لقد قرر أن يقتل بداخله حب الأرض و حب امتلاكها ، و أن يمضي بعيدا الى حيث اللا محدود . لقد قرر أن يتخلص من ادمانه اليومي على تجريد الواقع من ملابسه الداخلية .
قبل أن تطأ قدماه أرض عالمه المتخيل الجميل ، فوجئ بوجود آدمي عليها ، و قد أسرعوا لاستقباله ببنادق و مسدسات تحمل توقيع انسان الأرض / الدمار . سمع بصوت جهوري يأمره برفع يديه الى أعلى ، تقدم منه شخص ببنية ثور موحش . فتشه على طريقة الاستخبارات العربية ، التي لا تجيد شيئا سوى التفتيش و طمس الهوية .لم يجد شيئا عنده عدا ورقة صغيرة كتب عليها : « هذا انسان أتعبته انسانيته » حملق الرجل / الثور في وجهه قليلا و كأنه يحاول اعادة قراءة العبارة من خلال النظر في وجهه الكئيب كآبة واقعنا العربي .و بلهجة تحمل في نبراتها أنين المخافر و قساوة التحقيق ، سأله :
- ما اسمك ؟
- صابر
- اسم الأب ؟
- عبد الصبور
- اسم الأم ؟
- صابرين
- بلدتك ؟
- صبرستان العربية
- و ما الذي أتى بك الى هذا المكان ؟
- نفاذ صبري
- اسمع يا أخ صابر ، اننا نعرفك جيدا و نعرف من أنت و من تكون ، لقد توصلنا باشارة من الأرض تخبرنا بقدومك الى هنا ، فكن متعاونا حتى نؤدي هذه المهمة بسلام.
- حتى و أنتم بعيدون عن الأرض تراكم تتحدثون عن السلام و أياديكم تلوح لجرائم مرتقبة
- اخرص يا ولد ... يجب أن نعلمك كيف تخاطب أسيادك ، خذوا هذا الكلب الأجرب الى بيت الضيافة .
دخل صابر الى العنبر الكبير منهك القوى ، لا يقدر على المشي من جراء التعذيب .سرح بعينه داخل الزنزانة التي مساحتها تقارب مساحة وطن يدعى مجازا بلاد العرب 1.و كأنه يبحث عن وجوه ألفها في سجون الأرض التي وصل عددها الى سجن لكل مواطن صالح أو طالح حسب ما تمليه التقارير .سمع صوتا يناديه باسمه .
- صابر ... صابر ... اننا هنا .
لقد كان المكان مملوءا عن آخره ، رأى عدة وجوه تحيى بالكلمة و بها تموت . وقف الجميع مباركا قدومه عندهم .كان تصفيق الرجال و زغاريد النساء مدويا في الزنزانة/الوطن. لقد أحس برغبة ملحة في البكاء لتأثير المشهد عليه .تقدم اليه رجل في عقده الخامس يحمل ريشة و رسم كاريكاتوري كتب عليه : «حنظلة ضحية تواطؤ العرب القتلة» ربث على كتفيه ثم قال :
- لا تبك يا صابر، لقد انتهت رحلة عذابك بانتصار انسانيتك و بهزيمة وحشيتهم، لقد عبرت جسورهم المكسورة كلها بصبر الأنبياء ، تجلد فلا مكان هنا للدموع .
رفع رأسه من جديد ، بحث في جيوبه عن منديل يجفف به دموعه التي انهمرت على لحيته الكثة كالطوفان . لم يجد أي شيئ. تقدمت منه صبية في عقدها الاول ، تحمل دمية ، قبلته على خذه و بطرف معطفها الصغير مسحت دموعه ، و بصوت خافت يحمل في نبراته جرحا دفينا قالت :
- كفاك بكاءا يا عم صابر ، اننا نعمل هنا و باستمرار على ترميم ما ألحقته سكينة الارض بنا ، فكن قويا بسخريتك منها و لا تكن ضعيفا بالبكاء عليها و على نفسك .انظر الى هذه الوجوه التي امامك ، انهم جميع من ضحايا الكلمة ، لقد استعذبوا المكان و استصاغوه لا لشيء سوى لان بالكلمة نكون او لا نكون .
حملها و دميتها بين يديه ، قبلهما معا و كأنه يقبل جسدا واحدا موحدا :
- ما اسمك يا صغيرتي ؟
- انا اسمي بيسان ، لقد احضروني الى هنا خطأ اذ كان المقصود الأول في حكمهم خالي غسان ذاك الواقف هناك صحبة ام سعد . هل عرفتهما ؟
- نعم نعم أعرفهما و أعرف تفاصيل رحيلكم ، لكن استبشري ، فبعودة غزة و أريحا عاد الينا الوطن .
- لا لا وطني ليس هو غزة و أريحا ، بل أوسع من ذلك ، وطني هو الخليل ، هو حيفا و يافا و الراملة و الجليل . وطني يا عم صابر هو القدس .
قالت قولها هذا و جلست تهمس في أذن دميتها بصوت مبحوح مجروح : « وطني هو القدس و طني هو القدس ». نظر اليها نظرة عمرت دهرا ، ثم راح يسبح بخياله في فضاء مليء بخطابات تحكي زمن التطبيع ، رأى وجوها تلاشت ملامحها ، ظل يحملق فيها محاولا مساءلتها . فتح عينه اليمنى ، رأى نفسه ممددا على سريره الطويل و بجانبه امرأة /كتلة من اللحم و قد ملأت حجرة النوم بشخيرها ، أما عينه اليسرى فقد ظلت متمسكة بصورة الصبية و هي تصيح مخاطبة دميتها : « وطني يا عم صابر هو القدس ، وطني يا عم صابر هو القدس »
اجميل ام مرعب ان نورث الاجيال بعدنا خيانة المقدس ... لهذا تراني عمقا اتساءل لم حقا حنظلة ضحية تواطؤ العرب القتلة ..لم اصبحنا معذبون بانسانيتنا ..بكلمتنا التي تجوهر الهوية و الكرامة ...لم لا زالت محاكم التفتيش تنتصب لاجل سلب ما تبقى لنا من حب...لم كل المعاناة يستفرغها الحلم كوابيس تناظر واقع الحال قطعا فالقدس من الاماكن المقدسة التي تشد اليها الرحال .. و عليه يصيح الوعي صادقا:القدس امانة دينية اسلامية حضارية ..انها الصراع من اجل البقاء... نص مثير مؤثر لغة و محتوى