أغادر البيت حاملا محفظتي الصغيرة، وأنخرط في الزقاق الطويل المعرج على
ساحة الخبازة، ثم منه إلى زقاق كنيدي المتقاطع مع شارع محمد الخامس، وبعده
أنحدر إلى ساحة مولاي يوسف لأنعطف على اليمين قاصدا مدرسة التقدم المتكئة
بظهرها على ضفة نهر سبو التي لايفصلها عنها سوى طريق صغير تآكل زفته
لكثرة مرور شاحنات النقل الثقيلة باستمرار، والتي كانت تتجنب المرور بشارع محمد الخامس وسط المدينة تجنبا للزحام، ولمضايقات شرطة المرور...
أطفال المدارس يملأون الطرقات باتجاه مدارس مختلفة، والكثير من العمال يسرعون على دراجاتهم الهوائية قاصدين مقار عملهم بالميناء أو مخازن الحبوب
التي كان أغلب مالكيها من اليهود المغاربة، والجميع يتزاحم مع عربات نقل تجرها بهائم يبدو عليها الإعياء والجوع، لكنها لا تسلم من سياط أصحابها إن بدا عليها بعض التخاذل أو التباطؤ. الكل يسرع غير مهتم بشيء، والعجلة سيدة الموقف، حركة تدب بالمدينة كل صباح، يساهم فيها أناس تدفعهم الحاجة، وتفرقهم السبل والوسائل، لكن الغاية واحدة، هي اقتلاع الرزق ولو بالأضافر..
وسط هذا الحشد أقتسم الطريق، تقودني عادة عمياء أسلم لها القياد دون تفكير، ملتزما مسارا لاأنزاح عنه قيد أنملة، بل أستطيع التزامه مغمض العينين إلى أن أجد نفسي وقد شارفت المدرسة متناسيا طول المسافة التي قطعتها ماشيا في رتابة
تغنيني عن الانتباه إلى الطريق أو تفحص وجوه المارة..
ذاك عالمي الخاص الذي كنت أعيشه كل صباح، أنغلق بداخله، وأغلق الأبواب علي وأنا أزاحم الحشد دون أن أهتم بشيء معين، إلى أن رأيتها ذات صباح تتقدمني " بخطو موقع كالنشيد "، فيخفق القلب الصغير للحياة، ويسبقني دون استئذان ليلتحق بها مكتشفا ملامحها الجميلة متطلعا إلى التفاتة منها، ويلتحق بالقلب خيالي فيرسم لها أجمل الصور، فيراها في أغلفة روايات نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس التي دأب الرسام جمال أرناؤوط على ترصيعها بأجمل الوجوه النسائية التي تشد الأنظار والقلوب معا. وتبقى جثتي نخبا هواء تتبعها دون قلب أو خيال، منتظرا عودتهما ليحكيا لي التفاصيل بشوق..
ويظل الوضع على هذا الحال، أستيقظ صباحا، واسرع لأنخرط في الطريق المعتاد، ملتفتا يمينا ويسارا كمن يبحث عن زمن مفقود، فأراها مقبلة بخطوها الموقع كالنشيد، وأرسل القلب والخيال يرافقانها، وأكتفي بتقفي آثارها، أشيعها بعيني إلى أن تنعطف على اليمين، فتختفي في درب ضيق يسلمها إلى الأزقة الخلفية لساحة الخبازة، فأستانف السير وقد استرجعت القلب والخيال، يملآن عالمي الخاص بمغامرة جديدة أتفنن في زخرفتها، و أضفي عليها من السحر والبيان ما تسعف به البلاغة في سني المبكر الذي لم يتجاوز آنذاك الثالثة عشر...
يتبـــــــــــــــــــــــــــــــــع...