خرجت من غرفة ابنتها تسائل نفسها ....هل فعلا استفاقت البنت على حلم مرعب ...حركت رأسها وكأنها تحاول التخلص من شيء عالق غير مرغوب فيه ...تجوب أطراف البيت حائرة...وقع بصرها على صورة والدها ......لم تتذكر شيئا مما جرى بالأمس .....
التصقت بالجدار تتفرس الوجه والكتفين العريضين والشارب الكثيف.....كأن صوتا مهيبا ينبعث من الصورة.....إنتزعتها من على الجدارمحتمية بها ..لفت حولها ذراعيها وضمتها الى صدرها بعنف رغبة في اخماد الصوت والدمع يفورمتساقطا على جنبات الصورة راسما أخاديد.....تقرفصت أرضا في شرود تجترح ألما عبر كوة الظنون المشرعة على المواجع.....صراخ أبيها المدوي رافضا زواجها _وهو رجل خبر الحياة بكل تناقضاتها _.......عنادها واصرارها على الإرتباط بإنسان أفسده إرث آبائه ......قساوة العيش وضيق ذات اليد....هامت بين تجاعيد الزمن تلوي على آلام تشردمها.....
رست على شط العتمة تسترجع رد زوجها ..لا بد من الرحيل....طلبات البيت مرهقة وتراكم الديون....غير آبه با ستعطافها.....معلنا عن زمن الرحلة نحو المجهول عبر قارب سري ليلا .......ارتجت في حنق لتستيقظ مذعورة على صبيب الماء الذي ملأ المكان ..وصورة أبيهابين أحضانها ......
... رأيته يا أمي رأيته .. رأيت ذات السواد يعود مرة ثانية بعد أن نأى بأبي بعيداً حيث لا أعلم .. عاد يا أمي مخيفاً أكثر مما كان في المرة الأولى .. أقبل نحوي مسرعاً والشرر يتطاير من عينيه الحمراوين .. لم أتبين سائر ملامح وجهه جيداً يا أمي، وكأني به عندما رأيته قد التف بسوادٍ في سوادٍ .. أخذ ينظر إلي شزراً، ويحوم حولي بسرعة عدة مرات .. مدَّ إلي يداً من أياديه الشوهاء فقطعت قبل أن تصل إلى يدي اليسرى، ثم مد ثانية فبترت قبل أن يمسكني من يدي اليمنى، ومد إلي ثالثة فهوت قبل أن يقبض بها على عنقي، وما إن مد ما تبقى من أياديه يريد الظفر بي، حتى وقعت وتلاشت قبل أن تمسني .. لقد عاد أبي من جديد يا أمي فقطعها جميعاً بسيف من نور أضاء المكان ... رأيت يا أمي الوحش الأسود يفنى شيئاً فشيئاً بعدما جرد بحد السيف من أياديه السوداء، وفجأة صاح صيحة منكرة غاب بعدها ولم يعد له أي أثر يذكر .. لقد عاد أبي يا أمي وأنقذني .. ترى ما عساه يكون ذلك الوحش الأسود يا أمي؟...
خير وسلام يا ابنتي .. خير وسلام ... د. عبد الفتاح أفكوح - أبو شامة المغربي
ضمتها الأم إلى ذراعيها و هي تتمتم ببضع آيات من القرآن الكريم ..عسى أن تستفيق البنت من صدمة هذا الحلم الذي أثار فيها الرعب و الخوف...لملمت الفتاة أعصابها و تمالكت نفسها و قامت من فراشها متجهة نحو الحمام حتى تروي عضلات وجهها المقشعرة من هول هذا الكابوس...و عادت إلى غرفت لتغير ملابسها و تتجه بعد ذلك الى غرفة الطعام لتناول وجبة الافطار و تبدأ يوما جديدا من أيام حياتها المشحونة بالمواقف المختلفة أنواعها...
بسم الله الرحمن الرحيم سلام الله عليك أخي الكريم محمد فري ورحمته جل جلاله وبركاته وبعد ... لك في المستهل شمس الشكر الساطعة في السماء، ولك قمر التقدير المنير في العلياء على كل كلمة قصصية أثريت بها ووفيت هذا المقام السني، وذات الشكر والتقدير أهديه مزهراً مورقاً إلى باقي الإخوة والأخوات الذين أجابوا وسيجيبون مستقبلاً دعوتي المتواضعة ... أما عن اقتراحك أخي محمد فري بطرح خطاطة سردية عامة يحدد فيها الخطوط الكبرى للنص ليسير المشاركون على هديها ... فهو اقتراح احترمه غاية الإحترام، وله ما يبرره في رأيك، إلا أنني أرى في ما أرى أن لا أقيد المشاركين والمشاركات في كتابة هذه القصة الطويلة بأي خصاطة قبلية أو تصميم مسبق، من شأنهما أن يثقلا عليهم ويحدا من إبداعهم وتخييلاتهم، وخلاصة الرأي عندي في هذه المبادرة أن يترك باب الاجتهاد في الكتابة القصصية مفتوحاً أمام الكتاب والكاتبات ... حياك الله د. عبد الفتاح أفكوح - أبو شامة المغربي
الأديب عبد الفتاح أفكوح ، لك الشكر والتنويه على هذه التجربة السردية التي بادرت إليها ، والشكر أيضا لكل الذين شاركوا فيها ، والذين أثروها .. وأرى أن اقتراح السي محمد فري وجيه وجدير بالتفعيل ، فالحقيقة ، ومن خلال تتبعي لما كتب في هذه التجربة أن الخط السردي لم يعتمد على تصور موحد ، فكان لابد أن يعرف نوعا من التشتت ، فمثلا ما كتبه السي فري يعطي انطباعا بأننا إزاء أسرة قد جار عليها الزمن ، وأذاقها أنواعا من الحرمان لدرجة أن الأب لم يعد يستطيع التحمل ، ففكر في حل ربما يكون أمر من واقعه هو الهجرة السرية ، في حين ما كتبته الأخت نعيمة زايد يعطي الانطباع بأننا إزاء أسرة مستواها المادي لا بأس به ، فهي تسكن في شقة لها جرس داخلي ، وبها مدفئة ، ولولا أن الأخت زايد تدخلت ، وبطريقة ذكية في مشاركتها الأخيرة لجعل مسار الأب ( ومن خلاله مسار السرد ) غير متناقض ، وإن كان ذلك على حساب تصورها الخاص ، لوجدنا أنفسنا ، ربما داخل نص سردي يتسم بالهجانة ، والتنافر ..
من هنا تبرز وجاهة اقتراح السي محمد فري بوضع إطار مرجعي يحدد التمفصلات الكبرى للمسار السردي ويحافظ على بنائه دون أن يقيد حرية المشارك ، على مستوى الرؤية السردية والتركيب واللغة .. فقط تفاديا لتضارب التصورات ، والتزاما بحبكة النص و رهانه .. وأقترح على د عبد الفتاح ، أن يضع إطارا عاما لما سيأتي من المشاركات ومتناغما مع ما سبق ، يكون بمثابة علامات وإشارات تحدد وجهة السرد ، دون أن تتدخل في آلياته .
وأحب أن أضيف ملاحظة تتعلق بتقنيات السرد في هذه التجربة ، فقد لاحظت أن الوصف يهيمن فيها على حساب باقي التقنيات من حكي وحوار بنوعيه ( الديالوج والمونولوج ) واسترجاع ، وتعدد لغوي ... وأرجو من الإخوة المشاركين أن ينتبهوا إلى ذلك، فالشكل في السرد لا يقل أهمية عن محتواه ..
شكرا للجميع على هذه التجربة الرائدة والمثمرة .. وبالتوفيق ، وارجو أن تتلوها تجارب أخرى تستفيد من سابقاتها .
استيقظت مفزوعة وقد على جبينها قطرات عرق بارد...اشعلت ضوء غرفتها... بهو سحبق امامها... وعجوز جاسة بالقرب منها ذات عين واحة.. تحركت حنجرتها.. وولولت أوتارها.. لم تكت تعرف اين هي....