دمشق
صحيفة تشرين
ثقافة وفنون
الاثنين 1 كانون الأول 2008
رياض طبرة
وحده الإنسان المثقف يمكنه أن يقطر (الموروث) الفلكلوري فيستخلص منه الأسطورة الخلاقة نابذاً نوى الخرافات والأوهام والخزعبلات...
وفي مجموعة الزميل الأستاذ طارق حريب الكثير الكثير من الأسطورة الخلاقة وليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.
وإذا كان الدكتور أحمد محفل قد خلص إلى هذه النتيجة بعد خمس وعشرين صفحة من القطع الكبير كمقدمة لكتاب ودراسة الزميل حريب «شخصيات بين الأسطورة والخيال» فإن القارئ لا بد أن يتوقف مع هذه المقدمة مهما طالت نسبياً ثم مع متن الكتاب وفصوله وما تضمنه من معلومات نحن بأمس الحاجة إلى تفاصيل وافية عنها...
كثيراً ما نردد معلومات التقطتها أعيننا أوآذاننا حتى ترسخت عبارات في الذهن جاهزة دون أن يكون لدينا المصدر أو المرجع الذي يجعلنا نصمد أمام سؤال ماكر: من أين لك هذه المعلومة؟ وما هو مصدرك؟ فيتلعثم أحدنا لأنه ربما لم يقرأ عن قراقوش أو زرقاء اليمامة سطراً واحداً وجلّ ما يعرفه أن قراقوش رمز للظلم وأن زرقاء اليمامة كانت ترى على بعد كيلومترات وتحذر قومها...
هل أدرك طارق حريب هذا الخلل في معلوماتنا وبالتالي مصدر ثقافتنا فأراد أن يجعل من دراسته هذه مرجعاً لمن أراد التعرف إلى جلجامش (ملحمة وسيرة ذاتية) أو يقترب من سطيح والشنفرى وسيف بن ذي يزن وحاتم الطائي بمقدار ما يدنو من معرفة الإسكندر المقدوني والزباء وشهريار والسندباد.
ولكن لماذا خولة بنت الأزور وقيس بن الملوح إلى جانب جحا ودراكولا فهل للزميل حريب رأي آخر؟.
بالتأكيد إن للكاتب موقفه الذي دوّنه بعد أن استعرض ما قيل عن خولة بنت الأزور ونفي وجودها وما نسب إليها ويقارنها بشخصية جان دارك عن الفرنسيين ليخلص إلى أن الأحرى بنا أن نثبت قصص أبطالنا في أذهان الأجيال ونجعلهم على تواصل مع تاريخهم وسجايا أمتهم النبيلة الكريمة مؤكداً أن ما أتت به خولة ليس ضرباً من الخيال أو بدعة من بدع الرواة وحتى الحوادث التي ذكرها ليست خيالية فليس خيالياً على أسيرات أن ينزعن أعمدة الخيام ليضربن الحراس وليس خيالياً أن تنطلق خولة على جوادها متنكرة بلباس الرجال.
أما اختيار قيس بين الشخصيات التي تقترب من الأسطورة والخيال فقد قيل إن المجنون اسم مستعار لا حقيقة له وليس له في بني عامر أصل ولا نسب فسئل من قائل هذه الأشعار فقال: فتى من بني أمية.
وعن ابن الأعرابي: أن جماعة من بني عامر سئلوا عن المجنون فلم يعرفوه وذكروا أن الشعر مولد عليه وأنه نسب إليه ونقل بعض الرواة عن أعوانه أنه قال: ثلاثة لم يكونوا قط ولا عرفوا: ابن أبي الغضب صاحب قصيدة الملاحم وابن الفريّة، مجنون بني عامر.
وينحاز الزميل حريب إلى من يؤكد وجود مجنون بني عامر وهذا أبو الفرج يذكر نسبه: قيس وقيل مهدي والصحيح أنه قيس بن الملوح بن مزاحم بن عدس بن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن صعصعة ومن الدليل على أن اسمه قيس قول ليلى:
ألا ليت شعري والخطوب كثيرة حتى رحل قيس مستقل فراجع
وأرى في هذا الصدد أن ما وصلنا من شعر غزل رفيع منسوب إلى المجنون يدفعنا إلى أن نرحب بالجنون ونعتبره من الخصال الحميدة إذا ما أنتج مثل هذا الإبداع.
ومثل ذلك ما قيل في جحا وهو قاسم مشترك بين عقول وأهواء الناس وطباعهم يعبر عما يجول في نفوسهم وما يختلج فيها من مشاعر وأحاسيس، وطريقه إلى ذلك الطرفة النادرة ذات الموقف.
ويخلص حريب إلى أن جحا هو دجين بن ثابت أبو الفضل اليربوعي البصري حيث يدل اسمه أن أنه ولد أو عاش في البصرة تنقل في عدد من المدن والحواضر التي كانت قائمة في عصره شأنه شأن الظرفاء والشعراء الذين يجوبون البلاد والأمصار.
ولا ينفي ذلك أن يكون جحا من أذكى رجال عصره حتى قلده الكثيرون ففي كل مجتمع ظهرت شخصية جحا فهنا جحا التركي وجحا البلغاري والروسي والإيطالي وغيره.
اعتمد الزميل حريب الأسلوب القصصي في تقديم المعلومة التي أراد ايصالها وربما أدركه عزوف القراء عن الأسلوب الجاف فعمد إلى الحكاية .