
10-27-2008, 07:46 PM
|
|
|
المنتدى :
نصوص غير مصنفة
الزمن الأجمل
دون مرئيات الآن تُسبل العين جفنها وتنساح الأفكار باتجاه قناديل تشرّبت زيت الماضي لتضيء قاعة الذاكرة ..
هي ذاكرة الأيام ينسرب ضوءها من كوة في جدار الزمن العتيق لتشتعل وسائد النوم بأحلام العودة لذاك الزمن المغيّب جماله في أدغال الذاكرة
الصمت الملتفع رتابة الدروب ساعة منبهة , ترن حين مؤشرها يلامس لحظة تذكر , كالمايسترو يلوّح بعصاه للعازفين إشارة بدء لتنساب الأنغام إيقاع شلال تدفق على عزف سحابة عابرة
وهي ظلال الماضي لا تغيّبها هاجرة الآن , في صباحات الشوق تبدو كالندى تلتحف به الحقول .. تلك الظلال ملاءة شوق زركشتها بالذكريات أهداب نظرة ترنو إلى منابع نهر الزمن الأجمل
ثمة أشياء اعترضت دروبنا ذات خطو ولم نعرها المستحق من الاهتمام , الآن فقط نقف على المرافيء , نتكيء على سواعد الاشتياق ونرقب أوبة مراكب رحلت مع ذاك الزمن المنفي إلى البعد
الآن فقط نقتفي أثر طعمه المنسرب في شرايين التذكر , نقتفي ولا نملك من زاد الرحلة سوى دمعة
لعل الذاكرة تمنح قلمي بعض المداد لأدوّن على السطور مذاق أيام تنام في طي السنين
الماضية
بهية
أن تعشق وجهاً أبدع الخالق تصويره فذاك أمر طبيعي في سنن الحياة ..ذاك الوجه الممطر حسناً تبتل له المآقي وترتوي القلوب , تخضرّ غصون المشاعر وتزهر حباّ وانتظاراً وحنينا
ذاك الوجه صنع الله , ومن أكمل من الله صنعا ....
وعلى غير المألوف عشقك لوجه رسمته بالحروف أنامل كاتب غُمست في حبر الأخيلة .
بهية .. زهرة برية أنبتها يراع نجيب محفوظ على صفحات روايته - بداية ونهاية - المترعة أحداثها بالبؤس والحرمان
بهية .. فتاة أبدع نجيب محفوظ في تصوير جسدها الفاتن رقة وجمالا , وأتقن في تصوير مشاعرها تجاه من تهوى والقائمة على خط التماس بين الصد والقبول
لم تكن بهية معشوقة حسنين بطل الرواية الذي قال في لحظة هيام ( بهية ولطافة المغيب هما شيء واحد في نفسي ) ..لم تكن معشوقته فقط .. ثمة عاشق آخر مثُل أمام السطور الملتهبة بالشوق والعشق ليبادلها ذات النار ..عاشق على أعتاب المراهقة , يوسف الذي لم يبلغ الخامسة عشر من عمره تفتحت ورود نبضه على مد فتنتها وقطب جبينه لحظة جزر عبوسها .
كان عشقاً لم تكتمل دورة حياته , ولد في ربيع الأخيلة وتساقطت أوراقه في خريف تقهقه رياحه بالحقيقة المرتكزة على أعمدة الواقع ...
مصطفى لطفي المنفلوطي
حين كان الزمن أجمل كانت حجرة القلب موصد بابها دون الهموم , مشرعة نوافذها على بواعث الحلم والأمل ..حينها كانت النبضات فراشات توردت على شمس الحياة أجنحتها , فراشات تنتقل بين دفء ربيع الأخيلة وزهور ينساب في دروب الواقع ومنافسات العطر أرجها .
في شرفات الشوق للمعرفة اصطفت أصص الكتب المخضرّ بالمعاني والمغاني أوراقها , بين عطرها والظلال حروف تُشرب لا تُقرأ , ومعاني يُلمس صوتها لا يُسمع
مصطفى لطفي المنفلوطي .. كان زهرة لا تعرف الذبول , وكان النبض فراش يمتح من رحيق المعاني وصدق الكلمات بين أوراقها , أسلوبه المورق بالبلاغة وحرفه الندي بالأحاسيس ينبعان من موهبة لغوية تدعمها قدرة فنية مكنته من الوصول إلى نقطة التوافق بين الحدث ودلالات الكلمة التي تصوّره وأبعادها مما خلق تناغماً فريداً بين المتلقي والسطور الماثلة أمامه
تفرغ من قراءة العبرات أو النظرات أو غيرها من كتبه لتجد نفسك أمام شخصيته وسؤال يلوح من على سطح الميناء :
هل كان حرفه فيما ترجم من قصص وحوادث وسيلة نقل أمينة وقدرة فائقة على ترجمة الحرف بكل الطبائع والمشاعر التي رسمها الحرف في بيئة غريبة إلى سطور عربية تنغل في نوازعنا الوجدانية ؟
أم كان صائغاً ماهراً يحيل قوالب الذهب إلى قلائد يومض بريقها بما سكب عليه من عصارة روحه وقلبه ؟
مصطفى لطفي المنفلوطي .. لم يكتب لأجل الكتابة فقط , شعوره بالمسئولية تجاه غرس القيم النبيلة ونقاء المشاعر هو ما يدفعه , كان يكتب حتى الوصول إلى أسوار الشرف الخجل , يقف ولا يتجاوزها
الآن أسأل نفسي :
هل أقرأ للمنفلوطي هذه اللحظة بذات الشغف والمتعة السابقة ؟
تدمع الاجابة وينساب على الخدود رسمها : لم تعد أرواحنا بذاك البياض الذي دالت دولته .
يوسف الحربي
| |
|
|
|
|