
10-04-2008, 04:34 AM
|
|
|
المنتدى :
الخشبة
الناقد والمسرحي المغربي سعيد الناجي:على المسرح أن يستعيد رياديته
الناقد والمسرحي المغربي سعيد الناجي:على المسرح أن يستعيد رياديته
ملحق ثقافي
23/9/2008م
أنور محمد سعيد الناجي من جيلٍ تالٍ لعبد الكريم برشيد وعبد الرحمن بن زيدون, ناقدٌ يريد يحمل المسرح على ظهره ويبسِّطُ فيه حيث يشاء.
بضاعته الفكر- والفكر المسرحي؛ حيث لاأحد يعتدي عليه- على العقل؛ لأنَّه سيِّد المخلوقات.
* ثمَّة عقل فلسفي في المغرب يشتغل على نقد المجتمع و الاقتصاد و السياسة و الثقافة- العقل المسرحي ماذا يفعل؟
** العقل المسرحي يبدع، يكتب نصوصاً، يناقش، يتأمَّل، يطَّلع على ما وصلت إليه التجربة المسرحية العالمية، يفكِّر في المنجز المسرحي وفي ما لم ينجز. كان المسرح في المغرب دائماً في استقلال عن الدولة، وفي استقلال عن التبعية السياسية المباشرة، ولكنَّه كان دوماً مرتبطاً بقيم التقدُّم والتَّنور منذ ظهر المسرح المغربي في بدايات القرن العشرين. بقي دوماً مرتبطاً بنزوع قوي نحو الاستقلال، استقلال البلد آنذاك، واستقلال العقل المسرحي عن التبعية. لهذا، فالعقل المسرحي المغربي في ظلِّ الوضع الراهن ربَّما يكون الوحيد الذي يضمن للمسرح الاستمرار رغم النقص الذي نعانيه في بنيات الإنتاج المسرحي، فهو عقل متحرر ووثَّاب.
* لا شكَّ هناك كمٌّ من النصوص، و كمٌّ من الدفاتر النقدية، هل صنعتم نهضتكم المسرحية؟
** نهضتنا المسرحية صنعناها بأيدينا وهي تتشبَّت بالمسرح في تاريخ طويل من الإقصاء، المستعمرُ بدايةً لم تَرُقْ له مسرحياتنا لأنَّها كانت تنادي بالتحرر والاستقلال.والدولة المغربية في أعقاب الاستقلال أواسط القرن العشرين كانت تنظر للمسرح بارتياب لأنَّه كان يطمح إلى نوعٍ من العدالة الاجتماعية والديمقراطية السياسية، ويمتِّن علاقته بحركة نموِّ المجتمع المغربي الطبيعية رافضاً أن يكون تابعاً للخطاب الرسمي، والفرقاء السياسيون لم ينتبهوا إلى المسرح لأنَّه كان في آخر اهتماماتهم. فبقي يُصنع بأيدي أبنائه، وبعقل مبدعيه حتى أنَّنا من البلدان القليلة التي بقي فيها المسرح الحقيقي مسرحاً هاوياً لنصف قرن ونيف، ومثَّل الثقافة المغربية أحسن تمثيل. وطبعاً تحقَّق تراكم من النصوص المسرحية، وعددٌ من التجارب المسرحية المهمَّة. ولا أدري لماذا، غير إنَّه تطوَّر عندنا الخطاب النقدي المسرحي بشكلٍ متميِّز وعلمي وبشهادة الآخرين. ربَّما يعود هذا إلى أنَّه خلال تاريخ المسرح المغربي، تحقَّقت دورة بين ثلاثة روافد لم ننتبه إليها بما يكفي، وهي رافد المسرح، ورافد الجامعة، ورافد المهرجانات، وهي تتجمَّع لتعطي أرضاً خصبة لنشوء فكرٍ علمي بالظاهرة المسرحية، حيث يكون المسرح مسنوداً بحركة تفكير أكاديمية، فيما تشكل المهرجانات مجالاً للاحتكاك وتثقيف الممارسة.
ومع نهاية القرن العشرين تُوِّج جهدنا المسرحي المستقل بالانخراط في الاحتراف، وباستفادة المسرح مباشرة من المال العمومي، وتحقَّقت خطوات مهمة مثل إصدار قانون الفنان، وتحقيق التغطية الصحية للفنانين وغيرها من المكتسبات التي ربَّما تعلن أنَّه ما يزال ينتظرنا الكثير، ولكني أعتقد أنَّ التجربة المسرحية المغربية يُنظر إليها من باب الكيف وليس من باب الكم. على الأقل ما حقَّقناه جاء باستقلال تام عن الخطابات المؤدلجة والرسمية، وبعيداً عن أيِّ تنازلاتٍ أو تبعية للدولة.
* كأنَّ مشروعكم المسرحيِ يتعثَّر؟
**هو مشروعٌ حي دينامي وموضوع الآن على سكَّة تأهيلٍ حقيقية، ومسنود بعقل مسرحي متفتِّح وعلمي إلى أقصى درجة. ولكنَّ التعثُّر طبيعي، التعثُّر قدر المسرح منذ وجد، ولولا تعثره في مراحل تاريخية وأخرى لما استمر. إنَّ المسرح يتعثَّر الآن في الدول التي تملك قروناً طويلةً من التراكم المسرحي، فما بالك ببلداننا العربية. تعثُّر المسرح الآن طبيعي في مجتمعات استهلاكية، تعزل الفرد وتراهن على عزلته لتجويع رغباته الاستهلاكية وتحويلها إلى غرائز مريعة، وفي مجتمعات تعتمد ثورة "الإنفوميديا" ووسائل التواصل ووسائطه التي وإن حقَّقت التواصل بين الأفراد، فهي تصل بين أفراد معزولين أمام شاشاتهم أو هواتفهم. لاحظ هذا التطور الرهيب للحياة المعاصرة، فالجميع يعتبر أنَّ الإنجاز الكبير للحضارة الإنسانية الحالية هي الثورة على صعيد أنظمة التواصل ووسائطه، وتفجير المجتمعات المنغلقة والتجمعات المعزولة، ولكن عمق هذه الثورة يعتمد على تمجيد عزلة الفرد أمام أجهزة التواصل من تلفزة وهاتف وكمبيوتر وغيرها, إلى درجةٍ أنَّ كثرة وسائط التواصل في المنزل الواحد قد تنسف الروابط العائلية, وتحقِّق عزلةً رهيبة داخل العائلة الواحدة. ولهذا، وفي مجتمعات كهذه، وفي مجتمعات كالمجتمعات العربية التي لا تتقن غير التبعية إلى هذه الأنماط الحياتية، لا بدَّ للمسرح أن يتعثَّر، وأن يحسَّ يالعزلة والتهميش.
* لو عدنا إلى النصف الأوَّل من القرن العشرين لعلمنا أنَّه كان عندكم ما يزيد على مئةٍ وعشرين فرقة مسرحية حسب المخرج عبد الله شقرون؛ أربعون منها في الدار البيضاء. وكانت عروضها تقارعُ الاستعمار الفرنسي. الآن كأنَّ المسرح تراجع رغم كثرة المسرحيين في المغرب؟.
** يتراجعُ وفق ماحلَّلناه أعلاه، ووفق مواجهة المسرح لهيمنة وسائط المعرفة والإعلام، ولكنَّ الممارسة المسرحية المغربية تنمو، وتتكاثر. ربَّما يتراجع المسرح في علاقته بالجمهور الواسع، وهذه مشكلة تعاني منها مسارح كلِّ بلدان العالم. ولكنَّ إيقاع المسرح يحتدُّ على مستوى الممارسة، وكثرة المقبلين عليه؛ عدد الفرق المسرحية تضاعف، والمحترفات المسرحية في الجامعة المغربية تنشط دون توقف، ومهرجانات المسرح تكاثرت، وخلايا المسرح المدرسي تتكاثر. وأعتقد أنَّ لهذا معنى عميقاً، فالمسرح ليس فقط فرق محترفين، والمسرح ليس مسرح شباك التذاكر فقط، ولكنَّه ممارسةٌ مندمجة في المجتمع وفي قطاعاته الحيوية وهي دور الشباب، والجامعات والمدارس والمدن والقرى. بشكل عفوي ودون إحصاء؛عندنا في المغرب ستة مهرجانات مسرحية جامعية، ومهرجان وطني للمسرح المدرسي؛ يتوِّج عدداً من الإقصائيات الجهوية التي تنظم في الجهات من خلال مهرجانات محلية، وخمسة مهرجانات مسرحية للمحترفين يتوجها مهرجان وطني سنوي, ومهرجانين للمسرح الأمازيغي، ومهرجانات لمسرح الهواة، وأخرى لمسرح الشباب، وخمس مهرجانات لمسرح الطفل, إضافة إلى مهرجانات وملتقيات أخرى تغيب عني الآن. وأعتقد أنَّ التجربة المغربية تشكِّل في هذا الاتجاه تجربةً متميزة، وتخالف التجربة المشرقية، من حيث اختيار المهرجان شكلاً رئيسياً للتداول المسرحي بدل المسارح المحترفة والمجهزة، والتي غالباً ما تصبح في النهاية مسارح كسولة وبيروقراطية.
* للمسرح دورٌ ريادي، وربَّما(أبوي) في تعقيل الجنون، و تجنين العقل حين لا يجنُّ من كثرة ما يقهره سواء أصحاب الفكر "الثورجي" أو أصحاب الفكر السلفي الغيبي الذين يتسلَّلون إلى كل ميدان. كأنَّنا نقتله؟
** على المسرح أن يستعيد رياديته هنا والآن، وأن يعمِّق جنونيته لأنَّ العالم في حاجة إليه. ربَّما لم يصل العالم إلى حافة الانهيار كما وصل إليها الآن، حروبٌ مشتعلة، مجاعاتٌ تضرب الأقاصي، دولٌ لصوصٌ تنهب دولاً فقيرة وشعوبها، سيادة الدمار، وشركات عابرة للقارات تروِّج للبضائع والسلع, وتجني أرباحاً خياليةً, وتمنع تنقُّل الأفراد بحرية. العالم مخيفٌ الآن، عولمة الغرب للشرق، وردود أفعال قويةٍ ورهيبة، لغة القتل والتدمير أصبحت يومية، وافتح أيَّ قناةٍ لتسمع أوَّل ما تسمع خبراً عن حربٍ أوعن عملية قتلٍ أو حادثةٍ أو مصيبة. والمسرح لايمكنه أن يبقى بعيداً عن الحياة لأنَّه الحياة نفسها متحوِّلةً إلى استعارات جميلة، ولا يمكنه أن يتغاضى عن كلِّ هذا؛ لأنَّ الحياة التي تتأسَّس على الخشبة تستمدُّ قوَّتها من الحياة التي خارج الخشبة. لهذا، ولكثرة ما نرى ونعيش من مآسي ورعب منتشر الآن، نحسُّ كأنَّ لا قوَّة للمسرح في فعل أيِّ شيء، ولا قوَّة لأيِّ شيءٍ على الإطلاق في تغيير هذا الرعب الذي نعيشه يومياً. نقتلُ المسرحَ لأنَّنا نحسُّ أنَّ الواقع بمأساويته تجاوز المأساة، وتجاوز كلَّ التعبيرات الفنية، ولأنَّنا نرى أنَّ مجتمعاتنا ما تزال تعيش في وادٍ والمسرحُ في وادٍ آخر، فهي رغم كلِّ هذا مجتمعات تقليدية محافظة.
*كأنَّنا ما زلنا رغم هذا المسرح نعيش في فضاء قبلي عشائري؟
** لاحظ أنَّ المجتمعات العربية مجتمعات تقليدية ومحافظة، ومرهونة بنوع من القبلية والعشائرية في أغلبها وإن كانت بوتائر تختلف من بلد لآخر. ولا يمكن للمسرح أن يتطوَّر في عالم محافظٍ إلى هذه الدرجة، ويقدِّم عن نفسه صورةً مخالفة. لايمكن للمسرح أن يتطوَّر وأنت تجد قاعاته مملوءةً بجمهور من الرجال فقط، والمرأة ممنوعةٌ من دخولها. ثمَّ لاحظ عمقَ الانفصام الذي يميِّز عالمنا العربي، فإذا شاهدت الفضائيات العربية ستتوهم أنَّ البلدان العربية هي بلدان قطعت شوطاً قصياً من الحداثة والتطور، بل وذهبت إلى آخرالفتوحات التكنولوجية والعلمية، والى آخر صرخات الموضة،بل وستجد صوراً لواقعٍ حديث ومتطوِّر،إلا أنَّ العكس هو الصحيح؛فنحن بلدانٌ محافظة وتقليدية حتى النخاع، حتى مع وجود مظاهر الحداثة المزيفة. وأعتقد أنَّ هذا من العراقيل الحقيقية التي تعيق تطور مسرح متحرر وقوي التواصل، وتدفع نحو الإقبال على الفرجات السرية بشكلٍ كبيرٍ مثل التلفزة والفيديو وغيرها. إنَّ المسرح يحتاج إلى نفَسٍ مدنيٍ كي يعيش ويتطوَّر، ولا يمكنه أن يكون مهادناً للمحافظة والتخلف.
* ألن نقترب من الحلم, فننجز مشروعنا المسرحي, مشروعنا النقدي, ونقفُ؛ يقفُ مسرحنا في وجه(النصُّ المطلق), في وجه الوعي الزائف, والمنهج المضاد لكل عملية تمدُّنٍ و تحضُّرٍ, فنعيش إنسانيتنا؟
** لاشكَّ نعيش مدنيتنا بفضل مسرحٍ متمرِّدٍ لايخاف الاقتراب من المحرَّمات الثلاثة، الدين والجنس والسياسة، ويدفع الناس نحو حالةٍ من الوعي بفراغ الروح، وبضرورة الرضوخ للتطوِّر الإنساني. في كلِّ لحظةٍ تبرز محاولة للتمدُّن والتحضُّر يواجهها النصُّ المطلق بجملٍ جاهزةٍ وأفكارٍ جامدة: مجتمعنا محافظ، نحن هكذا، نحن أمَّةٌ عربية لا تقبل هذا، لدينا قيمنا... لنا خصوصيتنا..., وهي كلُّها ذرائع للمحافظة والجمود. فخصوصية الثقافة العربية التي ظهرت جلية عبر مراحل التاريخ هي قوَّتها على الانفتاح والتبادل مع الحضارات منذ العهد البابلي وصولا إلى رحلتي الشتاء والصيف، إلى عصر التدوين وما بعده. لم تكن الثقافة العربية محصورة يوما بهذا الخطاب المغلق. ولعلَّ هذا من الإشكاليات التي تواجه ليس المسرح العربي وحده، ولكنها تلجم الخيال المسرحي عند المبدع والكاتب. وقبل الحديث عن مسرح متمرِّدٍ ومتحرِّر، هل نتوفر على مخيلة مسرحية متمرِّدة ومتحرِّرة لاتخافُ النصَّ المطلق ومحرَّماته؟ هل المبدع المسرحي العربي لا يُخضع نفسه للرقابة الذاتية، ويرهن إبداعه بها؟ هل هو فعلاً متحرِّر في عمقه؟ هذا سؤال يحتاج إلى لقاءٍ علمي خاص حول المخيلة المسرحية العربية.
|
| توقيع عبود سلمان العلي العبيد |
رحم الله والدي سلمان العلي وغفرله واسكنه فسيح جناته يارب
عبود سلمان العلي العبيد
هنا الرياض
[alfurat_31@hotmail.com]
فنان تشكيلي وصحفي ناقد
مؤسس موقع الميادين منبر الابداع العربي الحر
|
|
|
|
|