فإني سأكون على يقين مما أعرفه عن الله وهو ضامن اليقين ٬ والميتافيزيقا هي سند العلم ٬ ولكن هذا العلم لم يؤسس بعد ٬ إذ أن تأسيس العلم هو قبل كل شيء إثبات لوجود الأجسام. فالفلسفة تؤسس العلوم لأنها تحاول الإجابة عن السؤال :ما الذي تدرسه العلوم؟ فتحاول أن تثبت موضوع العلوم ٬ أي الموضوعات الخارجية. أمر مؤكد أن الموضوعات الخارجية لم توجد حتى الآن. إنها حاضرة في تأملاتي ٬ فعلى الأقل وجودها وجود ممكن ٬ على الأقل في صفتها الهندسية التي يدركها عقلي ٬ ولكن توجد إلى جانب هذا أسباب تؤكد وجود تلك الموضوعات ٬ تلك الموضوعات التي لدي إحساسي بها وأنا أعلم أن قوتي الحاسة هي قوة منفعلة ٬ ولا يمكن أن تستثار وأن تخرج إلى الفعل إلا بفضل قوة خارجية. ثم إنني إذا أرجعت الأفكار التي لدي عن الموضوعات الخارجية إلى فكري أو إلى الله ذاته ٬ فإن من شأن ذلك أن يُناقض ما لدي من شعور بأن فكري ليس هو الذي يُولّد هذه الأفكار ٬ كما يتعارض مع ميلي إلى الاعتقاد بأن هذه الأفكار تصدر عن موضوعات محسوسة. وإذا كان الله غير خادع ولا مضلل فهو لم يبعث فيّ هذا الميل اعتباطا ٬ لذا فإن لتلك الموضوعات وجودا حقيقيا. يقول ديكارت في المبادئ الجزء الثاني:"بالرغم من اقتناعنا اقتناعا كاملا بوجود الأجزاء في العالم ٬ إلا أنه نظرا لأننا شككنا فيها من قبل ٬ ووضعنا وجودها في عداد تلك الأحكام التي كوناها منذ بداية حياتنا ٬ وجب علينا الآن أ ن نبحث عن الأسباب التي تعطينا علما يقينيا بهذا الوجود. إن تجربتنا الداخلية تفيدنا بأن كل ما نحس به صادر من شيء غيرنا ٬ بما أنه ليس في مقدورنا أن نحصل على هذا الإحساس وأن الأمر يتوقف على الشيء الذي يؤثر في حواسنا...وبما أننا نحس وأن حواسنا تدفعنا إلى أن ندرك بإدراك واضح ومتميز مادة ممتدة طولا وعرضا وعمقا ٬ لها أجزاء مختلفة الشكل والحركة ٬ وعنها تصدر إحساساتنا باللون والرائحة والألم وما إلى ذلك ٬ نقول إنه إذا كان الله قد أظهر لنا مباشرة فكرة هذه المادة الممتدة ٬ أو حتى إذا كان قد سمح بصدور هذه الفكرة فيناعن شيء لا امتداد له ولا شكل ولا حركة ٬ لما كان هناك مانع من الاعتقاد بأنه يلذّ له خداعنا ٬ فإننا نتصور هاته المادة شيئا مختلفا عنه الله وعن عقلنا.ويبدو لنا أن فكرتنا عنها تنشأ في النفس بمناسبة أجزاء خارجية تشابهها كل المشابهة ٬ ولما كان الله لا يخدعنا في هذا ٬ لما في هذا من منافاة لطبيعته ٬ وجب علينا أن نستنتج وجود جوهر ممتد طولا وعرضا ٬ جوهر قائم الآن في العالم ٬ وحاصل على كل ما نعرفه له من خصائص.هذا الجوهر هو ما يصح تسميته بالجسم أو جوهر الأشياء المادية. هناك إذن أجسام مادية ٬ وهي تبعث في انطباعات ٬ ولم أكترث الآن لخداعات الحواس وخيالات الأحلام.