
02-05-2009, 03:37 PM
|
|
مشرف حوار النصوص و قسم التربية و النعليم
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
كاتب الموضوع :
محمد داني
المنتدى :
الروايـة
تابع لرواية ( أقوى من البحر)
الشناقر يا عبد السلام هي الحفر التي بين الصخور، وهي خطيرة جدا. فكم من شخص سقط في الشناقر وغطاه الموج، فمات غريقا.
- وهذا ما أخافه عليك.. زيادة على أن ماء البحر سيسبب لك الحساسية، والروماتيزم، والرمد، والصمم، وتصبح عيناك حمرا وتين ودامعتين طول الوقت.بالإضافة – لا قدر الله- إلى الإصابة بسرطان الجلد، والثعلبة والإكزيما، وجفاف الشعر.
أما المخاطر التي تتسببين فيها للبيئة فكثيرة. فبنتف الطحالب تساهمين في التصحر المائي. ولذلك السمك يهرب إلى مصايد أخرى لأنه
لا يجد ما يقتات به، ولا أين يضع بيضه.. المهم من الآن اعملي حسابك.. إنك ستذهبين معي إلى المدينة إن شاء الله..
- ووالدي يا عبد السلام؟..
الحادثة
في مواجهة البحر.. اخذ عبد السلام ينظر بعينين ذابلتين... ينظر النساء وهن يغطسن ثم يخرجن.. وأخريات ينشرن الطحالب فوق الرمال الساخنة.. ذقنه المشوك، وسريله القصير، وشعره الأشعث، ولفحة الشمس البادية على محياه تعطي صورة على انه من الصيادين..
يضع يديه فوق ركبتيه ثم يخاطب نفسه قائلا:
- آه.. يا لقلة حيلتي... !!!.. ماذا لو شاهدتني نوال على هذه الحال؟.. أين أنت يا نوال؟.. لقد نسيت ها وسط هذا الزحام الذي يعج به رأسي... لقد اشتقت إليك يا نوال.. ماذا ستقول عندما أقدم إليها عائشة؟.. ألن تغير منها؟.. ثم قل لي يا عبد السلام: ماذا تفعل هنا؟.. لقد طال مقامك هنا؟.. آستبدلت المدينة بهذا الدوار الساحلي؟... أتريد أن تهرب من مشكلتك؟..لم أكن أعرف انك ضعيف بهذا الشكل... إنك تشبه النعامة، فماذا تنتظر، أدخل رأسك في الرمل حتى لا تعميك العاصفة.
آه.. لم اعد احتمل هذا المكان.. البحر يخيفني... أخاف من مائه.. أخاف من هديره... لا ادري لم أصبح اليوم قلبي مقبوضا.. اللهم لطفك.. مثل هذه الحالة شعرت بها عندما كنت صغيرا، سني لم يتجاوز العاشرة، حين عم خبر غرق عمي الزموري..
كان الزموري " مارك سبيتز" دوارنا، لا يخشى البحر. الزموري كان يجيد السباحة.. صنع زورقا تقليديا استغله في الصيد الساحلي.. يعيش مما تلتقطه شباكه من أسماك.. لكن كان مدمنا على شرب الخمر والكحول.. ربما بهذا الشرب كان يتغلب على خوفه من البحر.. وذات يوم وجدوه معلقا في شباكه غريقا.. البعض يقول بأنه فقد توازنه وسقط في الماء فعلق في الشباك ولم يكن معه أحد من صبيانه.. والبعض الآخر – وهم الأكثر- يقولون بان جنية البحر أغرقته ليلا لأنها عشقته ولم يكثرت لعشقها... من هنا أصبحت اكره البحر، ولا أثق فيه..
وفجأة يقطع صياح النسوة مناجاته:
- عبد السلام.. عبد السلام.. وا اعتق الروح...
يقفز عبد السلام من مكانه، وينتبه إلى مصدر الصوت
- ماذا؟.. ماذا؟..( يقف مكانه).
- عبد السلام.. عبد السلام.. أسرع.. أسرع.. المسكينة لن تغرب عليها شمس هذا الصباح.. ذهبت في شربة ماء( تقول امرأة)..
وتصيح أخرى قائلة:
- المسكينة... عائشة.. عائشة ابتلعها البحر..ابتلعها البحر.. اختارها ملوك البحر وأسياده... الله ..يا لأمها المسكينة..
- ماذا؟.. ماذا أسمع؟..هذا ما كنت أخاف منه. ما بها عائشة؟.
- ابتلعها البحر...
- ماذا؟.
- غرقت.. الله يصبرك يا ولدي.. لقد وجدناها عالقة بين الشناقر وقد غطاها الموج.. ماتت المسكينة في عز شبابها.. لم ينتبه لها احد..( تقول امرأة).
ويتسمر عبد السلام في مكانه لهول الصدمة.. تمتلئ عيناه دمعا.. يسقط جسده فوق الرمل.. ويدفن وجهه فيه...
اخرج رجال الدرك الجثة بعدما التقطوا لها عدة صور بعين المكان. ثم اخذوا أقوال الحاضرين، وأسماءهم ورقم بطاقتهم الوطنية، وحملوا الجثة إلى مستودع الأموات بالجديدة.
- 2 -
كانت ساعة الدفن رهيبة. الكل يولول، ويصرخ، ويحث التراب على رأسه. أما عبد السلام فقد طالت لحيته وكلح وجهه، وشحبت عيناهن وأطبق في صمت رهيب.
- يا ولدي العن الشيطان( تقول أمه عندما لاحظته على هذه الحال)... عد إلى رشدك يا ولدي.. البقاء لله.. رحمة الله على عائشة.. مكتوب ومقدر لها أن تموت هكذا.. الله يجعل البركة في الباقي...
- يا أمي.. أنت لا تعرفين كم أعاني... منحوس أنا.. لعنة حلت بي... أي مكان أذهب إليه إلا وتحل فيه مصيبة.
- العن الشيطان يا ولدي.. كل شيء بحكمته، وأمره.. إنك متعلم.. هل أبين لك الأمور أنا التي لم ألج مدرسة.. إنك متعلم وعارف بكل شيء..
- الدنيا اسودت في عيني يا أماه... البارحة... البارحة كلمتها، ووعدتها بان آخذها معي إلى المدينة... البارحة كنت تزينين لي الزواج بها... لعنة حلت بي... كنت أريد أن أغيرها وأغير حياتي..
- الله لم يشأ ذلك يا ولدي... هذه مشيئة الله... أتكفر بقضاء الله وقدره؟..
- ليس هذا هو المشكل يا أماه.. ولكن... ولكن هذا البحر يطاردني منذ صغري... يريدني أنا.. وعندما لم يستطع بدأ يخطف مني اعز الناس إلي... البارحة أخذ مني عمي الزموري، وإبراهيم، وحميد، واليوم أخذ مني عائشة... أخذها من أمامي في واضحة النهار( وينظر إلى البحر رافعا قبضته).. أيها البحر... أيها البحر اللعين... لن تستطيع أن تمحو عائشة من ذاكرتي... لن تستطيع أن تزيل كل شيء جميل في... لن تستطيع.. لن تستطيع( ويجثم على ركبتيه باكيا).
- يا ولدي ما هذه الترهات... عد إلى رشدك.. واستغفر الله..
- البحر يتحداكم كلكم.. يتحداكم... جميعا... سيأخذكم واحدا واحدا...أعرف ذلك... أعرف على من الدور الآن... لن أمكنه مني.. لن أمكنه مني..( يقهقه عاليا) اللعنة على دواركم... اللعنة على دواركم.. اللعنة على طحالبكم، وقواقعكم...ويسيح في العراء صائحا.
وتضرب الأم فخديها، وتلطم خديها وتصيح بكل حسرة:
- الله يا رب.. ولدي عين وأصابته.. ولدي فقد عقله... اللهم لطفك.. اللهم لطفك..
- 3 -
مر على الحادث شهر وعبد السلام لم يحلق ذقنه، ولا مشط شعره، أو غير ثيابه.. كل من رآه يقول مجنون قذف به الدوار إلى شاطئ البحر.. كل يوم يجلس قبالة البحر يتأمل في صمت الموج المصطخب، والمكان الذي وجدوا فيه عائشة غرقى.. ويظل طيلة يومه هكذا إلى أن يحل الظلام.. وإذا ما تأخر ، تأتي أمه أو احد من إخوته لأخذه إلى المنزل.
جلس قبالة البحر كعادته وفي نفسه بركان صاخب... اليقظة كانت عنيفة عندما وجد نفسه وجها لوجه مع البحر... في نظراته حزن عميق... وعلى وجهه رسمت أن جميع الأبواب قد سدت أمام عينيه.. ، وكل من رآه يقول : الله يستر.. البارحة كان بعقله واليوم طار له الفرخ... وبدون مقدمات بدأ يكلم نفسه كالمجنون:
- أما زالت تحت الرماد جمر يمكنه أن يشعل النار من جديد؟... أيمكنه أن يتأجج ليقاوم هذا البحر الجبار؟... أما زال أمل في الحياة؟.. أيمكنك يا نفسي أن تهزمين خوفي من البحر؟.. لقد كانت عائشة تهزم خوفي من البحر، وتطرد شبح موجه من ذهني.. رأسي سكنه دوار وصداع، وغثيان.. ما أبشع أن أجدني بلا حيلة أمام هذا الجبار العنيد.. !!!.
بهذه الكلمات كان عبد السلام يغرق شيئا فشيئا في سواد عميق من الفشل والشعور بالخيبة، والانهيار. ودون أن يعرف ماذا يفعل، هب واقفا كأن عفريتا ركبه، ويصيح بكل قوته حتى استدار نحوه كل من كان في الشاطئ..
- عائشة.. عائشة.. انتظريني ..انتظريني ها أنا قادم إليك...لا تخافي أنا قادم إليك.. سأقهر البحر.. سأقهر البحر..أنا أقوى منه.. أنا أقوى منه.. ناري لا يطفئها إلا نار البحر... عائشة ابقي مكانك، أنا قادم إليك اللحظة..
ويعدو نحو الموج المتلاطم ويلقي بنفسه فيه أمام مرأى واندهاش الجميع.. وفجأة يصيح أحد الصيادين.
- امنعوه.. امنعوه.. الأحمق لا يعرف ماذا يفعل.. أسرعوا.. أسرعوا.. قبل أن يبتلعه الموج هو الآخر..
ويهرع كل من في الشاطئ.. يخرجون عبد السلام الذي كان يتنطط وسطهم آمرا إياهم بتركه لمصيره..
تمدد عبد السلام فوق الرمل الساخن والدمع يملأ عينيه وهو يتمتم بكلمات وجمل متقطعة:
- لماذا.. لماذا؟.. اتركوني.. دعوني وشأني.. عائشة تنتظرني هناك... هناك..
- عبد السلام.. الرجوع إلى الله يا ولدي( يقول جارهم الحاج مبارك).
ويغرق عبد السلام رأسه بين ساعديه، ويجهش بالبكاء كطفل صغير...أخذه الرجال إلى منزل أمه ، التي كانت تولول وتصرخ، وتلطم وجهها بعدما حكوا لها الأمر..
- الله عليك يا ولدي...عين وأصابتك.. كنت زهرة شبابك.. لا اعرف من أين حلت علينا هذه اللعنة..
- أختي زينت.. البكاء لا يجدي نفعا... يجب أن تعالجي ابنك قبل فوات الأوان..( تقول جارتها حادة).
- ماذا تقصدين يا حادة؟..
- خذي ولدك إلى الفقيه الحسين.. فهو مشهور بصرعه الجان.. ربما يكون الشفاء على يديه.. فبركته ظاهرة للعيان..
شخب عبد السلام ببصره إلى أعلى غائصا في عالمه.. غيرت له أمه ثيابه ونظفته بعض الشيء، ثم مددته على السرير وغطته بإزار أزرق نظيف.. ساعتها دخل الفقيه الحسين يحمل عدته.. جلس بالقرب من عبد السلام. وضع يده على جبهته واخذ يقرأ سورة ( يس) ثم ( البقرة).
- اسمعيني جيدا يا لالة زينب...( يقول الفقيه الحسين) ولدك لا بد أن تأخذيه إلى ضريح سيدي مسعود بن احساين أو إلى ضريح بويا عمر. لقد أصبح هذا الضريح مصحة نفسية دولية تعالج الحالات التي مثل حالة ولدك عبد السلام.. بركة هذا الولي الصالح تجاوزت الحدود..
- حاضر أسيدي الفقيه.. أنا خادمة الجواد.. أنا طالبة التسليم..
- لا لة زينب.. سأذهب معك، وسآخذ كم في سيارتي البيكوب( يقول المكي).
الجنون
- 1 - هل تسمعونني.. انتم يا من تتلصصون علي من ثقب جدرانكم؟.. فاسمعوني واحكوا للقادمين ما سمعتم وما ستسمعونه..
اليوم تبدأ رحلتي.. رحلتي التي لا تشبه أي رحلة... قبل أن أبدأ الرحلة فتشني جهابذة المصحة من كل الجهات.. فتشوا في كل الردهات علهم يجدوا ما يفسرون به جنوني الذي أكدوه من أول نظرة...
لا اعرف كيف أيقظتني أفكاري في هزيع الليل.. أمامي أقراص منومة حمراء. ابتلعت منها خمسة. ورغم ذلك تمردت عيناي ولم تطيعاني على النوم.. وفي سهري هذا فجأة جلس بالقرب مني فان غوخ.. مسكين فان غوخ.. آه .. لو رأيتموه.. بؤس العالم في عينيه. إنه يدمن شرب القهوة..
مسكين فان غوخ... إنه يريد الرحلة مثلي. لكن عليه أن يتقن لغة الحيوان والمقامات.. وحتى وإن أتقنها تلزمه مئات التأشيرات، ورخص العبور، واجتياز المعابر والممرات، ونقط التفتيش.. لا تسألوني عن ابن بطوطة، وابن ماجد، وماركو بولو فقد رحلوا قبل أن تصدر هيأة الأمم المتحدة قرارها الألف.. ونحن جئنا بعد القرار الألف..
ها هو فان غوخ يضحكن وأنا أيضا اضحك.. ألا تدرون لماذا نضحك؟... إن ابن بطلان يسرد مقاماته، والقراد في جامع الفنا يرقص قرده البني. والجاحظ في الساحة العامة يجلد بخيلا من بخلائه لأنه خرج عن القانون العام لجمعية البخلاء..
لم أكن أتوقع أن تصدر الأمم المتحدة القرار بان أدخل المكتبة لأتعلم لغة أمي.. رغم أنني كبرت في المقامات والمعلقات.. أمي تنظر إلي وتبكي.. أنظر إليها وأضحك.. أقرأ في عينيها صوتها المتوهج الذي يقول: << ابني ضاع.. ابني ضاع.. يد ما بطشت به.. سحرته.. عين أصابته>>.
نعم.. حياتي مقلوبة.. لم أجد لحد الآن جوابا على أسئلتي التي بحثت عنها في الحيوان، وسألت عنها جمعية البخلاء، واستمعت من اجلها كل المقامات رغم أن السهر والجلوس أرضا يضنيني..
زوارنا كثر.. ينظرون إلي باستغراب. أقرأ الحمق والجنون في عيونهم، وعلى شفاههم اعرف أنهم حمقى.. أصرخ في وجههم:<< كلكم حمقى. أعرف أنكم حمقى. أنا الوحيد العاقل فيكم.. جنوني هو العقل، وعقلكم هو الجنون>>.. الذين حولي يبكون لمنظري، يتغامزون بالوصفات والأبخرة، والأدعية والتمائم.. إنهم مجانين، مساكين، أشفق لحالهم.. إنهم لا يفهمون لغتي غم أنها لغة أمي.. أعرف أنكم لم ولن تفهموا كلامي لأننا لا نجيد التواصل.. هل نحن متوافقون؟؟..أم أن لكل منا جهازه اللاقط؟. ربما هذا هو السبب الذي جعل الكل يوجه صحنه الهوائي إلى جهة يفهم لغتها.. نتكلم خمسين لغة. نفهم مائة لسان، ورغم ذلك لا نتفاهم.. ولا نجيد التواصل.
ضحكت كثيرا لهذا المشهد الذي سأقصه عليك الآن. وأنا واقف بمكتب التأشيرات بالقنصلية الأمريكية، عندما رغبت يوما في المشاركة في قرعة الحصول على البطاقة الخضراء لدخول أمريكا... إلدورادو تنتظرني هناك.. ولو أن الكثير من أقراني يفضلون إلدورادو الجديدة بالسواحل الأيبيرية.. لم أكن أعرف أنني مهم إلى هذه الدرجة..
- أحمد؟.. اسمك أحمد؟..
- نعم... أحمد هو اسمي، ومثبت في جواز سفري..
- أحمد، أنت ممنوع من السفر..
- ممنوع من السفر؟.. ماذا تقولون؟..
- كما سمعت..
- لماذا؟..
- إذا أعطيناك تأشيرة المرور، وسمحنا لك بالدخول والخروج فمن سيفسر أحلامنا...؟.
- كثيرون... اليونسكو.. هيأة الأمم المتحدة.. صندوق النقد الدولي.. محكمة العدل الدولية.. كثيرون.. كثيرون...
- كلها عجزت عن تفسير أحلامنا.. وبما انك أنت الوحيد الذي تستطيع تفسير رؤيانا التي تكاثرت هذه الأيام ، فلن نسمح لك بالخروج...
- أإلى هذا الحد نحن بارعون في تفسير الأحلام؟...حسنا أنبئوني بأحلامكم..
- وجدنا أنفسنا بضيعة فسيحة. كل شيء فيها أبيض. خيولها بيضاء. نساؤها بيض.. بيوتها بيضاء.. كل شيء أبيض ما عدا ردهاتها السوداء.. وجدنا أنفسنا أمام طاولة كبيرة بيضاء ندبج قانون تصدير القهوة وقانون جعل ضريح بويا عمر مصلحة نفسية دولية.
- رؤيتكم واضحة وجلية.. وتأويلها سهل.. سيخرج فيكم إميلا جديدا إلى الطبيعة رغم أن جان جاك روسو تبرأ من إميل علانية... وستغرس أشواككم في عين الشمس ومغربها.. في كل مكان سيوقد لكم موقد وستغني لكم كل عجوز درداء أغنية النفط الأحمر الجديدة..
ها أنا بين جدران مغلفة بالفلين.. جدران تغلف صمتي.. تكتم حكمتي.. تجعلني لا أمارس امتدادي عبر العالم اللامتناهي.. انتم حمقى.. كلكم حمقى.. تنقصكم الإرادة.. لا تعرفون أن الإرادة هي محبة الخير، والمحبة والخير غير مطبوعين فيكم.. انتم عاطلون عن التفاعل والفاعلية.. عاطلون عن الذوبان في مداري.. حواسكم معطلة، قاصرة وأفكاركم غير مطابقة.. حاولوا أن تهربوا من كراهيتكم، أو اهربوا من كراهيتي، فلن أعبد شهواتكم ل،كم كلكم مجانين.. إنني أستشعر حزنكم وخوفكم وغضبكم، وبالتالي أستشعر جنونكم... انتم قابعون في جهلكم، تنتظرونني في ضريحكم الذي حولتموه بقدرة قادر إلى مصحة نفسية.. تزعمون أنها جنة، فاستمتعوا بحمقي الذي تدعون، وأشبعوا جسمي بهراواتكم.. لن تضيرني هراواتكم فقد ألفت نغزها.. لم يبق لكم إلا أن تشبعوا جسمي بحقنكم وبأقراصكم الحمراء.. لكن لن تكونوا أبدا في عالمي..
إنني أسمعكم من زنزانتي المغلفة التي وضعتموني فيها قهرا.. أسمعكم وحقيقتكم في عقلي... أسمعكم تعملون، تتحدثون، تتضاحكون... أسمعكم تخافون...
أعرف انه يخيفكم أن يزورني ( جيم) كل مرة.. جيم مدير محطة القطار المجاورة.. لقد زارني البارحة.. ها أنا يا جيم أصرخ عليك من النافدة.. من صومعة المصحة.. آه يا جيم:
Jump gim crown, jump gim crown
اقفز على كعبيك.. اقفز على أصابع رجليك، وكلما درت دورة اقفز يا جيم، واصرخن ثم اركع على ركبتيك.. ضع يديك على خصريك واصرخ يا جيم، ربما يعرفون أننا نحن العقلاء.
إنني داخل هذه الزنزانة المغلفة، أعيد إلى ذاكرتي أغانيها القديمة علني أخرج تعقلي الطفولي..
في هذه اللحظة دخل الطبيب المكلف بحالتي، احتار في إيجاد جواب لمشكلتي.. احتار في تفسير نوع جنوني – كما يدعي- ..قال لأمي ذات مساء:<< ولدك مصاب بالشيزوفرينية>>.. لم تعرف أمي ماذا يقول هذا الطبيب الأصلع.. لكن أمي وجدت الجواب:<< ابني يا دكتور ليس به ما قلت.. شي..شي..شيزي فوني...ولدي يا دكتور مسته عين حاسدة، ناقمة... من يوم أن فقدها أصبحت حياته جحيما>>..
- من هي يا سيدتي؟( يسأل الدكتور)..
- ابنة خالته دكتور.... ابنة خالته... ابنة خالته يا دكتور التي اختطفها البحر لأنها تحدته...
مساكين.. أسمعهم يتحدثون.. سذج... المجنون من يعيش وسط هذا التخلف.. الدكتور يستمع لامي بشغف فاغرا فمه.. عالم حمقى.. دائما يتهمون المرأة وان معاناة الرجل المرأة... يقولون إن مأساة شمشون امرأة، حلقت رأسه حتى أصبح مثل الرخامة البيضاء بعدما ملقته بحسنها، وأغرته بجمالها وكان الذي كان... حمقى.. إنهم يصدقون هذه القصة.. إنني أسمع صراخا كالبارحة.. إنه صديقي( دوستويفسكي) احضروه البارحة دائنوه، وأدخلوه مصحة ضريح بويا عمر تحت اسم مستعار.. إنه يصرخ كل يوم وفي نفس الساعة.. راسكولينوف يحضر له كل يوم لفافة تبغ أتقاسمها أنا وإياه سوية، ونحن جالسان إلى القمر...أحدثه إلى أن ينام، حينها أعود إلى زنزانتي المغلقة.
- 2 -
هاهي رسائلهم تصلني إلى مصحة ضريح بويا عمر. أقرأ فيها أن الجنون والثقافة والكتابة رموز غريبة. تدفعني إلى الرحيل المطرز بصراخي، وإلى ندائي المتكرر منذ عهد الطفولة. لم تكن نداءاتي ابتهالات، ولا نوعا من طلب النجدة ولكن طرطقة شرخ يتقوى في جذوعي. يذكرني بين الفينة والأخرى بالرقيق الذي يتعب كل يوم من أجل أن يلبس في عيني العيش والصبر، ويدفن التشويه الذي خلقته في تساؤلاتي المتطاحنة العبثية.. لم ينفعني في مهباتي هذه حلمي.. حلمي فارغ... كبير يأخذني إلى معبر أصعد من خلاله الأحداث..
هكذا كنت اكبر في نفسي... نفسي التي اهتزت صورتها منذ أن غادر تني زينب، ثم عائشة.. وأصبحت بعدهما محطم البنيان، في قبضة يدي شظايا معركة، وعبادة مرهقة، وحظ أعرج.. فأصبحت أعبر كل لحظة من بين رأسي الممزق إلى وجهي التي يتدفق جراحا...هكذا كنت أحلم.. فكيف أوافق بين رغباتي وجنوني.. بين حلمي وتعقلي..
زينب.. هل هي تنتظرني.. وكم ستنتظر حين يتلاشى الغروب سريعا، ويظهر أزيز خطواتي.. ينفض الغبار الخفيف.. فتبزغ طلعتي.. حينها أراها وفي عينيها أغنية.. ويتدفق العشق على خديها حمرة.. وخجلا طفيفا..
بذلتي البنية، وأربتي المخططة الجميلة.. وعطري الواقعي يفجر صمتي.. وحينئذ كل النظرات تكبر دون شجاعة وأنا أمر إلى حلمي الجميل..
لم أكن أعرف أن زينب ستتركني وحيدا، ولا عائشة.. لأذهب إلى حلمي وحيدا.. صوت غريب يدفعني إلى أن أترك نفسي تعيش تجربتها وحدها. ليس هذا ثقة مني، لأنني أخاف أن تقود الثقة حلمي وتعقلي، ونفسي إلى الجنون. ولكن أريدني أن أتعلم بنفسي كيف أستقل بحلمي... فلا أخفيكم.. كم أشقاني هذا السؤال، عندما احترت في الاختيار، وبالتالي احترت في الجواب..
- هل أحمد على ما يرام؟.
احترت في الجواب.. بماذا أرد؟.. وأنا اعرف أنني أتغير في داخلي كل لحظة.. إنهم يريدون مني أن أرسمني أمامهم بسيطا، مجردا من كل الأصباغ والألوان.. ولكن،كيف؟.. إن هذا الأمر يحيرني، ويجعلني أفتح فمي بضحكة عريضة عالية..
سأخبركم... زينب تسكن في منذ الأزل.. منذ صغري وأنا أحب الغزل، وأعشق مغازلة النساء، ونسيب الفتيات... عشرة أعوام وأنا أسأل عن لغز الكلمات التي جعلت الحب يعربد في أوصالها، وسحر الآهات التي جعلت ساقيها المنصوبتين تهرعان إلى لقائي، ويديها ترتجف بين يدي.. ولا كيف جعلتها تبالغ في الاهتمام بمظهرها وهي قادمة إلي..
إنني أكرهكم يا سدنة الضريح، وأبطال المصحة.. أكرهكم جميعا لأنكم أصبحتم تتزاحمون في رأسي وفي صوري...
ها هي قد دقت في عيني الخامسة مساء.. كل شيء ساكن رتيب.. حتى دقات الساعة وطنين ذبابة كادت أن تلمس أنفي.. أقوم في كسل، أتوجه نحو الثلاجة لألبي طلبات مجتمعي الاستهلاكي. أول ما لامست أصابعي.. زجاجة الكوكاكولا.. هنا انبثق في عيني الدرة، وأزقة غزة..
- يجب أن ترمي بالكوكاكولا.. ارم بها بعيدا.. إنها رجس من عمل الشيطان...
هكذا قلت لنفسي.. ولكن.. كباقي مساكين العالم، كيف أقاوم سحر الكوكاكولا. ففي سحر الكوكاكولا سحر أمريكا، وجنون أمريكا وحلم أمريكا، وفتنة أمريكا، وجمال أمريكا، وقبح أمريكا...
ولكن لا علي.. لقد قرأت فيما مضى في كتاب الجبرتي انه إذا أردت أن أقاوم إغراء الكوكاكولا، فما علي إلا أن أغير ظهري. فمن الصعب على عربي مثلي أن يغير ظهره بهذه السهولة.. لقد ألفت النغز والقرص والدغدغة...
نعم... صدفة، وجدتني اتفق مع نفسي، ونقرر نحن الاثنين الانصراف مهمومين. أعرف أن طموحي أكبر مني. وأنني أخاف أن أغمض عيني، وأفتحهما فأجد أنهم قد أخذوا ثلاجتي، وأنهم لن يزودوني أبدا بزجاجات الكوكاكولا، ولا بالهمبورغر. بل سيسلقونني بالشاي والزيتون، والهريسة المالحة. هذه هي الاشتراكية التي تريدون أن أحلم بها، واحكم بها نفسي.
في هذه اللحظة أخذتكم جميعا من يدكم وأوصلتكم إلى ثقب صغير بالغرفة. كانت عينكم اليمنى تتسلل منها، وتستقر على الخال الأسود الرابض فوق خيبتي الثقيلة. فأنتم أيضا أمام موقفي.. لم تستطيعوا مقاومة إغراء الكوكاكولا ولا نعومة المالبورو..
إنني مقصوص اليدين، أفرح لحزنكم واحزن لفرحكم.. ولكن الآن قررت أن أرضخ لكم كي أعدد أدواركم الكثيرة.. لقد لابست ذكرياتكم ولامستها وهي تخالط الأعاجيب.. أعرف أنكم تنظرون إلي نظرة إشفاق. تقولون:<< ضاع المسكين.. والله ضاع المسكين>>.. لذا يجب أن أدور من حال إلى حال. وسأعمل بما قاله لي يوما صديقي أبو دلف الخز رجي:
لا تلزم حالة ولكن در بالليالي كما تدور
إنني أراني فيكم، وأمي تخاطبني ودمعها على خديها:<< ما بك يا ولدي.. عين وأصابتك>>.. إنني انظر إليها بشفقة، وفي عيني كلام وكلام، وشفتاي تهمس بإصرار:<< العقل عيب ولوم.. هذا زمان الجنون.. ولا عاقل فيه إلا المجنون.. كلكم مجانين وأنا الوحيد العاقل>>
- 3 -
ها أنا أنظر في المرآة بعيني الطحلبيتين. هدوء يحفر معابري. إنني أبحث عن جذور في قديمة.. أجناس كثيرون يرددون في سيرة ذي يزن. لقد كنت أعشق أن أركب مع زينب الرخ.. كانت تعجبني أجنحته. لقد قلت ذات يوم بأنها كانت مغطاة بريش ناعم مخملي. وعندما كنت احكي رحلاتي الجوية الم****ة، كانت أمي تبكي وتنوحن والزوار يقولون:<< الله يستر... القرايا أخرجت له عقله>>.
إنني أضحك، وأضحك.. وفي ضحكاتي يتسابق قداس الكلمات، فيومئ بالبياض والحضور والغياب... إن النهاية في اللقاء.. وعيسى جارنا يهمس في أذن أمي:<< النهاية لا تكون إلا بليلة عيساوية أو كناوية، وذبيحة سوداء>>... مساكين إنهم أبرياء براءة البلاغة العربية.
انظروا أنتم أيها المجانين...انظروا أترون من الزائر؟... من الجالس الآن بجانبي؟.. إنه صديقي فان غوخ.. كانت لنا حكايات مشتركة وهم واحد وأمسيات أدمنا فيها شرب القهوة العربية، وحرق السجائر السوداء الرخيصة.. آه... كم غازلنا القمر !!... وكم استمعنا سوية إلى أبي زيد السروجي وهو يتأسد، ويلبس لكل زمان لبوسا..
فان غوخ يعرف أن ألفاظي عرقى، وان صهيلي يرهب الحاضرين.. فالكل يقول بأن بي مس من الجن، ومتلبس بروح حصان.. هل صحيح يا صحابي أن الأرواح تلبس أبداننا؟ وكيف تتعامل مع روحنا الأصلية؟. هل تنسخها؟.
كان الوقت ظهرا. وكان القيظ وهجا.. خرجت أزحف في أزقة حارتنا زحفا. رائحة عرقي تقلقني... خرجت ولم أعد... غبت أربعة أيام.. لا اعرف أين.. الكل ارتاح:<< الحمد لله لقد ارتحنا من صخبه، وجنونه>>، الكل يبحث عني حتى بعض رجال الضريح المكلفين بحراستي.. الكل يراقب الطريق علهم يجدونني في ردهات من ردهاتها.. واكتشفت وللمرة الألف.. وفرحت بهذا الاكتشاف.. اكتشفت أن ساحة الفنا قد بلطت بالرخام والزليج الأحمر، وأثمر نخيلها بلحا ذهبيا. وسألت فعرفت أنها تستعد لاستقبال مؤتمرا لصلع، وستحضره جميع الجمعيات الوطنية والدولية .
كل الجرائد والمجلات، حتى المجلات المتخصصة في المساحيق والأفرشة، والطبخ تتكلم وبإسهاب عن هذا الاجتماع الخاص بالجمعيات.. انظروا ها هو سرفانتس يعد نص خطبته الذي سيلقيه في الجلسة الافتتاحية، ولكن لست ادري إن كان سيلقيه باللغة العربية.
لكن.. أخبروني.. من يكون ذاك الأشقر الوسيم؟.. أليس( حاييم) ذاك الذي يبيع الظلام معلبا في دمية باربي؟.
إذا كنتم تريدون الحق، فقد سمعت بأنه حكيم كل الجمعيات، ومخططها.. لقد صنع سيناريو مؤتمر 1956 و 1967 و 1991 ويقال- والله أعلم- أنه يخطط الآن لسيناريو جديد، ربما يرشحه لنيل جائزة الأوسكار.. من يدري؟.
- 4 -
ها أنا ألبس حذائي الترابي، وأخرج وفي روحي لهيب يخجل من ضوء النهار... ألقى النهار وأنا اعرف أنني أخاف النهار.. أعشق الليل، وأحيا في الليل. قد قلت لما عدت بعد غيبتي التي طالت أربعة أيام، أنني كنت في ضيافة أبولو، وقد أعطاني السهام والقوس لقتل البيثون..
كنت اعلم أنه بعد قتل البيثون سيجدونني في غبش الفجر، قرب السنديانة الصغيرة مغمض العينين، مغبر الجبين. أئن وأكز على لساني المتصلب لأنني أخاف طعم الأقراص الحمراء.. أمي تقول كعادتها:<< ضاع ولدي.. ضاع وإلى الأبد. أعرف أنكم تروني أقف بلا عينين، مكسور الجناح، ذائب الخاطر.. أحاول أن أكثم عنكم حزني، فقد عهدتموني ثائرا كالشلال.. وها أنا ساقط في جنوني، وفي صمتي تطل عليكم عيناي، وقد خبا ذاك البريق الذي كان يلمع نشوة وغبطة.. لذا أخبركم بأنني سأجمع شتات جسمي الهزيل، وأفتح جبهة أخرى للصبر والسلام . حرب واحدة تكفيني.. على الريق سأفتح الجبهة، وسأرسم بالخيط والكتان مولد شيخوختي..
إنني أكرهكم.. أكرهكم.. لأنكم تريدون أن تحرموني تعقلي.. أو كما تدعون، جنوني.. اتركوني لعالمي، واذهبوا إلى عالمكم.. دعوني وشأني... لماذا تقفون موقف الوصي على جنوني، أو تعقلي.. أنا أرفضكم وأرفض عالمكم.. كما أرفض فوضاكم بما أنكم ترفضون القدوم إلى عالمي. فأنا أرفض أي حوار معكم.. اسمعوني كلكم... إنني الآن أنتظر زائرا مهما ولا أريدكم أن تمنعوه من زيارتي.. آه.. ها هو قادم بينكم. فافسحوا له الطريق.. أتدرون من هو؟.. سأقدمه إليكم بعدما تقومون نحوه بواجب الضيافة.. لا ضير ولو انه لا توجد عندكم إلا الهراوة والأقراص الحمراء، والحقن الساخنة..
لا تخافي يا أماه... أتدرين يا أماه من هو هذا الزائر؟.
- لا أرى زائرا يا ولدي...
- ألا ترين هذا الرجل العظيم بعمامته الخضراء، وعباءته البنية، وبردته الرمادية الحريرية؟.
ويضحك بعض الزائرين شماتة:<< إنها هلوسة الشياطين>>.
هذا الرجل- يا أماه- هو أبو الوليد بن احمد بن محمد بن رشد، جاءني شاكيا. فقد سماه بورخيس بابن رساد، وأحيانا يناديه بابن رايست. واعتبر هذا خطأ في التسمية، وتحريفا للقبه واسمه. وسيرفع أمره إلى المأمون لينظر في القضية. وحتى تتم معالجة ملفه سيمكث عندي على الرحب والسعة، فلا تقلقوه..
حتى أرسطو- يا سامعين- ضاق منه، لأنه شرح لأرسطو ما كان يجب أن يقوله رغم أن خلافا نشب بين الرجلين حول المأساة والملهاة. إنه يريد أن يعرف نفسه ومن يكون، لذلك جاء عندي. فهو الوحيد بينكم الذي يقدر مكانتي ويعرف قدري..
أعتقد- يا أمي – أنه حان الوقت لأعلن للزوار أطروحة بعض دجاليكم، وهي أن ثمة صراعا وسباقا بيني وبينكم.. تزعمون أن لغتي جامدة، وعقيدتي فاسدة، وصراخي احتجاجا، ودفاعي عن جنوني إرهابا.. أنتم ديمقراطيون إلى حد التخمة.. أما أنا فلا زلت أتلمس الطريق الأولى التي تؤدي بي إلى حدودك يا فان غوخ..
تابع
| |
|
|
|
|