العرس ( الأجزاء الأخيرة :13 -14-15- 16 ( كنت تريدين أن تنطلقي ، مع من اختاره الفؤاد، رفيقا في حياتك ، لم تسألي عن شيء معين ، يكفي انه يسمعك كلاما رقيقا، يدل على شدة الهيام، ولوعة القلب المتيم، والعواطف المشبوبة ، كي تجدي راحتك المسلوبة ، وتصلي الى اطمئنانك المفقود ، عندك كل شيء ، يمكن ان يجعل المرء سعيدا ، ولكن أعماقك حزينة بائسة ، لا أنيس، يخفف عنها وحشة الليالي الطويلة ، ولا رفيق يضمك إلى صدره بحنان ، حين يجد دمعاتك الحزينة، تنسكب منهمرة على صدرك المتعطش ، ما شأنك بما يتطلبه الموقف، من أمور لا تؤمنين بها ، أسرتك لم تطلب شيئا ، وتركت لك الحرية كاملة ، لتقرري نوع حياتك القادمة ، ولترسمي مع الشريك المختار، ما تودين أن تكون عليه أيامك وتسير على نهجه لياليك ، لك منزل بسيط، وسيارة تقوم بغرض التوصيل ليست فارهة ، وحساب لا بأس به في المصرف ، وقد جاء لك الحظ باسما مغردا ، قادرا على منحك لحظات، لا تنقطع من الهناء المتواصل ، فهل تطمعين بالمزيد ؟ الم يقولوا أن الكوخ مع الحب، أفضل من القصر المنيف، مع الخلو منه ، توكلي على الله ، وسيري مع أحلامك ، لقد ابتسمت لك الحياة ، وتفتحت أزاهير قلبك وأينعت ، وحان لك أيضا ان تتعلمي المهارة ،في أفانين القول ،التي لا تحسنينها ، فهي مثل البهارات، التي تمنح الطعام لذته ، فيقبل الناس على تناوله برغبة ، وكذلك القول الفني الجميل ، يعطي حياتنا طعما لذيذا ، قادرا على جعل أيامنا باسمة ،وليالينا ناطقة يهنئك الجميع على حسن اختيارك ، يعمل لك أبوك حفلة كبيرة، يدعو لها المعارف والأصدقاء ، ويقوم بما يتطلبه الأمر من تكاليف ، ألست ابنته المحبة ؟، وقد قام برعايتك على أحسن ما تكون الرعاية والاهتمام ، واليوم سعدك ، سيقوم بما يجعلك هانئة، مع من اختاره لك القلب ، وهام به الفؤاد ، افرحي للدنيا، فقد أرتك وجهها الجميل الباسم ، واقبلي على تذوق أيامك اللذيذة، بما تملكين من حرارة ، فكل شيء الى أفول ، وأنعشي لياليك في عشك الجميل، بما حلمت به في أوقات صقيعك الطويل ، كوني متألقة، وأنت تجتازين ليلتك الأولى ، سيطعمك الشهد على يديه الحانيتين ، وتولي الى غير رجعة أيامك الغابرة ، حيث لا رفيق بقربك، ينسيك وعورة الطريق ، ولا مخلوق لطيف ، بجانبك يعرف قدرك ، ويجعلك تري، من الحياة ألوانها المشتهاة ، تدلكين جسدك الرقيق بما تعارف عليه العالمون ، تذهبين الى امهر مصففي الشعر ، ترتدين أجمل ما عندك من ملابس ، قمت بابتياعها من أجود الأنواع ، وتجلسين في منزلك ،تحلمين ان تكون ليلتك كما تشتهين ، رائقة ساحرة، بين أحضان رجل يحسن عذب الكلام ، يحضر المدعوون الى حفلتك البهيجة ، دعاهم أبوك الحبيب ، رغبة منه في إسعادك ، يأتيك رجلك الموعود ، متأنقا يرتدي بدلته ، بغير شكله المعهود ، تصحبه فتيات لا تعرفين منهن واحدة ، بدعوى إنهن صديقات، راغبات في التهنئة ، وانك عزيزة عليهن جميعا ، كما هو أثير في قلوبهن ، ولأنك واثقة من نفسك ، ترحبين بمقدمهن ، السن ضيفات عزيزات في يومك الوحيد ؟، تتوالى الهمسات متعجبة من تصرفك ، ولكنك ساهية ، لم تبددين فرحتك الكبيرة؟ ، وتئدين رغبتك، في الاحتفال بليلتك الأولى؟ ، وتذوق شهدها حتى الثمالة ، تهل الفرحة على أجزاء جسدك المعنى ، تتألق البسمة كبيرة على وجهك ، بعد ان اعتاد التقطيب ، توزعين كلمات الترحيب على الحاضرات ، وتجلسين قرب رجلك ، مستمعة إلى عزف الألحان، وهي تتردد في بهو منزل أبيك ، تتراقص النساء المدعو وات على أنغام الموسيقى الجميلة ، تنظرين بإعجاب ، عل الفرح يصاحبك ، وتغريده السرور تعاشر أيامك الكالحات . ترقص صديقاته متمايلات، بغنج يثير الاستغراب ، في جو منزل أبيك ، تنظرين إليهن، ورجلك المقبل يرنو اليهن ، تملؤك الثقة بنفسك ، ألست من اختارها الفؤاد المتيم، لتكون شريكة حياة ، فما شأنك ان أثارت إحداهن سوء التصرف في هذه الليلة الموعودة ؟...... أين المفر ؟ ها هي الليلة التي رغب في تأخيرها ، تأتيه رغما عنه ، كيف يمكنه التصرف فيها ، وهو لم يعهد مثلها طيلة عمره ، كل ما فعله من جري خلف النساء الجميلات ، كان مجرد لهو حلو، أراد أن يسبغ على حياته معنى جميلا ، سأل أمه ، ضحكت وأخبرته ان مخاوفه طبيعية ، سرعان ما يحسن العمل، حين يجد نفسه معها وحيدين ، وماذا يفعل مع الحياء الذي يغلف حياته ـ ويجعلنه لا يحسن شيئا جادا ، يتجرع قنانيه المعتادة من الخمر ، ساعيا الى إشعال مهجته الباردة ، ولكن عبثا ، يزول مفعول الشراب وكأنه ماء ، تتشربه مسامه ، أي مخلوق ظامئ هو ، فاشل بامتياز ، مغلق على نفسه ينشد الخلاص ،على يدين لاهيتين لم تجرب صاحبتهما شيئا ، يكرع راحا بشكل ، لم يفعله من قبل ، على كثرة سكره ومجونه ، ولكن عقله كالصخرة الجلدة ، لا تشي أن تغييرا، استطاعت خمرته ان تحدثه في نفسه المنغلقة ، هل يحدثها عن متاعبه ؟ وينشد منها المعونة ؟ وكيف يفعل وهي أكثر جهلا منه بهذه الأمور ، ولعلها لم تفارق عهد الطفولة بعد ، رغم ما يبديه حديثها ،من نضج لم تبله حوادث الحياة ، وشتان بين نظرية وتطبيق ,، تنظر إليه ساهمة ، هل يدعوها إلى كأس من شرابه الخائب المفعول ، علها تكون البادئة في الانقضاض، واخذ لحظة المبادرة ، كيف يرضيه هذا ؟، وهو يجب أن يقوم بواجبه خير قيام ، وخصوصا هذه الليلة ، التي ينتظره فيها الأصدقاء لتهنئته ، والأعداء ليطيلوا ضحكهم المتواصل ،على خيبته التي لا مثيل لها في عالم البشر ، والتي يسعى بكل إصرار الى زيادتها، وجعلها تراكمية ، أي مخلوق هو ؟ ، ، يجد نفسه يائسا ، لا قدرة له، على اخذ زمام المبادرة ، التي يقوم بها الرجال عادة، في الليالي الأولى ، و رغم محاولاته المتكررة ، لجلب الحماسة الى نفسه المكدودة ، الا انه يحس جسده صخرة يابسة لا قدرة فيها على الحركة ، كيف يتصرف الرجل في مثل هذه المواقف ؟ وهل انه عديم الجدوى؟ ، فاقد الأهلية ، وكيف ينقذ نفسه، من هذا المطب الذي أوقعها فيه ؟ يعرف عجزه ، لم يبالغ يوما في تصوير قدرة ، لا وجود لها ، جسده خشبة يابسة ، وعضوه ميت ، قد شبع هزيمة ، ولم يشهد له حياة ، لهذا حاول أن يرسم صورة له، متناقضة مع حقيقته ، في معاشرة النساء ، لم يشك احدهم به لحظة ، وكثيرا ما ادعى انه يحب الفضيلة ، ويمقت الرذيلة ولا يقربها ، مهما كانت المغريات شديدة عليه ، صديقاته كن كثيرات ، يضحكون، ويتبادلون النكات وينقلون القصص ، ويخرجون لمشاهدة الأفلام الجميلة ، وتروي كل واحدة منهن قصة حياتها ، ومن تعجب به من بين أصدقائه الكثيرين ، يساءل النفس ، كيف تنصرف جميعهن ،عن وداده ،لقد أكثر الخروج معهن والجلوس ،ويعرف ما تخبئه الواحدة منهن، في خزانة مغلقة من الأسرار ، لا يعلم عنها الا هو وصاحبتها ، التي تصمم دائما،على إخباره بما يجد من أمورها ، ناشدة النصيحة لحسن التصرف ، وكأنه اعلم بما يجب ان يقوم به الإنسان ، يتفتت كبده من ازورار البنات الصديقات، عنه وعني حبه ، نظم في غرامهن العديد من القصائد ، ودبج في محبتهن الكثير من الأشعار ، نالت استحسان السامعين والسامعات ، و لم تحرك ساكنا من قلوب الحسناوات ، ولا رغبت إحداهن ان تقف بجانبه ، مصدقة بما أعلنه لها، من صدق الود وحرارة الحب ولوعة الهوى ، وحين يخرج معها ، متمشين ، في الشوارع ، متفرجين على بعض الأفلام ، لا تتصرف أي واحدة منهن، تصرف العاشقة المتيمة ، بل تكون معه أختا ، تحرص على إخباره بكل خلجات قلبها ، التي خبأتها لها الأيام ، وكان عند الحديث مع الأصدقاء ،عن الحب والغرام يكذب باستمرار ، وعلى كثرة ما يردد انه يحب الفضيلة ، وسوف يقدم على الزواج ،من فتاة لا ماض لها ، لم يرها رجل ، احترمه الجميع ، وامن بصدقه النساء قبل الرجال ، حتى جاءت اللحظة الرهيبة ، وها انه يقف أمام عجزه الرهيب ، وجها لوجه ، كيف يمكنه ان يخفيه عن الأعين ، يتظاهر بغير ما به ، وماذا يفعل للمخلوقة ، التي شاء سوء طالعها ، ان ترتبط به ، هل يقول لها انه لا يحبها ، ويجعلها تطلب الطلاق في هذه الليلة الليلاء ، هل يخبرها انه لا يمكن ان يفعل لها شيئا ، وكيف يكون موقفها منه ، وماذا يقول الأهل والأصدقاء، والناس أجمعون؟ ، هل يذكر لها الحقيقة؟ ويطلب منها عدم نشرها في العالمين ، إنها نبيلة الخلق وسوف تلبي الطلب ، ولكن هذه اللحظة اللعينة، كيف يتأتى له الخروج منها ، بأدنى الهزائم ، وأقل الإخفاقات؟ ، كم حاول أن يؤخر المواجهة ، كان على يقين تام ،انه لا يحسن المبادرات ، وان زمن التظاهر بغير الحقيقة قد ولى ، وان له أن يظهر ما حاول إخفاءه ، طيلة ما مر به من سنين ، وهي ليست قليلة ،يصرخ بها ، كي تأخذ زمام المبادرة ، هو الصعلوك الأثيم ، تتفاجأ من صرخته ، وترتسم على محياها الجميل علائم الدهشة ، ولكن ماذا بمقدورها ان تفعل له، وهو جليد أزلي قد راكمته السنون ، تجمع من خيبات متلاحقة ، مرت في حياته منذ الصغر، وحتى لحظة العرس ، من يمكن ان ينقذذه من هذا المطب ؟، ويحرره من قيده، الذي وضع فيه نفسه ،بمحض إرادته ، الا يوجد من ينجده من هذا المصاب ؟هل يدق الباب الآن ، ام يرن الهاتف ، ليرسم له طريق الخلاص ، من وهدته اللعينة ، ويميط عنه متاعبه ـ يعاود الصراخ : -تقدمي يا امرأة ، الا تؤمنين بالمساواة ؟ تفغر فاها ، ولكن الحياء الذي اتصفت به، يمنعها ان ترد عليه بمثل خشونته ، تكتفي بالنظر إليه ، هل بدأت شعورها بالندم ؟ أم إنها كنساء بلاده الأخريات لا تحسن الثورة ، وتظل متمسكة بمن يريها الذل والهوان، معتبرة إياه سوء طالع ، ولكن ماذا يفعل هو في هذه اللحظة ، ؟ يخشى من سؤال يطرح عليها ،فتجيب عنه بصراحتها المعهودة ، فهي لم تعرف الكذب يحاول ان يكون أكثر رقة ، رغم ان الصفة هذه قد هجرته ، هذه اللحظة ، يصنع لها كأسا ،من شراب قليل المفعول ، لأنها لم تكن تعرف، كيف يشرب الناس ؟ حياتها آمنة ، وأسرتها سعيدة ، وهي مستجابة الرغبات كأي ابنة صالحة يفاجئه أنها تشرع في ارتشاف قطراته ، رغبة في إرضائه ، أي مخلوقة هذه ؟ تود الشرب، لا لأنها تريد،بل لإرضاء آخر ، لم تجد منه طيبا ، اللعنة على النساء جميعهن ، لا يعرفهن ، ولا يريد ان يعلم عنهن شيئا ، - أمي أين أنت ؟ تعالي أنقذيني من هذه الورطة، التي رضيت ان أضع نفسي فيها ولكن ماباله حزين ، لا يعرف كيف يتصرف ؟ لماذا تختلف هذه المخلوقة عن الذين كان يعاشرهم ، ليكن ما يريد ، وعليها طاعته يشرع في عملية خلع ملابسه ، تقتدي به ، يحدث نفسه بذعر : ( تعطل طاقتي ، اشعر بالبرودة القاتلة تطوقني ، ليست هذه المخلوقة من كنت اطمح إليها ، ولم احلم طوال عمري بإحدى النساء ، اضحك معهن وأتكلم عن أي موضوع، يثير فيهن الإعجاب بشخصي ، واروي النكات التي تجعل السامع يموت ضحكا وبهجة ، ولكن معاشرة النساء ؟ اللعنة عليهن جميعا ، كيف يستطيعون ؟ لم أجد وضعا يساعدني ، كيف آتي أمرا لا أحبه ، لتذهب هي، وأمثالها جميعا الى الشيطان ، مالي وهذا اليوم ، أرعبتني فكرة ان أظل مع إنسان واحد، طيلة عمري ، ولكن التفكير في هذا الأمر استغرق الكثير من الوقت ، كيف أظل بعيدا عن الناس ، وخاصة النساء ، وانا تستهويني ضحكاتهن الطويلة الرقراقة ، ومن يمكنه ان يعتني بي ، ويقوم بالسهر علي أثناء حياتي القادمة ، هل أظل مع أمي ؟ وأخواتي جميعهن ، ذهبن الى دور أزواجهن ، وبقيت أنا وحدي، أتمتع بتدليل أمي ورعايتها ، ولم استطع أن اخبرها، انني لا أجد رغبة ،في العيش مع امرأة واحدة ،تظل بالقرب مني ، ولا يمكنني الفكاك منها ماحييت ، وحين وجدت ضالتي ،امرأة مدللة جميلة يقولون عنها غنية ، نصحني بعض الأصدقاء ان أحبها ، او ابدي ذلك ، فهي المناسبة لي ، ويمكنها ان تنقذني من سنين الغربة ،التي عشتها ، ولم تعرف أمي ما يلم بي ويجعل حياتي بائسة تعيسة ، والليلة حلت اللعنة التي كنت أؤجلها ، وهذه المخلوقة التعيسة تحاول ان تقلدني ، وتخلع ملابسها كما افعل أنا ، ليكن سوف أرغمها على الإتيان بما أريد ، وإلا انقلبت حياتها جحيما ، أنا الرجل هنا وعليها طاعتي ، وهل أنا رجل حقا ؟ وقد كانوا يفعلون بي الأفاعيل ، ولكن من يمكنه ان يعرف ؟ سوف أتظاهر بالعكس ، وادعي إنني الفاعل ، وان غيري من الغلمان مفعول به ، واطلب منها أن تقوم بالدور ، واعتقد جازما إنها لا ترضى ، وكيف يمكن لامرأة مثقفة عاملة ،ان تقبل بما سوف أعرضه عليها ، وسوف أنقذ نفسي ، من الوضع البائس الذي وضعته فيها ، ان يكون المرء فاعلا ، أفضل بكثير برأي المجتمع ، من كونه يفعل به أيا لبؤسي ، وانعدام حيلتي ، لماذا استمعت إلى نصيحتهم بالاقتران من هذه المخلوقة ، التي عملت كل شيء، من اجل ان تتمتع بهذه اللحظة ، ولم ابدي تعاونا معها في كل ما فعلته ، جهزت المنزل لوحدها ، واشترت الأثاث، ولم أجد نفسي مذنبا ، في هذا الوضع ، فأهلي أناس فقراء ، وهم بحاجة الى معونتي ، وليس بمقدوري ان أتنصل من واجبي ، وزوجتي هذه تعرف حالتي جيدا ، ولا أظنها تمانع ، فعلي ان اقوم بواجبي المفروض علي في هذه الليلة واجعلها تطيعني ، علي ان احدد قوتي واثبت رجولتي ، وان ادعي أنني كنت أفضّل الغلمان أكثر ، فلا بأس ان اتخذ من زوجتي هذه ما يحلو لي ويبهجني ، وسوف تأبى أن تقوم بما اطلبه منها ، ولكن هل تطلب الطلاق ، وهي من احبتني ، ولم اتقدم لخطبتها ، أرادت زواجا متقدما ، وها إنها حصلت علي...... لا يمكن ان نجلب الحب بالإكراه ، أرى المخلوقين العزيزين ،وقد أرهقتهما المتاعب واستبد بهما القلق ، أعياهما العثور على الحب المنشود ، وراحت أيامهما تمضي كالحة السواد ، لا ومضات من البهجة ،تمنح أوقاتهما الألق المبتغى ، ولا إضفائي الصفات الرائعة على كليهما ، يفيد شيئا في اسباغ بعض الحبور ، ما عادت محاولاتي العديدة، في إرواء النبتة ،التي غرستها في صحراء حياتهما تجدي نفعا ، عيونهما تعبر عن فشل ذريع ، وخيبة متلاحقة ، وشعور بالبرد أزلي لا برأ منه ، الاثنان يبتسمان للدنيا بإصرار منقطع النظير ، ولكن محاولاتي الخائبة في الجمع بينهما، في رباط سحري دائم ، لم تأت أكلها ، فمضت جهودي خائرة ، سميرة تمشي ، وكأنها زادت من العمر أعواما ، واحمد يفتعل السرور، بضحكات متوالية قد لا تعني الا اللامبالاة ، رغبت في تقديم الحبور، في طبق من ذهب لقلبين متعبين ، لم تقدم لهما الحياة ما كانا يرومان ، ومضت أيامهما عديمة الجدوى، خالية من الدفء المحبوب ، سألني بعض الأذكياء ، -ما دمت معجبة بأحمد لماذا لم تأخذيه لنفسك ؟ يعييني الجواب ، انه أخي ، ومهما شعرت نحوه بالاحترام العميق ، الا إنني على رغم صداقتي المتينة معه ، لم أتمن منه ذلك الشعور، الأخاذ بالجمال ، حين يحملنا إحساسنا ،على بساط سحري، ينتقل بنا في السموات والأرض ، أي قدرة على التحليق في دنيا خالية، من المسرات والطعم اللذيذ ، هل العيب فينا ؟ لقد نشأنا على أن كل شيء، عسير المنال بعيد التنفيذ ، حتى الشعور بالحب ، حين يأتي فجأة، ليقرع بابنا الموصد ، نتظاهر أننا لا نسمع النداء ، أي جيل من مساكين نحن ؟ مجبول من الانهزامات، وأمراض الروح المتعطشة الى العاطفة الموءودة ، وجدت خيبات روحي المتلاحقة ، لا أمل في الشفاء لها ، فعملت جهدي لتجنيب صديقتي الحبيبة ،ما تعانيه من أسقام متضخمة ومن انطفاء كبير. فكرت لماذا لا يسعى صديقاي، الى قلع البذرة التي غرستها، في المكان الخطأ ، ولكنهما مضيا ينفذان ما رسمته لهما ، وكـأنهما كانا يرجوان ان يقتلعا كل أمل في إحياء شتلة المحبة ،من أعماقهما المتعطشة الى الإرواء ،والتي ضلت سبيلها ، في صحراء شاسعة من الأحلام المبددة، والأهداف التي لم تبصر النور ، فماتت قهرا واغترابا لم اقرب الخمرة حياتي كلها ، عرفت انه بغافرها، لياليه المسهدة ، فآثرت ان أتقن شربها ، كانت لي صديقة ، خبرتها عن أمري ، وإنباتها يرغبني بحضور جلسة من الشراب ، وإتقان تلك المراسيم ، التي شهدتها ، عدة مرات ،لكني لم أعشها ـ وأحàببت ان أشارك زوجي المفترض ، ما كان يحبه ، رحبت صديقتي باقتراحي ، ومضت تهيئ ما كنت أروم ،على مزاجها ، وفعلا ، ذهبنا أنا وهي الى إحدى المنازل الجميلة ، الني يتمتع بها الرجال بكل شيء ، وتقوم النساء بما يراد منهن، من أعمال ، ألسن جمعنا تابعات؟ ، نقوم بما يقوم به الرجل عادة ، ونقلد ما يقترف من أعمال ، ولماذا نطلق عليها هذه التسمية؟ ، أليس التجريب نواع من الأعمال، يقدم عليه الناس بحرية مطلقة ، دعتني صديقتي الوفية ، الى حفلة شراب ، مع احد من أقاربها ، هالني انه يعرف عني كل شيء ، وانه متابع جيد لأنبائي ، الحزينة منها والمفرحة ، وتلك التي اعتاد الناس، ان يضعوا بقربها ألوان شتى من البهارات ، التي تسر النفس ، وتبهج الفؤاد ، كان قريب صديقتي قد هيأ المائدة ، بما لذ وطاب ، من ألون عديدة من الطعام ، ومختلف المازات وأصناف من المشروبات ، لم اعرف ما أسماؤها؟ قبل صباحي هذا ، اذ كانت الدعوة في الصباح ، ليس المبكر ، ولكن في تمام الساعة العاشرة ، منه ، هيأ قريب صديقتي المائدة بألوان مختلفة من الشراب ، كنت اعرف اسمه فقط ، لقد صممت على ان أجيد المهارات، التي يتقنها ، من عزمت على الاقتران به ، وان كان يحسن ليالي السمر حتى الصباح الباكر ، ويغني للعندليب المهاجر ، اغني جميلة تدعوه الى العودة ، قبل ان يأفل العمر ، وتولي شمسه الساطعة ، ويذهب كل شيء راحلا ، عن دنيا الناس الى غير رجعة ، هالني الاستعداد الفخم ، الذي هيئوا به تلك الجلسة البريئة التي ، سرقت نفسي فيها من لؤم المراقبات، التي ما انفكت ، تحيطني بسوارها المتين ، ألوان من الشراب ، قد هيأها قريب صديقتي ، الذي لم أتعرف إليه قبل هذه الجلسة ،وجدته كثير المعرفة عن شؤوني ، خيل إلي ان الجلسة، قد رتبت من اجلي أنا ، تابع قريب صديقتي أمورا عديدة ، حدثت في عهد مضى ، وكنت اطمح ان يمضي دون الوقت،دون أن أتلقى كثير ا من الاستفسارات ، التي لا اعرف كيف أجيب عنها ، بما يرضي جميع الأطراف ، شربنا الكأس الأول في صحتنا ، وصحة لقائنا الذي جرى ، من غير تصميم ، وشربت أنا لأول مرة ، فوجئت إنني رأيت صديقتي ، منهوكة القوى ، مزعزعة اليقين ، تبكي وتسيل منها الدموع ، انهارا عظيمة التأثير ، نقلها قريبها الى مكان اخر ، وعاد ليستأنف جلسته معي ، منبئا إياي انه يعرف كل شيء عني ، أيقنت أن هذه الأساليب ليست قادرة على إبعاد صفة الاتزان عني ، فحاولت ان أتحدث معه ، لأريه ان ليس كل ما يقوله الآخرون حقيقة لا جدال فيها ’ خرجت من الغرفة ، التي وضع عليها قناني الشراب المختلفة ، وأنواعا من المازة ، يسيل لها اللعاب ، وجدت في الحديقة مجموعة من النساء ، أخذت اسلم عليهن الواحدة تلو الأخرى ، وأنا شبة منبهرة ، بما أضافه لي المكان من مشاعر ، ليس لي عهد بها ، رأيت زوجة المضيف ،رقيقة رائعة الجمال ، وعجبت إنها لم تجلس معنا ، وكانت خارج اللعبة ، التي وجدت زوجها يلعبها ، طوال الوقت ، صافحت النساء العديدات ، في الحديقة معربة عن إعجابي الشديد ، بهن ، لم آلف هذه التجمعات ، وبقيت طوال عمري ، لا أجيد ، لا الأقوال الجاهزة ، وترديد الرؤى ووجهات النظر ، التي سبقني الآخرون إليها ، أقدمت على هذه الجلسة حين عرفت ، ان الشخص الذي سوف يصبح شريكي في الحياة ، لا هم له الا معاقرة الخمرة ، والإتيان بما لا يتوافق مع العقائد، التي استقرت في داخلي وكأنها قوانين ، لابد من إتباعها ، تذكرت تلك الجلسة ، حين رايته وقد هيا الأقداح والقناني ، فكرت أنني يجب ان أشاركه الفرحة هذه الليلة فقط ، لتكون كما حلمت بها حارة زاهية ، ولان تلك الجلسة الاولى ، قد مضى عليها زمن طويل أنستني اصول الشرب ، التي تعارف عليها محبو تناول الخمور ، فقد أصبحت سكرى منذ القطرات الأولى ، وجدت نفسي هائمة على وجهي ، لا أعرف ماذا يراد مني بالضبط ، كنت اسمع النساء يتحدثن عن أزواجهن بذلك الحب الكبير ، والرغبة تتقد في عيونهن الجميلة ، لكني لم أر رغبة في عينيه ، أقنعت نفسي انه ربما لا يعبر، عن خلجاته بسهولة ، توقعت انه يبدأ في مغازلتي أولا ، كي يطلق العنان لعاطفته الجياشة، معلنة عن نفسها بحرية ، اخذ يكرع الكؤوس واحدا بعد الآخر ، ولا أجد تغييرا في تصرفه ، وكأنه لا يراني امرأة ، في كامل زينتها في أول ليلة لها ، صرخ بي بقسوة، طالبا ان اعلمه مبادئ الليلة الأولى ، وحين أجبته : إنني لا أعرف ، لأنني لم أشاهد شيئا ،مثل هذا في حياتي ، وان جميع قصص الأحبة والأقرباء والأصدقاء التي سمعتها ، لم يطلب من الفتيات ان يقمن بالجولة الأولى ، كما ان الكتب التي قرأتها ، لم يقم الرجال فيها بالطلب، من نسائهم ان يتبادلن الأدوار معهم ، ويمكن ان يحدث هذا التبديل في الأيام القادمة ، أما الليلة الأولى ، فمن المستحيل جدا، ان يحدث الذي حدث معي ، كنت اعرف انه ميال الى الفكاهة ، ولكن ان تكون فكاهته سمجة ، قليلة الحياة ، عدية الأدب ، فاقدة للعقل، ومنذ الوهلة الأولى ، فلم يخطر بعقلي أبدا ، بقيت ساكنة انظر إلى ما يقوم به من تصرفات غريبة ، لم أكن أظن يوما ،ان مخلوق عاقل ، يمكن ان يقوم بها ، وإلا ما وقعت في حبه عند قوله كلمة شعرت إنني غريبة ، ولست في المكان اللائق بي، كامرأة تنتقل من حياة الى أخرى مناقضة ، وكنت أتمنى ان اخرج من هذا المطب ، بسرعة ولكن كيف؟ وما الذي بمقدوري ان افعل ؟ ؟ وماذا أقول للناس ؟ لا أريد الإساءة لأحد أبدا ، وليس في استطاعتي ، ان اجلب الفضيحة لمخلوق ، وخاصة لمن كنت أتوهم، أني أحبه ، الغريب ان مشاعري المتوهجة نحوه ، قد غابت عني تلك اللحظات ، وكأنها قد تبخرت ، أحسست بمشاعر متناقضة من الشفقة ، وصعب علي هذا المخلوق ، ولم أفكر في نفسي ، وعرفت إنني سوف أظل هكذا ، وكما كنت في منزل أبي ، وانه علي ألا اخبر امرءاا بما يجري ، وان التغيير الواجب ليس من أحلامي. كنت أفكر بوضعي ، حين شرع يخلع ملابسه ، فكرت انه ربما اجتهد كي يقوم بدوره خير قيام ، فقمت مقلدة إياه ، ولكنه قال لي وبوقاحة لم أكن أتوقع انه قادر عليها -انظري يا ابنة الناس ، واسمعي جيدا ، لا أحب النساء أبدا ، واجدهن مخلوقات تافهات ، يجرين خلف الكلمات البراقة ، متناسيات الحقيقة ، أحب الغلمان ، ويمكن ان تلعبي معي دور غلام جميل. ارتعب من الفكرة ، ، أيمزح في هذه الليلة ، ما باله ، ماذا أصابه ، وكأنه مخلوق آخر ، يكرر طلبه مؤكدا: أريدك غلاما جميلا يا امرأة ، أنت رقيقة كالغلمان. انظر إليه مستطلعة ، أجده جادا ، لم اعد قادرة على معرفة ما يريد مني، يصرخ ضاحكا ، وقد أعجبه هلعي، واستشاط بهجة، لإثارة أعصابي ، واخذ يقفز من مكان آخر ، محاولا ان يديم ضحكه ، ومواصلا فرحه وشعوره بالانتصارعلى: تعييني الكلمات ، ولا أجد ما يمكن ان يعبر عن شدة هلعي ، ومدى حزني في هذه الليلة الليلاء ، حيث لا بدر يخفف وعورة الظلام ، ولا قمر ينسيك ضوؤه ،ما عانيت طول اليوم من تعب وكأني في مفترق ، لا اعرف الوجهة ، التي علي اتخاذها ، والطرق كثيرة من حولي وأنا تائهة ، لم يتحدد طريقي الصائب بعد ، أيمكن ان يكون مازحا في هذه الليلة ، التي ابتعد عني فيها الخلان ، ورحل الأصحاب وودعني الأقارب ، متمنين لي السعادة والهناء ، هل يمكن ان يكون جادا ، فيما عرضه من أمر ؟ وأنا لم أجرب احد الأمرين ، ومضت حياتي يبابا قاحلة ، ؟ هل اهرب من المنزل ، كما تفعل النساء الغاضبات، في مثل هذا الموقف ؟ وأنا لم اشهد موقفا محددا ، وكيف اهرب و هذا المنزل لي ، ابتعته بعرق عملي وجهاد فكري ؟ كيف اهرب من أول معركة ، وجدتها في طريقي ؟ وهذا الذي كنت أظن أنني وقعت في غرامه ؟ ماذا يمكن ان افعل معه ؟ وكيف أتصرف ؟ وأنا أراه مخلوقا ، لا يحسن شيئا الا الصراخ ، قد أخذت لهذه الليلة استعدادها ، وارتديت أجمل ما عندي ، وتعطرت وتزينت ، وهنأني الأصحاب والمعارف ، متوقعين لي حياة تسر الألباب ، وكيف يمكنهم ان يعرفوا إنني ،كتبت على نفسي الترمل ، في بداية حياتي ، وان من حلمت أن يسقيني الشهد ، في أول أيامي ، جرعني مرارة العلقم ، اسودت الدنيا أمامي ، وأظلمت ليالي ، وأصبحت احلم بالفرار ، من هذا الموقف العصيب ، كل أيامي ذهبت سدى ، وكتب علي ان أتذوق الحنظل ، والناس ينظرون لي مهنئين ، وكأني أحيا في جنان الفردوس ، لقد طال صومي ، وحين رغبت بالإفطار ، اخترت البصلة ، بكامل إرادتي ، يا شماتة الأعداء بي ، أحب أبي أن ينصحني ، وحين لاحظ عزيمتي ،على الاقتران بهذا الشخص ، تمنى لي السعادة ورحل مودعا ، انظر الى من قرر وأد هنائي ، وإذاقتي المر حتى ثمالته ، اراه يضحك متصنعا السعادة ، ويسمعني كلماته التي تتساقط علي كأفواه الجحيم ، الشياطين تعزف أنشودة البغض ، في ليلتي الأولى ، وأنا أتلوى ، وكأن مردة استولت على إرادتي ، فسلبتني قوة الاحتمال ، والقدرة على الوضوح ، و أخذت ارسم ابتسامة البلهاء على وجهي ، راغبة ان اغرس شتلات السعادة ، في ارض لم تعتد عليها ، وان امثل في مسرح اللامعقول، وهو قد تفوه بكلمات لم اسمع بمثلها ، وأرعد وأزبد ، وحين وجدني مخلوقة صماء ، تركني ملتاعة ، واتصل بصديقته المقربة ، ينبئها ما ألم بي ، وما استطاع ان يوقعه في من هزائم كالحة. استمع الى ضحكاته المتواصلة ، وأدرك انه مصر تماما ،على الإيقاع بي ، وجعلي أضحوكة ، يتسامر بها الناس ، فأنادي قوتي الغائبة ، ومقدرتي الآفلة ان ترأفا بي، وتحنا على ضعفي ، وتأخذاني الى جادة الصواب، بعد ان أدركت ان التعب أعياني، والشعور بالهزيمة بدد قوتي
|