في روايته الجديدة "أهداب" ياســــــين رفاعيـــة يكتب "لوليتــا" عربية
في روايته الجديدة "أهداب" ياســــــين رفاعيـــة يكتب "لوليتــا" عربية
ملحق ثقافي
28/10/2008م
عبد الرحمن مجيد الربيعي
بعد روايته المؤثرة "الحياة عندما تصبح وهماً" الصادرة عام 2006 أصدر ياسين رفاعية روايته الجديدة " أهداب"
وهي رواية متفردةفي موضوعها وكأنها كانت مشروع قصيدة تحول إلى رواية لم تفقد سحر الشعر ولا لغته.
وإذا كان رفاعية في روايته" الحياة عندما تصبح وهماً" قد كتب قصة رفيقة حياته الشاعرة أمل جراح مع قلبها وعيشها على مقربة من الموت بتلك الأنابيب الصناعية التي عوضت شرايين قلبها المعطوبة وعاشت فيها حوالي الأربعة عقود. كما روى فيها موتها وعمله النادر حيث قام بتغسيلها وتكفينها. وعندما أصف هذه الرواية بالمؤثرة فإنني لا أبالغ. ولشدة تأثري بها وجدت نفسي عاجزا تماما عن الكتابة التعريفية لها رغم كل ما حظيت به الرواية من حفاوة نقدية باعتبارها رواية الوفاء كما وصفها اكثر من ناقد،ولكنها فوق هذا رواية مكتوبة بحرفية عالية اكتسبها رفاعية من خلال مدونة سردية ثرية بالعناوين مثل "الممر"، "مصرع ألماس" ،" رأس بيروت" ،"أسرار النرجس " وكل رواية من هذه الروايات تتفرد عن غيرها. فروايتا» الممر« و» رأس بيروت« هما من أجمل بل ومن أهم ما كتب عن الحرب الأهلية اللبنانية، كما ان روايتيه » مصرع ألماس « و» أسرار النرجس« هما عودة للحارة الدمشقية بكل ما فيها من شخصيات لاتتكرر لأنها ولدت في زمن مختلف عن زماننا هذا . روايته الجديدة » أهداب« حملت هذا الاسم لأنه اسم بطلتها ابنة السابعة عشرة التي تقع في غرام رسام لبناني في السبعين من عمره ، عاش في الخضم،
عرف عشرات النساء، تجول مع لوحاته في عواصم الدنيا، ثم عاد الى بيروت فهي الميناء الذي يعود اليه مهما طال به الرحيل. قد نلخص الرواية بأنها حكاية هذا الحب الذي حوله فلاديمير نابوكوف من خلال شخصية بطلته » لوليتا« إلى رمز لكل مراهقة تقع في غرام كهل سبعيني. ورفاعية يذكر» لوليتا« في سياق روايته هذه رغم أنه يوجد نموذج مختلف. وصياغة أخرى مختلفة. وتروى على لسان الرسام عصام الذي أنجز لوحة لأهداب عارية. وقد فعل هذا بعد إلحاح منها. وزّين بها معرضه بعد أن اتخذ قراره بأن لا يبيع هذه اللوحة رغم إلحاح ثري خليجي على دفع أي مبلغ يريده مقابلها عندما رآها معلقة في المعرض. كانت اللوحة هي كل ما تبقى له من تلك العلاقة الملتبسة بينهما إذ فوجىء أنها قبلت الزواج من شاب ثري فالمال يبحث عن المال، ولبى الدعوة لحضور الاحتفال الباذخ بزواجها. كان يصف حالته معها:( ضاعت شخصيتي في شخصيتها، باتت هي القوية الشجاعة التي إذا أخطأت في تصرف ما، تصرخ بي، فترعبني، وتتحول قطة شرسة، أو تهددني بهجري فأخاف. أصبحت لعبتها وولدها ورجلها وكل شيء. أصبحت في اختصار ملكها. كما لو أنني في حضرتها كالفقير في باب الملوك...). والد أهداب واسمه فؤاد كان وسيماً ومنه أخذت جمالها الذي لا علاقة له بأمها الدميمة وداد التي اشترت هذا الرجل الوسيم بمالها. ولذا كانت علاقة أهداب بوالدها أقوى من علاقتها بأمها. وكان فؤاد الذي يصغر الرسام عصام عمراً قد عقد صداقة معه، وكلفه بأن يعلم ابنته الرسم. فقدح بهذا نيران حبّ استثنائي، لم يتوقعه عصام مطلقاً. كانت لعصام علاقة بهيفاء من سيدات المجتمع البيروتي، واعترف لأهداب بهذا عندما سألته عن علاقاته النسائية، ولكنه ما أن علم أنها متزوجة وزوجها كثير الأسفار حتى أنهى هذه العلاقة. لكن أهداب تحيله إلى طفولته وإلى ابنة جيران لهم كان اسمها يشابه اسمها هو » هدباء« لكن تلك الطفلة النحيفة ماتت فجأة وحزن عصام كثيراً من أجلها، فأوحى لنفسه نظراً لتشابه الاسمين بأنها بعثت في أهداب بعد سنوات. كانت أصعب لحظاته تلك التي يواجه بها جسدها العاري في مرسمه الذي أقامه على سطح العمارة التي يقيم فيها، كانت تلك امتحانه العسير يقول:( أنظر نحوها دون ما شبع، كأنها رغيف ساخن خرج من وهج النار الآن، وأنا جائع منذ دهر، تتضارب الأفكار وتتصارع بين ذاكرتي وقلبي بين الفن والشهرة ، كثيراً ما كان الفن ينتصر فأعمل بكد ونشاط، وعندما أتهالك تعباً تترك مكانها، وتجيء على رؤوس أصابع قدميها الحافيتين، كأنها فراشة ترفل بأجنحتها، تقترب مني، تأتي بمنديل ورقي وتمسح جبيني المعروق، وعنقي وصدري ، ثم تضمني إلى صدرها وتشد رأسي إلى كتفها، نظل ساكنين على هذا المشهد قبل أن تهمس: مسكين عصام، قلبك يدق كأجراس الكنائس، ارتح قليلاً، أخاف عليك، فلتذهب اللوحة إلى الجحيم). ويصف عصام حالته مع الرسم:( كنت أتصور دائماً انني كلما أجدت عملي اقتربت من الله). ويعود لأهداب ويقول وهو يتملاها أمامه: ( كل ثانية في النظر إليها تعوض عن كل ما مضى من هذا العمر الآفل. كأنني ولدت في حضرتها وأنا طفل في السبعين. هكذا يجيء هذا الحب في وقت اشتريت فيه كفني وقبري، وأوصيت أين أموت إذا كانت مثل هذه الوصية تحصل...). ويتساءل:( لماذا هذه المفاجأة المذهلة تجيء الآن ولم تجيء من قبل، قبل عشر سنوات، قبل عشرين... ثلاثين... أربعين... أم أنها فعلاً هدباء طفولتي وروحها؟) وتتواصل تداعياته وتساؤلاته مع نفسه:( لا مفر من هذه اللذة التي تقتحمك، وقد ظننت أنك فرغت من كل شيء، ولم تعد تصلح لأي شيء، إذا بك تستيقظ، كأنك نمت دهراً لتفتح عينيك على حلم لم يخطر ببال قط). ويسأل نفسه:( هل أنت سعيد؟ أم أنك كل الشقاء أيها التعس؟) كان والدها المفجوع الآخر بغياب أهداب ورحيلها في شهر عسل طويل ثم دخولها عالم الأعمال وقدوم طفليها اللذين أخذاها من كل ما كان. ولذا عقدت صداقة بين الوالد فؤاد وبين الرسام عصام، وكانت أهداب الجامع المشترك بينهما، فكل واحد منهما يحبها ولكن بطريقته. عصام يلوذ بلوحتها، يوجه لها ضوءاً كاشفاً ويبحر مع كل ما عاشه، هذا كل ما بقي لديه. هذه الرواية تشّد بصفحاتها المئة والستين المكتوبة بإتقان نادر، كأن ياسين رفاعية أراد بها أن يكتب الرواية- القصيدة رغم صعوبة هذه المسألة، وقد نجح إلى حدّ كبير. وقد تفتق صديقنا رفاعية عن عاشق كبير لا يعترف بالزمن ولا يذعن له، ينشد التواصل والبقاء في الوهج وتحت الأضواء الكاشفة. كاتب عراقي مقيم في تونس