قراءة في المجموعة الثانية للشاعر صابر الفيتوري قصائد مفتوحة تعتمد على القدرة التحليلية للقارئ العربي
صدرت عن مجلة المؤتمر الليبية ، المجموعة الشعرية الثانية للشاعر الليبي ( صابر الفيتوري) بعد مجموعته الشعرية الأولى ( لطم لتاريخ الأمواج).... المجموعة الجديدة ، في 88 صفحة من الحجم المتوسط ، تحتوي على ستة عشر نصا. أهدى الشاعر مجموعته الشعرية هذه الى ( من صعب عليهم تجاوز العتبة) ، فأية عتبة يعني الشاعر الفيتوري ، هل عتبة النفس الإنساني،ة التي تميز الفرد الواحد عن الآخر؟ ، وهل يعني ( تجاوز العتبة ) ما هو خارج هذه النفس الجياشة بالعواطف المتصارعة ، والمشاعر المضطربة ، التي لا يمكن فهم ما يجول داخلها ، من يم هائج ، وبحر مصطحب ، ونفس لا يسكن الغوص في أوراها الملتهب ؟ قدم للمجموعة ، الأديب الناقد عبد النور إدريس : ب(أنها قصائد تنبعث من الداخل) ، وان الشاعر نجح في أن يجدد في الطريقة الشعرية ، التي كانت سائدة ، تهيمن على الجو الشعري ،كما استطاع ان يخرج على علامات الترقيم ، ويرى عبد النور إن القصائد هذه ، (تمثل قفزة نوعية) ، وللشاعر اهتمامات أخرى ، بالإضافة الى الشعر ، فهو يكتب النقد والمقالة ، وأجرى العديد من الحوارات ، مع شعراء وقصاصين ، مبدعين في العالم العربي ، كما انه يزاول مهنة البحث عن المتاعب ( الصحافة)، فهو مدير مجلة ( الفضاء الالكترونية) التي تتميز بالمواضع الجادة ، يرحب بالكتابة فيها كبار المبدعين باللغة العربية تتعدد التأويلات ، التي يستخلصها قارئ هذه المجموعة الشعرية ، التي تتميز بجمال ألفاظها ، وقد تتباين تلك التأويلات ، تباينا شديدا حسب اختلاف الرؤى الفكرية ، التي يحملها القراء المختلفون ، والشاعر الفيتوري شاعر ملتزم ، يمضه كثيرا جراح الوطن العربي العسيرة على البرء ، ومعاناة وطنه الصغير ليبيا ، الذي أضحى بعد مواصلة اجتراح الهموم ، عجوزا تركض: أي الشعوب العربية استطاعت ان تترك أثرا ، على شواطئ الذاكرة المنسية ؟ يكثر الرمز ، ويظهر كرم الشاعر في استخدامه ، مما يجعل صوره الجميلة ، لا تعطي نفسها بسهولة ، للوهلة الأولى ، فالليل الأسود المظلم السواد ، يتغنى بالتوعك المختبئ ويبسط خريف الرمز ، ويستخدم الشاعر الأضداد بكثرة ( المخبوء ويبسط،،، الصمت ونحنحة ،، الحياة والموت ،، الليل والفجر): يحنو على نجم الأرض في يباسه ;نلاحظ هذه البراعة في استعمال الأضداد ، في قصيدته ( ترنيمة الحب والموت) فالحب باعتباره حياة دائمة ، وميلاد جديد ، يقرنه الشاعر هنا بالموت الذي هو نهاية الأشياء ، و فناء المعاني ودفن العواطف ، فأحلام الشاعر بالابتعاد عن المجاملات ، يجعله يخاطب الموت ، معلنا عن رغبته تلك ، وإلا حكم على الموت ، بموت آخر يحقق فيه ذاته يتحدث الشاعر في قصيدته ( جثة مطعونة بالقبل) عن مئات الرغبات اليسيرة ، التي تراود فكر الإنسان ، وتحيى مع نبضه ، لكنه يصطدم بمئات من العقبات التي تعترض الطريق ، جاعلة حياته مرة المذاق ، وطريقة وعرة المسير : تصحبك السماء المتسربلة بالذكرى ووجه أحمر والاسمنت مشتعل والحلم حدث ترتطم أحذيتك بالجدران لجرس خلف مئذنة ورغم مشقة الحياة ،وعسر تحقيق رغباتنا اليسيرة فيها ، إلا إننا ما نلبث أن نعيد الألق لأحلامنا الصرعى ، ونعيد إليها التوهج المفقود: في واقع مظلم ، يسوده ظلام ، مترامي الأطراف ، يعيشه المرء ، ولا يرضى بمفارقته ، تتحول الأشياء إلى أضدادها ، الليل يصير حبا ، يمكن أن يتحول الليل إلى حب ، فكيف يمكن ان نسمي القلق نورا ؟ إنها رغبة بتوافق الأضداد مع بعضها ، أو تحول الأشياء الى نقيضها ، حلم بدونه ، تغدو الحياة قاحلة ، عديمة الخضرة ، خالية من النبات ، الذي يحول الجفاف إلى دفء جميل ,، ما ضر لو لعبنا بالصباح؟ ، أكثر مما يمكن اللعب بحلمة دمية ، ما ضر لو حققنا عمل ما نريد؟ ، لو تخيلنا ان حلمنا المتواصل صار حقيقة ، فسر في عالم الأحياء ، واقتبس لك نجمة ، من نجومه المتلألئة ، فما الفرق بين نجمتك تلك وبين الخرافة ، التي تسعى إليها دائبا ، فإذا الحقيقة والخرافة سيان : الصور الوحشية تنزل عن الحائط العب بالصباح كما لم تلعب بحلمة دمية يحاول الإنسان أن يحصل على الأشياء الهينة ، التي تشغله دائما ، ويروم الوصول إليها ، ولكن لان زمننا تعس ، ولان أيدينا مكبلة ، فإننا نحاول طويلا ان نرتق ثقوب ذاكرتنا ، وتلك التي أحدثها الزمن ، في خيوط الشمس ، فقطعها ، يحاول رتقها ، كي يدخل من خرم الإبرة ، وأن يجعل رحيله ،عن هذا العالم المصدع ملاذا ، هذا العالم مصنوع من ورق المبدعين ، وما يسطرونه فوقه من شبقهم وجراحاتهم : وخيوط الشمس لأدخل في خرم الإبرة أحاول أن اجعل الرحيل ملاذا لكي أهرع فوق الورق بكل شبقي التاريخي يستمر وجع الإنسان ، وتعايشه مع الألم والضياع ،وهيمنة القسوة ، نسمع تراتيل دائمة للوجع ، منذ زمن الطفولة المحمل بالانهزام ، يستقر وجعنا الكبير ، في دفاتر الأطفال ، نجد في العيون رغبة في الانقضاض ،يقابلها حب في الموت حتمي ، وفي ظل انهيارنا الدائم ، نستمع الى صوت العود ، مغردا شجيا ، يلبس أجسادنا ، ثياب الضياع المستديم ، ويخنق أحلامن ، في التمتع بجمال الأمسيات المؤود ، والسبات يحتل شوارعنا ، شارع خلف شارع ثياب الضياع يخنق جمال الأمسيات في زمن الفجيعة والانكسارات ، انقلب كل شيء ضد حقيقته ، ، أشياؤنا تتفتت ، ولم تعد قادرة ، على تضميد غياهب جراحاتنا ،المنطلقة باستمرار ، قد نستطع ان نرفل شروح النفس المنبعثة ، من فقدان الحنين ، ويمكن ان نعثر على تبرير مقنع لموسيقى الجسد ، ونظل تمثالين غامضي المعنى ،مجهولي الدلالات،( رذاذ بنكهة الفاكهة) يا لعبة القائمين على الهوى أشياؤنا التي لم تعد تضمد غياهب جراحنا نستطيع ان نرفل شرخا في الحنين قصائد جميلة ، ذات معان مبتكرة ، تغري بمتابعة القراءة ، والغوص في تأويل الدلالات ، تدل على تمكن الشاعر، من أدواته الفنية ، ومن القدرة على انتقاء الألفاظ الموحية ، علما إن الشاعر الليبي ( صابر الفيتو ري) تخصص في الأدب الانجليزي ، قد أضاف اطلاعه على الآداب الأوربية الحديثة ، مهارة كبيرة ، بدت جلية في هذه النصوص. قاصة وناقدة عراقية مقيمة بالمغرب |