قررت أن اقصد المقبرة ، وأرسم له لوحة.
معظم الناس الذين يزورون المقبرة ينادونه باسم الصالح..
لا أحد يعلم من أين جاء ولم يتساءلوا يوما عن سر وجوده هناك.
كان شيخا..وكان إذا وقف يتخذ هيئة رجل يمسح الأفق بانتظار شيء، وإذا جلس يتماثل للهدوء واليقين.. يعبث بلحيته، و يقضي النهار مستندا إلى جدار المقبرة أعلى المدينة يتأمل في صمت.
كان الخريف كذلك يوغل في زمنه....
أخذت لوازم الرسم، وحبتا تفاح ، وقارورة ماء.ثم اتجهت صاعدا إلى المقبرة عبر زقاق ضيق ..حدثتني نفسي في طريقي إليه بأن شهوة الرسم قد بُعثت من مثواها بعدما ظلت هاجعة، وأني قد عثرت على قطعة حية من التاريخ..
عندما وصلت ..أمامه أخرجت إحدى التفاحتين ووضعتها في حجره، وقبّلت عمامته ثم نثرت لوازم الرسم، وجلست أنا الآخر متكئا على الجدار مقابل المدينة والبحر في رغبة لكسر صمته .قال:
- سبقتك نيتك أيها الرسام.
- المكان هادئ هنا.
ثم نهضت وخطوت خطوات ونصبت منصب اللوحة وبينما أنا انثر أدواتي. قال:
- ترى المدينة ؟؟
- بلى من هنا تبدو كاملة.
أشار بعود كان قد رسم به دائرة عند قدميه، وغرزه في الأفق باتجاه المدينة مركّزا بصره وقال:
ـ هذه ليست المدينة..
التفتُ إلى المدينة ..بدت الأدخنة المتكاثفة التي تخرج من المداخن كأنها خيوط تحمل المدينة. قلت في نفسي بل هي المدينة،إنما شحّ بصر: أيها الشيخ، أو هو يرتّب الأشياء بشكل سيئ..
قال مؤكدا وكأنه علم بما يدور في ذهني:
- ليست المدينة.
ثم صمت وزاغ بصره ، ورحت أهيئ لوحتي والواني.. أخرجت التفاحة الأخرى من جيبي .. نهشتها وسألته:
ـ سيدي أعشت هنا منذ الصغر؟
قال:
- اختفت الطيور من السماء فجأة كالحايك الأبيض ونساؤه من شوارع المدينة.
وبينما كنت أنقل منصب اللوحة لأبدل زاوية النظر بحيث يبدو لي جانبا من كتفه.قلت:
- النّساء هن النّساء..ما يتبدل هو الذوق.
وكأنّه أراد أن يعترض عن كلامي لوّح بالعود الذي في يده وقال:
-والمطر
- وما دخل المطر في النساء.
قال مفسرا:
- المطر والنساء لا يثني عزائهمما إلا الذي أجّجهما.
هززت رأسي في صمت رغم أني لم اقتنع بما قال، واعتبرته شيء من القول السديد الذي يحترف الكبار توزيعه ، وغطى لحظتي شعور بأن الشيخ ربما تواجد قبل المدينة.. فتحولت من مكاني واقتربت منه لأدقق في تفاصيل وجهه.
قال:
لا ثقف بيني وبين الشمس.
تحركت فانزاح ظلي من على وجهه الذي بدت عليه آثار إخفاقات عديدة ،وعدت إلى مكانياشتغل في صمت ، بينما راح هو يتأمل الأفق مدة حتى غطت الشمس قزعة وتغير الجو.
قرّبت منصب اللوحة ولأبرّر له تنقلي قلت:
- الضوء في عملي مهم كالألوان.
لوّح بالعود ثم أشار به إلى اللوحة وقال:
- باندحار النور لا تندحر الأشياء التي أضاءها.
قلت:
- قول سديد.
قال:
-كأنك تعني أني اقتبس المعنى من زمني.
قلت:
-يصلح لزمني كذلك.
ورحت ادقق في تفاصيل اللوحة وأحلم أن يوجد لها مكان في متحف المدينة، ..لم انتبه إلا بعدما ارتطمت بقدمي حبة التفاح التي تدحرجت من مكانه بعدما اختفى.
شكرا لك أولا على الإهداء الرقيق. و أيضا على الطريقة التي أجبت بها عن تساؤلي عنك.
أحببت هذا"الصالح" وهو بطبيعة الحال لا علاقة له ب" صالح بن المعطي" لمحمد فري الذي كان قد دار حوله حوار طويل.
لأن الأول عشق الدنيا وعمل على كسب ود رجالاتها. بينما صالح هذا قد طلق الدنيا و زهد في ملذاتها.
أنا اعد ورقة حول هذا الموضوع. و لا ارى سوى أن روحك أصابها شئ من هذا الذي سكن هذا الصالح. ولذلك صرت تقف وزقفة الفيلسوف المتأمل، بينما الناس في عجلة من أمرها.
شكرا لك مرة أخرى. و إلى اللقاء حول جلسة أتمنى أن يسهم فيها الجميع.