
10-22-2008, 07:22 PM
|
|
|
المنتدى :
القصة القصيرة
حوار مع الشيطان- الجزء الاول
حوار مع الشيطان الجزء الاول
لم أكن أبدا رجلا شجاعا، و بالعربية أنا لم أكن أبدا رجلا، ولقد علمتني الحياة شيئا واحدا بعد رحلة هزائمي الطويلة، أن ألعن الجميع، أن أبصق في وجه الكل، وأن أكره الكل، بداية كنت قد كرهت أبويّ بسبب اضطهادهما لأخي الوحيد، وبعد ذلك كرهت كل المدرسين الذين تعاملت معهم في حياتي الدراسية، لم أكن أعرف من عائلتي سوى عمي..الذي بدوره، لم أكن أعرفه جيدا... بعد حادثة موت أخي عرضني والدي على أخصائي نفسي في برشيد، تماما كما كان قد فعل مع أخي من قبل، ترددت على عيادته، مرات صحبة أمي، ومرات صحبة أبي، خلال ثلاث سنوات، لا يمكنني أن أنسى أبدا هذا الرجل، لأنه كان من نصح أمي بالتخلص من اللوحات الأخيرة التي احتفظنا بها لأخي، كان أخي رساما وقد اطلع ذلك الطبيب على بعض من لوحاته حين زار مرة بيتنا، أتذكر أول تعليق له.. قال أنها لوحات شيطانية، ابتسمت أمي وقالت بأننا في هذا البيت نعيش مع الشيطان، وأتذكر أيضا أن ذلك الرجل كان قد سأل أخي عن السبب الذي يجعله مهتما برسم رجل يحاول ذبح ابنه الصغير، قال له أخي بأن كثيرا من الآباء يودون ذبح أبناءهم، قال الرجل أنه مشهد متطرف جدا لما يمكن أن تقود إليه النزوات المرضية للإنسان، فقال له أخي أن قتل الأبناء ليس عملا غريبا عن طبيعة العرب لأنهم كانوا يقتلون بناتهم في الجاهلية، فقال له الرجل أن الإسلام قد صحح هذا الوضع، فقال له أخي أن سيدنا ابراهيم عليه السلام، أول المسلمين امتثل لاختبار الخالق، وكان قد هم بذبح ابنه لولا رحمة الله سبحانه، وأن سيدنا ابراهيم لم يكن مريضا، حاشا الله، حين ذلك صمت الرجل، وهز رأسه كمن يبدي إعجابه باللوحة، وإن كنت متأكدا، أنه قد أقسم في قرارة نفسه على الانتقام لكرامته..
بعد موت أخي، انتهزذلك الطبيب المريض ثقة والدي به، أخبرهما أنه ليس من سبب موضوعي يفسر مشاعري العدوانية اتجاههما، سوى أنني تقمصت شخص أخي الراحل، مساء نفس اليوم قامت أمي بإحراق كل لوحات أخي، كانت هذه نقطة فاصلة في حياتي، تحول كرهي لعالمي الصغير إلى كره لكل البشر، توقفت مشكلتي عن أن تكون مجرد مشكلة نفسية، لتصير قضية.
تعلمت بعد ذلك، أن أستعيد كل شجاعتي، أن أستعد للحرب، فيما يلي سأسرد أحداث آخر يوم قضيته مع أخي، أبي و أمي قدما بالطبع للشرطة، و لطبيبي النفسي بعد ذلك، رواية مختلفة لما حدث ذلك اليوم، أنا لا أدعي أبدا أن روايتي هي الأدق، و لا حتى أدعي بأنها رواية حقيقية، لكني أعرف أنها الرواية التي كلفتني شهادة من المستشفى النفسي في- فالي روماند - تشهد بأني أعاني من اضطرابات ذهنية و لأني أعرف أنه من السهل، بسبب وضعي الصحي ، أن أتهم بأني أسقط خيالاتي الخاصة على ما كان الأشخاص يفكرون به فعلا لحظة حدوث الحادث، فإني سأتفادى الحديث عما كانوا يفكرون به، وسأقتصر على نقل ما قالوه فعلا كما لا زلت أحتفظ به في ذاكرتي، و هذا لأجل الحقيقة، رغم أني أعرف أن الكلمات، تخفي دائما من الحقيقة أكثر مما تكشفه عنها.
جيمان، كان رساما لكني أبدا لم أره يرسم، بالنسبة لي إنه الشخص الذي لم يفعل و لا يزال لا يفعل أي شيء. لأنه هو هكذا ولا يريد أن يكون أي شخص آخر.
لسوء الحظ، هناك أشياء أرغم إرغاما على فعلها، خصوصا خلال طفولته، مثل كتابة الرسائل، و قد كتب رسالته الأولى و هو على ضفاف الموت. فقد سجنه أبي في غرفته ومنع عنه الطعام ثلاثة أيام حتى رضخ و كتبها، لا أدري جيدا ما كان قد كتبه، و لكنهم قالوا لي بعد أن أطعموه و هو شبه فاقد للوعي أنها كانت رسالة إلى عمى، و خلال ذلك الوقت لم نكن نعرف- أنا و هو – أن عمي لا يقرأ الرسائل، و أنه يكتفي بترتيبها في صناديق العاج الأربع التي ورثها عن شخص ما، وقد بلغ عدد الرسائل التي بعثها أكثر من خمسة آلاف رسالة، و ليست لدي أدنى فكرة عن المكان الذي يضعها فيه الآن، خصوصا و أن عمي بدوره توفى قبل سنتين من وفاة أخي، لكن أخي استمر في الكتابة إليه. لم تكن حياة عمي أبدا واضحة، كانت سيرته غير قابلة للحكي. لا أحد كان يريد أن يتحدث عنه، سكن في قلعوت بعيدا عن كل العائلة و قد وهب كل حياته للبحت عن شخص يقال له الدبور، هذا ما فهمته من أحاديث العائلة القليلة عنه، و إن كنت لم أفهم لماذا كان علينا أن نستمر في كتابة الرسائل إليه حتى بعد موته بسنتين، أحد الإجابات التي كانت ممكنة، هي أن عمي لم يكن رجلا عاديا، وأنه بالأحرى لم يكن إنسيا، لذلك فهو مات ولكنه لا يزال حيا، و ربما كانت عبارة الميت الحي غريبة. لكنها لم تكن كذلك في بيتنا، لقد كانت عبارة استثنائية و لكنها جائزة تماما كما لو أن أبي قال لي أن السماء تمطر و لكن الشمس لا زالت مشرقة.. الإجابة الثانية هي أن عمي مات فعلا، و لكن الشخص الذي ورث عنه صناديق العاج الأربعة لازال حيا، و هذه الإجابة تبدو الأكثر عبثية لكني أقرب إلى تصديقها.
كان جيمان يكتب رسائل إلى أشخاص آخرين، لا تربطه بهم أية علاقة، و ذات يوم جاء إلينا رجل لم أره من قبل، و كان أخي في الحانة يحتمي من المطر، فوقف قبالته، وكان ضخما جدا حتى أنه حجب كل الناس عنه، لم أر في حياتي رجلا أضخم منه، لكنه لم يكن مهتما بنظرات الزبائن، إننا هنا لم نتعود على رؤية الغرباء، كنت أحاول ألاَّ أنظر إليه، و كان هو يبدو منزعجا من المكان أكثر من انزعاجه من الأشخاص، لأنه لم يكن متعودا على الأماكن المغلقة.
قال:
- ها.. هل أنت من هذا الزقاق؟
رفع جيمان عيناه نحو الرجل، فوجد نفسه بمواجهة شفتين غليظتين مثل مؤخرة الحمار.
- نعم.. سيدي.
- إني أبحت عن شخص ما، لعلك تعرفه.
- ..
كان في صوته ما يوحي بأنه وجد من يبحث عنه، و أنه لا يبحث إلا عن جيمان، غير أنه أراد أن يتأكد كي لا يقع في أي خطا.
- اسمع سيدي .. يعز علي أن أراك على هذه الحال، لابد أنك تبحث عن شخص قد
أساء إليك إساءة عظيمة و إلا فإنك لن تبحث عنه في هذا المطر.. و هذه الساعة
المتأخرة من الليل.
- لقد جئت من عقلوت ..
- عقلوت .. إنها بعيدة جدا. و لا توجد بها قطارات.
- مشيت ثلاثة أسابيع كاملة.
- لا بأس احمد الله لأنك وصلت بالسلامة، هل أنت جائع .. لن تجد طعاما هنا..
كان يتلفت خلفه خائفا
- أحدهم دلني على هذه الحانة .. إنه أنت.. أليس كذلك؟
- أنا لم أرك من قبل ..
- أعرف و لا أنا .. أنا محرج جدا .. لأني لم أتكلم مع بشري من قبل..
بدت لي عبارته غريبة، فكرت أنه أسلوبه الشخصي في الكلام.
- أذن لمادا تبحث عني سيد ...
- مرسول اسمي مرسول فقط .. مرسول.
كان يجهد نفسه في البحث عن كلماته. كأنه لم يتحدث إلى أحد منذ سنوات، هناك حيث وضع كفه على المائدة، تجمعت خيوط من الماء الذي كان يقطر من كمي معطفه. تحركت أصابعه في عصبية، و حاول أن يجعلني أبتسم و هو يقول:
- ليس لي لقب عائلي .. فأنا بدون عائلة
- إذن لمادا يبحث عني سيد مرسول؟
- لأنك أهنتني و أساسا سأت إلي ...
الآن بدأ يتمتم.
- أنا؟
- بدون شك
فكر جيمان قليلا، و قال:
- سيدي .. في الحقيقة .. أنا شخص بلا عمل، و أنا لا أدرس، ليست لدي أي امرأة.. لم أرفع يوما دعوى ضد أحد .. و لا أتلصص النظر لزوجات الرجال. إني أيضا بدون أصدقاء و أنا كذلك لا أبحث عنهم .. لقد رأيت مرة رجلا يغتصب امرأة أمامي.. فلم أحتج ولم أتدخل.. إني شخص لا يفعل أي شيء، لم يفعل شيئا و لن يفعل أي شيء..لذلك.. لكل هذا.. لا أعتقد حقا بأني قد أسأت إليك .. أو إلى أي شخص آخر على وجه الأرض. إني عقدت نوعا من الهدنة مع الناس .. و يحزنني بالطبع أن أعرف أني رغم كل احتياطاتي ...
- سيد جيمان العباد...
- كيف تعرف اسمي ؟
- آه .. عذرا .. لماذا لا يتكلم أخوك الصغير أبدا
كان يبدو خائفا قال:
- عماذا تعتذر ؟
- لأني أعرف اسمك ..
- لا تهتم .. فهنا معرفة الأسماء ليست جريمة
- إني لا أعتذر عن معرفة اسمك .. إني أعتذر لأني أفترض أنني سأزعجك خلال كل اللحظات التي ستأتي ...
- لماذا ؟
- لأني أعرف عنك أكثر مما يمكن أن تتخيل .هذا الأمر يزعجني أنا أيضا .. لأنها محاورة غير عادلة، فأنت لا تعرف عني شيئا، بينما أعرف أنا كل شيء.. كل شيء عن حياتك.
لم يكن يبدو عليه انه فخور بما يقول، بدا حزينا، و كانت شفتاه تتحركان، لكن الكلمات كانت تتوقف في حلقه، كان يحاول أن يكون حريصا على أحاسيسي، و هذا بالذات هو ما يمكن أن يزعج أخي، لكنه لم يقل له ذلك، ربما لأنه فكر لحظتها، أنه مجرد فلاح من قلعوت يعتقد أن حجاب الغيب قد كشف عنه.
- .. لماذا لا تقولها أيها الصغير؟ قل لي كم هو عمرك؟ ..تعتقد أني مجرد فلاح من قلعوت يعتقد أن حجاب الغيب قد كشف عنه. لا شك أن أخاك لا يستصغرني إلى هذا الحد.
كانت هذه المرة الأولى التي أشعر فيها بالخوف و أنا أنظر إليه. بدا غاضبا و لكنه ظل يتحدث بهدوء:
- هل تعتقد أن الذين يصعدون إلى هناك لكشف الغيب .. هل تعتقد أنهم يذهبون للاستمتاع بنزهة فضائية..
هناك، كانت تعني السماء، لأنه كان يشير إليها ... كشف الرجل عن ذراعه، فاجتاحت أنفي رائحة لحم محروق، رأيت ذراعين مشويتين، أحسست برغبة في الغثيان، عاد ليغطي ذراعيه، ثم تناول سيجارة و أشار إلى جيمان مستفهما إن كان يرغب في تدخين أخرى، تناولها، أشعلها ثم رماها على الفور، لأنها كانت ذات نكهة غير مألوفة، استمر هو في الانتشاء بسيجارته التي نشرت رائحة كرائحة الكبريت، كان يضحك في أعماقه، طلب جعة من النادل،ثم طلب أخرى لأخي، سأله، و كنت قد استعدت بعض هدوئي :
- لماذا لا تزور طبيبا لمداواة ذراعك؟
- لا جدوى من ذلك .. هذه الحروق هي جزء من هويتي، و لا أستطيع الاستغناء عنها، الاحتراق هو جوهر وجودي، إنه ما أتقاسمه مع جميع البشر، و إن كانت طبيعة أعمالنا مختلفة.
- ماذا تعمل
- في الفن.. مثلك تماما
- لا تقل لي أنك احترقت و أنت ترسم لوحتك.
- كلا اللوحات التي أرسمها تختلف عن اللوحات العادية، لكن هذه الحروق تعود إلى أحد أسفاري إلى هناك.
كان يشير مرة أخرى إلى السماء .. ثم أردف :
- أفترض أنك قد قرأت بعض الكتب.. و تعرف ما يحدث لمن يسترقون السمع هناك ..
- أنا لا أؤمن
لم يكن ذالك صحيحا، قال ذلك لأنه أراد أن يضع نهاية لما بدا و كأنه هذيان يقظة، و لأنه كان يرفض أن يصدق ما يوحي به محاوره عن شخصه، قال الرجل :
- لا تكذب .. كلنا نؤمن بالله سبحانه وتعالى، على أية حال، نحن لن نختلف حول عملي. أعرف أنك تحب أسطورة بروميثيوس. إننا أنا و هو نفعل نفس الشيء تقريبا.. نسرق أشياء من السماء .. بروميثيوس مجرد حلم ميثولوجي. أما أنا فحقيقة. قل لي بربك أليس أمرا محبطا أن يمجدني الناس بإسم .. ويلعنوني بإسم آخر.. ما أغرب البشر.
- من أنت ؟
- أرجوك .. لا تدع الغباء. أنت تعرف من أكون .. يمكنك أن تسميني كما تشاء.. الأسماء دائما لعبة قذرة .. أنا لم أختر أيا من أسمائي .. وأنا في الحقيقة لم أختر سوى أن أكون فنانا.
ضحك أخي بقوة، ابتهجت لضحكه، طلب الرجل قدحين من الجعة، و قال هامسا وهو يشد على يدي و يجذبني نحوه قليلا :
- لماذا لا تشرب معنا .. هذا ليس سيئا كما قد تعتقد
لسبب ما فكرت أنه سيقاضي النادل، فوجئت أنه لا يملك فلسا واحدا، ربما كان يحكي نفس القصص للآخرين ليشرب معهم. بعد ذلك شرب الإثنان، ثم أخرج الرجل شيئا من جيبه ملفوفا بمنديل أسود، نظر إليه جيمان، كان خنجرا عتيقا نعلقه في بهو البيت، لكنه اختفى منذ مدة طويلة، قال له الرجل أنها أمانة يتعين ردها و أن أمي ستكون سعيدة بعودة الخنجر إلى البيت، توقف جيمان عن الشرب فجأة، ربما كان أيضا قد توقف عن التنفس، سأدرك بعد ذلك أنها المرة الأولى التي يتلقى فيها رسالة من أحد ما، توقف المطر.. طلب الرجل أن نخرج لنتمشى على الكورنيش، أنا و أخي وهو، و كنا نبدو للآخرين و كأننا عائلة واحدة، وعده الرجل بأنه لن يدفع الحساب في المرة القادمة، وقال هناك، أنه لا يملك للأسف كثيرا من الوقت للدردشة، وأ نه سيحكي سبب زيارته :
- لما كنت صبيا، كتبت رسالة قدر لها أن تغير بشكل ما مجرى حياتك
- لقد كتبت الرسائل بدون توقف ..
- أنا أعني رسالة محددة.. رسالة موجهة إلى الشيطان
- أعرف .. لقد كتبت رسائل للآلهة أيضا
....نهاية الجزء1
جبران الشداني
|
|
التعديل الأخير تم بواسطة فتحية الهاشمي ; 10-23-2008 الساعة 11:24 AM.
|
|
|
|
|