أنت غير مسجل في منتدى مطر . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا
آخر 10 مشاركات
تجمع شعراء بلا حدود يعلن عن أسماء الشعراء... (الكاتـب : عبد اللطيف غسري - مشاركات : 25 - )           »          كويكب بن حب (الكاتـب : حسام الدين خلاصي - مشاركات : 0 - )           »          الحوار التربوي (الكاتـب : المصطفى رحيب - مشاركات : 0 - )           »          إلى أخينا حسن بوشو (الكاتـب : محمد العياشي - آخر مشاركة : مازن كريم - مشاركات : 2 - )           »          لليل بياض الوجه ولي سواده (الكاتـب : محمد منير - مشاركات : 0 - )           »          حبر وقلم يستضيف حرائق الريحان (الكاتـب : توفيقي بلعيد - آخر مشاركة : نقوس المهدي - مشاركات : 2 - )           »          إحساس (الكاتـب : سهيل منير - مشاركات : 0 - )           »          زعمت (الكاتـب : حسن_العلوي - آخر مشاركة : الفرحان بوعزة - مشاركات : 10 - )           »          أنا في المقهى (الكاتـب : سعاد بني أخي - آخر مشاركة : عبدالرزاق سوداني - مشاركات : 1931 - )           »          الخروج من الصمت 2 (الكاتـب : بختاوي معمر - آخر مشاركة : حسن_العلوي - مشاركات : 1 - )


العودة   منتدى مطر العودة سرديات العودة الروايـة

إضافة رد
   
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  مشاركة رقم : 1 (الرابط)  
قديم 02-05-2009, 03:36 PM
الصورة الرمزية محمد داني
مشرف حوار النصوص و قسم التربية و النعليم

رقم العضوية : 258
تاريخ التسجيل : May 2008
المشاركات : 2,301
بمعدل : 3.43 يوميا

محمد داني غير متصل عرض البوم صور محمد داني



المنتدى : الروايـة
افتراضي أقوى من البحر ( رواية: محمد داني)

رواية
محمد داني





أقوى من البحر


- رواية -



الدار البيضاء – 5 أكتوبر 2006

























- 1 -
<< كل شيء في هذه الدنيا سهل... الصعب فيها أن تكون إنسانا>>، بهذه الجملة أنهى عبد السلام كأسه العاشرة.. أدى ما عليه وودع الساقية، وبعض الشاربين، وخرج يترنح كأنه ورقة في مهب الريح.
كانت الشوارع والأزقة خالية إلا من بعض السكارى، وبائعات الهوى. السيجارة في فمه، ويداه في جيبه، تسمع طرطقة حذائه وهو يحتك بالأرضية المبلطة. عرج يمين زقاقين أو ثلاثة، ثم ولج عمارة تتكون من سبعة طوابق. كان يسكن آخرها.. المصعد معطل، ما عليه إلا أن يصعد السلم، وكان هذا يتطلب جهدا، وربع ساعة أخرى من الصعود، والنفس الشاق والطويل.
- ملعون أبو هذه العمارة، ملعون وألف ملعون صاحب هذه العمارة. يقبض أكريته آخر كل شهر، ويعجز عن إصلاح المصعد. ولكن أحسن ألا يصلح هذا المصعد، الحيوانات التي تقطن هذه العمارة لا يصلح لها المصعد، بل أن ترمى من النوافذ كالقاذورات. ( بهذه الكلمات كان يسلي نفسه، وهو يصعد أدراج الطوابق السبعة).
كانت شقته في الطابق السابع . توجد على يمين السلم. بحث في جيبه عن المفتاح... أدخله بمشقة في ثقب القفل... أداره دورتين.. سمع بعدها أزيز وصرير الباب.. ولج إلى داخل شقته، ثم توجه إلى غرفة النوم. يا لها من غرفة !!.. ملعب ثيران... أو زريبة بقر... ترامت فيها الثياب هنا وهناك. ألقى بنفسه على سريرها، ثم غرق في نوم عميق دون أن يزيل حذاءه، أو يلبس منامته.
صباحا.. استيقظ من نومه. نظر إلى الساعة.. قفز من مكانهن كأن النار شبت في ثيابه.
- يا إلهي.. تأخرت كعادتي... سأسمع ما لم تسمعه أذني قط..
جرى نحو الباب دون أن يصلح من هندامه، أو يحلق ذقنه، أو يأخذ حمامه الصباحي. ما إن ولج باب المصلحة: << مصلحة تحرير الأخبار>> حتى نبهه الشاوش مسعود حارس المدير، وحاجبه:
- السيد عبد السلام.. المدير يريدك...
أمام المدير وقف عبد السلام مطأطأ الرأس، ينتظر ما ستجود به شفتا مديره من تقريع وتوبيخ، وتهديد بالفصل
- اسمعني جيدا يا سيد عبد السلام... إنك تماديت في تأخيراتك..هذه مؤسسة محترمة، لها التزاماتها.. ليست مؤسسة والدك تدخلها متى تشاء..
وينتفض عبد السلام كـنه وخز بدبوس في عنقه:
- من فضلك.. اترك أبي مرتاحا في قبره..لا شأن لك به..
- اسكت... أما زال عندك زجه للكلام.. ألا تخجل من نفسك..انظر إلى حالتك.. هل هذه حالة صحفي بمؤسستنا المحترمة.. مثلك يسيء إلى المؤسسة.. بل يسيء إلى الصحافة.. من يوم أن توفت زوجتك في تلك العملية، انقلبت حياتك رأسا على عقب... صحافيون التحقوا بمؤسستنا البارحة، واليوم أصبحوا ناجحين ويحتلون المراكز الأولى.. أنت هو أنت لم تتقدم قيد أنملة... عطاؤك تراجع بصورة مهولة... شياكتك وأناقتك تراجعت ب300 درجة شرقا... عملك أصبح غير مقبول.. سلوكياتك تغيرت وانحرفت.. بالله عليك ما هذا؟..بماذا تفسر كل هذا؟..لم أعد أفهمك..هل تريد أن تحطم المؤسسة؟.. إذا كنت تريد
تحطيم نفسك ومستقبلك فلا تعرض المؤسسة لفشلك، ولا لحماقاتك....ومن اليوم إذا لم تغير من سلوكك وتحافظ كما كنت سابقا على نظام المؤسسة وبروتوكولها فمن الأولى لك أن تبحث لك عن مؤسسة أخرى..
- ماذا تقول؟..لم أفهم حضرة المدير..
- كما سمعت.. هذه مؤسسة صحفية محترمة. والعمل له هنا ضوابطه.. المواظبة والمثابرة، والجدية، والعمل، والأناقة مطلوبة.. وإذا أردت أن تدمر نفسك، أو تصبح وبهيميا فابتعد عن مؤسستي من فضلك...أرض الله واسعة.. وبصراحة لقد أصبحت لا تشرف المؤسسة.. حتى زملاؤك أصبحوا يشتكون منك..
- ماذا تعني يا حضرة المدير بكل هذا الهمز واللمز؟؟.. أشامت أنت في؟.. أوضح من فضلك..
- لم أكن اعلم انك عسير الفهم إلى هذا الحد... طيب.. سأفهمك يا سيد عبد السلام... من اليوم اعتبر نفسك مفصولا عن العمل.
- ماذا؟ !..(يصيح عبد السلام مندهشا).
- مفصول من الآن عن العمل.. هل أعيدها ألف مرة؟.. أمثالك يا عبد السلام لا يصلح لمؤسستي.
- حاضر يا سيادة المدير المحترم... مقبول منك هذا الكلام( يتكلم عبد السلام بنرفزة).. سأترك لك المؤسسة وما فيها. فانا أيضا أصبحت أحس بالاختناق في هذه المؤسسة اللعينة التي أفقدتني كل شيء: شبابي... صحتي..أسرتي..استقراري..كل شيء..استفادت مني ولم أستفد منها في شيء... مؤسسة لا يوجد فيها إلا الأغبياء والمنافقون..
- ماذا؟؟.. أتشتمني داخل مكتبي؟.. اخرج من مكتبي.. اخرج من مؤسستي..
- حاضر... سأخرج.. أنا محتاج لهواء جديد، ووجوه جديدة، ومدير جديد يعرف ما معنى الصحافة. لقد أصبحت أشعر بالغثيان عندما أدخل مؤسستك، وبالانقباض عندما ألتقي صحفييها، وخاصة أنت سيادة المدير. فكلما أراك أشعر بالتقيؤ.. لا اعرف كيف جئت إلى هذا العالم.. هذا العالم بريء منك براءة الذئب من دم يوسف.
- وقح ... اخرج من مكتبي... لم يبق لك مقام عندي... لا أريد أن أرى خلقتك هنا... اذهب إلى الجحيم أيها الشقي التعيس.
خرج عبد السلام من مكتب المدير بعدما صفق الباب وراءه بشدة وعصبية، وتوجه إلى خارج المؤسسة. ما إن لفحته شمس الصباح أمام باب دار الصحيفة حتى أحس بنشوة تسري في عظامه.
- آه ما أجمل الحرية !!... يا سلام... لم أكن اعرف أن الدنيا جميلة وحلوة هكذا .. كم هي جميلة !!!... أول ما سأفعله، أزيل ربطة العنق هذه، ثم اذهب إلى مقهى الكرنفال لأشرب قهوة سوداء مثل القطران على الريق.. وأتصفح جرائد الصباح كالعادة، وبعدها يفعل الله ما يشاء..
جلس عبد السلام في مقهى الكرنفال في ركنه المعتاد، بعيدا عن الوجوه. أشعل سيجارة أمريكية واخذ صحيفة يومية فرنسية وبدأ يقرأ عناوينها.
- عجيب أمر هذا العالم.. كله حرب.. منذ خلق الله الإنسان على وجه الأرض والحرب قائمة بين بني البشر.. عالم مجنون.. الكل يتطاحن لا لشيء إلا ليتطاحن، أو من أجل حفنة من الدولارات أو جرعة من البترول، أو تعصبا لإيديولوجية معينة. بقضي الوقت في الحرب، ثم الصلح ثم الحرب..
رمى بالجريدة جانبا، وارتشف قهوته السوداء رشفة ورشفتين، وألقى برأسه على الكرسي:.
- أنا فصلت من عملي ( يكلم نفسه)... لا يهم.. ألف مؤسسة صحفية تتمنى أن أعمل معها.. لا يهم أن أفصل... أنا عبد السلام الصحافي اللامع، والمحقق الشهير.. هذا لا يهم.. أينك يا زينب.. من يوم فارقتني يا زينب لم اعد أجد للحياة طعما.. آه يا زينب ما أجمل الأيام التي قضيتها معك !!!...
ويقطع مناجاته صوت صديقه الحميم مصطفى:
- السلام عليكم.. ما بك يا عبد السلام سارحا وسابحا ؟... فيما ذا تفكر؟.. وماذا تقول شفتاك المتمتمتان؟.. كأن بهما رعشة.
- آه.. مصطفى؟ !...أين أنت؟..( يتصافحان) لم أرك منذ فترة.. أين كنت؟. لقد غبت عني كثيرا.
ويجلس مصطفى ثم يقرعه بكلامه..
- الخبز يا أخي الخبز... حربنا اليومية دائما مع الخبز..
- ألا تغير قاموسك ولو ليوم واحد.. ما في فمك إلا الخبز.. الخبز.. ما بالخبز وحده يحيا الإنسان.. هناك أشياء أخرى غير الخبز.
- أنا لا اعرف غير الخبز... الخبز هو الذي يجعلني أشقى كي أعود به إلى البطون الجائعة التي تنتظرني في البيت..
- اتركنا يا مصطفى من هذا... هل سمعت خبر الصباح؟..
- لا..
- لقد فصلت من عملي..
- متى؟؟..
- اللحظة.
- لا عليك يا عبد السلام.. ألف مؤسسة صحفية تتمنى ضمك إلى طاقمها الصحفي... الحاج - حاجنا إبراهيم- سأكلمه في شأنك.. وكن واثقا أنك من الغد ستكون مهنا بجريدتنا اليومية، والتي كنت تخاصمها، وتكن لها العداء في مقالاتك وكتاباتك..
- الله يهديك يا مصطفى.. حاجكم أكثر غباء وأطول أذنين من مديرنا.. والله يا أخي لا اعرف كيف يحصلون على الترخيص لإصدار جريدة... مدير جريدتنا كان حلاقا.. وها هو يتبجح في مكتبه الوفير، ويملأ فمه بسيجار كوبي ثمين، لا يعرف إلا التوقيع، ووضع خاتم الأحمر.
- الترخيص سهل الحصول عليه.. وصل إيداع، وغرفة في عمارة آو دكان، وسكرتيرة جميلة، وخطي هاتف أو ثلاثة، وها هي الجريدة قائمة. مواضيع من هنا وهناك، وأخبار يتداولها الشارع.. وما دامت عندنا شواهد معطلة، فالمحررون بالوفرة، وفي جميع التخصصات، بتكوين وبدون تكوين.
- المهم اتركنا من وجع الدماغ هذا..
- أنت على حق يا عبد السلام.. قل لي.. أين ستذهب الآن؟.
- لن أذهب إلى أي مكان يا مصطفى.. سأشرب قهوتي ثم أعود إلى منزلي لأنام قليلا، ومساء سأتوجه إلى الحفرة[1] لأشرب بعض الكؤوس أغرق فيها مشاكلي، وهمومي.
- حسنا ...عندي اقتراح سديد..
- ما هو؟..
- ماذا تقول في الغذاء معي؟... تعرف أنني لا أعيش لوحدي مثلك.. زوجتي طباخة جيدة... ستعد وجبة شهية.. أريدك أن تشاركني إياها مع كأس من البر اندي، ثم نشاهد سوية بعض الأشرطة التي أحضرتها البارحة من سوق درب غلف.. وفي المساء نذهب إلى الحفرة ونحيي أيام زمان.. أيام الأنس، ونرجع ليالي أبي نواس وأشعاره الخمرية.


- 2-
كانت أمام مائدتهم مجموعة من القنينات الفارغة. أحس عبد السلام بدوار وبحاجة إلى إفراغ معدته، وبان رجليه أصبحتا متثاقلتين، وبأنه لن يستطيع أن يتحمل كأسا أخرى..
- أخ...أخ... أخي... مصطفى.. سأذهب.. يكفيني هذا.. عمت مساء.. هذا هو الوقت الذي أنام فيه..
خرج عبد السلام من الحفرة بعدما ودع صديقه مصطفى، ثم عرج من الأزقة التي اعتاد المرور منها. وما كاد يعبر الزقاق الأول حتى داهمته سيارة رمادية وألقت به بعيدا، فارتطم جسمه النحيل بالطوار... حاول القيام والوقوف، ولكن لم يقدر على ذلك، فقد أحس بألم شديد في ساقه اليمنى طير السكر من رأسه، والتثاقل من عينيه.
فتح باب السيارة، فخرجت منها فتاة سوداء الشعر ، بيضاء اللون، عسلية العينين. ترتعش وتبكي، وهي تمسك بخديها:
- يا ويلتي.. ماذا فعلت يا ربي.. لقد مات.. لقد مات.. قتلت هذا المسكين.. أنا السبب.. سأعدم جراء هذا..
واقتربت من عبد السلام الذي كان يتلوى من الألم:
- سيدي.. من فضلك سامحني.. سامحني.. لم أكن أقصد أن أصدمك.. لقد وقفت أمامي على حين غرة، ولم اعرف ماذا أفعل.. وكان الذي كان.. ولكن الحمد لله على انك ما زلت على قيد الحياة..
- ماذا؟.. هل كنت تريدين فرمي بالمرة؟..( يرد عبد السلام واضعا يده على ساقه التي تؤلمه كثيرا).
- حاشا لله يا سيدي.. لم اعرف بماذا ابتليت.. والذي وقع وقع.. والآن قل لي يا سيدي بماذا تحس؟..
- ساقي تؤلمني..
كان الزقاق خاليا إلا من بعض القطط التي تبحث عن قمامة تسد من محتوياتها رمقها..
- اسمعني يا سيدي جيدا.. إنني اعرف عيادة طبية على مقربة من هنا.. اتكئ علي، سآخذك في سيارتي إليها لتتلقى العلاجات اللازمة، ولن تدفع شيئا.. كل شيء سأتكلف به...
ولج عبد السلام السيارة بمساعدة الفتاة المضطربة، ثم طارت به إلى مصحة" العرب" التي كانت لا تبعد عن مكان الحادث إلا بعشر دقائق. لقد كشفت الصور والأشعة أن الساق بها كسر طفيف لا يتطلب إلا جبيرة لمدة خمسة عشر يوما.









- 3 -
في صباح جميل وجديد، فتح عبد السلام عينيه. كانت الغرفة التي ينام فيها جميلة، بيضاء. بجانب السرير باقة ورد وتلفاز أمامه، وبجانبه فتاة ارتعش لجمالها، ورفرف قلبه لحسنها:
- على سلامتك( تقول الفتاة). اسمي " نوال السبتي" صحفية بجريدة " البحيرة".
- صحفية؟.. وبجريدة "البحيرة" الشهيرة ؟..
- ما بك؟.. ألم يعجبك اسمي؟.. ألم تصدق؟..
- بلى... أعرف هذه الجريدة، وأقرأها باستمرار ولم أقرأ هذا الاسم، ولكن اسم السبتي ليس غريبا علي..
- أنا صحفية مبتدئة.. حصلت مؤخرا على إجازتي في اللغة الإنجليزية وآدابها. التحقت بهذه الجريدة لأكسب الخبرة الصحفية..آه.. نسيت.. لم تعرفني بنفسك..
- عبد السلام المحمدي.. صحفي سابق.. واليوم صحفي عاطل..
تضحك نوال مبينة عن أسنان كالذر المرصوص.
- عاطل؟ !!..هل أمثالك عاطلون؟.. هذه مصادفة عجيبة.. عبد السلام المحمدي أمامي بشحمه ولحمه؟ !!...أنا سعيدة جدا.. إنني من المتتبعات لمقالاتك وتحقيقاتك. أنا لا اصدق نفسي.. عبد السلام المحمدي أمامي؟.. القلم اللاذع، والصحفي اللامع الذي لا يهاب شيئا في الجهر بالحق..
- عفوا.. عفوا آنستي( يرد عبد السلام وقد صبغت حمرة محياه).
- هذه حقيقة.. ولكن ألومك على ما رأيته منك..
- وماذا رأيت مني؟..
- هذه العربدة، وهذا السكر.. لقد سمعت انك تعيش حياة بهيمية.. هل هذه الحياة التي تعيشها هي التي أثرت على عطائك مؤخرا؟.. أنا لا أعرف... كل ما اعرفه أن مقالاتك أصبحت لا تظهر إلا لماما.. ثم قل لي لماذا أنت عاطل الآن؟..
- لقد طردت من الجريدة..
- بسبب مقال ما؟..
- لا... بسبب سلوكي التي لم تعجب سيادة المدير العام..
- سلوكاتك؟ !!!... كيف؟..
- ادعى أنني مقصر في عملي، وأنني بهيمي.. وأناني، وكثير التأخيرات عن أوقات العمل، ومتهاون وهندامي لا يليق بالمؤسسة الصحفية التي أعمل بها..
- المهم... لا عليك.. كل شيء سيصلح في أوانه.. يمكنني أن أخدمك..
وما كادت تتم جملتها حتى دخل طبيب بوزرته البيضاء. بدين، صبغ الشيب فروة رأسه، ورغم ذلك لم تنل التجاعيد ولا السنوات من وجهه. وتقفز نزال نحوه ، تطبع قبلة على خده الأيمن.
- عبد السلام.. أقدم لك عمي البشير السبتي، مدير المصحة، واختصاصي في العظام والجراحة العامة. ( ثم تلتفت نحو عمها موجهة كلامها إليه).. عمي .. أقدم إليك عبد السلام المحمدي.. الصحافي المشهور..
ويسلم عليه عبد السلام بكل أدب واحترام.
- سعيد بمعرفتك يا سيد عبد السلام( يقول الدكتور). لو لم تكن هذه الساق المكسورة لما تعرفنا عليك... نحن في الواقع نعرفك كقلم، وتعجبنا كتاباتك، ونحن سعداء الآن بأن تكون نزيل مصحتنا، وساقك تحت رعايتنا.
- شكرا لكم سيدي الدكتور.




















- 4 -
بحديقة المصحة كان عبد السلام ونوال يتجولان بين أغراسها البهية، وأزهارها الزكية. وفجأة يتوقفان. يمسك يدها اليسرى وعكاز ته تحت إبطه الأيسر. يخاطبها وفي عينيه صيحة عميقة تنبئ بان نارا تتأجج داخله.
- آه... !!...صوتك يا نوال... صوتك.. طوفان من الحنان في دواخلي.. يجعل كل همومي تنقرض وتتلاشى. أنا الآن يا نوال مسكون بوجهك وبطيفك. ومفتون بحبك.. كثيرة هي علي هذه السعادة التي أحسها.. هل أنا في حلم أو علم؟.. نوال... نوال.. لا أخفيك. أنا خائف.. خائف ولا اعرف مماذا أنا خائف..
- خائف؟؟... ومما ذا يا عبد السلام؟..
- خائف يا نوال من غدر الزمان... خائف يا نوال من أن أكون في حلم لذيذ، وأفيق فأصحو على واقعي المر.. وأجدني أنني كنت في وهم، وأنك مجرد سراب أو نهار جميل ولى... صحيح يا نوال أنني منذ عرفتك أشياء كثيرة تغيرت في حياتي.. طوفان في داخلي، كلما ثار اكتسح القبح الراقد في.. حياتي بدأت أحس فيها بطعم آخر... كل شيء تغير فيها تقريبا.. احمد الله على أن سيارتك دهستني.. لأنك غسلتني من كل حماقاتي، وأعدتني من جديد.. صحيح يا نوال لقد جعلتني كائنا جديدا..
وتضحك نوال، ثم تقول:
- أريد أن أسألك يا عبد السلام..
- تفضلي..
- هل كنت تحبها؟؟..
- من؟.
- زوجتك..
- زينب؟.. الله يرحمها، ويوسع عليها ضائقة القبور( ويطلق تنهيدة عميقة).. كانت كل شيء في حياتي، لكن الموت خطفها مني.. لكن لماذا هذا السؤال يا نوال؟.
- أريد أن اعرف فقط.
- نوال أنت شيء آخر. لقد جعلتني أعاكس التيار وأسلم لك عناني.. إنك المسار الذي احلم بالسير فيه.
- والىن يا عبد السلام ظ.
- الآن؟.. الآن أحن إلى يوم جميل معك...لكن عندما أكون وحدي أبدأ أفكر في حالي، فيدب القرف إلى نفسي..
- لماذا تقول القرف؟. هل مني؟.
- حاشا لله يا نوال.. ولكن أفكر في وضعي.. لقد طردت من عملي، وعلي الآن أن ابحث عن مؤسسة صحفية أخرى لأضمن لنفسي حياة كريمة.. لدي التزامات.. وعلي أن أحافظ على هذه الالتزامات..
- لقد قلت لك سابقا- ( تقول مقاطعة إياه)- لا تفكر في الأمر... سأساعدك.. عطا لتك ستصبح في خبر كان..
- كيف يا نوال؟.
- لا تهتم.. لدي قريب له جريدة، ويبحث عن صحفي لامع مثلك.. وسيكون سعيدا إن قبلت العمل بجريدته.. وحتى وإن لم يكن سأجعله يقبل بدون شرط.. صحفي مثلك استثمار كبير للجريدة.
- صحيح؟
- أو تشك في قدراتك ومؤهلاتك يا عبد السلام؟.
- والله لا أعرف يا نوال.. أحيانا أشك في نفسي.. لا اعرف لماذا هذا النحس يطاردني في كل مكان..
- لا تقل هذا... ليكن أملك في الله كبيرا.. رحمة الله وسعت كل شيء.. لا تيأس من رحمة الله يا أخي..
- ونعم بالله... لكن يا نوال كل ما أريده أن أكون مثل جميع الناس.. أن أعيش كما أنا.. بكرامة.. لا أحب الذل والهوان.. هل نحن امة كتب عليها الذل والهوان.. لنعش ولو لمرة مرفوعي الرأس..
- سيكون يا عبد السلام.. أعدك بذلك.. ثم من قال لك انك ذليل ومهان؟..المهم حتى لا نضيع الوقت.. متى أردت يمكنني أخذك إلى هذا القريب لتتسلم عملك الجديد..
- صحيح؟..
- أما زلت تشك في الأمر؟. ثم قل لي لماذا لا تصدر جريدتك الخاصة بك؟.
- هل تمزحين؟. إصدار جريدة محترمة ومقبولة من طرف القراء يتطلب استثمارا ماليا كبيرا.. وأنا خائب في هذا الجانب كما تعرفين.. كل شيء إلا المال لا اعرف كيف أبقي عليه ولو لليلة واحدة.
- لا عليك.. يمكنني مساعدتك ماديا ومعنويا..
- ماذا؟..
- كما سمعت..
- نوال من فضلك لا تحرجيني أكثر.. أنا عبد السلام الصحفي المتواضع، أطمع في امرأة وأمد لها يدي.. ما كان هذا اليوم، ولا عشت أبدا..
- لا تنظر إلي هكذا يا عبد السلام.. لا تأخذ الأمر بحساسات زائدة... عندما يحين الأمر سترى.. إن غدا لناظره قريب.
- إن شاء الله يا نوال.. سنرى.. المهم دعي الأمر الآن..































البحر











- 1 -
- نوال.. بما أنني أزلت جبيرتي، فقد قررت الذهاب إلى مدينة الجديدة لزيارة والدتي بدوار المليحة، وأتمنى أن تكون الأيام التي سأقضيها هناك أيام تفكير وتأمل واخذ قرار..
- تذهب إلى الجديدة؟..
- نعم يا نوال..
- هل أرافقك؟..
- لا... أريد أن أكون لوحدي..
- أتهرب مني يا عبد السلام؟.
- أبدا.. ولكن أريد أن أراجع مسيرتي، وأتخذ قراري دونما استشارة أو مساعدة من احد.. أرجوك يا نوال.. أعطني وقتا، وفرصة للتفكير.. كما يجب أن تأخذي أنت أيضا الفرصة لمعرفتي جيدا..
- حاضر يا عبد السلام.. سأتركك تذهب.. ولكن إياك أن تنساني.. اتركني على اتصال بك دائما.. وأتمنى ألا يطول غيابك كثيرا..
- لا تخافي.. سأبقى على اتصال دائم بك..







- 2 -
كانت الحافلة القروية تنهب الطريق نهبا، وشريط "العلوة"[2] يثقب الأذان. تثاقلت عيناه واستسلمتا لنعاس خفيف.. صوت طفل يبكي، وصوت امرأة ينهره ليسكت.
من المحطة الطرقية أخذ عبد السلام سيارة أجرة قروية، قذفت به قرب طريق مسلكي يتجه مسافة ثلاثمائة متر نحو قرية تمتد على شكل شريط حلزوني.. كل شيء فيها يدل على أنها تغرق في جهالة وفقر شديد.
كان الاستقبال حارا.. الكل يحيط به، ويهنئه على سلامتهن ويرحب بمقدمه.. مزقت الأكياس البلاستيكية التي أحضرها معه من المدينة، واخرج ما فيها من زيت وسكر وشاي.. ونال كل زائر نصيبه... كان للسكر وللشاي سحر مصباح علاء الدين.. الكل هنا في هذه القرية البئيسة يعيش على السكر والشاي.. القوت اليومي لسكان القرية.
كانت فرحة الأم والإخوة بالعائد كبيرة.. فهي لديهم خروج عن المألوف اليومي، وتغيير في الوجبات، والانتقال بها من شظفها إلى دسمها وغناها.. وتلتفت الأم نحو ولدها سائلة إياه:
- ما كل هذه الغيبة الطويلة يا ولدي؟. لم تسأل عن أمك المسكينة.. هل أنا بخير أم لا؟. هل أنا مريضة أم معافاة؟.. هل أنا جائعة أو شبعى؟. مكسوة أو عارية؟. أخذتك المدينة عنا وأنستك أمك... المدينة أحسن منا.. آه.. نسيت. إننا بدويون.. رجاؤنا في الله كبير... ربيتك وكبرتك وأخذتك المدينة مني.. العوض على الله.
- حاشا لله يا أمي أن أنساك.. انتم في بالي دائما.. أمام عيني كل لحظة.. ولكن مشاغلي كثيرة، وعملي كان يمنعني من زيارتكم لأنني لا أجد وقتا.. فهذه الزيارة لم أتمكن منها إلا بمعاناة، وتدخلات. .. المهم هل تصلك البركة التي أرسلها إليك كل شهر مع بوعزة ولد الحمري صاحب الطاكسي.. فادعي لي يا أمي في صلواتك بان ييسر الله أمري، ويزيل ضائقتي ويفرج كربتي.
- الله يرضي عليك يا ولدي في الدنيا والآخرة. غنني أسامحك في الدنيا والآخرة( وتسأله باستغراب).. أراك يا ولدي تحمل هم الدنيا والآخرة.. ما بك؟. تعال واحك لأمك، ربما تجد راحتك.
ويضع رأسه على صدر أمه ويجهش بالبكاء.
- يا ولدي... ابك.. ابك.. نفس عن قلبك يا ولدي.. احك لامك لترتاح مما تعانيه.
- آه يا أمي... إنني أحس بالوحدة، وأشعر بالغربة... في داخلي كابوس مخيف.. كلما وضعت رأسي على المخدة تفزع عيني، فيستعصي عليها النوم.. غريب أنا في هذا الكون.. المدينة الغول تخيفني.. كل شيء فيها يخيفني، ورغم ذلك يعجبني العيش فيها.
- آه يا ولدي.. كم أنت مسكين... أحس معاناتك.. قلبي يقول لي أن جبلا تحمله فوق كاهلك.. ليتك تبوح لي بما يثقل ظهرك فأحمله عنك بعض وزره... يا صغيري أمك تعرف ما بك.. شوقك لزينب هو كل عنائك..
- زينب؟ !!... زينب يا أمي حرقتها في قلبي.. غادر تني فجأة.. لم أكن مستعدا لذلك.. ولكن هذا هو قدر الله.. ولا راد لقضائه وقدره.
- اسمعني يا ولدي جيدا... لماذا لا تتزوج؟. تزوج لتجد صدرا حنونا تلتجئ إليه وقت ضيقك... لا أريد أن أراك هكذا تذبل أمام عيني وتفنى مثل شمعة..
- أتزوج؟.( يضحك)... هل أمثالي يتزوجون؟.
وترد أمه باستنكار:
- ولم لا؟. هل تنقصك عين أو رجل أو يد؟. ألف فتاة تتمناك.. وإذا كنت تسمع كلامي وتريد مرضاتي، فتزوج ابنة خالتك" عائشة".. عائشة متعلمة... عائشة أكملت تعليمها... عائشة حصلت في الصيف الماضي على الشهادة الكبيرة، ولكن المسكينة لم يرزقها الله عملا. ما زالت تنتظر فرج الله... عائشة جميلة، ومليحة.. عائشة امرأة بكل المواصفات... اسمعني يا ولدي ، غدا نزور خالتك وبالمرة تشاهد عائشة.. لم تبق عائشة التي كنت تعرف..
- وهل عائشة أكملت تعليمها؟ !!( يسأل بفضول).
- نعم يا ولدي... لقد حصلت على الشهادة الكبيرة.
- تبارك الله.. تبارك الله.. رغم الظروف التي تعيشها المنطقة، والضائقة التي تعيشها أسرتها استطاعت الحصول على الإجازة.. لم اقن اعرف ذلك... وهل كبرت وأصبحت أنثى ناضجة؟. لم أكن اعرف ذلك.. وعموما يا آمي أنا لا أفكر في الزواج الآن.. إنني مشكلة على نفسي.. فما بالك إذا ما ارتبطت بامرأة، سأصبح مشكلة من نوع ثان..( يخرج سيجارة ويدخنها بعنف).
كان الترحاب به في بيت خالته" منانة" حارا، وقد أجلسه" العياشي" زوج خالته بجانبه، خاصة عندما لاحظ السكر والزيت الذي أحضرهما عبد السلام معه في هذه الزيارة المفاجئة.. دخلت عليهم عائشة بصينية الشاي، والفطائر المدهونة بالزبدة والعسل. كانت عائشة في كامل أنوثتها، ناهدة، قمحية اللون، ربعة القامة.. سلمت على الجميع وجلست قرب عبد السلام.
- كيف حالك يا عبد السلام؟.. وكيف حال المدينة؟.
- المدينة يا عائشة هي المدينة.
- كيف؟.
- المدينة يا عائشة غول يأكل مثلي ومثلك.. المدينة لا وجود لأمثالنا بها.. المدينة كلها مشاكل، وصخب، وجري وتيهان، ومليئة بالذئاب.. أما النعاج مثلنا فلا مكان لها بالمدينة.
- كل هذا وتعيش في هذا العالم المتناقض؟.
- أنا؟... أنا أعيش كيفما أرادت الأقدار وشاءت، أدور مع الزمان مثل جميع عباد الله... أعيش حسب الظروف.. أيامي محصورة ما بين المنزل والجريدة والمقهى.
- فقط؟..
- نعم... ليس لي هوايات أخرى.. أعيش على قدر حالي.. حتى طموحاتي أقبرتها.. نعم بحكم عملي معارفي كثيرة وعلى مختلف الألوان والأشكال.. ولكن أضع حدودا دائما لصداقاتي...
- مسكين أنت يا ابن خالتي !!!...كنت أظن انك سعيد باستقرارك في المدينة.. ولكن يظهر أنك تحمل جبلا فوق كتفيك.. ليكن الله في عونك.
استيقظ عبد السلام صباحا باكرا على صوت أمه وهي توقظه وتنبهه:
- عبد السلام.. استيقظ..
ويفتح عبد السلام عينيه المتثاقلتين :
- ماذا يا أمي؟..( يسألها وهو يتثاءب ويدعك عينيه)
- فطورك جاهز وهو مغطى هناك.. عندما تقوم من نومك وتغسل وجهك ، تناول فطورك وانتظرني حتى أعود..
- إلى أين أنت ذاهبة يا أمي في هذا الصباح الباكر، والشمس لم تشرق بعد؟..
- إنني ذاهبة يا ولدي إلى شاطئ البحر..
- شاطئ البحر؟ !!.. ولماذا يا أماه؟.
- إنه رزقنا وعيشنا...
- رزقكم.. وعيشكم؟.. لم أفهم ما تقصدين بذلك؟..
- الحكاية طويلة يا ولدي.. ويظهر أن المدينة أنستك حالنا..
- لم أفهم؟..
- ستفهم إن شاء الله.. وستعرف كل شيء عندما أعود..
- انتظريني قليلا ، سأرافقك..
حمل شباكها ورافقها إلى الشاطئ الذي كان يبعد عن الدوار مسافة ربع ساعة. كانت هناك مجموعة من نساء الدوار، ومن بينهن عائشة.. كل امرأة تحمل سلة أو شبكة. دخلن البحر بعدما كان في حالة جزر، وتعرت صخوره.
كن يجمعن الطحالب البحرية، ويضعنها في سلالهن، وشباكهن. أما عائشة فقد لبست لباسا جلديا خاصا بالغطس، ولحقت ببنات الدوار، حيث شرعن في الغطس مرة وثانية، ثم الطفو مرة وثانية لأخذ النفس، وكل واحدة تضع ما تقطفه من طحالب من قاع البحر في إطار جلدي كبير محاط بشبكة خضراء واسعة.
كان عبد السلام جالسا قبالة البحر يستمتع بحرارة الشمس التي بدأت ترتفع شيئا فشيئا، مراقبا النساء وهن في عملن، يغنين ويزغردن ويصلين على النبي الكريم.. وعندما بدأ المد حركته، خرجن ، وبدأن ينشرن ما جمعن من طحالب على الرمل الساخن لتجف.
جلست عائشة قرب عبد السلام، وهي تنشف شعرها المبتل، وقد صبغت الشمس وجهها بسمرة ذهبية زادتها جمالا وبهاء.
- كيف حالك يا عبد السلام؟..
- بخير.. وأنت يا عائشة؟.
- كما ترى.
- آه يا ابنة خالتي... سهرت الليالي للحصول على إجازتك في اللغة العربية وآدابها، وفي النهاية أصبحت غطاسة تخرجين الطحالب.. إن إجازتك تخول لك الحصول على وظيف محترم: مدرسة، أو صحفية..
- هل وجدت وظيفا ورفضته... بالله يا عبد السلام لا توقظ مواجعي..
- عائشة... لا بد أن آخذك معي إلى المدينة.. لن لأتركك على هذه الحال.. أنت تنتحرين.. أعدك.. أعدك يا عائشة.. سأتوسط لك في الحصول على عمل مناسب لك، ولقدراتك..
- ماذا تقول يا عبد السلام؟. تأخذني إلى المدينة؟. هل تتكلم بجد؟..
- نعم... أتشكين في ذلك؟..
- أبدا.. ولكن كلامك فاجأني.. لم أكن أتصور أنني سأحظى باهتمامك يوما..
- ألست ابنة خالتي؟
- ابنة خالتك فقط؟.
- ابنة خالتي.. ابنة خالتي وأريد مصلحتها. لا أريدها أن تفني عمرها في الغطس وجمع الطحالب.
- الحمد لله يا عبد السلام، لا يخصني أي خير.. أعيش وأسرتي في كفاف وعفاف..
- كفاك كذبا وادعاءا... هل هذا هو الخير؟.. اليوم بكامله وأنت ف البحر( ثم يستدير نحوها وجها لوجه).. ردي علي.. هل أنت موافقة على مرافقتي إلى المدينة؟. ماذا قلت؟.
- وبأية صفة أرافقك إلى المدينة يا عبد السلام؟.
- بصفتي ابن خالتك.. لم تجيبيني على سؤالي؟. هل توافقين على الذهاب إلى المدينة؟.
- بصفتك ابن خالتي لا تكفي( تضحك)، ولكن أذهب معك إلى الجحيم يا ابن خالتي إن شئت.. ولكن لا أعرف رأي والدي..
- لا عليك ، اتركي الأمر لي.. وبما انك ستغادرين البحر، فغدا سأغطس معك وسأجرب معك الحرفة الجديدة، وبالمرة أتسلى بها وأشغل وقتي..
- إنها صعبة عليك يا عبد السلام.
- صعبة؟.. وما الصعب فيها؟..
- أنت لا تعرف أي الطحالب نجمع..
- كل الطحالب على ما أظن..
- لا .. نحن نجمع ثلاثة أنواع من الطحالب: الحمراء مثل هذه( وتريه عينة) هي أجود الأنواع، وأصعبها في الجمع والإخراج، لأن الأمر يتطلب غطسا وأحيانا إلى مسافة أعمق، ودونما وسائل الغطس، إلا اللباس الجلدي القديم كما ترى.. لا نظارات ولا قنينة أوكسجين ولا أي شيء.. مخاطر كثيرة تتهددنا: تشنجات، أسماك الحنكليز وصعقاته المؤلمة، والمورينة وأسنانها القاطعة، والتيارات الباردة والجارفة. وقد تعرضت الكثير من البنات إلى الغرق أو الصمم لدخول الماء المالح لإلى صمام الأذن وطبلتها..
أما النوع الثاني فلونه أخضر ونسميه( الرطيبة) وهي أقل جودة وثمنان وهي قريبة من الساحل ، تلتصق بالحجارة.
أما النوع الثالث، فهو(الكريدة)، وهي أبخس الطحالب ثمنا، وتكون على الساحل، ويرميها الموج خارجا. ونساء الدوار كلهن يخرجن هذه الطحالب وينشرنها فوق الرمل الساخن لتجف، وفي العشية يأتي ( العبار) صاحب الميزان، ويشتريها منا ب 6 دراهم للكيلو المجفف، ودرهمين للطحالب المبللة. ومن هذه الدريهمات نعيش طيلة السنة، لأن جمع الطحالب لا يكون إلا في موسم الجمع والجني، وهو ما بين أول شهر يوليوز وأواخر غشت.
- وفي الأيام الأخرى يا عائشة، ماذا تفعلين؟.
- في الأيام الأخرى نجمع( اللميعة)، وهي نوع من الأصداف الغالية الثمن، ويتطلب البحث عنها جهدا، إذ نحفر عليها في الأماكن الرملية المبللة. كما نجمع الحلزون البحرين والبري كذلك، والقواقع وبلح البحر. نبيع السطل ب5 دراهم. هذا يعيننا على الشراء الدقيق والسكر والزيت. أما الفلاحة يا ابن خالتي فقد ماتت بالمنطقة، خاصة بعد الجفاف الذي ضرب بلدنا لسنوات. فالجفاف والقرض الفلاحي أيضا أجبرا الكثير من ساكنة الدوار على بيع أرضه وسكناه، والهجرة إلى المدينة.. أما شباب الدوار فقد بلعهم البحر كلهم... أكثريتهم هاجر إلى طنجة، وسبتة. هناك الهجرة السرية نشطة.. كلهم يحلمون بالهجرة إلى الضفة الأخرى... يتمنون أن يبتسم لهم الحظ و( يحرﮔوا ) إلى إسبانيا أو إيطاليا، عساهم أن يجدوا هناك حلمهم، ويجدون حالا أحسن من حالهم هنا في أرض الوطن..يقولون- والله اعلم- انه في أوربا القمامة غنية بالأحذية الجيدة، والآلات الكهربائية المنزلية التي زهد فيها أصحابها.. وبالثياب الجيدة التي غزت كل أسواقنا، ويتهافت عليها حتى الأحسن حالا لجودتها. فكثير من المهاجرين إلى الديار الأوروبية أو ( السافاريان) يعودون إلى أرض الوطن في العطل والمناسبات وسقف سياراتهم محملة بهذه البضائع المتلاشية التي يجمعونها من أماكن القمامة، ويبيعونها بالأسواق المغربية بأثمنة مرتفعة.. من عبر إلى الضفة الأخرى يا ابن خالتي فقد ولدته أمه ملفوفا في ثوب من حرير... أحيانا أفكر يا عبد السلام في أن أغامر أنا أيضا وأعبر البحر إلى الضفة الأخرى ربما أجد حلمي كناك..
- أنت تجهلين الكثير عن الضفة الأخرى، والمعاناة والمحن التي تنتظر العابر أو ( الحراﮒ).
- على كل حال هي أحسن من المحنة والضنك الذي نعيشه هنا ليل نهار وإلى الأبد..
- كل شيء سيصبح على ما يرام.. ستحلى أيامك.. ثقي بي... ثم قولي لي ، ألا تخافين البحر؟.
- الخوف يا عبد السلام ضروري.. والله لن أخفيك، كلما وضعت قدمي في الماء إلا وأشعر بخوف شديد، وقشعريرة تغلف بدني.. أحس كأنها المرة الأخيرة التي ستطأ فيها قدمي اليابسة.. أشعر برهبة كبيرة.. ويتملكني إحساس بأنني لن اخرج بعدها إلى الساحل.. ولكن كما ترى عمر الشاقي باق.. نعم لا أخفيك يا عبد السلام أحيانا أتساءل مع نفسي: لماذا أنا هنا؟. ماذا أفعل؟.. ولكن ليس لدي خيار.. كنت أحلم كباقي الفتيات.. قلت لأكمل تعليمي، وقد ألح عمي على أن أكمل دراستي، وأجبر أبي على ذلك. أخذني معه إلى مدينة الجديدة، واستطعت بصبر وجلد ومعاناة أن أحصل على إجازتي رغم كل ما كنت ألاقيه من زوجة عمي، وبناتها، خاصة وأن لا واحدة منهن استطاعت أن تحصل على الباكلوريا، اللائي كن ينظرن في خادمة فقط جاءت لتقوم بأعباء البيت عوض عنهن...
كنت أبيت الليل كله دون أن تدخل كسرة خبز فمين ولم أكن أخبر والدي بذلك حتى لا يخرماني من دراستي... تحملت كل شيء من أجل الحصول على هذه الشهادة لأنني كنت أعتقد أنها ستحل لي جميع الأبواب، وتفتح أمامي كل الآفاق.. ولكن كل اليوم كلما نظرت إلى هذه الشهادة أحتقر نفسي وألومها على الجهد الذي أضعته سدى.. لذا فضلت أن أشغل نفسي بجمع الطحالب وإعانة أسرتي عوض أن أقف أمام البرلمان معتصمة مع باقي المعطلين الحاصلين على مختلف الشواهد، والذين تكسر ضلوعهم هراوات فرق التدخل السريع..
نعم يا عبد السلام.. سنوات من عمري ضاعت.. فاتني قطار الوظيفة.. وألجمتني العنوسة.. لقد حلمت أن بهذه الملونة التي سلمتني إياها الجامعة يمكنني أن أرفع عن أسرتي بعضا من معاناتها.. ولكن بشهادتي أصبحت عالة على أسرتي.. كانت تنظر إلي أنني سأكون سببا في تحسين حياتها.. وكنت انظر في عيني والدي فرحة تجعله يصيح في الدوار:<< انظروا يا أهل الدوار هاهي بنت عباس.. ابنتي حصلت على الشهادة الكبيرة.. هاهي بنت عباس موظفة كبيرة..>>... ولكن هاهي بنت عباس على هذا الشاطئ البئيس تجمع الطحالب لتزيل بها بعضا من عطا لتها، وبعضا من بؤسها.( وتجهش عائشة بالبكاء ثم تستأنف حديثها).. لكن يا ابن خالتي.. ها أنت ترى.. فقد عدت إلى القرية كما خرجت منها أول مرة.. عدت إليها كسيرة الجناح، بلا طموح ولا أمل.. أصبحت عالة على والدي.. حتى الزواج فشلت فيه.. لم يتقدم إلي أي عريس لأستتر بظله، لأنهم يقولون بان المدينة أفسدت طباعي، وأخلاقي.. ثم ماذا يفعل قروي بمتعلمة مثلي؟. لهذا يا عبد السلام قررت النزول إلى البحر كباقي فتيات الدوار لأساعد أسرتي ولو بهذه الدريهمات.. أحلامي يا عبد السلام أغرقتها ذات يوم بالبحر.
- لم أكن اعرف – يا عائشة- أنك تحملين كل هذا الهم... تشبثي بالأمل.. غدا ستشرق في صباحك شمس جديدة.. ثقي بذلك.
- أملي في الله كبير يا عبد السلام.
- عائشة.. إني أخاف عليك من هذا البحر..
- آه.. كم تتعتعني كلماتك هذه وتعيد إلي الأمل في الحياة.. وتجعلني أعيد بعض أحلامي الجميلة رغم أنني أغرقتها كلها ذات يوم بالبحر.
- يجب – يا عائشة- ألا تنزلي إلى البحر من اليوم..
- وماذا سأقدم لهذه الأفواه التي تنتظرني كل مساء؟.. كيف سأرد شماتة والدتي وأخواتي.. كلهن إذا تأخرت ينادينني:<< قومي أيتها البائرة.. أمثالك في البحر يبحثن عن لقمتهن..شمري على ساعديك يا باردة القلب>>.. إن البحر يا عبد السلام الملاذ الوحيد الذي أجد فيه نفسي، أجد فيه عزائي لنفسين ومتنفسا لمعاناتي.. آه.. يا عبد السلام كم أتمنى أن أغوص هنا وأطفو في الضفة الأخرى، لأبني مستقبلي.. البحر يا عبد السلام أصبح عيشنا وقوتنا بعدما تكسر محراثنا، وتصدأ معولنا.. إن الخمسين درهما التي أحصل عليها من البحر تجنبني نظرة أبي الناقمة وكلمات أمي اللاهبة.. أتدري انه كلما تعسر الحال بنا إلا وقرعني أبي بكلماته التي تنفذ إلى قلبي مثل طلقة نارية :<< التي لا تسمع كلام والديها لا تجد أمامها إلا العكس والنحس.. لينفعك عمك الآن..>>.. إن كلامهم يا عبد السلام وشماتتهم تشبه وخز الإبر..
- ولكن يا عائشة إلى متى؟.. إلى متى؟.
- والله لا اعرف يا عبد السلام.. سيبقى البحر حالي إلى أن يضع الله لي مخرجا.. أحس أن البحر سيكون خاتمتي.. إنه يتوعدني بمخاطره.. فكم من مرة وقعت في" الشناقر"...
- الشناقر؟ !!!
وتضحك عائشة عاليا. ثم تقولك
- اسمح لي يا ابن خالتي.. لقد نسيت أن المدينة أنستك مصطلحات بلدتنا، ومحت بنات المدينة ذاكرتك من كل ماضيك الطفولي..
- ما هذا الكلام يا عائشة؟..
- أمزح معك فقط..

  مشاركة رقم : 2 (الرابط)  
قديم 02-05-2009, 03:37 PM
الصورة الرمزية محمد داني
مشرف حوار النصوص و قسم التربية و النعليم

رقم العضوية : 258
تاريخ التسجيل : May 2008
المشاركات : 2,301
بمعدل : 3.43 يوميا

محمد داني غير متصل عرض البوم صور محمد داني



كاتب الموضوع : محمد داني المنتدى : الروايـة
افتراضي

تابع لرواية ( أقوى من البحر)

الشناقر يا عبد السلام هي الحفر التي بين الصخور، وهي خطيرة جدا. فكم من شخص سقط في الشناقر وغطاه الموج، فمات غريقا.
- وهذا ما أخافه عليك.. زيادة على أن ماء البحر سيسبب لك الحساسية، والروماتيزم، والرمد، والصمم، وتصبح عيناك حمرا وتين ودامعتين طول الوقت.بالإضافة – لا قدر الله- إلى الإصابة بسرطان الجلد، والثعلبة والإكزيما، وجفاف الشعر.
أما المخاطر التي تتسببين فيها للبيئة فكثيرة. فبنتف الطحالب تساهمين في التصحر المائي. ولذلك السمك يهرب إلى مصايد أخرى لأنه
لا يجد ما يقتات به، ولا أين يضع بيضه.. المهم من الآن اعملي حسابك.. إنك ستذهبين معي إلى المدينة إن شاء الله..
- ووالدي يا عبد السلام؟..





















الحادثة



















في مواجهة البحر.. اخذ عبد السلام ينظر بعينين ذابلتين... ينظر النساء وهن يغطسن ثم يخرجن.. وأخريات ينشرن الطحالب فوق الرمال الساخنة.. ذقنه المشوك، وسريله القصير، وشعره الأشعث، ولفحة الشمس البادية على محياه تعطي صورة على انه من الصيادين..
يضع يديه فوق ركبتيه ثم يخاطب نفسه قائلا:
- آه.. يا لقلة حيلتي... !!!.. ماذا لو شاهدتني نوال على هذه الحال؟.. أين أنت يا نوال؟.. لقد نسيت ها وسط هذا الزحام الذي يعج به رأسي... لقد اشتقت إليك يا نوال.. ماذا ستقول عندما أقدم إليها عائشة؟.. ألن تغير منها؟.. ثم قل لي يا عبد السلام: ماذا تفعل هنا؟.. لقد طال مقامك هنا؟.. آستبدلت المدينة بهذا الدوار الساحلي؟... أتريد أن تهرب من مشكلتك؟..لم أكن أعرف انك ضعيف بهذا الشكل... إنك تشبه النعامة، فماذا تنتظر، أدخل رأسك في الرمل حتى لا تعميك العاصفة.
آه.. لم اعد احتمل هذا المكان.. البحر يخيفني... أخاف من مائه.. أخاف من هديره... لا ادري لم أصبح اليوم قلبي مقبوضا.. اللهم لطفك.. مثل هذه الحالة شعرت بها عندما كنت صغيرا، سني لم يتجاوز العاشرة، حين عم خبر غرق عمي الزموري..
كان الزموري " مارك سبيتز" دوارنا، لا يخشى البحر. الزموري كان يجيد السباحة.. صنع زورقا تقليديا استغله في الصيد الساحلي.. يعيش مما تلتقطه شباكه من أسماك.. لكن كان مدمنا على شرب الخمر والكحول.. ربما بهذا الشرب كان يتغلب على خوفه من البحر.. وذات يوم وجدوه معلقا في شباكه غريقا.. البعض يقول بأنه فقد توازنه وسقط في الماء فعلق في الشباك ولم يكن معه أحد من صبيانه.. والبعض الآخر – وهم الأكثر- يقولون بان جنية البحر أغرقته ليلا لأنها عشقته ولم يكثرت لعشقها... من هنا أصبحت اكره البحر، ولا أثق فيه..
وفجأة يقطع صياح النسوة مناجاته:
- عبد السلام.. عبد السلام.. وا اعتق الروح...
يقفز عبد السلام من مكانه، وينتبه إلى مصدر الصوت
- ماذا؟.. ماذا؟..( يقف مكانه).
- عبد السلام.. عبد السلام.. أسرع.. أسرع.. المسكينة لن تغرب عليها شمس هذا الصباح.. ذهبت في شربة ماء( تقول امرأة)..
وتصيح أخرى قائلة:
- المسكينة... عائشة.. عائشة ابتلعها البحر..ابتلعها البحر.. اختارها ملوك البحر وأسياده... الله ..يا لأمها المسكينة..
- ماذا؟.. ماذا أسمع؟..هذا ما كنت أخاف منه. ما بها عائشة؟.
- ابتلعها البحر...
- ماذا؟.
- غرقت.. الله يصبرك يا ولدي.. لقد وجدناها عالقة بين الشناقر وقد غطاها الموج.. ماتت المسكينة في عز شبابها.. لم ينتبه لها احد..( تقول امرأة).
ويتسمر عبد السلام في مكانه لهول الصدمة.. تمتلئ عيناه دمعا.. يسقط جسده فوق الرمل.. ويدفن وجهه فيه...
اخرج رجال الدرك الجثة بعدما التقطوا لها عدة صور بعين المكان. ثم اخذوا أقوال الحاضرين، وأسماءهم ورقم بطاقتهم الوطنية، وحملوا الجثة إلى مستودع الأموات بالجديدة.

- 2 -
كانت ساعة الدفن رهيبة. الكل يولول، ويصرخ، ويحث التراب على رأسه. أما عبد السلام فقد طالت لحيته وكلح وجهه، وشحبت عيناهن وأطبق في صمت رهيب.
- يا ولدي العن الشيطان( تقول أمه عندما لاحظته على هذه الحال)... عد إلى رشدك يا ولدي.. البقاء لله.. رحمة الله على عائشة.. مكتوب ومقدر لها أن تموت هكذا.. الله يجعل البركة في الباقي...
- يا أمي.. أنت لا تعرفين كم أعاني... منحوس أنا.. لعنة حلت بي... أي مكان أذهب إليه إلا وتحل فيه مصيبة.
- العن الشيطان يا ولدي.. كل شيء بحكمته، وأمره.. إنك متعلم.. هل أبين لك الأمور أنا التي لم ألج مدرسة.. إنك متعلم وعارف بكل شيء..
- الدنيا اسودت في عيني يا أماه... البارحة... البارحة كلمتها، ووعدتها بان آخذها معي إلى المدينة... البارحة كنت تزينين لي الزواج بها... لعنة حلت بي... كنت أريد أن أغيرها وأغير حياتي..
- الله لم يشأ ذلك يا ولدي... هذه مشيئة الله... أتكفر بقضاء الله وقدره؟..
- ليس هذا هو المشكل يا أماه.. ولكن... ولكن هذا البحر يطاردني منذ صغري... يريدني أنا.. وعندما لم يستطع بدأ يخطف مني اعز الناس إلي... البارحة أخذ مني عمي الزموري، وإبراهيم، وحميد، واليوم أخذ مني عائشة... أخذها من أمامي في واضحة النهار( وينظر إلى البحر رافعا قبضته).. أيها البحر... أيها البحر اللعين... لن تستطيع أن تمحو عائشة من ذاكرتي... لن تستطيع أن تزيل كل شيء جميل في... لن تستطيع.. لن تستطيع( ويجثم على ركبتيه باكيا).
- يا ولدي ما هذه الترهات... عد إلى رشدك.. واستغفر الله..
- البحر يتحداكم كلكم.. يتحداكم... جميعا... سيأخذكم واحدا واحدا...أعرف ذلك... أعرف على من الدور الآن... لن أمكنه مني.. لن أمكنه مني..( يقهقه عاليا) اللعنة على دواركم... اللعنة على دواركم.. اللعنة على طحالبكم، وقواقعكم...ويسيح في العراء صائحا.
وتضرب الأم فخديها، وتلطم خديها وتصيح بكل حسرة:
- الله يا رب.. ولدي عين وأصابته.. ولدي فقد عقله... اللهم لطفك.. اللهم لطفك..
- 3 -
مر على الحادث شهر وعبد السلام لم يحلق ذقنه، ولا مشط شعره، أو غير ثيابه.. كل من رآه يقول مجنون قذف به الدوار إلى شاطئ البحر.. كل يوم يجلس قبالة البحر يتأمل في صمت الموج المصطخب، والمكان الذي وجدوا فيه عائشة غرقى.. ويظل طيلة يومه هكذا إلى أن يحل الظلام.. وإذا ما تأخر ، تأتي أمه أو احد من إخوته لأخذه إلى المنزل.
جلس قبالة البحر كعادته وفي نفسه بركان صاخب... اليقظة كانت عنيفة عندما وجد نفسه وجها لوجه مع البحر... في نظراته حزن عميق... وعلى وجهه رسمت أن جميع الأبواب قد سدت أمام عينيه.. ، وكل من رآه يقول : الله يستر.. البارحة كان بعقله واليوم طار له الفرخ... وبدون مقدمات بدأ يكلم نفسه كالمجنون:
- أما زالت تحت الرماد جمر يمكنه أن يشعل النار من جديد؟... أيمكنه أن يتأجج ليقاوم هذا البحر الجبار؟... أما زال أمل في الحياة؟.. أيمكنك يا نفسي أن تهزمين خوفي من البحر؟.. لقد كانت عائشة تهزم خوفي من البحر، وتطرد شبح موجه من ذهني.. رأسي سكنه دوار وصداع، وغثيان.. ما أبشع أن أجدني بلا حيلة أمام هذا الجبار العنيد.. !!!.
بهذه الكلمات كان عبد السلام يغرق شيئا فشيئا في سواد عميق من الفشل والشعور بالخيبة، والانهيار. ودون أن يعرف ماذا يفعل، هب واقفا كأن عفريتا ركبه، ويصيح بكل قوته حتى استدار نحوه كل من كان في الشاطئ..
- عائشة.. عائشة.. انتظريني ..انتظريني ها أنا قادم إليك...لا تخافي أنا قادم إليك.. سأقهر البحر.. سأقهر البحر..أنا أقوى منه.. أنا أقوى منه.. ناري لا يطفئها إلا نار البحر... عائشة ابقي مكانك، أنا قادم إليك اللحظة..
ويعدو نحو الموج المتلاطم ويلقي بنفسه فيه أمام مرأى واندهاش الجميع.. وفجأة يصيح أحد الصيادين.
- امنعوه.. امنعوه.. الأحمق لا يعرف ماذا يفعل.. أسرعوا.. أسرعوا.. قبل أن يبتلعه الموج هو الآخر..
ويهرع كل من في الشاطئ.. يخرجون عبد السلام الذي كان يتنطط وسطهم آمرا إياهم بتركه لمصيره..
تمدد عبد السلام فوق الرمل الساخن والدمع يملأ عينيه وهو يتمتم بكلمات وجمل متقطعة:
- لماذا.. لماذا؟.. اتركوني.. دعوني وشأني.. عائشة تنتظرني هناك... هناك..
- عبد السلام.. الرجوع إلى الله يا ولدي( يقول جارهم الحاج مبارك).
ويغرق عبد السلام رأسه بين ساعديه، ويجهش بالبكاء كطفل صغير...أخذه الرجال إلى منزل أمه ، التي كانت تولول وتصرخ، وتلطم وجهها بعدما حكوا لها الأمر..
- الله عليك يا ولدي...عين وأصابتك.. كنت زهرة شبابك.. لا اعرف من أين حلت علينا هذه اللعنة..
- أختي زينت.. البكاء لا يجدي نفعا... يجب أن تعالجي ابنك قبل فوات الأوان..( تقول جارتها حادة).
- ماذا تقصدين يا حادة؟..
- خذي ولدك إلى الفقيه الحسين.. فهو مشهور بصرعه الجان.. ربما يكون الشفاء على يديه.. فبركته ظاهرة للعيان..
شخب عبد السلام ببصره إلى أعلى غائصا في عالمه.. غيرت له أمه ثيابه ونظفته بعض الشيء، ثم مددته على السرير وغطته بإزار أزرق نظيف.. ساعتها دخل الفقيه الحسين يحمل عدته.. جلس بالقرب من عبد السلام. وضع يده على جبهته واخذ يقرأ سورة ( يس) ثم ( البقرة).
- اسمعيني جيدا يا لالة زينب...( يقول الفقيه الحسين) ولدك لا بد أن تأخذيه إلى ضريح سيدي مسعود بن احساين أو إلى ضريح بويا عمر. لقد أصبح هذا الضريح مصحة نفسية دولية تعالج الحالات التي مثل حالة ولدك عبد السلام.. بركة هذا الولي الصالح تجاوزت الحدود..
- حاضر أسيدي الفقيه.. أنا خادمة الجواد.. أنا طالبة التسليم..
- لا لة زينب.. سأذهب معك، وسآخذ كم في سيارتي البيكوب( يقول المكي).


















الجنون





















- 1 -
هل تسمعونني.. انتم يا من تتلصصون علي من ثقب جدرانكم؟.. فاسمعوني واحكوا للقادمين ما سمعتم وما ستسمعونه..
اليوم تبدأ رحلتي.. رحلتي التي لا تشبه أي رحلة... قبل أن أبدأ الرحلة فتشني جهابذة المصحة من كل الجهات.. فتشوا في كل الردهات علهم يجدوا ما يفسرون به جنوني الذي أكدوه من أول نظرة...
لا اعرف كيف أيقظتني أفكاري في هزيع الليل.. أمامي أقراص منومة حمراء. ابتلعت منها خمسة. ورغم ذلك تمردت عيناي ولم تطيعاني على النوم.. وفي سهري هذا فجأة جلس بالقرب مني فان غوخ.. مسكين فان غوخ.. آه .. لو رأيتموه.. بؤس العالم في عينيه. إنه يدمن شرب القهوة..
مسكين فان غوخ... إنه يريد الرحلة مثلي. لكن عليه أن يتقن لغة الحيوان والمقامات.. وحتى وإن أتقنها تلزمه مئات التأشيرات، ورخص العبور، واجتياز المعابر والممرات، ونقط التفتيش.. لا تسألوني عن ابن بطوطة، وابن ماجد، وماركو بولو فقد رحلوا قبل أن تصدر هيأة الأمم المتحدة قرارها الألف.. ونحن جئنا بعد القرار الألف..
ها هو فان غوخ يضحكن وأنا أيضا اضحك.. ألا تدرون لماذا نضحك؟... إن ابن بطلان يسرد مقاماته، والقراد في جامع الفنا يرقص قرده البني. والجاحظ في الساحة العامة يجلد بخيلا من بخلائه لأنه خرج عن القانون العام لجمعية البخلاء..
لم أكن أتوقع أن تصدر الأمم المتحدة القرار بان أدخل المكتبة لأتعلم لغة أمي.. رغم أنني كبرت في المقامات والمعلقات.. أمي تنظر إلي وتبكي.. أنظر إليها وأضحك.. أقرأ في عينيها صوتها المتوهج الذي يقول: << ابني ضاع.. ابني ضاع.. يد ما بطشت به.. سحرته.. عين أصابته>>.
نعم.. حياتي مقلوبة.. لم أجد لحد الآن جوابا على أسئلتي التي بحثت عنها في الحيوان، وسألت عنها جمعية البخلاء، واستمعت من اجلها كل المقامات رغم أن السهر والجلوس أرضا يضنيني..
زوارنا كثر.. ينظرون إلي باستغراب. أقرأ الحمق والجنون في عيونهم، وعلى شفاههم اعرف أنهم حمقى.. أصرخ في وجههم:<< كلكم حمقى. أعرف أنكم حمقى. أنا الوحيد العاقل فيكم.. جنوني هو العقل، وعقلكم هو الجنون>>.. الذين حولي يبكون لمنظري، يتغامزون بالوصفات والأبخرة، والأدعية والتمائم.. إنهم مجانين، مساكين، أشفق لحالهم.. إنهم لا يفهمون لغتي غم أنها لغة أمي.. أعرف أنكم لم ولن تفهموا كلامي لأننا لا نجيد التواصل.. هل نحن متوافقون؟؟..أم أن لكل منا جهازه اللاقط؟. ربما هذا هو السبب الذي جعل الكل يوجه صحنه الهوائي إلى جهة يفهم لغتها.. نتكلم خمسين لغة. نفهم مائة لسان، ورغم ذلك لا نتفاهم.. ولا نجيد التواصل.
ضحكت كثيرا لهذا المشهد الذي سأقصه عليك الآن. وأنا واقف بمكتب التأشيرات بالقنصلية الأمريكية، عندما رغبت يوما في المشاركة في قرعة الحصول على البطاقة الخضراء لدخول أمريكا... إلدورادو تنتظرني هناك.. ولو أن الكثير من أقراني يفضلون إلدورادو الجديدة بالسواحل الأيبيرية.. لم أكن أعرف أنني مهم إلى هذه الدرجة..
- أحمد؟.. اسمك أحمد؟..
- نعم... أحمد هو اسمي، ومثبت في جواز سفري..
- أحمد، أنت ممنوع من السفر..
- ممنوع من السفر؟.. ماذا تقولون؟..
- كما سمعت..
- لماذا؟..
- إذا أعطيناك تأشيرة المرور، وسمحنا لك بالدخول والخروج فمن سيفسر أحلامنا...؟.
- كثيرون... اليونسكو.. هيأة الأمم المتحدة.. صندوق النقد الدولي.. محكمة العدل الدولية.. كثيرون.. كثيرون...
- كلها عجزت عن تفسير أحلامنا.. وبما انك أنت الوحيد الذي تستطيع تفسير رؤيانا التي تكاثرت هذه الأيام ، فلن نسمح لك بالخروج...
- أإلى هذا الحد نحن بارعون في تفسير الأحلام؟...حسنا أنبئوني بأحلامكم..
- وجدنا أنفسنا بضيعة فسيحة. كل شيء فيها أبيض. خيولها بيضاء. نساؤها بيض.. بيوتها بيضاء.. كل شيء أبيض ما عدا ردهاتها السوداء.. وجدنا أنفسنا أمام طاولة كبيرة بيضاء ندبج قانون تصدير القهوة وقانون جعل ضريح بويا عمر مصلحة نفسية دولية.
- رؤيتكم واضحة وجلية.. وتأويلها سهل.. سيخرج فيكم إميلا جديدا إلى الطبيعة رغم أن جان جاك روسو تبرأ من إميل علانية... وستغرس أشواككم في عين الشمس ومغربها.. في كل مكان سيوقد لكم موقد وستغني لكم كل عجوز درداء أغنية النفط الأحمر الجديدة..
ها أنا بين جدران مغلفة بالفلين.. جدران تغلف صمتي.. تكتم حكمتي.. تجعلني لا أمارس امتدادي عبر العالم اللامتناهي.. انتم حمقى.. كلكم حمقى.. تنقصكم الإرادة.. لا تعرفون أن الإرادة هي محبة الخير، والمحبة والخير غير مطبوعين فيكم.. انتم عاطلون عن التفاعل والفاعلية.. عاطلون عن الذوبان في مداري.. حواسكم معطلة، قاصرة وأفكاركم غير مطابقة.. حاولوا أن تهربوا من كراهيتكم، أو اهربوا من كراهيتي، فلن أعبد شهواتكم ل،كم كلكم مجانين.. إنني أستشعر حزنكم وخوفكم وغضبكم، وبالتالي أستشعر جنونكم... انتم قابعون في جهلكم، تنتظرونني في ضريحكم الذي حولتموه بقدرة قادر إلى مصحة نفسية.. تزعمون أنها جنة، فاستمتعوا بحمقي الذي تدعون، وأشبعوا جسمي بهراواتكم.. لن تضيرني هراواتكم فقد ألفت نغزها.. لم يبق لكم إلا أن تشبعوا جسمي بحقنكم وبأقراصكم الحمراء.. لكن لن تكونوا أبدا في عالمي..
إنني أسمعكم من زنزانتي المغلفة التي وضعتموني فيها قهرا.. أسمعكم وحقيقتكم في عقلي... أسمعكم تعملون، تتحدثون، تتضاحكون... أسمعكم تخافون...
أعرف انه يخيفكم أن يزورني ( جيم) كل مرة.. جيم مدير محطة القطار المجاورة.. لقد زارني البارحة.. ها أنا يا جيم أصرخ عليك من النافدة.. من صومعة المصحة.. آه يا جيم:

Jump gim crown, jump gim crown

اقفز على كعبيك.. اقفز على أصابع رجليك، وكلما درت دورة اقفز يا جيم، واصرخن ثم اركع على ركبتيك.. ضع يديك على خصريك واصرخ يا جيم، ربما يعرفون أننا نحن العقلاء.
إنني داخل هذه الزنزانة المغلفة، أعيد إلى ذاكرتي أغانيها القديمة علني أخرج تعقلي الطفولي..
في هذه اللحظة دخل الطبيب المكلف بحالتي، احتار في إيجاد جواب لمشكلتي.. احتار في تفسير نوع جنوني – كما يدعي- ..قال لأمي ذات مساء:<< ولدك مصاب بالشيزوفرينية>>.. لم تعرف أمي ماذا يقول هذا الطبيب الأصلع.. لكن أمي وجدت الجواب:<< ابني يا دكتور ليس به ما قلت.. شي..شي..شيزي فوني...ولدي يا دكتور مسته عين حاسدة، ناقمة... من يوم أن فقدها أصبحت حياته جحيما>>..
- من هي يا سيدتي؟( يسأل الدكتور)..
- ابنة خالته دكتور.... ابنة خالته... ابنة خالته يا دكتور التي اختطفها البحر لأنها تحدته...
مساكين.. أسمعهم يتحدثون.. سذج... المجنون من يعيش وسط هذا التخلف.. الدكتور يستمع لامي بشغف فاغرا فمه.. عالم حمقى.. دائما يتهمون المرأة وان معاناة الرجل المرأة... يقولون إن مأساة شمشون امرأة، حلقت رأسه حتى أصبح مثل الرخامة البيضاء بعدما ملقته بحسنها، وأغرته بجمالها وكان الذي كان... حمقى.. إنهم يصدقون هذه القصة.. إنني أسمع صراخا كالبارحة.. إنه صديقي( دوستويفسكي) احضروه البارحة دائنوه، وأدخلوه مصحة ضريح بويا عمر تحت اسم مستعار.. إنه يصرخ كل يوم وفي نفس الساعة.. راسكولينوف يحضر له كل يوم لفافة تبغ أتقاسمها أنا وإياه سوية، ونحن جالسان إلى القمر...أحدثه إلى أن ينام، حينها أعود إلى زنزانتي المغلقة.












- 2 -
هاهي رسائلهم تصلني إلى مصحة ضريح بويا عمر. أقرأ فيها أن الجنون والثقافة والكتابة رموز غريبة. تدفعني إلى الرحيل المطرز بصراخي، وإلى ندائي المتكرر منذ عهد الطفولة. لم تكن نداءاتي ابتهالات، ولا نوعا من طلب النجدة ولكن طرطقة شرخ يتقوى في جذوعي. يذكرني بين الفينة والأخرى بالرقيق الذي يتعب كل يوم من أجل أن يلبس في عيني العيش والصبر، ويدفن التشويه الذي خلقته في تساؤلاتي المتطاحنة العبثية.. لم ينفعني في مهباتي هذه حلمي.. حلمي فارغ... كبير يأخذني إلى معبر أصعد من خلاله الأحداث..
هكذا كنت اكبر في نفسي... نفسي التي اهتزت صورتها منذ أن غادر تني زينب، ثم عائشة.. وأصبحت بعدهما محطم البنيان، في قبضة يدي شظايا معركة، وعبادة مرهقة، وحظ أعرج.. فأصبحت أعبر كل لحظة من بين رأسي الممزق إلى وجهي التي يتدفق جراحا...هكذا كنت أحلم.. فكيف أوافق بين رغباتي وجنوني.. بين حلمي وتعقلي..
زينب.. هل هي تنتظرني.. وكم ستنتظر حين يتلاشى الغروب سريعا، ويظهر أزيز خطواتي.. ينفض الغبار الخفيف.. فتبزغ طلعتي.. حينها أراها وفي عينيها أغنية.. ويتدفق العشق على خديها حمرة.. وخجلا طفيفا..
بذلتي البنية، وأربتي المخططة الجميلة.. وعطري الواقعي يفجر صمتي.. وحينئذ كل النظرات تكبر دون شجاعة وأنا أمر إلى حلمي الجميل..
لم أكن أعرف أن زينب ستتركني وحيدا، ولا عائشة.. لأذهب إلى حلمي وحيدا.. صوت غريب يدفعني إلى أن أترك نفسي تعيش تجربتها وحدها. ليس هذا ثقة مني، لأنني أخاف أن تقود الثقة حلمي وتعقلي، ونفسي إلى الجنون. ولكن أريدني أن أتعلم بنفسي كيف أستقل بحلمي... فلا أخفيكم.. كم أشقاني هذا السؤال، عندما احترت في الاختيار، وبالتالي احترت في الجواب..
- هل أحمد على ما يرام؟.
احترت في الجواب.. بماذا أرد؟.. وأنا اعرف أنني أتغير في داخلي كل لحظة.. إنهم يريدون مني أن أرسمني أمامهم بسيطا، مجردا من كل الأصباغ والألوان.. ولكن،كيف؟.. إن هذا الأمر يحيرني، ويجعلني أفتح فمي بضحكة عريضة عالية..
سأخبركم... زينب تسكن في منذ الأزل.. منذ صغري وأنا أحب الغزل، وأعشق مغازلة النساء، ونسيب الفتيات... عشرة أعوام وأنا أسأل عن لغز الكلمات التي جعلت الحب يعربد في أوصالها، وسحر الآهات التي جعلت ساقيها المنصوبتين تهرعان إلى لقائي، ويديها ترتجف بين يدي.. ولا كيف جعلتها تبالغ في الاهتمام بمظهرها وهي قادمة إلي..
إنني أكرهكم يا سدنة الضريح، وأبطال المصحة.. أكرهكم جميعا لأنكم أصبحتم تتزاحمون في رأسي وفي صوري...
ها هي قد دقت في عيني الخامسة مساء.. كل شيء ساكن رتيب.. حتى دقات الساعة وطنين ذبابة كادت أن تلمس أنفي.. أقوم في كسل، أتوجه نحو الثلاجة لألبي طلبات مجتمعي الاستهلاكي. أول ما لامست أصابعي.. زجاجة الكوكاكولا.. هنا انبثق في عيني الدرة، وأزقة غزة..
- يجب أن ترمي بالكوكاكولا.. ارم بها بعيدا.. إنها رجس من عمل الشيطان...
هكذا قلت لنفسي.. ولكن.. كباقي مساكين العالم، كيف أقاوم سحر الكوكاكولا. ففي سحر الكوكاكولا سحر أمريكا، وجنون أمريكا وحلم أمريكا، وفتنة أمريكا، وجمال أمريكا، وقبح أمريكا...
ولكن لا علي.. لقد قرأت فيما مضى في كتاب الجبرتي انه إذا أردت أن أقاوم إغراء الكوكاكولا، فما علي إلا أن أغير ظهري. فمن الصعب على عربي مثلي أن يغير ظهره بهذه السهولة.. لقد ألفت النغز والقرص والدغدغة...
نعم... صدفة، وجدتني اتفق مع نفسي، ونقرر نحن الاثنين الانصراف مهمومين. أعرف أن طموحي أكبر مني. وأنني أخاف أن أغمض عيني، وأفتحهما فأجد أنهم قد أخذوا ثلاجتي، وأنهم لن يزودوني أبدا بزجاجات الكوكاكولا، ولا بالهمبورغر. بل سيسلقونني بالشاي والزيتون، والهريسة المالحة. هذه هي الاشتراكية التي تريدون أن أحلم بها، واحكم بها نفسي.
في هذه اللحظة أخذتكم جميعا من يدكم وأوصلتكم إلى ثقب صغير بالغرفة. كانت عينكم اليمنى تتسلل منها، وتستقر على الخال الأسود الرابض فوق خيبتي الثقيلة. فأنتم أيضا أمام موقفي.. لم تستطيعوا مقاومة إغراء الكوكاكولا ولا نعومة المالبورو..
إنني مقصوص اليدين، أفرح لحزنكم واحزن لفرحكم.. ولكن الآن قررت أن أرضخ لكم كي أعدد أدواركم الكثيرة.. لقد لابست ذكرياتكم ولامستها وهي تخالط الأعاجيب.. أعرف أنكم تنظرون إلي نظرة إشفاق. تقولون:<< ضاع المسكين.. والله ضاع المسكين>>.. لذا يجب أن أدور من حال إلى حال. وسأعمل بما قاله لي يوما صديقي أبو دلف الخز رجي:
لا تلزم حالة ولكن در بالليالي كما تدور
إنني أراني فيكم، وأمي تخاطبني ودمعها على خديها:<< ما بك يا ولدي.. عين وأصابتك>>.. إنني انظر إليها بشفقة، وفي عيني كلام وكلام، وشفتاي تهمس بإصرار:<< العقل عيب ولوم.. هذا زمان الجنون.. ولا عاقل فيه إلا المجنون.. كلكم مجانين وأنا الوحيد العاقل>>




- 3 -
ها أنا أنظر في المرآة بعيني الطحلبيتين. هدوء يحفر معابري. إنني أبحث عن جذور في قديمة.. أجناس كثيرون يرددون في سيرة ذي يزن. لقد كنت أعشق أن أركب مع زينب الرخ.. كانت تعجبني أجنحته. لقد قلت ذات يوم بأنها كانت مغطاة بريش ناعم مخملي. وعندما كنت احكي رحلاتي الجوية الم****ة، كانت أمي تبكي وتنوحن والزوار يقولون:<< الله يستر... القرايا أخرجت له عقله>>.
إنني أضحك، وأضحك.. وفي ضحكاتي يتسابق قداس الكلمات، فيومئ بالبياض والحضور والغياب... إن النهاية في اللقاء.. وعيسى جارنا يهمس في أذن أمي:<< النهاية لا تكون إلا بليلة عيساوية أو كناوية، وذبيحة سوداء>>... مساكين إنهم أبرياء براءة البلاغة العربية.
انظروا أنتم أيها المجانين...انظروا أترون من الزائر؟... من الجالس الآن بجانبي؟.. إنه صديقي فان غوخ.. كانت لنا حكايات مشتركة وهم واحد وأمسيات أدمنا فيها شرب القهوة العربية، وحرق السجائر السوداء الرخيصة.. آه... كم غازلنا القمر !!... وكم استمعنا سوية إلى أبي زيد السروجي وهو يتأسد، ويلبس لكل زمان لبوسا..
فان غوخ يعرف أن ألفاظي عرقى، وان صهيلي يرهب الحاضرين.. فالكل يقول بأن بي مس من الجن، ومتلبس بروح حصان.. هل صحيح يا صحابي أن الأرواح تلبس أبداننا؟ وكيف تتعامل مع روحنا الأصلية؟. هل تنسخها؟.
كان الوقت ظهرا. وكان القيظ وهجا.. خرجت أزحف في أزقة حارتنا زحفا. رائحة عرقي تقلقني... خرجت ولم أعد... غبت أربعة أيام.. لا اعرف أين.. الكل ارتاح:<< الحمد لله لقد ارتحنا من صخبه، وجنونه>>، الكل يبحث عني حتى بعض رجال الضريح المكلفين بحراستي.. الكل يراقب الطريق علهم يجدونني في ردهات من ردهاتها.. واكتشفت وللمرة الألف.. وفرحت بهذا الاكتشاف.. اكتشفت أن ساحة الفنا قد بلطت بالرخام والزليج الأحمر، وأثمر نخيلها بلحا ذهبيا. وسألت فعرفت أنها تستعد لاستقبال مؤتمرا لصلع، وستحضره جميع الجمعيات الوطنية والدولية .
كل الجرائد والمجلات، حتى المجلات المتخصصة في المساحيق والأفرشة، والطبخ تتكلم وبإسهاب عن هذا الاجتماع الخاص بالجمعيات.. انظروا ها هو سرفانتس يعد نص خطبته الذي سيلقيه في الجلسة الافتتاحية، ولكن لست ادري إن كان سيلقيه باللغة العربية.
لكن.. أخبروني.. من يكون ذاك الأشقر الوسيم؟.. أليس( حاييم) ذاك الذي يبيع الظلام معلبا في دمية باربي؟.
إذا كنتم تريدون الحق، فقد سمعت بأنه حكيم كل الجمعيات، ومخططها.. لقد صنع سيناريو مؤتمر 1956 و 1967 و 1991 ويقال- والله أعلم- أنه يخطط الآن لسيناريو جديد، ربما يرشحه لنيل جائزة الأوسكار.. من يدري؟.


- 4 -
ها أنا ألبس حذائي الترابي، وأخرج وفي روحي لهيب يخجل من ضوء النهار... ألقى النهار وأنا اعرف أنني أخاف النهار.. أعشق الليل، وأحيا في الليل. قد قلت لما عدت بعد غيبتي التي طالت أربعة أيام، أنني كنت في ضيافة أبولو، وقد أعطاني السهام والقوس لقتل البيثون..
كنت اعلم أنه بعد قتل البيثون سيجدونني في غبش الفجر، قرب السنديانة الصغيرة مغمض العينين، مغبر الجبين. أئن وأكز على لساني المتصلب لأنني أخاف طعم الأقراص الحمراء.. أمي تقول كعادتها:<< ضاع ولدي.. ضاع وإلى الأبد. أعرف أنكم تروني أقف بلا عينين، مكسور الجناح، ذائب الخاطر.. أحاول أن أكثم عنكم حزني، فقد عهدتموني ثائرا كالشلال.. وها أنا ساقط في جنوني، وفي صمتي تطل عليكم عيناي، وقد خبا ذاك البريق الذي كان يلمع نشوة وغبطة.. لذا أخبركم بأنني سأجمع شتات جسمي الهزيل، وأفتح جبهة أخرى للصبر والسلام . حرب واحدة تكفيني.. على الريق سأفتح الجبهة، وسأرسم بالخيط والكتان مولد شيخوختي..
إنني أكرهكم.. أكرهكم.. لأنكم تريدون أن تحرموني تعقلي.. أو كما تدعون، جنوني.. اتركوني لعالمي، واذهبوا إلى عالمكم.. دعوني وشأني... لماذا تقفون موقف الوصي على جنوني، أو تعقلي.. أنا أرفضكم وأرفض عالمكم.. كما أرفض فوضاكم بما أنكم ترفضون القدوم إلى عالمي. فأنا أرفض أي حوار معكم.. اسمعوني كلكم... إنني الآن أنتظر زائرا مهما ولا أريدكم أن تمنعوه من زيارتي.. آه.. ها هو قادم بينكم. فافسحوا له الطريق.. أتدرون من هو؟.. سأقدمه إليكم بعدما تقومون نحوه بواجب الضيافة.. لا ضير ولو انه لا توجد عندكم إلا الهراوة والأقراص الحمراء، والحقن الساخنة..
لا تخافي يا أماه... أتدرين يا أماه من هو هذا الزائر؟.
- لا أرى زائرا يا ولدي...
- ألا ترين هذا الرجل العظيم بعمامته الخضراء، وعباءته البنية، وبردته الرمادية الحريرية؟.
ويضحك بعض الزائرين شماتة:<< إنها هلوسة الشياطين>>.
هذا الرجل- يا أماه- هو أبو الوليد بن احمد بن محمد بن رشد، جاءني شاكيا. فقد سماه بورخيس بابن رساد، وأحيانا يناديه بابن رايست. واعتبر هذا خطأ في التسمية، وتحريفا للقبه واسمه. وسيرفع أمره إلى المأمون لينظر في القضية. وحتى تتم معالجة ملفه سيمكث عندي على الرحب والسعة، فلا تقلقوه..
حتى أرسطو- يا سامعين- ضاق منه، لأنه شرح لأرسطو ما كان يجب أن يقوله رغم أن خلافا نشب بين الرجلين حول المأساة والملهاة. إنه يريد أن يعرف نفسه ومن يكون، لذلك جاء عندي. فهو الوحيد بينكم الذي يقدر مكانتي ويعرف قدري..
أعتقد- يا أمي – أنه حان الوقت لأعلن للزوار أطروحة بعض دجاليكم، وهي أن ثمة صراعا وسباقا بيني وبينكم.. تزعمون أن لغتي جامدة، وعقيدتي فاسدة، وصراخي احتجاجا، ودفاعي عن جنوني إرهابا.. أنتم ديمقراطيون إلى حد التخمة.. أما أنا فلا زلت أتلمس الطريق الأولى التي تؤدي بي إلى حدودك يا فان غوخ..
تابع

  مشاركة رقم : 3 (الرابط)  
قديم 02-05-2009, 04:14 PM
الصورة الرمزية محمد داني
مشرف حوار النصوص و قسم التربية و النعليم

رقم العضوية : 258
تاريخ التسجيل : May 2008
المشاركات : 2,301
بمعدل : 3.43 يوميا

محمد داني غير متصل عرض البوم صور محمد داني



كاتب الموضوع : محمد داني المنتدى : الروايـة
افتراضي

تابع

5 -
لا تسألوني ماذا ربحت من جنوني... إنني ربحت ما يشبه الكرامة.. ربحت صحوة أخرجتني من الرذائل والتملق، وعرفت أن الطبيب والفقيه في حالتي شيء واحد.. أعرف أن العقل خيط رفيع يخلق للحياة اتزانها وتعقلها ومنطقها.. ولكن أنا أرفض هذا الخيط ما دامت الحياة أفراحا وأحزانا، سعادة وشقاء، لقاءا وفراقا..
أنا لم أدع وحيا أبدا... هذه إشراقات نورانية تتغشاني، تجعلني اهتف بمنطوقي. وهذا هو الذي جعل سدنة ضريح بويا عمر لا يرضخون لرغباتي، ولا يسمعون لحكمتي.. وبالتالي لا يرخصون لي بالخروج والاتزان النفسي..
هؤلاء السدنة زواحف جوراسية خلقها الله في هذا الكون، تثير الرعب والرغبة في القيء والبصاق.. أشعلوا حربا في رأسي، وأصبح الخروج منها يكلفني كل يوم بلع أقراص مختلفة الألوان والأحجام والطعم..
أراكم تهرطقون.. تنطقون ولا تسمعون.. هل أنا الذي به صمم؟.. أم أن حبالكم الصوتية تقطعت وتلاشت. لغتي غير لغتكم، ولو أنكم حكمتم علي بتعلم لغة الملائكة، وأرسلتم لجنة التفتيش إلى دار الحكمة، وأصدرتم الأمر بإحراقها، وإراقة مدادها نهارا.. كبرياؤكم يجعلكم انتم الكبرياء.. وهذا يجعل سياقي غير سياقكم، وحياتي غير حياتكم.. أمس بينما انتم تتشدقون وتضحكون، وتأكلون وتنامون، كنت في سوق صناعة الكلام وجدت أبا هلال العسكري يزين( الصناعتين) ثم يفرقها بالمجان... كان أما جمهور من الفضوليين والفضلاء.. كلهم رفضوا أن يأخذوا منه كتابه.. فصاح فيهم: << اسمعوا أيها الناس..اسمعوا وأوعوا البالغة من صفة الكلام.. البلاغة تصحيح الأقسام واختيار الكلام.. وكل ما يجلب الشر الخير فيه السكوت>>. فافهموا وإلا اصمتوا واسكتوا- رحمكم الله- فكلماتكم بدون جدوى، فاصمتوا وإلا انهمروا إلى السد يم..
ستكذبون رغم أن أبا هلال علمكم أن البلاغة اختيار الكلام.. فلن تجديكم حيلة الإتيان بدم كذب.. كلنا يعرف القصة.. ابحثوا عن ذريعة أخرى.. فلن تعفيكم أسلاككم ولا مصحاتكم عن تقليص المسافة بين غبنكم وموتكم. واعلموا أنكم مهما كبرتم لن تكبروا، ولن تعلوا على قواميسي التي جمعتها. فإلى متى وانتم تدارون وجوهكم وراء أقنعة مهترئة؟.
مخطئ- يا أمي- من يظن أنني سأخفي جنوني.. مخطئ من يظم أنني سأطفئ جسدي.. تقولين يا أمي أن سبب جنوني- كما تدعين- امرأة.. لماذا نحمل المرأة سبب هزيمتنا؟. سبب عدم تفاهمنا؟..سبب انعدام تواصلنا؟.. إننا نفهم المرأة فهما معوجا.. وبالتالي فهمنا للحب كفهمنا للخبز والماء والهواء والنوم والاستيقاظ.. لا فرق بيننا وبين البهيمة إلا في الشكل والأوصاف..
كلنا مخطئون.. نفتح عيوننا على القنوات ونغلقها على القنوات... حياتنا إشهار وإعلانات وأخبار ورياضة... ورغم ذلك لم نخرج من بدائيتنا.. لم نخرج من بداوتنا.. لم نحرج من جهلنا.. ومن ضعفنا.. أليس هذا تحالفا مع الشيطان؟...
يدخل في هذه اللحظة أربعة شداد من سدنة الضريح،إلى غرفته الزنزانة التي ربط فيها بالسلاسل. يفكون وثاقه ثم يقتادونه بالقوة إلى غرفة صغيرة مظلمة، تعج بالبخور، ودخان عيدان الند... أجلسوه أمام فقيه شيخ . نظر إليه وأخذ يده ثم التفت إلى أم عبد السلام التي كانت تجلس في ركن من أركان الغرفة تنظر المشهد صامتة وهي تذرف دمعا.. وخاطبها بقوله:
- ولدك سيدتي سيكون بخير.. لا تحزني سيكون بخير... الذي أطلبه منك أن تتركيني أعمل..
وبإشارة منه التف زبانيته الأربعة بعيد السلام وأخذوا ينعقون بآيات قرآنية مفهومة وغير مفهومة.
كان عبد السلام ينظر إليهم والخوف في عينيه.. لا يفهم شيئا. يرى أفواههم تنفتح وتنغلق، وعيون تنظر إليه، جاحظة كأنها تريد أن تبتلعه. بعدها اخذ كبيرهم بلغته وأخذ ينهال عليه بها والأربعة لا يتوقفون عن قراءتهم الرعدية التي كان يشوبها الكثير من اللحن والتحريف.. ومع كل ضربة كان عبد السلام يتلوى ألما ويصيح:
- ابتعدوا عني... ابتعدوا عني.. ماذا فعلت لكم...؟.
ومع صياحه كان الضرب يشتد ويزداد. كما كان الشيخ يصيح في وجهه بعدما أخذ خنصره وضغط عليه بظفره.. فطار عبد السلام من الألم.. لم يرأف الشيخ لحاله بل صاح فيه:
- اخرج.. اخرج من هذا الجسد الفاني، البريء.. اخرج من هذا الجسد العليل عليك اللعنة في الدنيا والآخرة.
ويصيح عبد السلام والدمع ينهمر غزيرا من عينيه:
- دعني وشاني... اترك أصبعي.. اترك أصبعي...
ويرد عليه الشيخ بغلظة مع الضغط أكثر على الأصبع..
- قلت لك اخرج من هذا الجسد الفاني.. ألا تسمع؟.اخرج يا ملعون بحق سيدنا سليمان.. ألم تجد مكانا تسكن فيه إلا هذا الجسد ...
- ماذا تريد مني... ماذا تريد مني بحق السماء؟.
- أن تخرج من هذا الجسد..أن تبتعد عن هذا الشاب.. اتركه لامه...
وحتى يتجنب عبد السلام هذا التعذيب صاح ملء فمه:
- حاضر سأخرج.. سأخرج.. سأفعل ما تأمرني به..
ويستوي الشيخ في جلسته وقد ظهرت على ملامحه تباشير الانتصار، ونشوة الظفر:
- اخرج الآن.. أستخرج الآن ؟..
- نعم..
- أتعدني انك لن تعود إلى هذا الجسد؟..
- أعدك... لن أعود أبدا..
وما إن نطق عبد السلام بهذه الجملة حتى توقف الضرب وأطلق السيخ يده، ثم التفت إلى الأم المسكينة قائلا:
- هاهو ولدك قد عاد إليك.. على سلامته.. يجب أن تحضري غدا الذبيحة لتتسلمي ولدك...
- حاضر سيدي... والله ينفعني ببركاتك وبركات بويا عم

- 6 -
مر شهر على عودة عبد السلام من الضريح المصحة إلى دوار المليحة... كان نحيفا ، ذابلا. بدأ يسترجع شيئا فشيئا هدوءه النفسي.. وضع يديه على خديه واخذ يكلم نفسه:
- ماذا أفعل هنا؟... أية غباوة قادتني إلى هنا؟. مستحيل أن أكون أنا عبد السلام المحمدي ... هل أنا في القرون الوسطى؟.. لماذا أصبحت هكذا ظ..أهذا كله ضعف مني؟.. يجب أن أخرج من هذا المكان.. يجب أن أعود إلى عالمي.. أن أعود إلى عملي... ماذا أفعل هنا؟.. جئت لأستريح فعاكستني الدنيا.. الدنيا مقلوبة ربما أنا المقلوب...المصائب منذ قدومي إلى هنا وهي تتناسل وتتكاثر ، لتتدفق فوق رأسي .. كل من أحببتهم غاد روني فجأة.. أناس زمان كانوا على صواب حينما اعتزلوا الدنيا، وانقطعوا عن البشر في قمم الجبال.. ولكن من سيتركني في عزلتي وفي خلوتي.. إذا ما فعلت ذلك، يقف علي أصحاب الحال.. والمخزن لا يمزح.. سيلفقون لي تهمة شغل الملك العام بدون ترخيص، وادخل ساعتها طاحونة لا تتوقف...
لا بد أن أعود إلى المدينة.. لا بد أن أعود.. عالمي هناك.. وجودي هناك... أخطأت عندما جئت إلى هنا....كان هناك نور بدأ يشع ولكنني أطفأته عوض أن أقويه وأحفه بيدي...آه.. يا نوال..كيف أنت الآن؟.. ماذا تقولين عني بعد كل هذا الغياب؟..جئتك متأخرا بعدما أقلعت السفينة...إنني أضعتك أنت أيضا وسط هذا الزحام.. أما زلت تذكريني؟.. آه.. ما أشد غبائي !!!..لم أستطع لجبني أن اطل نحوك.. هل أستطيع أن أعود إليك.. وأرى فيك نفسي من جديد؟.. أنت الحظ الذي لم أجده بعد.. لكن لا أريد جرحا آخر .. لا أريد جرحا آخر... لا أريد لا نوال ولا صداع الرأس.. ثم قل لي يا عبد السلام.. هي تنظر إلي كاسم لامع وصحفي مشهور، تريد أن تضعه كورقة رابحة.. لا تكن يا عبد السلام مغرورا... من أنت؟.. من أنا؟.. ماذا أعطاني هذا الاسم؟.. لا شيء.. لا شيء غير الحسد والمرض، والجنون... يجب أن أعود.. يجب أن أعود إلى المدينة وأتصل بنوال.. لا بد أن اتصل بها لأعرف وليطمئن قلبي... لن اخسر شيئا..
وفي المساء بينما الكل يستمع إلى أخبار الثامنة، خاطب أمه قائلا:
- أمي... سأعود إلى المدينة..
كان لكلامه وقع القنبلة:
- ماذا؟.. تعود إلى المدينة؟.. لقد ألفناك يا ولدي.. ثم صحتك.. أخاف على صحتك..
- من فضلك يا أمي.. إن كنت تعزيني دعيني أغادر هذا المكان.. أحس فيه بالاختناق..
- يا ولدي أنا خائفة عليك...
- لا تخافي يا أماه.. ادعي لي فقط بالتوفيق.. والستر..
- الله يرضي عليك يا ولدي.. قلبي نعك.. الهم نجه يا رب من كل بلية وأبعد عليه أولاد الحرام..



العودة
























- 1 -
- عبد السلام؟ !!.. متى عدت؟.
- البارحة يا نوال..
- وما هذه الغيبة التي طالت أكثر من اللازم؟...كنت انوي اللحاق بك.. ولكنني لم أعرف أين.. ثم قل ليك لماذا لم تتصل بي طول هذا الوقت؟.. لقد شوشتني عليك... ما بك يا عبد السلام؟. ملامحك تغيرت كثيرا..
- لا شيء يا نوال..
- بالعكس.. حزن كبير في عينيك.. ما بك يا عبد السلام؟.
- التعاسة يا نوال تلاحقني.. لم أر يوما جميلا قط في حياتي..
وتقاطعه:
- حتى معي..؟.
- أنت شيء آخر يا نوال...أنت الحلاوة التي تأتي بعد الدواء المر.. والله يا نوال أصبحت أكثر نحسا من ابن الرومي.. مصيبة تلو مصيبة.. في نفس اليوم طردت من الجريدة، وكسرت ساقي، وعندما ذهبت إلى الدوار للنسيان وإراحة الأعصاب، وجدت ألوانا من المصائب تنتظرني..
- ماذا؟ !!..
- كما سمعت يا نوال.. نفسي بها شرخ كبير...
- احك لي يا عبد السلام.. أريد أن اعرف..
- وماذا ستعرفين؟.. لا شيء جدير بان يسمع..
- حرام عليك.. أفرغ لي قلبك.. ربما اخفف عنك بعض معاناتك..
ودون أن يجد عبد السلام حيلة.. حكى لها كل ما جرى له من الألف إلى الياء.. بعدما غطى الدمع خديه..
تنهد تنهيدة طويلة ونظر إلى نوال بعينين كلها حزن يشع من وسطه بريق أمل بعيد... كانت نوال تسمع وتبكي. لم تتمالك نفسها إلا وهي ترمي بنفسها بين أحضانه مجهشة بالبكاء الذي غطى على كلماتها:
- آه يا حبيبي.. لم أكن اعرف. لم أكن اعرف انك تعرضت إلى كل هذا... تقبل عزائي الحار في ابنة خالتك...آه لو كنت اعلم لما تركتك هناك تتعرض لكل هذا العذاب.. يجب أن آخذك إلى عمي ليكشف عليك..
- لا تشغلي بالك...المهم. سأذهب إلى الكرنفال لأغرق نفسي في كأس قهوة سوداء بدون سكر.. لقد اشتقت إلى أجواء الكرنفال.. ربما..
وتقاطعه نوال:
- عبد السلام.. لقد عاهدتني من قبل بألا تقرب الخمر أبدا..
- نوال.. لقد أصبحت شخصا آخر... ثم لقد سئت الظن بي.. كان قصدي.. دعينا من كل هذا.. أترافقينني لشرب فنجان قهوة؟.. ثم ليكن في علمك.. إمكانياتي المادية لا تسمح بأكثر من ذلك... فماذا قلت؟.
- فيما ذا؟.
- فنجان قهوة.
- حاضر يا عبد السلام.. وبكل سرور.. سأذهب معك إلى الكرنفال ولن تكون قهوة سوداء، بل شايا بالحليب والكعكع...
- 2 -
كانت المقهى هادئة.. أنغام شريط التيتانيك وصوت "سيلين ديون" كخرير ماء ينساب رقراقا ،يغرق فضاء المقهى في جو من الشاعرية...
وجوه تتحدث، وأفواه ترتشف أقداحها.. يجلس عبد السلام في ركنه المفضل وبجانبه نوال.. تتشابك نظراتهما.. يمسك يدها بين يديه.. يحدق فيها طويلا ثم يقول لها:
- أنت هي الأمل الوحيد يا نوال.. الأمل الذي أتعلق به اليوم أكثر من أمس.. لم يبق لي شيء بعد الله إلا أنت.. أنت البصيص المتبقي لي... ولكن أخاف أن أضيعك في زحمة نفسي.. وأفقدك في لحظة بحث عن توازني..
- لا تخف يا عبد السلام.. أنا متعودة على الزحام.. وصدقني أريد أن أشاركك حمل هذا الهم الذي ينيخ بثقله على صدرك... أطلب منك أن تنسى ما فات.. وتعال لنبدأ الخطو من جديد.. ستكون أيامنا يا عبد السلام حلوة، وسعيدة..
- صحيح يا نوال؟..
- نعم يا عبد السلام..
- لا أخفيك يا نوال إنني خائف..
- لا تخف يا عبد السلام.. كل شيء بأمر الله وقدره.. ثم عليك أن تكون متفائلا.. وبداية عندي لك خبر سار..
- خبر سار؟.. جميع الأخبار التي أتوصل بها لا تكون سارة..
- أتشك في كلامي؟..
- أبدا... ولكن... لا يهم.. ما هو هذا الخبر السار يا آنستي الجميلة...؟.
- اسمع يا سيدي.. والدي قرر توظيفك بجريدته..
- وهل والدك مدير جريدة؟... لهذا قلت سالفا أين سمعت هذا الاسم.. لم يكن غريبا علي...
- نعم والدي هو " إبراهيم السبتي"، المدير العام وصاحب جريدة( الصوت الحر). وقد قال لي بالحرف:<< إن عبد السلام طاقة صحفية، لا يجب التفريط فيها... عبد السلام المحمدي كنز ثمين لجريدتنا..>>. فهو يعرفك حق المعرفة، يتتبع كل مقالاتك.. هو في انتظارك الآن.. ماذا قلت؟..
- لا تحرجيني يا نوال أكثر من اللازم..
- أنا لا أحرجك يا عبد السلام.. أنت كفاءة.. ووالدي يبحث عن الكفاءات ويحب ضمها إلى جريدته.. هل نذهب إليه الآن؟..
- تعرفين أنني لا أستطيع أن أقول لك لا.. حكم القوي على الضعيف... هيا نذهب يا جميلتي.








- 3 -
كان مكتب السيد إبراهيم السبتي فخما.. تراكمت الأوراق والملفات فوقه هنا وهناك... وراء الكرسي حاسوب أنيق، وهاتف ثابت، وقربه هاتفان نقالان.. أما في الجهة اليسرى من المكتب، توجد مكتبة كبيرة مكتظة بأنواع الكتب والمجلات والمجلدات، والقواميس باللغتين.. أمامه كراسي ثلاثة جلدية، ومائدة زجاجية صغيرة.
- بابا.. أقدم إليك السيد عبد السلام المحمدي..
- أهلا.. أهلا( ويقف لاستقباله).. أهلا بك يا سيد عبد السلام.. أعرفه يا نوال حق المعرفة.. من لا يعرف عبد السلام.. المدينة كلها تعرف عبد السلام.. مرحبا بك يا عبد السلام بيننا.. نحن نعتز بك في طاقمنا.. اعتبر من الآن أن الجريدة جريدتك.. من اليوم أنت رئيس قسم التحقيقات الصحفية بالجريدة، ورئيس تحريرها أيضا.. أموافق أنت؟..
- ماذا؟.. رئيس قسم التحقيقات الصحفية ورئيس تحريرها مرة واحدة... هذا كرم منك سيد كمال..
- أنا أعرفك واعرف مؤهلاتك... وأعرف مقالاتك ... مواضيعك، ومطارحاتك الصحفية كلها عندي.. وأعتبرها ملفك الإداري.. أنت لست في حاجة إلى تمرين.. أو أن توضع تحت الملاحظة... صراحة الحاج مديرك السابق لم يقدر هذا الكنز الذي هو أنت.. سيندم على فعلته.. كن واثقا من ذلك.. بالمرة سأكلفك بمهمة.. ليست صعبة عليك..
- ما هي سيد السبتي؟...
- سأعهد إليك من الآن بتكوين صحفية هي تحت التمرين...
- صحفية؟.. ومن تكون؟..
- ابنتي نوال.. أريدك أن تكون مسؤولا عن تمرينها.. وأريدك أن تنقل إليها تجربتك وطريقتك في البحث والتحقيق الصحفي.. وان تجعل منها صحفية مشهورة مثلك..
- عفوا سيد السبتي... أشكرك على هذه الثقة، ولكن المسألة ليست سهلة كما تتصور..
- لا أريد أن أسمع نقاشا في الأمر.. هذه أول مهامك.. ولو لم أكن اعرف انك ستنجح فيها ما كلفتك بها.. وعلى فكرة... نوال معجبة بك كثيرا.. ومعجبة بخطك الصحفي..
لم يجد عبد السلام ما يقوله غير الإذعان لطلب السيد السبتي، الذي ضغط على زر أمامه، فدخل الشاوش علي ببذلته الكاكية وطربوشه الأحمر..
- نعم.. سيدي المدير..
- خذ السيد عبد السلام إلى مكتبه، ليباشر عمله...
- حاضر سيدي.( ثم يلتفت نحو عبد السلام ويقول له).. تفضل سيدي..








العاصفة























- 1 -
- أريد أن أخبرك يا نوال بأمر هام، أثار فضولي هنا بالجريدة، وجعلني أطرح عدة أسئلة..
- ماذا يا عبد السلام؟.. عن أي شيء تريد أن تخبرني؟...
- لقد لفت انتباهي عمر.. مكتبه كثير الزوار... مكتبه دائما ممتلئ بأناس ليس لهم علاقة بالمؤسسة ولا بالجريدة.. زواره من كل الأعمار..
- هذا يعود إلى المنصب الذي يشغله.. إنه المدير التجاري المسؤول عن المبيعات، والاشتراكات، والتسويق.. وكذلك عن الإشهار والإعلانات..زيادة على إمساكه قسم الموارد البشرية... وهذا أمر طبيعي أن يكون مكتبه يعرف هذه الحركة غير العادية..
- لقد بحثت في بعض الوثائق، وفي اتصال هاتفي مع مؤسسة التوزيع ، فوجدت أن الجريدة مبيعاتها لا بأس بها، ولكن المصاريف كثيرة.. مراسلونا كثر، ومتعاونونا بالجملة رغم أن بعضهم لم يرسل ولو حرفا إلى الجريدة منذ شهور.. لا نشاط لهم.. هم صحفيون أشباح ينتمون إلى هذه المؤسسة... بم تفسرين هذا؟.. لذا أطلب منك تنبيه والدك، وأوقفيه على الأمر كله..
- عبد السلام.. ماذا تقصد؟. أتشك في أمر ما؟..
- أتمنى أن تكون ش**** في غير محلها.. ولكن على العموم نبهي والدك للمسألة حتى يتخذ الإجراءات اللازمة... كما يجب أن تطلبي منه أن يحد شيئا ما من مسؤوليات عمر.. ألا ترين انه أصبح هو المدير العام هنا؟... هو الآمر الناهي... الميتسوبيتشي الفخمة، ويقولون بأن له أملاكا وأطيانا، وفيلا فخمة.. كما أن شياكته فوق الحدود.. أكل هذا لم يثر شكوكا..
- سأخبر والدي بالأمر.. ولكن أخاف أن تكون شكوكك في غير محلها.. وأنا شخصيا أعرف السيد عمر جيدا.. رغم أنه شخص سافل، فهو صحفي جيد، طموح، مجد.. زيادة على شواهده العليا في الصحافة والماركوتينغ.. وقد تسلق الدرجات بسرعة حتى أصبح اليد اليمنى لبابان وانتقل في رمشة عين من مجرد محرر بسيط إلى ما هو عليه الآن.. وهذا بفضل كفاحه واجتهاده.. كما أنه- رغم سفالته- إنسان خدوم، لا يرد قاصده.
- وهذا ما أخاف منه يا نوال.. أن يكون خدوما أكثر من اللازم.. وفي أمور أخرى بعيدة عن عالم الصحافة، والمؤسسة. المهم فتحي عينيك جيدا.
- لا تخف ن سأخبر والدي حالا بالأمر.. ها أنا ذاهبة إليه.. ألقاك بعد قليل..










- 2 -
بينما عبد السلام في مكتبه، وإذا بالباب يفتح ويدخل عمر هائجا كالثور الجريح..
- اسمعني جيدا يا سيد عبد السلام.. أنا هنا أكثر من 16 سنة.. هذه المؤسسة قامت على أكتافي.. بنيت مجدها طوبة طوبة.. لدي فيها أكثر مما للسيد السبتي.. لن يتدخل احد في اختصاصي. جئت البارحة وتريد أن تعلمني عملي..أسأت إلى مؤسستك الأولى وطردت منها، وتريد الآن أن تفسد هذه.. لن أمكنك من ذلك أبدا.. اعلم جيدا.. عليك ألا تتدخل فيما لا يعنيك. الزم حدودك..كان حريا بك أن تضع يدك في يدي ونتعاون ولكن فضلت طريقا أخرى... وبالمناسبة نوال التي تظن أنها تساندكن وتشد أزرك لن تكون لك أبدا.. أعدك وعدا صادقا انه لن يهنأ بالك بها من الآن...وإذا كنت تفكر في ذلك فانس الأمر بتاتا.. دعك من التحوام حولها.. هذا الباب الذي تسميه أنت نوال سأغلقه بالمسامير وإلى الأبد، ولن تستطيع فتحه أبدا.. وسترى ماذا سأفعل.. الأيام بيننا ..يا محترم.
- أجئت إلى هنا لتقول لي هذه الكلمات ولتلقي علي خطبتك العصماء.، وتتقيأ علي تفا هاتك؟.. أنت إنسان أحمق.. أمثالك لا يخيفني وعيدهم..
- أنا أحمق؟.. حسن... سترى من فينا الأحمق...وسترى ما سأفعل...
- إذا وصلت إلى أذنك فعضها..
- سنرى.. سنرى..
- افعل ما بدا لك... وأجود خيلك اركبه.. أمثالك لا يخيفونني..
خرج عمر من مكتب عبد السلام، بعدما صفق الباب وراءه . الغضب يتطاير من عينيه وغاص في الممر المؤدي إلى مكتب المدير العام.
وقف عمر بأدب وراء السكرتيرة التي طرقت باب السيد السبتي... وقبل أن يدخل بعدما أذنت له السكرتيرة بالدخول، سوى أربته ، وضبط حزام سرواله..
ولج عمر المكتب وهو في نصف انحناءة، خافضا بصره وكله مذلة ومسكنة.
- صباح الخير سيدي المدير..
- صباح الخير أستاذ عمر.. اجلس..
- شكرا سيدي..
- ما الأمر يا أستاذ؟...
- لا شيء سيدي... في الواقع.. لا اعرف كيف أعبر لك.. أنا آسف عن إزعاجك سيدي.. في الواقع أنا جد حرج. وجد مضطرب..
- تكلم يا عمر.. أنت تعرف أنني أعزك كثيرا.. رغم ما سمعته عنك مؤخرا.. ولكني لا أصدق الكلام الطشاش..
- سيدي.. في الواقع..
- سيد عمر... لقد أكثرت علي من واقعك.. ادخل في الموضوع مباشرة.. إذا كان هناك أمر ما هام... ليس لدي متسع من الوقت..
- حاضر سيدي. اسمح لي سيدي بان أتقدم إليكم ملتمسا منكم خدمة إنسانية..
- ها نحن عدنا للألغاز.. أفصح من فضلك لن نمكث هنا..
- سيدي.. أريد .. أريد أن أتقرب منكم..
- ماذا؟.. تتقرب مني؟.. لم أفهم قصدك..؟.
- في الواقع. أنا محرج... ما أريده هو طلب يد ابنتكم المصونة. إذا لم يكن هناك مانع ما..
- أهذا هو الأمر الذي تدور وتلف حوله... لقد فاجأتني... في الواقع لم أكن انتظر منك هذا.. خاصة اليوم.. ثم سيد عمر.. الأصول تقول بان هذه الأمور لا تناقش في المكاتب.. أليس كذلك؟..
- أعرف ذلك سيدي.. أريد فقط أن اعرف رأيكم قبل أن أقوم بالخطوة الرسمية..
- اطمئن يا عمر.. لن أجد أحسن منك رغم ما وصلني عنك مؤخرا...
- والله يا سيدي قول حاسدين، وواشين.. انتم تعرفونني وتعرفون إخلاصي لكم..
- ليس هذا موضوعنا الآن سيد عمر... المهم لأكون صريحا معك.. لقد ربيت ابنتي نوال على الصراحة والأمر يتعلق بها، والأمر أمرها والرأي رأيها.. هل أخبرتها بالأمر، وفاتحتها في الموضوع؟.
- لا..سيدي.. انتم أول من أخبرتهم برغبتي هذه..
- إذن.. لا بد أن أسألها يا عمر.. وبعدها أرد عليك بالموافقة أو عدمها.. أهذا كل ما في الأمر.. يمكنك الآن أن تذهب إلى عملك..
- شكرا سيدي على سعة صدركم...
خرج عمر وهو يكاد يطير من الفرح، ثم فتح باب مكتب عبد السلام، واطل رأسه مثل السلحفاة، مطلقا العنان لابتسامة كلها شماتة، وقال مخاطبا عبد السلام بنبرة كلها ثقة:
- غدا سيأتيك الخبر اليقين... وستعرف من آنا.. إن لم أضع لك حدا في هذه المؤسسة لست أنا عمر ..
- افعل ما شئت... وأقول لك شيئا ربما لا تعرفه.. لحمي مر لا يصلح للأكل... وستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا..
اشتط عمر غيظا فصفق الباب بكل قوته، ثم توجه إلى مكتبه والزبد يتطاير من شدقيه.. حتى حركاته تدل على عصبيته وانفعاله، وغضبه..


يتبع

  مشاركة رقم : 4 (الرابط)  
قديم 02-05-2009, 04:15 PM
الصورة الرمزية محمد داني
مشرف حوار النصوص و قسم التربية و النعليم

رقم العضوية : 258
تاريخ التسجيل : May 2008
المشاركات : 2,301
بمعدل : 3.43 يوميا

محمد داني غير متصل عرض البوم صور محمد داني



كاتب الموضوع : محمد داني المنتدى : الروايـة
افتراضي

تابع


- 3 -
كانت الساعة تشير إلى الرابعة ما بعد الزوال.. المؤسسة تعرف في هذا الوقت حركة غير عادية.. الكل منكب على إعداد طبعة المساء.. إذا بزائرين خمسة يتقدمهم شخص بدين، حليق الرأس، يضع نظارة سميكة ويحمل محفظة جلدية سوداء... توجه نحو السكرتيرة وسألها بصوت أجش:
- هل السيد المدير العام موجود؟.
- من يريده؟
- النيابة العامة.
كان لهذه الجملة فعل الصاعقة، وأثر السحر
- لحظة من فضلك.
وأخذت السماعة وضغطت رقما، وقالت:
- النيابة العامة تريد مقابلتكم سيدي... حاضر... حاضر..
ثم وضعت السماعة، ووقفت مكانها ثم خاطبت الواقفين أمامها:
- تفضلوا.. السيد المدير في انتظاركم..
ولج الرجال الخمسة مكتب المدير العام، الذي هب لمقابلتكم ، مادا يده مصافحا لهم، وقائلا:
- أهلا بكم.. مرحبا.. تفضلوا بالجلوس.
- شكر لك( يرد الرجل الأصلع).. هل أنت هو السيد إبراهيم السبتي؟.
- نعم... هل يمكنني أن اعرف سبب الزيارة؟.
- أنا وكيل جلالة الملك بالمحكمة الابتدائية.. ورفقتي بعض عناصر الشرطة القضائية..
- ما الأمر سيدي؟.
- جئنا لنقوم بتحقيق بهذه المؤسسة إثر شكايات توصلنا بها من مواطنين ضد مؤسستك..
- شكايات؟.. وضد مؤسستي؟.. كيف؟... ولماذا؟.. ومتى؟..
- مؤسستك متورطة في عملية الهجرة السرية والنصب والاحتيار..
- ماذا؟..
- كما سمعت سيد السبتي.. مؤسستك تساعد على الهجرة السرية، وذلك بتزوير وثائق رسمية مقابل مبالغ مالية كبيرة.. كما أن صحفيا ينتمي إلى مؤسستك من خلال البطاقة الصحفية التي وجدت معه، متهم بالنصب والاحتيال والابتزاز..
ويغرق السيد السبتي في كرسيه الجلدي لدى سماعه هذه الاتهامات .. يزيل نظارته البنية السميكة، ويتكلم بصوت أجش:
- بالله عليك أفهمني الأمر... لحد الآن لم أفهم شيئا..
- مؤسستك سيد السبتي متورطة في ملف الهجرة إلى أوربا، وذلك ببيع لمن يريد الهجرة بطريقة تظهر في خارجها أنها سليمة، بطاقة مراسل صحفي للجريدة، وتكليفا بمهمة بالخارج لغرض صحفي وهذا مقابل 40.000 درهم. وقد ألقي على واحد منهم يحمل بطاقة صحفي عليها ختم مؤسستك، واسمها وعنوانها، حاول ابتزاز رجل الأعمال المعروف السيد الطاهر الزياني، قبل أن يهاجر إلى فرنسا... وقد هدده بأنه إن لم يتوصل منه في غضون يومين بمبلغ 120.000 درهم سيضطر إلى نشر بعض الحقائق عنه وعن ثروته.. ولم يجد بدا السيد الطاهر من إبلاغ النيابة العامة التي طلبت من الشرطة القضائية التحري في الأمر. وقد تم إلقاء القبض على الجاني الذي اعترف بالمنسوب إليه، ولكن أكد على انه يشتغل بالمؤسسة هذه، وأنه مكلف بالسفر إلى فرنسا لتغطية المؤتمر الاشتراكي الفرنسي السنوي..
- هذا كذب وبهتان.. إنهم يريدون الإساءة إلى مؤسستي الصحفية... الذين يشتغلون معي هنا بعيدون عن كل هذه الاتهامات الرخيصة... أعرفهم كلهم وأعرف عنهم كل كبيرة وصغيرة...
- أنا معك يا سيد السبتي فيما تقول.. ولكن إغراءات المال تسقط أشرف الشرفاء... ولنضعك في الصورة جيدا نحن نعرف الشخص الذي يقوم بهذه الأشياء، لأن توقيعه يثبت ذلك..
- ومن يكون؟..
- عبد السلام المحمدي..
- ماذا؟ !!... عبد السلام المحمدي؟.. مستحيل؟...
- هذه هي الحقيقة سيد السبتي.
- هذا ثعبان يستحق الحرق، والسحق.. لقد وضعت فيه الثقة الكاملة.. ووظفته بمؤسستي. الآن عرفت لماذا طرده الحاج من مؤسسته.. لقد مددت له يدي، ولكن عوض أن يقبلها عضها.. خائن.. لعين.. تبا له وسحقا..
- اسمح لنا يا سيد السبتي.. سنقوم بعملنا.. أين هو مكتبه؟..
- تعالوا معي..
وخرجوا كلهم، وتوجهوا نحو مكتب عبد السلام الذي كان غارقا في تصفح بعض الأوراق المتكدسة أمامه.. يرفع عبد السلام عينيه، يجد أمامه هذا الحشد يتقدمهم السيد السبتي، وهم ينظرون إليه بنظرات يتطاير الشرر منها.. بادره السيد السبتي بطلقات دون أن يترك له فرصة الترحيب، والتحية:
- ألا تخجل من نفسك أيها السافل الحقير؟... وضعت فيك ثقتي فخنت الأمانة..؟.
- سيد السبتي.. ما الأمر؟ !!..أتعي ما تقول، وما تتفوه به؟..
- ها..ها...تتظاهر بالبراءة مثل الذئب... لقد سقط القناع عن ألاعيبك.. وانكشف وجهك الحقيقي... لن تمثل علي بعد اللحظة الإنسان الوديع...
ويقاطعه عبد السلام:
- سيد السبتي. احترم نفسك من فضلك.. أنا لا أفهم شيئا.. ماذا تقصد؟..عماذا تتكلم؟.. ولماذا تخاطبني بهذه النبرة؟..
- ألا تعرف؟.. أم انك تتظاهر بذلك.؟.. فتحت لك مؤسستي، ومددت لك يدي، وأعطيتك مقعدا لم يحلم به أي أحد في الجريدة... فتحت لك بيتي، وآمنتك على ابنتي، وفي الأخير تقطع لحمي قطعا.. ماذا فعلت لك حتى تخرب سمعتي وسمعة مؤسستي؟..
- والله يا سيد السبتي لا أعرف ماذا تقصد بكلامك الجارح هذا؟... ثم أي إساءة أسأت إلى سمعتك ومؤسستك؟..
- أتتظاهر بالاستهتار أمامي... لقد انكشف أمرك.. الكل يعرف أمرك.. حتى المخزن كشف أمرك.. وجاء لوضع حد لأمرك..
- أي أمر؟.. المخزن؟.. والله لا أفهم شيئا..
ويتدخل النائب العام:
- السيد عبد السلام.. يجب أن ترافقنا.. سنفهمك كل شيء في طريقنا.. خذ معطفك وتعال معنا من فضلك دون أن تجبرنا على وضع الأصفاد في يديك، وأخذك بالقوة..
- من انتم؟... ماذا تريدون مني؟..
- أنا النائب العام، و مرافقي: الشرطة القضائية... من فضلك لا نريد مشاكل...
- من فضلك.. أريد أن أعرف تهمتي فقط..
- أنت مطلوب القبض عليك بتهمة التزوير والنصب، والاحتيال، وخيانة الأمانة..
- ماذا؟..
- من فضلك لا تضيع وقتنا. ( ويتوجه إلى مرافقيه).. خذوه..
وينقض عليه الشداد الغلاظ الأربعة. يديرون يديه وراء ظهره.. يقيدونه.. ويحاولون إخراجه بالقوة من المكتب. في هذه اللحظة تدخل نوال.. والدمع على خديها:
- عبد السلام؟... أصحيح ما سمعت؟.. لماذا؟.. لماذا؟.. هدمت كل شيء .. هدمت كل شيء.. حرام عليك.. حرام عليك.
ثم تخبئ وجهها بكفيها وتخرج من المكتب جارية، ونداء عبد السلام يطاردها:
- نوال .... نوال... اسمعيني.. أنا بريء.. أنا بريء..
ويصفعه السيد السبتي، صارخا في وجهه:
- لا تذكر أيها السفيه اسم ابنتي على لسانك.. أمثالك لا يليق بهم أن يذكروا البنات الشريفات على أفواههم..أمثالك حثالة المجتمع، لا مكان لك إلا السجن... أنت إنسان معقد وفاشل..وستبقى دائما هكذا...
وجره الشداد الغلاظ كخروف العيد. أدخلوه سيارة الأمن وقد غاصت في الشارع الطويل المؤدي إلى مفوضية المعا ريف. كان صفيرها قد أثار الفضوليين الذي تحلقوا لمعرفة الأمر... واستطلاع الخبر الذي أصبح حديث المؤسسة كلها والمقاهي المجاورة لها...

التحقيق

- 1 -
- اسمك وسنك.. مهنتك..عنوانك..اسم أبيك وأمك؟..
- عبد السلام المحمدي.. أربعون سنة. صحفي . أسكن الشقة 37 عمارة الأزهار، بحي البساتين. والدي علي متوفى. وأمي زينب بنت محمد تقيم بدوار المليحة بالجديدة.
- حسنا.. حدثنا عن نشاطك المشبوه..؟
- أي نشاط.. سيدي العميد؟..
- لا تحاول الإنكار.. كل الدلائل ضدك.. والإنكار لن يفيدك في شيء. بل سيعقد عليك المسائل..
- والله لا أعرف شيئا... أحدهم يريد اتهامي بالباطل
- انظر إلى هذه الوثائق.. ألا تعرفها؟( ويمد النائب العام كومة من الأوراق نحو وجه عبد السلام).
ويحملق عبد السلام في الوثائق الممدودة نحوه..
- هذا ليس توقيعي.. والخط ليس خطي..
- ولكن الاسم اسمك.. وهذا خاتمك.
- نعم صحيح.. ولكن التوقيع ليس توقيعي..
- ماذا تقول؟..
- هذا توقيع مزور.
- مزور؟.. نحن الذين نقرر هل هو مزور أم لا.. أتريد أن تستهزئ بنا؟.. ليكن في علمك.. لست أنا هو مديرك الساذج الذي ضحكت عليه... أخبرني ..أين كنت تلتقي بزبنائك؟.. ومن كان يساعدك في العملية؟.. ومن أين كنت تحصل على بطائق " مراسل صحفي"، وشواهد العمل؟. كم من شخص نصبت عليه؟ ثم ما قصتكم مع رجل الأعمال و النائب البرلماني الذين حاولتم ابتزازه وتهديده؟.
ويقفز عبد السلام من مكانه عندما سمع كل هذه الاتهامات:
- سيدي أرجوك.. ما تقوله يرمي بي في السجن سنوات وسنوات.. أنا بريء.. تيقنوا من التوقيع.. التزوير في توقيعي سيقودكم إلى المجرم الحقيقي...لا اعرف لا بطاقات، ولا أشخاص مراسلين.. ولا أي شيء.. ولكن إذا كنتم ترومون بهذه الاتهامات تصفية حسابات قديمة فافعلوا ما شئتم، ولكن اعلموا شيئا واحدا.. وهو أنني بريء... بريء من المنسوب إلي..هذا ما لدي من أقوال..
- ولكن الشخص الذي وقع في قبضتنا،عند التحقيق أكد أنه كان يجتمع بك في مقهى الأهرامات، وأنك أنت الذي شجعته على ابتزاز وتهديد رجل الأعمال، وذلك بمده بملف خاص عنه.. وانك كنت ستقتسم معه المبلغ المحصل من الابتزاز للسكوت وعدم نشر أخبار كاذبة لتشويه سمعته... وانه كان يأتيك بالزبائن الذين يريدون السف إلى أوروبا، فتسهل عليهم الأمر وذلك بتمكينهم من وثائق تثبت أنهم يشتغلون بالمؤسسة وأنهم سيسافرون للقيام بعمل صحفي خارج المغرب لصالح الجريدة.. وذلك مقابل مبالغ كبيرة تصل إلى ثلاثين ألف درهم للواحد..
- هذا كذب.. والله هذا كذب.. أنا بريء من كل هذا. وإذا كنتم قبضتم على هذا الشخص فقابلوني معه...
- سيتم ذلك في أوانه.. لا تتعجل.. نريد أن نعرف مجريات الأمور أولا... وقبل كل شيء اكتب على هذه الورقة( ويمد إليه بورقة بيضاء) اسمك، وسنك، ومهنتك، وعنوانك واعترافك كاملا.. مع توقيعك من فضلك..
يسلم عبد السلام الورقة إلى النائب العام الذي كان يحيطون به بعض مساعديه من الشرطة القضائية، وبجانبه كاتبه الذي كان يسجل ما يروج من تحقيق في القاعة. يضعها مع بعض الأوراق التي أخذها من الملف في ظرف كتب فوق ظهره بعض الكلمات بالفرنسية. ثم ضغط النائب العام على زر أمامه، فدخل شرطي بزيه الرسمي، ويؤدي التحية الرسمية:
- احتراماتي سيدي.. نعم...
- خذ هذا الظرف إلى القسم الجنائي لإجراء خبرة على محتواه.. وأريد الجواب غدا.عجلهم..أفهمت؟..
- حاضر سيدي( ويأخذ الشرطي الظرف ثم ينصرف بعدما أدى ثانية التحية الرسمية).
ثم يأمر النائب العام أحد الضباط الواقفين جانبه:
- رده إلى معتقله، وغدا أحضره على الساعة الثالثة بعد الزوال لاستئناف التحقيق.
ويملي على الكاتب أمره:
- أغلق المحضر على الساعة السابعة مساء، ويبقى المتهم عبد السلام المحمدي على ذمة التحقيق لمدة أربعة أيام أخرى.
ما إن وصل إلى مفوضية المعا ريف، حتى أودع زنزانة انفرادية مظلمة، نتنة. لم يعرف أبعادها، فما زالت عيناه لم تألف بعد ظلام المكان. وأثناء تحركه اصطدم وجهه بجدار الزنزانة، فأحس ألما يدب في رأسه، وشيئا ساخنا يسيل من منخريه.
مسح انفه بعدما عرف بأنه أصيب برعاف جراء الاصطدام. تحسس الجدار وأسند ظهره ، وترك لجسمه حريته في الاسترخاء ثم التكدس. أغمض عينيه رغم أنه لا يرى شيئا.. سرح بفكره بعيدا، وبدأ يكلم نفسه:
- من يريد الإساءة إلي؟.. لماذا؟.. لا بد انه ذلك الثعبان عمر.. أعرف ألاعيبه.. ربما نفذ وعيده...إنه هو... ش**** التي توقعتها تحققت.. ولكن.. لن أدعه ينتصر علي... آه .. يا إلهي ..كلما اخرج من محنة إلا وأقع في أخرى.. المصائب ألفتني... لا تريد فراقي... يا رب أنا لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه.. خلصني يا رب من هذه الورطة..
ويقف فجأة ثم يستأنف مناجاته:
- نوال.. نوال أين أنت الآن؟.. كيف أنت الآن؟..نظراتك.. شكوكك آلمتني.... أشعلت النار في... نظراتك المريبة.. دمرتني... كل شيء انهار، بعدما عاد الأمل... كل شيء ضاع .. حتى هذا الحلم الجميل ضاع وسط الزحام.. نوال يا حلمي الجميل .. سامحيني... يجب أن تعرف نوال أنني بريء..
ويصيح من وراء باب الزنزانة بكل قوته:
- أنا بريء.. أنا بريء.. أتسمعونني أنا بريء.
ويجبه صوت شرطي من فوق بغرفة الحراسة:
- نم.. الله ينعل أمك، وأم أمك.. اخمد يا ابن العاهرة وإلا نزلت إليك..
ولم يجد عبد السلام بدا إلا أن يخفض صوته وينكمش في زاويته إلى الصباح..

- 2 -
في الساعة الثالثة بعد الزوال، كان عبد السلام أمام النائب العام بمكتبه بالمحكمة الابتدائية. يأمره بالجلوس بعدما أزال الشرطي المرافق له القيد الحديدي من يديه، ويسأله:
- أتدخن؟.. أتريد كأسا من القهوة أو الشاي؟. أعرف انك مدمن لشرب القهوة السوداء القوية.. وبدون سكر.. أحضروا له قهوة سوداء وبدون سكر...
ودون أن ينبس ببنت شفة، استل سيجارة من العلبة التي وضعها النائب العام أمامه.. أشعلها وامتص منها نفسا طويلا..
ويدخل عون خدمة بصينية بها كوب قهوة سوداء وكأس ماء.. يضعها أمام عبد السلام.. ودون أن ينتظر دعوة النائب العام .. أخذ الكأس ورشف منه رشفة ورشفتين.. ساعتها خاطبه النائب بقوله:
- اسمعني جيدا يا سيد عبد السلام... نريدك أن تتعاون معنا.. وتسهل مأموريتنا، وتخبرنا بكل شيء .. من فضلك لا نريد أن نفقد معك الاحترام..
- حسنا سيدي... ( ويطلق عبد السلام تنهيدة عميقة).. يا سيدي أزمتنا أزمة ثقة.. من يوم التحقت بهذه المؤسسة وأنا اطرح على نفسي مجموعة من الأسئلة.. ما هو محلي من الإعراب داخل هذه المؤسسة التي لم أكن أفكر يوما في ولوجها.. أعرف أنكم تريدون أن تعرفوا الحقيقة.. الحقيقة لا توجد عندي.. الحقيقة بالمؤسسة الصحفية.. بأحد مكاتبها وردهاتها.. أنا كذلك أريد أن أعرف الحقيقة..
- ماذا تقصد بكلامك هذا يا عبد السلام؟...
- لا شيء.. ولكن فقط أريد أن اعرف من أنا بالنسبة لهذه المؤسسة؟.. بالنسبة لنفسي؟..
- هذا لا يهمني.. أنت متهم في قضية نحاول استجلاء أسبابها وخيوطها... نحن بالواضح نريد منك الحقيقة لا شيء إلا الحقيقة..
- وهذا ما أريده أنا أيضا سيدي... الذي يحيرني هو أنكم تدعون أن هناك وثائق إثبات تدينني... حسنا.. ولكن تنقصكم الاعترافات لأنها هي التي تلقي بالضوء على هذه القضية كلها والتي أنا بريء منها..
- سنصل إلى اعترافاتك .. أعدك بأننا سنصل إليها وبأي طريقة وبأي ثمن سنصل إلى الحقيقة..
- لكن سيدي النائب. أنسيتم أن توظيف مراسلين ليس من اختصاصي.. أنا مجرد رئيس تحرير بسيط وعاد.. يجب أن توجهوا أسئلتكم إلى مصلحة الموارد البشرية.. إلى كل رؤساء المصالح والأقسام بالمؤسسة..
- أتريد أن تعلمنا شغلنا... لقد سألنا وأخبرتنا الموارد البشرية أن مجموعة من البطائق والطوابع قد اختفت من مكاتبها.. ولا أحد يعرف مصيرها.. وهذه البطاقات المختفية هي التي وجدت واحدة منها عند الشخص الذي اعتقلناه...
- سيدي النائب.. أرجوكم.. عمقوا بحثكم أكثر.. أنا أعي خطورة الموقف، ولكن مع كامل احتراماتي، أنتم تجهلون من هو عبد السلام المحمدي.. أنا الصحفي الذي حارب الظلم لمدة عشرين سنة.. كنت دائما اجري وراء الحق والحقيقة، ومواقفي تشهد لي بذلك..
- هذا اعرفه جدا... ولكن الآن تغيرت نظرتي فيك.. لم أكن أتوقع أن يصدر منك هذا..
- كيف ذلك؟... كيف ذلك؟.. كيف أصبحت اليوم محط اتهاماتكم؟.. كيف أصبحت في نظركم مدبرا للفساد والرذيلة؟.. هذا مستحيل.. مستحيل.. تصفية الحسابات لا تكون هكذا..أنا قلم حر . لدي رسالة نبيلة، فلا تحطموا هذه الرسالة من فضلكم.. إنكم تسيئون إلى وعيكم.. ووعي الأمة..
- دعنا من خطابك.. ومن هذه الإيديولوجية العمياء.. أتريد أن تقول بأن شخصا آخر هو الذي قام بهذه العملية؟..
- هذا أكيد سيدي ...
- مثلا...
- شهرتي... نوال...التحاقي بالمؤسسة..
- نوال؟... وما دخل نوال في الأمر؟..
- منذ مدة وقع بيني وبين عمر نقاش حاد حول وجودي بالمؤسسة، وتضايق من ذلك ، وربما مزاحمتي له في الظفر بنوال دفعه إلى إلباسي هذه التهمة.
- هذا مهم...هذا سيفيدنا كثيرا..
وفجأة يدخل الشرطي. يؤدي التحية الرسمية،ثم يمد ملفا إلى النائب العام الذي شرع في تصفح محتوياته..
- عظيم.. هائل.. تقرير المعمل الجنائي واضح،ويؤكد أن التوقيع مزور وبأن الخطوط لا تتشابه..
- يعني- سيدي – أن كلام عبد السلام صحيح( يقول الكاتب).
- نعم.. ولهذا سأطلب من الشرطة القضائية التحري، والبحث في هذا الاتجاه...( يأمر الضباط الواقفين أمامه).. ترصدوا حركات المسمى عمر، وإذا توصلتم إلى شيء ما فأخبروني بذلك لأصدر مذكرة القبض عليه...
- ولماذا لا تجرى مقابلة بين عبد السلام والشخص المعتقل وعمر..( يقول الضابط أحمد)..
- هذه فكرة جيدة يا أحمد.. وسنعمل على تنفيذها غدا إن شاء الله.. المهم قم بمهمة الترصد والمراقبة أولا.. ونترك المقابلة إلى حين... بالتوفيق إن شاء الله ..
- شكرا سيدي( تؤدي الضابطة القضائية التحية الرسمية ثم يغادرون القاعة)..
يلتفت التائب العام نحو عبد السلام قائلا:
- سيد عبد السلام.. أرى أن براءتك وشيكة.. ولذا قررت تمتيعك بالسراح المؤقت بضمان محل إقامتك إلى حين الانتهاء من هذه القضية.
- شكرا لك سيدي النائب العام..
- يمكنك الانصراف، ولا تغادر محل إقامتك..
- حاضر سيدي.
ثم يلتفت النائب العام إلى كاتبه ويطلب منه كتابة ما يمليه:<< قررنا نحن النائب العام السيد الزروالي الإفراج عن المتهم عبد السلام المحمدي بضمان إقامته إلى حين المناداة عليه ثانية.. أغلق المحضر على الساعة الخامسة مساء، وبه تم الإعلان>>.

- 3 -
- ماذا تعرف عن عمر يا سيد السبتي؟( يسأله النائب العام).
- أعرف عنه كل خير.. طبعا. صحافي مثالي.. مجد ..طموح.. مثابر.. كان محررا للأخبار وبما انه أحرز شواهد عليا في الصحافة والماركوتينغ، قررنا أن تستفيد المؤسسة من خبراته، فرقي إلى أعلى منصب في المؤسسة. وهو الآن المدير التجاري المسؤول عن المبيعات والاشتراكات والتوزيع والتسويق، زيادة على انه يشرف على قسم الموارد البشرية... أثق في كفاءته المهنية والصحفية وفي سلوكه.. نزيه وخدوم..
- ألم تلاحظ عليه شيئا جعلك ترتاب في أمره؟
- لا... إنه بعيد عن الشبهات... رجل مخلص، وأمين، وهو يدي اليمنى في المؤسسة.. إذا وضعته على الجرح يشفى.. نزيه في تعامله، حريص على سمعة المؤسسة، ونجاح الجريدة..
- أتثق فيه كل هذه الثقة؟.
- أجل سيدي.
- وأنت يا نوال؟.
- لم أسمع عنه يا سيدي إلا الخير، ولو أنني شخصيا أشعر نحوه بنفور وخوف..
- خوف أو كراهية؟.
- لا سيدي... بل إحساس يدفعني إلى الابتعاد عنه.. مجرد إحساس فقط سيدي..
- قل لي سيد السبتي.. ألم تلاحظ عليه شيئا آخر في الآونة الأخيرة؟..
- لا... آه.. لقد افتكرت( يشد جبينه).. لقد جاءني منذ أسبوع إلى مكتبي وفاجأني بطلبه يد نوال.. لم أكن انتظر منه ذلك. خاصة وأنه حضر بعد خروج نوال من عندي بعدما جاءت لتبلغني تحذير عبد السلام والذي لم أتخذه مأخذ الجد..
وتقفز نوال من مكانها:
- ماذا يا أبي؟.. طلب يدي منك؟. ولماذا لم تخبرني بالأمر؟.
- لقد أنستني المشاكل كل هذا الأمر.. وقلت عندما تنتهي كل هذه الأشياء، ويأتي الوقت المناسب أفاتحك في الأمر..
ويقطع النائب كلامه سائلا إياه:
- أي تحذير؟.. مماذا حذرك عبد السلام؟..
- لم يكلمني عبد السلام في الأمر مباشرة، وإنما نقلت لي نوال الأمر وأبلغتني به.. فقط .
ويلتفت نحو نوال موجها سؤاله:
- وما هو هذا الأمر يا نوال الذي أخبرك به عبد السلام؟.
- أخبرني بأن أبلغ والدي أن يحترس من عمر ومن شكوكه في، وبأن مصاريف الجريدة مرتفعة، وأن هناك صحفيون أشباح، ومراسلون بالخارج لا علاقة لهم بالجريدة.. وكثرة الزائرين لمكتبه... وقد بلغت والدي الأمر ولكنه لم يأخذه محمل الجد واعتبره صراع ديكة..
- لماذا لم تقم بالبحث في الموضوع سيد السبتي؟.
- لم يكن عمر أبدا في موضع شك.. لقد ظننت أن الأمر مجرد صراع بين عمر وعبد السلام على المناصب..
- هل إمكاناته المادية تسمح له بأن يعيش في مستوى عال جدا ..سيد السبتي؟.
- أجرته مرتفعة جدا... بحكم المنصب الذي يشغله.. وهذا يسمح له بأن يكون في المستوى الذي عليه الآن...
- حسنا.. يكنكما الانصراف.. شكرا لكما.. عندما نحتاجكما سنرسل في طلبكما..( ثم يستدرك كلامه) على فكرة.. لقد أطلقنا سراح عبد السلام.. إنه بريء مما نسب إليه...والقانون دائما في صف المظلومين..
وتصيح نوال كأن ها صعقت بتيار ذي توتر عال:
- ماذا؟.. عبد السلام بريء؟... بريء...؟ !!..وأين هو؟..
- أطلقنا سراحه من يومين.. وهو في سكناه الآن على ما أظن..
ويلتفت النائب العام نحو الضابط الحاضر في مكتبه قائلا بعدما خرج السبتي ونوال:
- من اللحظة ينصب اهتمامنا وتحقيقنا على عمر، فهو الحلقة الرابطة في هذه القضية.. وأنا واثق بأن حلها عند عمر.. خذ هذا الأمر بالاعتقال وأحضروه إلى هنا.. كما يجب أن تحضروا بعض إرسالياته الرسمية لنرسلها إلى المختبر الجنائي للتأكد من توقيعه والتوقيع الذي عندنا..كما أننا سنقوم بإجراء مقابلة بين الأطراف الثلاثة.. لذا سنستدعي عبد السلام أيضا.
- حاضر سيدي..( يجيب الضابط بعدما اخذ الأمر بالاعتقال، ثم يغادر المكتب بعد تأدية التحية الرسمية).


الحرية

- ادخل يا عبد السلام.. ادخل..( يصيح النائب العام)..
يدخل عبد السلام إلى مكتب النائب العام، متثاقل الخطى، أشعث الرأس. قد غطى الزغب ذقنه. يقوم النائب العام لاستقباله والترحيب به.
- أهلا وسهلا.. مرحبا بالسيد عبد السلام في مكتبي.. اجلس يا رجل.. اجلس.. في الواقع نحن متأسفون لما حصل. أنت تتفهم أمرنا.. نحن لم نقم إلا بواجبنا.. الظروف تحتم علينا ذلك.. ورغم كل ذلك لم نسئ معاملتك.. عاملناك بكل أدب واحترام، وإنسانية.
- أعرف سيدي النائب العام.. ولكن هل لأنني عبد السلام المحمدي؟.
- أبدا... الكل سيان في نظر القانون.. أنت عبد السلام المحمدي خارجا.. أما داخل هذا المكتب فأنت مواطن كباقي المواطنين..
- أعرف ذلك.. أعرف..
- نحن مرة أخرى نتأسف لك.. ونقدم لك اعتذارنا.. وأتمنى ألا نكون هدفا لسهامك، وقلمك غدا.. نحن- كما أسلفت لك- لم نقم إلا بواجبنا.. لقد كانت جميع الدلائل تدينك.. ورغم شهرتك.. وكبر اسمك وطنينه، طبقنا القانون.. لأن جميع المواطنين سواسية أمام القانون، لا نفضل بعضا على بعض.. وبما انه ظهرت براءتك بصفة رسمية، وتم القبض على الجاني، فمقامك بيننا أصبح بدون جدوى.. ولذا يمكنك الانصراف والتنقل أينما شئت..
ويقوم عبد السلام من مقعده، يفتح الباب، ويغطس في الممر الطويل المؤدي إلى باب الخروج الضخم للمحكمة الابتدائية..
ما إن لفحت وجهه أشعة الشمس الذهبية، وحك عينيه حكتين حتى وجد أمامه نوال ووالدها والحاج الطاهر مدير جريدة الوردة. هرعوا نحوه مادين نحوه ذراعيهم، وأفواههم فاغرة عن ابتسامة عريضة.
- عبد السلام هنيئا ببراءتك.. لقد ظهر الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا( يقول الحاج الطاهر).. بالحضن يا ولدي.. بالحضن.. لقد ظلمناك كثيرا..
- وأنا أيضا يا ولدي( ويحضنه السيد السبتي بحرارة) أنا آسف سئت بك الظن.. أنا آسف على ما صدر مني في حقك.. ظلمناك كثيرا.. وقد كنت قاسيا معك..سامحني يا ولدي..
- لا بأس يا سيدي.. لا بأس... كل شيء يهون..
ويلتفت نحو نوال التي تسمرت في مكانها، وشبكت يديها.. طأطأت رأسها أرضا، وعلا وجهها الاحمرار.
- نوال...
وترفع نوال عينيها وقد اغرورقتا بالدمع...
- عبد السلام.. أنا .. أنا..
ويتعانقا أمام الملأ، ثم يمسك عبد السلام بيديها..ويهمس إليها:
- نوال.. نوال.. لقد اشتقت إليك.. اشتقت إلى حديثك.. اشتقت إلى الهجرة إلى داخل شرايينك.. اشتقت إلى سماع نبضك.. إلى لحظة من لحظاتك الجميلة.. كان أسبوع المحنة الذي مر علي كأنه قرن من الزمان.. كنت أقول فيه دائما بأن نوال في حياتي لن تتكرر. ربما كانت بصمة جميلة في حياتي ثم انمحت، ولكن مررت بجنوني، وجدته يرتعد لرؤيتك، يغرد لذكر اسمك.. لا اعرف كيف أصف إليك مدى الفرح الذي أحس به الآن.. كل أعماقي تحولت إلى غبطة، وكل أوجاعي السابقة وأشباحي التي كانت تسكن في قاعي زالت.. إن شمسا تغمرني، تشرق في داخلي.. كم أنا سعيد بك يا نوال.. يعيد بوجودك.. سعيد بلقائك.. سعيد برؤيتك..
- عبد السلام لدي مفاجأة لك..
- مفاجأة... أكبر مفاجأة وأجملها عندي، هو انك أمامي الآن يا نوال..
- عبد السلام.. انظر جميع الجرائد تتصدرها صورتك، وتفاصيل براءتك، وتضامنها معك..
- جميل يا نوال..إنك قد أحييتني من جديد، وأزلت الاحتراق الذي كنت أعانيه. وجعلت السعادة تتدفق مطرا في دواخلي.. أنا لا أصدق نفسي.. هل أنا في حلم أو يقظة.. كنت منذ أسبوع أواجه اتهامات خطيرة كادت أن تعصف بمستقبلي كله، وكنت أواجه أثناء ذلك كل خيالاتي الكثيرة، والخائفة...التفكير في كل هذا كان علي أشد من الانحباس في زنزانة منفردة.. ولكن الحمد لله.. الحمد لله.. تجربة وعدت على خير..
- هيا يا عبد السلام( يقول السيد السبتي).
- إلى أين ؟..
- إلى البيت.. أولا لتأخذ حماما ساخنا/ وتتشيك، وتتناول الغذاء معنا. ثم نذهب سوية إلى الجريدة.. إلى مكتبك الجديد.. ومسؤولياتك الجديدة..
- أنا غير موافق يا سيد السبتي..( يقول الحاج الطاهر).. سآخذه إلى بيتي، وبعدها نذهب إلى جريدته الأولى فهي مازالت في حاجة إليه..وسيترأس تحريرها..
ويتكلم عبد السلام والخجل يعلو وجهه:
- شكرا لكما على كرمكما.. ولكن لو سمحتما لي، سأذهب إلى غرفتي، وأقضي يومي كله في نوم عميق.. وبعدها أذهب إلى الكرنفال فقد اشتقت إلى الأصدقاء، واعرف ما فاتني من أخبار، وأحتسي بعض كؤوس القهوة السوداء.. وبعدها أفكر في أمري وفي الجريدة.
- طلب مرفوض( يرد الحاج الطاهر).
وتتدخل نوال، بعدما اقتربت من عبد السلام والتصقت به ماسكة بذراعه:
- لم يأخذ احد رأيي...عبد السلام.. انس غرفتك بالعمارة.. ستسكن في دارنا.. فهي واسعة كثيرا.. ثم لحد الساعة لم تجبني على اقتراحي السابق..
- أي اقتراح يا نوال؟..
- إصدار جريدة.. جريدتك يا عبد السلام..
- إصدار جريدة؟.. جريدتي؟.. لم لا تقولي جريدتنا...؟.وهل يمكن؟.
- ولم لا.. يا عبد السلام..؟.
- آه يا نوال.. إصدار جريدة ليس بالأمر السهل.. إصدار جريدة يتطلب..
ويقاطعه الحاج الطاهر:
- اسمع يا ولدي .. بما أن هذه رغبتك فلتكن.. سأساعدك على إقامة مشروعك هذا..
- وأنا معك يا سيد الطاهر( يقول السيد السبتي).
وتصيح نوال:
- رائع.. رائع.. على بركة الله.. لننطلق.. ماذا تنتظر يا عبد السلام...
- وهل ستكونين معي يا نوال؟..
- لن أتركك ولو للحظة.. أتمنى أن أنسيك لحظات الألم التي مرت في حياتك.. وأملأ الفراغ الذي تركته زينب..
- طيب.. ولكن لدي طلب صغير إذا سمح لي السيد السبتي..
- أعرفه.. ولا اعتراض لدي عليه.. أنا موافق.. لن أجد أحسن منك زوجا لابنتي..وحتى نوال موافقة..
ويضحك الجميع ثم يدخل الجميع السيارة الفاخرة، التي تحركت لتغوص في الطريق العام المؤدي إلى فيلا السيد السبتي...//..


- انتهى بحمد الله -

  مشاركة رقم : 5 (الرابط)  
قديم 11-02-2009, 05:13 PM
مواضيع المدونة: 12
الصورة الرمزية علاء الدين حسو


رقم العضوية : 117
تاريخ التسجيل : Jan 2008
الدولة : حلب -سوريا
المشاركات : 410
بمعدل : 0.52 يوميا

علاء الدين حسو غير متصل عرض البوم صور علاء الدين حسو



كاتب الموضوع : محمد داني المنتدى : الروايـة
افتراضي

حين تقرأ العنوان باعتباره العتبة التي تلج فيها الى عالم النص ..وتقرأ كلمة البحر تعرف انك امام سرد فيه ما يوجد في البحر فكيف يكون العنوان اقوى من البحر .. والبحر يحمل في طياته الخوف والغموض والرهبة والغدر وان كان سطحه يغريك بجماله وهدوئه ..

الرواية تحكي قصة رجل يعيش حياة كحياة البحر فيها المسرة وفيها الالم وفيها المفاجأت وفيها الغدر وفيها الامان ..
والتقنية الفنية تجد فيها التنوع من الحوار الى التداعيات والقليل من الاسترجاع ..ولكن الحوار والتدعيات يتنباوبان في اكمال الصورة التي يرغب العزيز داني في تقديمها لنا.والتي قدمها بلوحات كمشاهد سينمائية سلسلة وشيقة لا تنفرك

تحكي الرواية قصة صحفي (عبد السلام)متعايش مع الواقع ، متمرس في عمله وناجح ولكنه يصاب بنكسة حين يفقد زوجته فيخسر وظيفته جراء تأثره ولكن سرعان ما يتعافى من ذلك لحظة تعرفه على (نوال) بلحظة - قد تكون للقراءة السريعة طريقة اللقاء تقليدية كالافلام الهندية الا انك ستكتشف ان له توظيف سنذكره في حينه -..فيتعلق بألامل الجديد ويراجع حسابته فيعود الى قريته ليكتشف ان ثمة فتاة قريبة له يتعرف عليها ويفقدها لحظة صراعه (بين العودة لنوال او التعلق بعائشة) فيصاب بالجنون ويفرد فصلا مميزا يجكي فيه بطريقة قريبة للمجنون يتحدث فيها كل صراعات البشرية .. وحين يشفى من جنونه يتفاجأ بالغدر في صراعه الجديد في عمله الجديد يكتشف فيها زيف المؤسسة التي يعمل بها ولكن الكاتب يعطي لنا الامل حين يجعل البطل يتنصر في النهاية مؤكد انه مهما كان للشر جولات فان الخير في النهاية سينتصر وهو ناموس كوني ..

لاسماء الشخصيات دور بارز جدا واهمية بالغة القصوى ندرك ان الكاتب (العزيز محمد داني) لم يسميها عبثا بل لها دلالات ورمزية سرعان ما تكتشفها فعبد السلام هو محب للسلام و(نوال) هي الامنية والحلم و(عائشة) تمثل القوة في استمراية الحياة والصبر وما الجنون الا لفقدان الكاتب للحظة (الامل ) .

ويرفض داني الالتجاء الى الانطباعية (حب الريف وزم لمدنية رغم قسوتها ) حين يكشف لنا لدى هروبه من قسوة المدنية اصطدامه بفقر القرية و(استحالة التعايش ) ممثلا بصبر وكفاح وموت عائشة ..فيعود للمدنية ليكافح من جديد بعد لوثة عقلية ولكن دون ان ينهار هذه المرة ويناضل في كفاحه ويجناز المنحة الجديدة ويتغلب على الغدر والمصاعب وليطل بنا وقد تغلب على البحر ..

كان بارعا وناحجا في اختيار العناوين الفرعية لكل فصل (مشهد ) فنجد في الفصل الاول البشر الحيواني لا الانساني واكثرت فيها من مفردات حيوانية .. ويبرع في تعريفنا بالبطل عبر سلسلة من اللقطات تبدأ لحظة انهياره وتنهي بمعرفة سبب تغيره وهو فقده لزوجته ويبدأ الفصل الثاني بتعرفه (بنوال) بطريقة هندية ولكنك ستبارك له له الطريقة حين تدرك ان نوال ما هي الا الامنية والامل التي تجول في خاطر كل فرد للتخلص من مشاكله حين البحث عن القشة التي يتعلق بها.

وهكذا تبدأ الفصول المتعاقبة كحالة البحر يسرد فيها حال البطل حتة نصل للنهاية فنفهم العنوان ..

كان ممتعا في وصفه النفسي وساخرا في ترتيب الاحداث وقاسيا وجلودا في طرح المشكلات وكعادته لم يقتل الامل ..

رواية جميلة تستحق الوقوف عندها طويلا ..

مودتي للصديق داني

  مشاركة رقم : 6 (الرابط)  
قديم 11-30-2009, 02:50 PM
الصورة الرمزية محمد داني
مشرف حوار النصوص و قسم التربية و النعليم

رقم العضوية : 258
تاريخ التسجيل : May 2008
المشاركات : 2,301
بمعدل : 3.43 يوميا

محمد داني غير متصل عرض البوم صور محمد داني



كاتب الموضوع : محمد داني المنتدى : الروايـة
افتراضي

شكراايها البهي علاء الدين حسو على هذه القراءة التيشرفتني بها... لككلالتقديرو المحبة

إضافة رد


مواقع النشر
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مبروك للناقد المقتدر محمد داني مالكة عسال أخبار ثقافية 5 05-12-2009 07:04 PM
نزهة في البحر / محمد المهدي السقال محمد المهدي السقال القصة القصيرة 12 03-26-2009 03:12 PM
القاص و الناقد محمد داني يشرف على حوار النصوص جبران الشداني حوار السرد 22 09-19-2008 09:30 PM
شراء جارية - قصة - نزار ب. الزين - مع دراسة للناقد المغربي محمد داني نزار ب. الزين القصة القصيرة 0 05-29-2008 04:44 AM
لنرحب بالأخ محمد داني في مطر جبران الشداني اجتماعيات 12 05-17-2008 11:53 PM

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الساعة الآن 01:55 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.7.4, Copyright ©2000 - 2010