بكثير من الجرأة و قليل من الحياء، يجدف الرجل من حيث اعتقاده حيازة الحقيقة و الحق في فرض الوصاية على الآخر المختلف ، و في القدرة على تقرير مصير هذا الآخر من خلال تحديد موقعه في إطار العلاقات الاجتماعية و في إطار تشكيل تراتبية اجتماعية " جنسية" هي بنت جنون عظمة هذا الرجل بامتياز.قلنا يجدف بقانون أو وصية تصير بفعل التداول قوة شغالة لأنها تصير سلوكا مجسدا فيما بعد، بقوله:"أما تعلم تعلم النساء القراءة والكتابة ،فأعوذ بالله بالله ،إذ لا أرى شيئا اضر منه بهن،فإنهن لما كن مجبولات على الغدر كان حصولهن على هذه الملكة من أعظم وسائل الشر والفساد، وأما الكتابة فأول ما تقدر المرأة على تأليف الكلام بها، فانه يكون رسالة إلى زيد او رقعة إلى عمر،وبيتا من اعر إلى عزب.وشيئا آخر إلى رجل آخر.فمثل النساء و الكتب والكتابة كمثل شرير سفيه تهدي إليه سيف،أو سكيرا تعطيه زجاجة خمر،فاللبيب من الرجال من ترك زوجته في حالة من الجهل والعمى فهو أصلح لهن وانفع" ("الإصابة في منع النساء من الكتابة"لخير الدين نعمان بن أبي الثناء).
يكشف هذا الشاهد عن أرضية نظرية تسند صاحب القول، وهي أرضية تتحدد من خلال المعجم المهيمن فيها من حيث أنها أرضية دينية تتزكى بواسطة الوحدات المعجمية والتركيبية (أعوذ بالله، انفع، اضر، السفيه...)وهي ذاتها الأرضية التي حدت بصاحب القول إلى أن يقذف برقيته الحرية،دون أدنى خجل اوتحرج، فيوجه كائن لا يفترق عنه إلا في كونه كائنا نشطت الثقافة في مسخه،وفي اجثتات ماهيته ، ليشكل كبش فداء ينجح في تحويل مسار العنف الكامن، الذي يبحث له دائما عن كائن ممسوخ من اجل أن يؤسس لاختلاف ثقافي محمود.إن الأمر والنصح بعدم تمكين المرأة من القراءة والكتابة ،لا يمكن أن يكون دائما محاولة للدفاع والذود عن وصايا وتعاليم دينية هي ابعد ما تكون عما يؤثث عقل هذا الفقيه من منطلق فكري يستبطن قمعا متناميا ورغبة في تجميد حركية المرأة لتصير موضوعا لامتصاص اغتلام ورغبات جامحة يغذيا مناخ صحراوي طافح،ورجولة تختزل في منظوره في معنى الفحولة وتشغيل القضيب.
إن مثل هذه الشواهد وغيرها،مما يمكن التمثيل له بأبيات للمعري مأخوذة من لزومياته، إذ فيها يقول محذرا من تعلم المرأة الكتابة:
و لا تحمد حسانك إن توافت بأيد للسطور مقومات
فحمل مغازل النسوان أولى بهن من اليراع مقلمات
اوكما في قوله محذرا من ترك الأولاد بين أيدي النساء:
إذا بلغ الوليد لديك عشرا فلا يدخل على الحرم الوليد
ألا إن النساء حبال غي بهن يضيع الشرف التليد
إن من شان هذه الشواهد أن تدعو لا محالة إلى طرح سؤال تتنزل أهمية بالغة/ما الدافع وراء هذا الإجهاز على كائن يجاورنا العيش، و يقتسم مع الرجل حظوة خلقه من قبل الخالق تعالى؟
تقفز إلى الذهن العديد من العوامل التي كرست وضع الدونية والثانوية الذي تقبع فيه المرأة،إذ وبعفوية ملحوظة،ترتسم أمام المتأمل أسطورة الخلق التوراتية التي أرادت للمرأة أن تكون باعثا ومسؤولا أول عن الشر المستشري في العالم منذ بدء الخليقة إلى حين كتابة هذه السطور،حيث خلق حواء كان بعد خلق ادم من حيث التراتبية الزمانية ،وكان من ضلع ادم الأعوج ، ومن هنا فإنها تحمل في ذاتها وعبر مسارها التاريخي وصمة هامشيتها من خلال لاحقيتها الزمنية،و هامشيتها من حيث أنها الخارج من جوف ادم العميق.و إذ تدحو كتب تفسير القران هذا السيناريو الناتج عن ذهنية مرضية روضتها وضعية الغيتو اليهودي،فإنها تمارس اختراقا يهوديا تلموديا لنمطية المعنى الأصلي المحمول بين دفتي القران الكريم،هذا الذي جاء مصدقا لما في الكتب السماوية السابقة ومطهرا لها من شوائب التزايدات الآدمية المغرضة.فانه يكاد يقع الإجماع الآن بين جل الباحثين ،غربيين وعرب،على أن التوراة لا تعدوان تكون تجميعا لأساطير قديمة بابلية،سومرية وفرعونية.تجميع اصبغ على هذه الأساطير صفة التاريخ المكسور والمنجرح لليهود،تجميع أخد صفة تهويد هذا النموذج الذهني الذي اجتهدت حضارات "ما قبل التاريخ" في سبكه ليبقى إشارة إلى أن العقل الإنساني لم يكن وليد العصر الحديث،بل إن تجلياته تنحدر إلى أزمنة أجهضت بفعل تدخل اليهودي مباركا بإلهه الشوفيني المصنوع من عجين الحقد التاريخي وهوس الاضطهاد لليهودي نفسه.انه هو نفسه التهويد الذي لا زال يفعل كالنسغ المسموم في ثنايا التاريخ، و في ثنايا العقل الذي أصبحت له صبغة المطلق والشمولية من حيث انه يشتغل تبعا لبوصلة نظرية كرستها تدخلات عقل منهك بأثر الانحسار .تهويد نجد تجلياته السافرة في إسقاط سيناريو القصة التوراتية على القران الكريم وتحديدا فيما يتعلق بقصة خلق حواء من ضلع ادم الأعوج.
إن القران الكريم في ما يظهر من سوره و آياته برئ من قصة الخلق من الصلع هذه، وان كان الفقهاء يقحمونها إقحاما فان الواجب هو وضع النصوص فوق الرجال ،لا الرجال فوق النصوص، وبذلك يتأكد أن الرجال يقولون النصوص ما لا تحتمله ، و انه ذا التقويل يجد سنده في التوراة التي تستعرض قصة الخلق من الضلع بشكل مفصل، كما ويثير العديد من القضايا، منها أن قول ادم عليه السلام بعد أن وجد بجنبه المرأة التي خلقها الله تعالى من ضلعه "هذه الآن عظم من عظمي، و لحم من لحمي، هذه تسمى امرأة، فهي من أمري اخدت" فقد علق احد المفسرين على قول ادم هذا بقوله انه يحيل على واقع أن ادم كانت معه امرأة أخرى تسميها كتب التفسير التوراتية "ليليت".و هي المرأة التي خلقها الله مع ادم من تراب، فكانت بسبب ذلك ترفض الإذعان له، كما كانت ترفض أن يقع عليها وهي على وضعية الاستلقاء.
سبق أن قلنا إن اليهود حاولوا تجمع الأساطير العريقة في انبيق واحد هو التوراة ، و إن المحاولات الآن و قبل الآن جادة في استقطار الدخيل على التوراة ،وهكذا فقد افترض بعض الباحثين أن قصة الخلق من الضلع ليست مشهدا توراتيا صرفا بل إنها ملتقطة من نقش سومري ، يقول " علي الشوك" في كتابه الموسوم ب " الأساطير بين المعتقدات القديمة و التوراة ص:75" (و أخيرا هناك نقش سومري يصور رجلا و امرأة جالسين على مقعدين.. وبينهما شجرة تدلت منها ثمرتان.. أو على ما يبدو عذقا من الثمر..واحد باتجاه الرجل و الآخر باتجاه المرأة..وقد مد الرجل و المرأة يديهما إلى الثمر..و على رأس الرجل قلنسوة ذات قرنين..أما المرأة فكأنها حاسرة الرأس..وهناك حية واقفة منتصبة تماما خلف المرأة..وكأنها تغريها على أكل الثمر) ثم إن الباحث يختم هذا المشهد معلقا بقوله :"و لعل الفكرة التوراتية حول إغراء الشيطان لحواء بأكل الثمر ماخودة من هذا النقش"
لا حاجة لنا إلى تفتيق القول و استعراض ما يتستر عنه هذا القول حينما نعبر به إلى ضفة كتب تفسير القران،إذ يبدو جليا أنها أحدثت اختراقا توراتيا تلموديا مغرضا إلى رحاب القران الذي لا يمسه الباطل والذي جاء دعوة صريحة إلى كشف الأباطيل و الأساطير التي احتضنتها الكتب السماوية السابقة.فالقران لم يورد قصة الخلق من الضلع كما لم يشر إلى الحية، بالإضافة إلى انه لم يسم المرأة التي كانت مع ادم باسم معين، بل أحال عليها فقط بصفة" ادم وزوجه".
إن حالة التمايز المعاشة بين الرجل و المرأة ،و المترسخة بفعل متخيل جاهز وناشط، وبفعل تعميم ثقافة ذكورية يسعى إلى تعميق التمايز من خلال تقديم قربان بشري،تنملا محالة عن خلل ما ، كما تكشف عن غياب رابط من شانه أن وجد وعيش أن يبدد هذا التمايز ويعدمه.انه الحب من حيث انه يمثل قيمة القيم،ومن حيث انه يشكل المحور الذي حوله تدور كل تجليات الحياة بدءا من الإنسان إلى كل ما يحيط به في الكون والعالم.فالحب الذي هو انجذاب إلى الآخر المماثل،معه و فيه تختفي الثنائية ليصير كل من الأنا و الانت كيانا واحدا نابضا بالوجود والحياة،انه تخلق الاكتمال إذ يمهد لتلاق روحي جميل.يقول السري السقطي:"لا تحصل المحبة بين اثنين حتى يقول الواحد للآخر :يا أنا" يعني أثناء الاعتراف بتحول الأنا إلى أنت تتلاشى التمايزات المفتعلة وتنسى قصة الخلق من الضلع كما تتشظى الجنوسة ، لأنه ليس للحب جنس ، انه ماخود باعتباره مذكرا و مؤنثا ( ( ying/yang .بالإضافة إلى انه بطريق الحب يقذف بالعقل إلى غياهب العتمة لتحل محله الحقيقة في أجلى صورها، ومعها يهتف الرجل متخليا عن عرش ذكوريته المفتعل وعن امتيازه الموهوم من حيث انه يحوز كمال العقل:
لو كان عقلي معي ما طلبتها ولكن طلابها لما فات من عقلي
فهذا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، احد فقهاء المدينة السبعة الذين انتهى إليهم العلم، وكان عمر بن عبد العزيز يقول عنه في خلافته:لمجلس من عبيد الله لو كان حيا، أحب إلي من الدنيا وما فيها.و الذي قال فيه الزهري: سمعت من العلم شيئا كثيرا، فظننت أني اكتفيت حتى لقيت عبيد الله فإذا كأني ليس في يدي شيء.سأله ابن المسيب مرة بعد ا ن قرأ أبياتا له يقول فيها:
شققت القلب ثم ذررت فيه هواك فليم فالتأم الفطـور
تغلغل حب عثمة في فؤادي فباديه مع الخافـي يسـير
تغلغل حيث لم يبلغ شرابٌ ولا حزن ولم يبلغ سرور
"اانت الفقيه الشاعر" فرد عليه عبيد الله :" لا بد للمصدور أن ينفث" وهو القائل:
كتمت الهوى حتى أضر بك الكتم ولامـك أقـوام ولومهـم ظلـم
ونمّ عليـك الكاشحون و قبلهـم عليك الهـوى قد نم لو نفع النم
وزادك إغـراء بها طـول بخلها عليك وأبلى لحم أعظمك الهـم
فأصبحت كالنهدي إذ مات حسرة على إثر هند أو كمن سقي السم
ألا من لنفس لا تمـوت فينقضي شقاها ولا تحيا حياة لها طعـم
تجنبـت إتيـان الحبيـب تأثمـا ألا إن هجران الحبيب هو الإثـم
فـذق هجـرها إن كنت تزعم أنه رشاد ألا يا ربما كذب الزعـم
ختاما، إن الموقف الفقهي من المرأة يتلون بوضعية الفقيه إزاء المرأة،فهي إما أنها كائن ذهني ، يؤثث عقل الفقيه من حيث هي صورة رسمتها أقلام المتقدمين باعتبارها رديفا للشيطان وتهديدا لكائن الرجل ، ومن هنا فان التعاطي معها يقع على أساس خلق مسافة معرفية ، و أخرى وجودية بين الفقيه و المرأة، وهو ما يؤدي إلى تشييئ المرأة وتحويلها إلى مجرد موضوع معرفي يستجيب لمخزون الفقيه اللغوي و الخيالي .أو أنها كائن موجود وحائز على واقعيته من حيث انه تركيب روحي ونفسي يتحرك ضمن جسد يمتد ليستثير انتباه الرجل، و يعمل على تعرية سياج الفر دانية والانغلاق، و على خلق التساكن و التالف و الحب.