مقـدمـة :
كيف كنتم تدرسون ؟ هل كانت طريقتكم تشبه طريقتنا في التعلم ؟ كيف كنتم تتعاملون داخل الفصول ؟ هل كنتم تكتفون بالسماع وأخذ المعارف أم كنتم تنتجون كتابات أخرى ؟ هل كنتم تكتبون كتابات خاصة ؟
أسئلة من ضمن أخرى كانت تنهال بها طفلة على والدها. أجاب الأب وأجاب ولكنه لم يكن مقنعا بما فيه الكفاية، كان يفتقر إلى الوثائق، وثائق مكتوبة.أي يفتقر إلى تأريخ لتلك اللحظات الصغيرة التي عاشها وهو تلميذ تحضنه مدرسة ويعلمه مدرس . اكتفى بالذاكرة، والذاكرة قد تتعب مع الزمن . الأرشفة مهمة في حالتنا كما تحدث عنها "سيجموند فرويد "وكما فككها "جاك ديريدا "[1].
يلتجئ الإنسان لتسجيل سيرته الذاتية وهو كبير قد استقام عوده، هو لا يفكر أثناء صغره - إلا فيما نذر- في تسجيل لحظاته الصغيرة وهو داخل قسم، يتعلم ويجتاز امتحانات، ويحفظ وينسى . تسجيل اللحظات الصغيرة يأتي فيما بعد، ويعتمد أساسا على الذاكرة التي قد تنسى أجزاء هامة من هذا المُتَذَكَّر .
تسجيل السيرة الذاتية للتلاميذ يتم بأشكال مختلفة تكون مباشِرة غالبا، ولكن نادرا ما يتم الالتفات إلى هذه السِّير كمنتوج إبداعي ثقافي عميق. إما لأن الإنتاج غير موجود أصلا وهذا هو الغالب ، أو لأن هذا الإنتاج التلاميذي لم يكن الهدف الأساسي منه سوى اجتياز عقبة الامتحان التي كان فيها المتعلم يعز أو يهان .
تلميذ المرحلة الأولى من التعليم الثانوي ( الجدع المشترك في حالتنا في التعليم المغربي مثلا ) وكذا المرحلة الثانية، الأولى باكالوريا والثانية أحيانا، تكون له قابلية التقبل والتأويل أكثر من غيره. هو في سن السؤال والتساؤل والبحث عن تحقيق الذات وإبداء الرأي والرأي المخالف. ومن هنا تكون هذه المرحلة أهم ما يمكن التركيز عليه من طرف المدرسين لفتح المجال أمام هؤلاء الصغار/ الكبار ليحققوا ذواتهم . تحقيق أو محاولة تحقيق الذات يتم عبر عدة وسائل :رياضة ، فكر، إبداع، رسم، شعر،قصة ...الخ. وتكون اللغة أهم وسيلة مساعدة لهذه الغاية، بها وانطلاقا منها يتم البحث والتساؤل والاختراق.
لقد ظلت اللغة العربية وسيلة لاكتساب المعارف وتكرار الجاهز، لا لإنتاج المعارف وتوظيف مختلف طاقات المتمدرسين. واكتفت بالمستوى التواصلي دون أن تتجاوزه إلا فيما نذر، وذلك لعدة أسباب قد تخرج عن مجال كلامنا هذا . وتم اعتماد طرق للتدريس تكتفي بتدريس القواعد الجافة التي لا تفتح ذهنا وإنما تركز معطيات، على التلميذ إعادتها في كل امتحان . من هنا أتى اقتراح هذه المحترفات "الورشات الكتابية" كبديل مقترح للتعامل مع المعضلة اللغوية لدى تلامذتنا. نشير هنا أن المستويات الأخرى الابتدائية والسنوات الأولى من التعليم الإعدادي تكون أقل صعوبة نظرا لتعطش التلميذ للمعرفة من جهة، ونظرا لكون القابلية التنافسية تكون لديه أكثر من مستويات البدايات الأولى للمراهقة .
سيتضمن هذا المكتوب إذن تجربة للإبداع التلاميذي شعرا وقصة وتأويلا ودراسة ونقذا وتأملا وانطباعا .
القسم الأول
المنطلقات
اقتحام اللغة :
يتعامل التلميذ في المرحلة الثانوية مع اللغة عادة كشيء جامد. قوالب وقواعد تحتاج إلى حفظ وإعادة كتابة لمكتوب أصلا . إعادة نفس الأفكار ، ويكاد التلميذ في هذه المرحلة أن يعتمد على الكتاب المدرسي بشكل كلي، مما قد يجعل هذا الكتاب رغم أهميته عائقا للتعلم بعد أن كان وسيلة أساسية له، واعتماد المدرس على الكتاب بشكل كلي قد يجعل التعليم والتعلم أحادي الجانب. إن التلاميذ لا يفعلون شيئا سوى إعادة كتابة ما كتبه آخرون . من هنا تأتي الدعوة إلى اعتبار الكتاب والبرنامج الدراسي ككل، مداخل لتحقيق كفايات وقدرات قد تختلف من وضعية إلى أخرى، فالتلميذ هو محور العملية التعليمية ، منه تبتدئ وإليه تنتهي .
الابتداء بالمتعلم هو الاعتماد الكلي على قدارته باكتشافها أولا، ثم بصقلها والاستفادة منها في تطوير مسار الدرس. طرق اكتساب اللغة كذلك يجب أن تراعي المتعلم بالانطلاق من تمثلاته حول اللغة، وتعتبر التمثلات أهم مقولة من مقولات الديداكتيك التلاتة التي هي: العقد الديداكتيكي، النقل الديداكتيكي والتمثلات .
وإذا كان العقد يمثل وسيلة أساسية للتعارف بين طرفي العملية التعليمية تلميذ / أستاذ . أستاذ / تلميذ، فإن النقل ينصب على المعرفة ذاتها بتحويلها من المستوى العالم إلى المستوى البيداغوجي ثم المستوى الديداكتيكي فمستوى الاكتساب. والتمثلات Les représentations هنا هي: " عبارة عن صيغة من المعرفة محددة وموزعة اجتماعيا ، تتوفر على توجه واقعي إجرائي ، وتهدف إلى بناء حقيقة أو واقع مشترك داخل مجموعة أو سياق اجتماعي "[2] . ودور المدرس هنا هو إما تدعيم التمثل أو تصحيحه أو بناؤه من جديد .
وإذا كان تعلم اللغة واكتسابها في مستوى الثانوي يتم اعتمادا على اللغة نفسها كقواعد، فإنه كثيرا ما تقف تمثلات التلاميذ بل وعلاقتهم بمحيطهم عائقا أمام تعلم اللغة العربية وخاصة بالنسبة للأقسام العلمية .
" هذه لغة أموات " هذا ما يخاله من يتعامل مع مقررات اللغة العربية في مستوى التعليم الثانوي وغيره، فنحن ندرس نصوصا لأناس قد مضوا وولوا. كل التلاميذ، أوجلهم على الأقل، يعتقد أن صاحب النص، أي الكاتب، لا بد أنه شخص قد مات . وأثناء حديثي مع الكثير من التلاميذ عن شخصيات هامة وكتاب معروفين اعتقدوا أنهم غير موجودين الآن ولا يمكنهم أن يوجدوا. عبد الكريم غلاب أو نجيب محفوظ مثلا ناهيك عن عبد الفتاح كليطو أو أحمد بوزفور أو صلاح بوسريف ...
لا يتخيل تلميذ المدرسة الثانوية المغربية - أو لا يكاد - أن بإمكانه الاتصال بكاتب أو كاتبة. فالمتنبي هو الشاعر ، والجاحظ هو الكاتب ، وابن بطوطة هو الرحالة المسافر. لا زالت تمثلاته حول الكاتب والكتابة تمثلات قدسية .الكاتب شخص مهم لا يشبه الناس، هذا ما يعتقده المتعلم. وسيساهم الكتاب المدرسي والمقررات الدراسية في تكريس هذا الأمر، فجل النصوص المختارة هي إما لكتاب مضوا ، وينتمون لعصور كلاسيكية/ أو لكتاب محدثين ولكنهم مشارفة يصعب التواصل المباشر معهم فأين الأدب المغربي[3] ؟
ضرورة الكاتب المعاصر :
كم في المغرب من كتاب وشعراء ؟ وهل يحتاج المغرب لكتابه وشعرائه ومفكريه ؟ إذا كان الجواب بنعم، فمتى وأين وكيف سيحتاج المغرب لكتابه ومفكريه ؟
نقصد بالكاتب المعاصر ذلك الكائن الذي يكتب قصصا، أشعارا، روايات ، تأملات ، نقدا ينتج أفكارا ، تاريخا ، فلسفة ...إلخ .
نقصد باختصار الكاتب الذي يملك مشروعا ثقافيا أو تصورا متكاملا حول الكتابة. ونعيد ونؤكد هنا على وجود الكثير من الكتاب المغاربة الكبار، الذين يملكون همَّ الكتابة والمكتوب، أي أصحاب المشروع الثقافي. إن الارتباط بالكاتب المغربي لا يأتي من دعوة إقليمية ضيقة بقدر ما يأتي نتيجة الارتباط بتصحيح تمثلات، وإعطاء الوضع الاعتباري لهذا الكاتب انطلاقا من المدرسة. فالمدرسة تؤرخ للحظة أو لحظات هامة من تاريخ الناس الشخصي ثم الجماعي. منها المنطلق، وهي لا تنتهي . المدرسة استثمار لصقل عقول وتوجيه أفكار نحو المستقبل. كل مجتمع بلا مدرسة هو مجتمع بلا مستقبل . والمدرسة إذا انفصلت عن جذورها، أعنى عن تاريخها، أصبحت عرجاء . فما معنى أن أدرس نصوص وأفكار أموات أو شبه أموات ، الموت بمعناه المجازي بما أن نص المتنبي هو حي باستمرار، كما هو نص نجيب محفوظ وشاكر السياب مثلا. الارتباط في التدريس بنصوص الأحياء - الحياة هنا بالمعنى الفيزيقي ـ ستضفي على مفهوم الكاتب والكتابة لباسا واقعيا.
حضور الكاتب الجسدي إلى المدرسة يجب أن يسبقه حضور نصه في المقررات الدراسية، هي ضرورة ستتضح أهميتها من خلال عرضنا لتجربة متواضعة في هذا المجال.
دعهم يقولون :
تدريس اللغة العربية في المدرسة يرتبط بمناهج دراسي، ووسائل ديداكتيكية، وطرق بيداغوجية منظمة في الزمن والمكان ، بحصص لها مدخلات ولها مخرجات ، من التعلم إلى تقويم التعلمات .
عادة ما نقول للتلميذ ما عليه قوله، نعطيه نصا جاهزا ونهيئ له أسئلة جاهزة سلفا، ونقدم له قوانين الجواب، لنشكله على الطريقة التي نريد، والتي قد تؤدي إلى نتيجة لا نريدها. ترك التلميذ يقول ويسأل ويعبر عن نص جاهز مختار بعناية وموجه بأسئلة وطرق نمطية قد لا يتيح إمكانية اقتحام النص وبالتالي تجاوزه بتلق متفاعل . نص جمعي سيمتحن فيه بشكل كتابي فردي في وضع جمعي وبقلم تنقيط جمعي . فكيف يشكل عقل وفكر حر، في وضع كهذا ؟ لحسن الحظ لدينا الأستاذ الموجه ومساعد المتلقي على تنظيم تلقيه .
تدريس اللغة العربية من خلال مقررات جاهزة واحدة لتلاميذ مختلفي القدرات يقود لمفارقة التدريس بالكفايات التي من المفروض أن تراعي وضعيات التعلم. علينا اختيار النص الملائم بعناية إذن، وعلينا قبل ذلك وبعده ترك التلميذ يقول ما لديه . دع التلميذ يقول ما لديه، دعه يقتحم النص واللغة منذ البداية، وينتج بالتالي النص الموازي. وهذا ما نطلق عليه تجاوزا اسم المحترفات الكتابية Les ateliers D’écritures. محترفات سيجرب فيها التلميذ قدرته على الإبداع داخل اللغة من خلال تخطيئها، وتصحيحها، وكتابتها من جديد، ومن هنا ضرورة الارتباط بلغة الحياة، أو بنص يعيش صاحبه بيننا، وبالإمكان الاتصال المباشر به.
هذه التجربة المحدورة في الزمان والمكان هي عصارة لقراءات وكتابات تلاميذ يحاولون تجاوز النسيان، وإنشاء كتابة سيرة ذاتية إبداعية تلاميذية تمت في مجموعة مدارس أطلس الخاصة بالرباط وبغيرها، بين 2003 و 2007 ، اختارنا منها ما رأيناه ملائما .
لماذا المحترفات الكتابية ؟
الأهداف :
تختلف أهداف المحترفات حسب الفئة المستهدفة، فلكل محترف أهدافه الخاصة التي يجب أن تحدد سلفا، وتعلن كعقد ديداكتيكي إما صراحة أو ضمنيا، وإذا أمكن تحديد القدرات والكفايات لهذه المحترفات فسيكون أحسن .
ومن الأهداف العامة للمحترفات الكتابية الإبداعية نذكر :
ـ أهداف لسانية وظيفية : التعبير عن أحاسيس ـ تحديد ملامح شخصيات ...إلخ
ـ أهداف ترمي لتنمية الرصيد اللغوي : تركيب نصوص مفتوحة ـ كتابة يوميات بإدخال مفردات محددة ...إلخ
ـ أهداف ذات بعد تربوي : التعبير عن موقف ـ الدفاع عن رأي ...
ـ أهداف تعبيرية : التعبير عما يدور في النفس لإبداع وتفجير الطاقة الكامنة فينا...
أهداف تعليمية آنية : كتصحيح أخطاء إملائية أو تركيبية
وعموما تحدد الأهداف تبعا لنوعية المستهدفين في ارتباط بالقدرات وارتكازا على الكفايات.
المعينات على الكتابة الإبداعية أو مساعدو المنجِز:
من أَهمَِ المساعدين : القواميس حسب المستوى ـ النصوص التي يجب أن تختار بعناية ـ لوحات ـ أشرطة ـ صور ...إلخ
وقبل كل محترف يتم تحديد العناصر التالية :
النوع : شعر ـ قصة ـ كتابة مفتوحة ـ تاويل ..
المستوى الكمي : عدد الأسطر المطلوبة في الإنجاز
مدة الإنجاز الكتابي : تحديد كم سيستغرق الإنجاز من طرف الفئة المستهدفة
منجز المحترف : المشرف على العمل
المعينات التربوية : تحدد إن دعت الحاجة إليها
قـرأ يقـرأ
"يشعر المرء بأنه سيكون مضحكا قليلا إذا كان عليه أن يبدأ بالإلحاح على أن الأعمال الأدبية توجد في جانب منها لكي تكون مقروءة ، وبأننا نقوم بالفعل بقراءتها ، وأن من المفيد أن نفكر في ماذا يحدث عندما نفعل ذلك " فولفغانغ إيزر
1 فعل القراءة
فعل القراءة يسبق فعل الكتابة . وحين تكون القراءة منهجية فإن الكتابة ستكون كذلك. يتعلم التلاميذ القراءة لكي يُمتحنوا في الكتابة . كل امتحانات اللغة العربية في المدرسة المغربية الثانوية والإعدادية هي امتحانات كتابية .
والقراءة هنا حتى وإن كانت منهجية فما هي إلا فعل لمكتوب كتبه آخرون، سيشرحه المدرس ليمتحن فيه المتعلم.
أنت مؤول للنص فأنت راسب في الامتحان مسبقا .أعطني ما طلبت منك تقول لك ورقة الامتحان الرسمية الأكاديمية " الهامة " ، مؤشرة المرور نحو القسم اللاحق. لا تؤول. أنا أرفض أن تؤول. كل قراءة من غير تأويل تأتي أساسا لترسخ مبدأ الواحدية.
تأويل القراءة أو القراءة التأويلية هي وسيلة أخرى لترسيخ الشخصية المعتمدة على التعلم الذاتي في المرحلة الثانوية . فبعد قراءات متعددة منهجية في المراحل الابتدائية والإعدادية سيكون من المفروض أن تتوجه القراءة للمستوى الشخصي من أجل الوصول لهدف محدد وهو إنتاج النص الشخصي ، أي النص الخاص جدا بكل تلميذ، لغة وأفكارا .
فماذا يقرأ تلاميذنا أولا ؟ وما الذي عليهم تعلمه لكي يقرأوا بطريقة مفتوحة؟ في الفصول التي يواجه فيها التلاميذ امتحانات أثناء المخرجات سيواجه المدرس بصعوبات أهمها ضيق الوقت ثم الانضباط التام للتعليمات الرسمية حتى لا يحصل التلاميذ على نقط غير مرضية ، نظرا لعدم تلاؤم أجوبتهم والخطوط الكبرى الموضوعة من طرف المشرفين على الامتحانات. وتلك أهم عيوب امتحانات الأكاديمية التي تعتمد في تقويماتها كلها على المقروء الواحد وعلى الكتاب المدرسي . وحتى بالنسبة للأقسام التي لا يمتحن فيها التلاميذ بشكل موحد من طرف الأكاديمية ، فإن المدرسين يخشون من عدم تلاؤم طريقة التدريس والتقويم مع ما سيأتي وكأنهم يهيؤون التلاميذ لهدف واحد هو اجتياز الامتحان بسلام ، الذي قيل إن هدفه تكافؤ الفرص . وهو أمر يحتاج لإعادة نظر.
وما ندعو له هنا للتغلب على هذه المعيقات هو تخصيص حصص خاصة للقراءة الإبداعية وبالتالي للكتابة الإبداعية لدى التلاميذ، لا تخضع لنظام أكاديمي وإنما تخضع لتقويمات مستمرة من طرف ممارس المحترف الكتابي وأوراش الإبداع التلاميذي ، وهو أمر يقتضي الإلمام بتقنيات التنشيط الذي نقترحه كتجربة هنا.
2 ـ كيف علي أن أقرأ ؟
سنميز بين ثلاثة أشكال عرفتها القراءة في النظريات الأدبية :
_ القراءة المعتمدة على المؤلف.
_ القراءة المعتمدة على النص أو ما يعرف بموت المؤلف.
القراءة المعتمدة على القارئ: أي التلقي
" إن اهتمام نظرية التلقي بالقارئ والقراءة والعلاقة بينهما في النص إنما هو تركيز على الجانب التواصلي في نظرية الأدب . فهذه النظرية ستعطي للتواصل في الأدب بعدا آخر سيغنيه ويميزه عن نظرية أو نظريات التواصل التي عرفت وتعرف تطورات هامة في الدراسات الحديثة عامة سواء على المستوى اللساني او السيميائي أو على مستوى النقد والتأويل. فالتواصل الأدبي أخذ يتحدد أكثر ويتسع ليتميز عن غيره من التواصلات اللسانية والتربوية والصناعية لما يفترض ذلك من تباين واختلاف موضوع التواصل وتنوع السنن وتنوع التلقيات وتطورها عبر الزمن " [4]
سننحاز لهذا الاتجاه المعتمد على القارئ الذي هو التلميذ هنا، لكونه سيخدم الأهداف المحددة للغة العربية والتي يمكننا تلخيصها في قدرة التلميذ على التواصل الشفوي أولا ثم الكتابي ثانيا باتباع نص أو أفكار موازية انطلاقا من نص آخر وعدم الاكتفاء بالجانب التفسيري .
إن فسح المجال لتأويلات التلاميذ سيحقق ما اصطلحنا عليه اقتحام اللغة. بعثرة الكلام، وتجميعه بتركيب سليم، وبمعنى خاص يبدعه التلميذ، وهو هدف من أهداف المحترفات الخاصة باللغة العربية . في أحد الحوارات الهامة سيشير عبد الله العروي لمسألة اللغة العربية ـ وهو أحد أهم المفكرين العرب والعالميين بلغات متعددة ـ يقول عن اللغة العربية :
" أتلذذ بقراءة اللغة العربية والكتابة بها لما لها من قوة إيحائية بسبب تركيبها الاشتقاقي ، وبسبب التكسير ، بحيث يمكن للإنسان، لا أقول يتلاعب ، ولكن يحس أنه يسيطر على المادة اللغوية وهو شيء صعب في اللغات الأخرى التي لها أشكال محددة، بعد أن قطعت كل العلائق مع جذورها الاشتقاقية " [5]
هذا استشهاد يعزز ما ذهبنا إليه من محاولة رد الاعتبار لهذه اللغة انطلاقا من التركيب ثم إعادة التركيب .
"اللغة العربية لغة أموات ". هل اللغة العربية لغة أموات ؟ قد يكون هذا ما يعتقده التلميذ . والسبب في رأينا يعود للمقررات الدراسية التي لا تعتمد إلا على نصوص قديمة لكتاب قد مضوا . نحن لا نقرأ إلا ذاكرة الكاتب، لا النص الذي عليه أن يحيا . ولعل مثال تدريس نص للمقامات من خلال نص آخر حوله لكاتب معاصر هو عبد الفتاح كليطو سيعطي الحياة لهذا النص .
ـ اقرأ ، تقول . ـ ما أنا بقارئ يقول لك التلميذ . وإذا قرأت ـ يقول لك ـ فلأنني أنتظر جزاء هو نقطة عالية ستساعدني على الرفع من معدلي السنوي الذي سيؤهلني بسهولة لولوج مراكز يتنافس عليها المتنافسون ..
القراءة التأويلية ستخلصنا من هذا الجزاء النفعي المنتظر، لكونها قراءة ذاتية شخصية إبداعية ترتبط بحاجيات نفسية وآنية للتلميذ .
يبتدئ التأويل بالتفاعل وفق قواعد واضحة أحيانا، وضمنية أكثر بين عدة عناصر . انطلاقا من نص أو سؤال أو حالة تمثل حاجة هي الإفراغ وإنارة الظلمة بالنص .
لكل نص خصوصيته ونقطة انطلاقه، ولمسألة الملاحظة الأولى أهمية بالنسبة لتلاميذ المدارس الإعدادية والثانوية. قراءة العين هي المفتاح الأول. فالتلاميذ سيميزون بين سرد وشعر، بين شعر عمودي وشعر حديث مثلا انطلاقا من العين. قد تختلط عليهم الأمور أحيانا، ولكنهم يميزون عادة منذ الوهلة الأولى بين هذه النصوص بمجرد النظرة الأولى . فالشكل ومعمار النص وهندسة الفراغ ستلعب دورا هاما في فتح متخيل التلاميذ خاصة في الشعر، والتركيز على المزاوجة بين السواد والبياض، بين الفراغ والملء، ستكوّن نقطة البداية نحو فسح متخيل التلاميذ لتأويل النص انطلاقا من مقرر خاص بهم سيختلف التلاميذ في البداية، ولكن دينامية المدرس المشرف والموجه للقراءة ستوفر الوقت والجهد، وستجعل التلاميذ غير نافرين من المكتوب في زمن طغيان الصورة والمرئي على كل شيء.
القراءة التأويلية التلاميذية لا حدود لها، ولا قواعد منظمة تستطيع أن تضبطها كما هو شأن قراءة الكبار. التلميذ يريد أن ينتقد، أن يقتحم ، وتفاعله سيأتي انطلاقا من النص المختار، وهنا على المدرس الموجه ( المشرف على المحترف ) أن يختار نصوصا يمكن أن تحقق ما يمكن أن نسميه بالقراءة العاشقة.
ولعل تحول ترسيمة التواصل من :
باث ← رسالة ← متلق
إلــى :
بات → رسالة → متلق
سيغير معادلة القراءة ويجعل المتلقي الذي هو التلميذ هنا فاعلا ومتفاعلا في نفس الوقت. هو قارئ يكتب قواعد ومعلومات ومعارف بالتدريج طيلة السنوات وعبر عمر التلميذ التعليمي ،ونعني من السنة السادسة الابتدائية إلى السنة الأولى للجدع المشترك عندنا في المدرسة المغربية ، وهو ما يعادل السنوات الخمس في نظام الباكالوريا الدولية. وإذا أردنا تلخيص أهم المحطات القراءة والتعبير شفويا وكتابيا، فإننا سنرصدها انطلاقا من برامج متعددة أهمها نظام الباكالوريا الدولية في تركيزها على اللغة الأم فيما يأتي .
ففي طبيعة المادة تركز برامج التعليم على اللغة ( أ ) نورد بعضها كما يلي:
اللغة(أ) مادة ضرورية بالنسبة لجميع التلاميذ الذين يتابعون هذا البرنامج ( برنامج الباكالوريا الدولية هنا) ودراسة اللغة تلعب دورا مزدوجا :
ـ هي أداة أساسية للتواصل
ـ تساهم في التعلم وفي التعاطي مع باقي المواد الدراسية وذلك في السياق الآتي للمدرسة.
ـ تمكن من خلق علاقات على المستوى الاجتماعي بشكل عام ومستمر .
ـ تمارس وظيفة إنسانية من خلال دراسة النصوص الأدبية وغير الأدبية ، فهي تلعب دورا ثقافيا
ـ تؤثر على التطور الشخصي الفكري و الروحي للتلميذ، بجعله على اتصال بالأدب " لوحة الخبرة الإنسانية"
ـ تسمح للتلميذ بتعميق فهمه للطبيعة البشرية وللقيم التي تحركها .
ولعل ما يهمنا من سياق هدا الكلام هو ربط الجانب التطبيقي، وهم الذي انطلقنا منه ونؤكد على دلك، وجعله ممتدا في تموقعاته بالنسبة للفرد انطلاقا من نظام الباكالوريا الدولية الذي نميل إليه دون إلغاء الخصوصية .
من القراءة إلى الكتابة :
3 ـ 1 في القراءة الإبداعية :
نقصد بالقراءة هنا القراءة الإبداعية، فالتلميذ يوظف هنا القراءة في مختلف المواد، يقرأ الرياضيات، يقرأ الإعلانات ومجلات الترفيه والرياضة، كما يقرأ نصوصا فلسفية أو فكرية أو دينية، وتقول الدراسات إن 70 %من التعلمات تمت عبر القراءة، لأن التلميذ يقضي جل وقته في القسم.
تتنوع القراءة حسب ما أوردته الأستاذة زينب حبش في موقع المدرسة العربية :www.schoolarabia.net إلى :
1 ـ قراءة الاستطلاع : اللقاء الأول مع كتاب أو موضوع .
2 ـ قراءة التصفح: وتكون إجابة عن سؤال : هل، من، كم، متى، أين، ولا تتعدى كلمة أو كلمتين
3 ـ قراءة التفحص : تسعى للإجابة عن حاجات وعن أسئلة مثل: لماذا وكيف.
4 ـ قراءة الدرس: قراءة تأمل وتفكير، وهي قراءة ما بين السطور .
5 ـ مهارة المجاراة : القراءة السريعة مع الفهم السريع .
ولكي يكون التلميذ قارئا جيدا حسب زينب حبش عليه أن يتجنب:
* قراءة المادة كلمة كلمة مع أو دون تحريك الشفاه.
* عودة حركة العين لما سبق أن قرأته كلمات ومقاطع.
* عدم القدرة على رؤية الكلمات التي على جانبي الكلمة التي تركز عليها العين.
القراءة تتم عن طريق الإبصار أو عن طريق السماع، وكل منهما يحتاج إلى تدريب خاص، على المدرس أن ينميه ويصححه أثناء التعليمات .
التلميذ في المدرسة هو قارئ متخصص، لكون كل همه، وكل شغله الشاغل هو القراءة، ولكنه لن يكون كاتبا متخصصا في مادة من المواد إلا إذا اجتازها بسلام أثناء الاختبارات الدورية والنهائية. القراءة هي معبر الكتابة. نحن نقرأ في المدرسة لنكتب في النهاية، وفهم عملية القراءة سيقود بشكل من الأشكال إلى فهم المكتوب .
لكل تلميذ عقدة ما، نعني حاجة ما. حاجة يسعى لتلبيتها ولكنها ترتبط بتصوراته وتمثلاته للأشياء والعالم والناس وجماعات الفصل . تصورات تحتاج إلى توجيه والقراءة هي خير موجه. وبما أن التلميذ قارئ متخصص فعليه أن يضبط تخصصه هذا. ونحن غالبا ما نكتفي بقراءة العين أو قراءة الأذن، إلا أن قصدنا من القراءة الإبداعية هي تلك التي تغوص بكل الحواس للدخول في عوالم هذا المقروء بقراءة إبداعية هي قراءة التوريط، نعني القراءة العاشقة التي تعتمد على معارف سابقة دون الارتباط بها حرفيا .
لكل نص مفاتيحه، ومفتاح أي نص كيفما كان ومهما استعصى على الفهم، سنجده لدى تلميذ المدرسة الإعدادية والثانوية أكثر من غيره، نظرا لقدرة هذا التلميذ في هذا السن، على التساؤل والشك وقلب الأشياء بسخرية وجرأة قد لا نجدها لدى الكبارالذين صقلتهم تجارب الحياة، وحدت بالتالي غالبا من قدرتهم على الخوض في المحظور مثلا بأسئلة مثيرة .
القراءة التي ندعو إليها هنا وستادا إلى نظريات التلقي هي القراءة التأويلية المفتوحة بتوجيه أولي من طرف المدرس إلى أسس هذا التأويل .
إن الشد على نقطة البداية في القراءة التأويلية سيجعل التلميذ مشاركا متورطا في قراءة ثانية غير قراءة النص الأصلي كما أراد له كاتبه أن يكون ، وهي في حقيقة الأمر قراءات بما أن لكل تلميذ تمثلاته وطريقة فهمه للعالم . التأويل سيجنبنا تخريج تلاميذ من نسخة واحدة ومتعددة في نفس الوقت، أي أن التأويل سيساعدنا على الابتعاد عن الاتجاه الواحد في التدريس الذي يكرسه البرنامج الدراسي، والتوجيهات والقرارات الرسمية المؤشر عليها من طرف المسؤولين عن الشأن التربوي رغم أهميتها . ـ اقرأ ( تقول الذات الحاجية ).
ـ ما أنا بقارئ ( تقول الأصول العربية الأولى )
ـ اكتب .( تعيد الذات الحاجية )
ـ أنا كاتب. ( تقول ذات الفرد آحادا وجماعات )
كل تلميذ يسعى ـ كما كل فرد منا ـ ليكون خَبَرَ آحاد، ولكن داخل التواتر الجمعي، وهنا تأتي المفارقة. كيف يمكنني داخل نظام مؤسساتي مضبوط البرامج ومحدد الكفايات والغايات والتوجيهات التربوية المضبوطة في الوقت والزمن، أن أحقق هذا الامتياز فردا وفردانية أو تفردا دون الإخلال بنظام الجماعة التي قد تؤدي لظهور خوارج نحن العرب في غنى عنهم الآن على الأقل ؟ كيف يمكن بواسطة هذه القراءة المنظمة والمضبوطة أن أجمع بين ما لا يجمع : الحرية والتجرد من كل قيود القراءة المسبقة، وفي نفس الوقت البقاء داخل النوع، أعني الجماعة، أعني سلطة المجتمع والقانون وأعراف الناس . التأويل هو المخرج الحالي. التأويل المبني على القدرات الهائلة التي يتمتع بها التلميذ، بتوظيف كافة الوسائل، وبمساعدته على التأويل بانزياحات لا تخرج عن سياق النص الأصلي إلا من أجل تجاوز هدا النص، أي بإنتاج نص موازٍ، وهذا هو مطمح كل قراءة. القراءة هنا بالنسبة لهذا المتخصص يجب أن تقود إلىإخراج كاتب متخصص. كاتب صغير في السن، في الزمن، فليس غاية المدرسة ولا المحترفات الكتابية التي نقوم بها وندعو إليها هي إخراج كتاب متمكنين من اللغة وإنتاج اللغة وأفكارها بإبداعات داخل أو خارج الأجناس الأدبية المعروفة: قصة، شعر، مسرح...إن الغاية هي أن يشعر التلميذ أنه كاتب في ذلك الوقت لأن " الوقت هو ما أنت فيه " كما يقول الصوفية.
ستقودنا القراءة إلى الكتابة، ولكن أية كتابة؟ كتابة ما كتبه آخرون وفكروا فيه، هذا أمر مألوف، ولكن مقصودنا هو كتابة أخرى أكثر عمقا . إنها الكتابة الإبداعية ، فما المقصود منها ؟
3 ـ 2 في الكتابة الإبداعية :
أقرأ لأكتب. أتعلم القراءة لأتعلم الكتابة. قد يصعب وجود أشخاص يتقنون القراءة بمراحلها من قراءة العين أو السمع إلى قراءة التفكيك والتأويل دون أن يصلوا إلى مرحلة الكتابة. كل قراءة تأتي للكتابة. لا وجود للاستثناء إلا بالنسبة للمقدس والمعجِز ، أي بالنسبة للأنبياء والرسل وأولياء الله الذين كانت لهم قدرات هائلة على القراءة دون حاجة لمكتوب مدون يكتبون منه ويكتبون بعد ذلك .
أقرأ لأكتب، أي لأقي نفسي من ضياع مبين. الضياع في الذات هو مآل كل قارئ لم يصل إلى مرحلة الكتابة، وكل تلميذ يقرأ منذ المراحل الأولى ويكتب في نفس الوقت. كل التلاميذ، وفي مختلف الأعمار، هم كتاب صغار، ولكنهم في الغالب مجرد " نساخين" ينسخون أفكار وعبارات غيرهم.أنا أكتب في البداية ما يقال لي، حين يملي علي المدرس مثلا جملا وعبارات وملخصات، عَلَيَّ كتابتها. ولكن علي أن أكتب. أكتب لأعرف. أكتب لأقول .ماذا سأقول ؟ قول المكتوب وقول الشفوي، ما الفرق بينهما ؟ قول وقول. كتابة وكتابة .
في الكتابة الإبداعية التلاميذية نحن أمام " كاتب صغير" عليه أن يكتب في تلك اللحظة، ويكون كاتب تلك اللحظة. فالمحترفات الكتابية لا تهدف بالضرورة لخلق كتاب مستقبل، قد يحدث هذا، وقد يحدث دون حاجة إلى مدرسة، والأمثلة كثيرة من تاريخ الكتاب النابغين من غير الممدرسين.
الكتابة الإبداعية هي خلق عوالم خاصة بكاتب /تلميذ . عوالمه، حاجاته، رؤيته ورؤياه التي قد لا يعبر عنها غيره .
وقبل الخوض في أساليب وطرق إخراج مكنونات التلاميذ، نوضح أهم أسس الكتابة الإبداعية لدى المتعلمين المتمدرسين وغير المتمدرسين، انطلاقا من أسس القراءة كما حددناها سابقا، أي استنادا إلى أسس القراءة الإبداعية.
أهمية الكتابة لدى التلاميذ :
الكتابة وسيلة اتصال، ووسيلة عبور من ضفة إلى أخرى نعني الامتحان. هي تتخذ أشكالا وأساليب مختلفة تبعا للمستوى العمري للتلاميذ ووضعيات التعلم لديهم: تعليم عمومي، تعليم خصوصي، تعليم غير نظامي... فالكتابة ملازمة للقراءة. لا كتابة بلا قراءة، وقراءة جيدة تعطي كتابة جيدة، وهنا تأتي أهمية المحترفات الكتابية ورشات القراءة .
مادا يحب الأطفال أن يكتبوا ؟
استنادا إلى زينب حبش في موقعها السالف الذكر نورد ما يلي :
تقول بيجي لويدز في كتابها"عملية الكتابة " يحب الأطفال أن يكتبوا :
*عن أشياء يعرفونها .
*عن أشياء يحسونها .
*عن أشياء تدهشهم فيتساءلون عنها .
*عن أشياء يعتقدونها .
ومن هنا على المدرس أو المشرف على المحترف الكتابي أن يركز على تعليم التلاميذ أشياء كثيرة تساعدهم على قول أشيائهم الصغيرة مثل أن :
* يكتشف الأطفال أن لديهم قصصا لتكتب، وأفكارا لتناقش وتتطور وتتحسن.
* يدرك الأطفال أن بإمكانهم أن يوصلوا أفكارهم بنجاح عن طريق الكتابة .
* يدرك الأطفال ( التلاميذ ) أن الكتابة تساعدهم في توضيح أفكارهم .
*يدرك الأطفال أنهم حين يمارسون التفكير والكتابة، يتعرضون إلى أمور لا بد منها مثل:المقاومة، والحيرة، والارتباك ،والخلط ، والتكرار، والمراجعة والتصحيح والترقيم ...
إن إتاحة الفرصة للتلاميذ للكتابة الإبداعية ستمكنهم من التغلب على صعوبات التعبير في المراحل الدراسية اللاحقة . ونسوق استنادا إلى " لويس كالكنس " في كتابها : " فن تعليم الكتابة " بعض الاستراتيجيات التي يحسن الأخذ بها .
الاستراتيجيات التي يجب الأخذ بها لدى التفكير في عملية الكتابة :
الاستراتيجية الأولى : فصل النَّسخ عن التعبير، وذلك بجعل التلميذ داخلا في عملية الكتابة نفسها منذ الصغر، أي أن يشعر بأنه كاتب صغير، ولا تهم أخطاؤه في هذه المرحلة والتي سيتم التغلب عليها فيما بعد تدريجيا.
الاستراتيجية الثانية: تعليم اللغة كمهارة لا كقواعد، فالتلميذ غالبا يشمئز من القواعد الجافة إذا درست مفصلة عن سياقها، أي أن تدريس القواعد النحوية والبلاغية من أجل القواعد ودون ربطها بالممارسات الكتابية انطلاقا من أخطاء التلاميذ سيجعل التلميذ نافرا من هذه القواعد .
الاستراتيجية التالثة: احترام الذكاء خلف الأخطاء بما أن هناك تفكيرا منطقيا خلف الأخطاء كما تقول "كالكنس" .
الاستراتيجية الرابعة: الوثوق بالتعلم التلقائي والعرضي .
وقد نضيف اعتبارات أخرى وقفنا عندها أثناء ممارساتنا لهذه المحترفات :
الاعتبار الأول : اعتبار التلميذ كاتبا صغيرا له طاقة وقدرة على تركيب الكلام بشكل يتلاءم مع مستواه الدراسي وحاجياته.
الاعتبار الثاني : الانطلاق من وضعية تعلمية ما أمكن، من أجل خلق حالة أو حالات سيعبر عنها التلميذ في الحين وسيرتبها وينقحها في مرحلة لاحقة .
الاعتبار الثالث : اعتماد نصوص ومعينات مرتبطة بمعيش التلميذ اليومي أي اعتماد نصوص حية لكتاب محدثين.
الاعتبار الرابع : عقد لقاءات مباشرة مع كتاب وفنانين لهذه الغاية وجعل التلاميذ يعبرون ويكتشفون أن الكتابة عملية أساسية في حياتهم الخاصة والعامة .
الاعتبار الخامس : الكتابة اليومية الإبداعية من طرف التلاميذ ستساعدهم على تطوير إمكانياتهم الذاتية في الكتابة .
في كل واحد منا يرقد شاعر أو ينام كاتب وما علينا إلا إيقاظه.
إيقاظ الشاعر فينا يتطلب إثارة. والإثارة تأتي من المقروء أولا، ثم من محاكاة المقروء وتجاوزه بقراءة تأويلية ثانيا ، هي ما سيقود إلى الكتابة الشخصية الإبداعية. وهنا يأتي دور ورشات الكتابة Les ateliers d'écritures. فهل تعلمنا ورشات الكتابة الفردية والجماعية الكتابة ؟
إن ورشات الكتابة هي مجال لإيقاظ الداخل ، أي لإيقاظ الشاعر النائم في كل واحد منا ، وجعله متحررا يقول أشياءه بكل حرية. إنها طريقة عملية للتحسيس بأهمية التعبير الكتابي كوسيلة هامة للتواصل والتعامل مع الذات أولا ثم مع الآخرين بعد ذلك .
ورشات الكتابة لدى التلاميذ هي مجال لخلق اللذة، وتحقيق رغبات تأتي من القراءة والتشجيع على القراءة. وهذه عملية جدلية، إذ أن أحسن القراء وأكثرهم قراءة هم الكتاب، وكلما أحسن التلميذ الكتابة إلا وأحسن القراءة والعكس صحيح.
الكتابة الإبداعية التي ندعو إليها إذن هي كتابة مفتوحة. كتابة إنتاج شخصي سيتطور عبر ثلاثة مراحل أساسية.
1- من المستوى الأول إلى المستوى الخامس ابتدائي.
2- من المستوى السادس إلى الجذع المشترك.
3- من المستوى الأول إلى الباكلوريا
لكل مرحلة أهميتها وخصائصها، وهي مع ذلك حلقات مترابطة ستنادا إلى علم النفس البنائي حسب بياجي وغيره، وكذا ستنادا إلى نظريات التلقي عند إيزر وغيره ، وانطلاقا من المقررات التعليمية بالمدرسة المغربية كنموذج للتعزيز والتجاوز، وترابطا مع مناهج الباكالوريا الدولية OBI.
ولعل ربط الصلة بين هذه السنوات في المراحل الانتقالية، أي بين الخامسة والسادسة، وبين الجذع المشترك والأولى باكالوريا، سيجعل هذه الحلقات مترابطة فيما بينها .
أهمية منسقي المواد لإنجاح ورشات الكتابة الإبداعية .
يعتمد التعليم الحديث على التنسيق بين أطراف العملية التعليمية التعلمية، على عدة مستويات:
1- تنسيق على مستوى المادة الدراسية عربية، فرنسية، رياضيات ....كل مادة على حدة.
2- تنسيق على مستوى المناهج الدراسية حسب كل مستوى الجذع المشترك، الأولى، الثانية ...
3- تنسيق على مستوى الفصل الدراسي .
إن العلاقة بين هذه المستويات هو ما يحقق التناغم بين أطراف العملية من أجل خلق تلميذ متوازن لا يحس بتناقض بين البرامج أو المواد الدراسية، وأهمية التنسيق هي فائقة بالنسبة للمواد الدراسية في المحطات الثلاثة الكبرى، وغياب هذا التنسيق قد يخلق تفككا وبالتالي يؤدي إلى تغليب جانب على آخر. وحين تكون الأهداف واضحة ومحددة سلفا، والقدرات مدققة، وكفايات المادة معروفة فإن التناغم يسير إلى أقصى مداه من أجل توفير الوقت والجهد، وهي أهم سمة من سمات الجودة والرفع من مستوى التدريس وخلق الفرد القادر على المواجهة وعلى التعبير بحرية فكرا وموقفا.
أهداف تدريس اللغة العربية في المحطات الثلاث وأهميتها في ورشات الكتابة
قد يكون للعقد الديداكتيكي الذي سيعقده المدرس مع المتعلم صراحة أو ضمنيا أهمية في تحقيق الأهداف وإثبات القدرات بالنسبة لمواد العربية. فالعقد هو : " تلك العلاقة التي تحدد بصيغة صريحة أحيانا وضمنية أكثر، مسؤولية الأستاذ والمتعلم كل منهما تجاه الآخر بطريقة أو بأخرى، ونظام الإلزام هذا هو بمثابة عقد بينهما " ( كي بروسو)
( للتوسع في موضوع الديداكتيك انظر كتاب : ديداكتيك التربية الإسلامية من الإبستمولوجي إلى البيداغوجي، دار الثقافة، البيضاء ، 1999 من تأليف أحمد العمراوي وخالد البقالي القاسمي)
إن هذا العقد يكتسي صبغة الإلزامية لكل أطراف العملية التعليمية ومن هنا نفهم أن حرية المدرس تتقلص لكي تخضع لوتيرة التعلم لدى التلميذ ، بمعنى أن كل خروج عن هذه الوتيرة هو في حد ذاته نقض لهذا العقد .
والصيغة الضمنية للعقد الديداكتيكي تسود حيثما التزم الأطراف بالمسؤوليات المحددة .
وكما يتم التعاقد في أي درس عادي ، يلزم أن يتم التعاقد بشكل صريح في المحترف الكتابي ليعرف كل من المشارك والمشرف على المحترف الأهداف المرسومة بناء على قدرات محددة ولكن بمرونة وتعديل كلما دعت الضرورة لذلك .
على المشرف على المحترف أن يكون كذلك ضابطا لآليات النقل الديداكتيكي ، والنقل الديداكتيكي هو : " مجموعة التحولات التي تطرأ على معرفة معينة في مجالها العالم من أجل تحويلها إلى معرفة تعليمية قابلة للتدريس " والتحول الذي يطرأ على المعرفة أثناء انتقالها من مستواها العالم إلى مستوى الاكتساب يتم على الشكل التالي "
المعرفة العالمة
المعرفة المعدة للتدريس
المعرفة المدرسة
المعرفة المكتسبة
النصوص الأصلية
الباحث
المدرس
التلميذ
وبالنسبة للمحترفات التي تعتمد على النصوص كمنطلق وركيزة للاشتغال ، يكون من اللازم على المشرف ضبط آليات النصوص ليتمكن من حسن الاختيار .
أما التمثلات Les représentations فهي : " عبارة عن صيغة من المعرفة محددة وموزعة اجتماعيا، تتوفر على توجه واقعي إجرائي، وتهدف إلى بناء حقيقة أو واقع مشترك داخل مجموعة أو سياق اجتماعي "، اعتمادا على تعريف ميشيل ديفلاي . ودور المشرف هو إما تثبيت التمثلات الصحيحة حول موضوع ، أو تصحيحها إذا كانت خاطئة ، أو بناؤها إذا كانت منعدمة .
هذه أسس أولية إذا أضفنا إليها خبرة المشرف على المحترف الكتابي ومعرفته الخاصة بمختلف الوضعيات ، فإننا سنحصل على نتائج هي إنتاج نصوص مخالفة، انطلاقا من أخرى .
ثم إن ضبط هذه الآليات سيسهل التواصل بين المدرس والمتعلم والمشرف على المحترف أيضا، وسيجعل العملية التعليمية تتجه إلى الأقصى ، نعني إلى إنتاج المعارف أو على الأقل إنتاج نصوص لغوية بل إبداعية، كتابةً، تعبر عن أحاسيس ورؤى التلميذ باعتباره كاتبا صغيرا يرقد الشاعر في جهة ما منه .
وقبل أن نسوق طريقتنا - نعني طريقتنا في الإشراف وتنظيم المحترفات وأوراش الكتابة الإبداعية - نسوق باختصار أهم أهداف هذه المحترفات انطلاقا من أهداف تدريس مادة اللغة العربية في كل محطة ، واستنادا إلى أسس اللغة عامة وأسس اللغة العربية خاصة ، وتماشيا مع وضعية التلميذ المغربي داخل جماعته الكبيرة والصغيرة.
[1]انظر : جاك ديريدا : حمى الأرشيف الفرويدي ، ترجمة عدنان حسن ، ط: 1 ، 2003 ، دار الحوار ، اللاذقية ، سوريا
[2] Michel Develay M De l'apprentissage à l'enseignement , ESP 2diteur, Paris 1992, p: 75
[3] كتبت هذه المقدمة خلال الموسم الدراسي : 2004 ـ 2005 أي قبل صدور الكتب الجديدة والتي انتبه مؤلفوها للكتاب المغاربة فأثبتوا بعض الأسماء ولكن بنسبة ضئيلة قياسا بكتاب المشرق.
[4] أحمد أبو حسن : نظرية التلقي والنقذ الأدبي العربي الحدبث ( مقالة ) ضمن كتاب نظرية التلقي : منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط سلسلة ندوات ومناظرات رفخ 4 ، 1994 ، ص : 18
[5]عبد الله العروي، من التاريخ إلى الحب ، حوار أجراه معه محمد الداهي، 19