فجرا قام هشام من فراشه.. وقلبه الصغير ينبض بعنف. اتجه الهوينى نحو غرفة أمه. غفت قليلا بعد هول شهدته في الأيام الماضية.. لا يكاد يلامس الأرض بأطراف أصابعه لأنه يود لو ترتاح والدته قليلا ، لكنه سوف يضخم عذابها غصبا.. أمه الأخرى تناديه ، فهي في محنة منذ آلاف الأيام، ملايين الدقائق و الساعات . أولادها الأحرار ردوا عنها الأذى بدم غال، لكنها ما فتئت تنزف ، و الأنين المكتوم بداخلها يدعوهم للذود عن كرامة هدرت ، و عن أزهار كانت تعبق بالعطر ، فداستها أظلاف العفونة بقساوة.
اغفري لي يا أمي . فانا أحبك ، لكن هواها يسكن بين حنايا الصدر . و يغيب هشام عن البيت.
يستقبله نسيم الصباح الجميل مداعبا وجهه و يديه، و تبتسم له خيوط شمس فاترة ابتسامة مشرقة صافية. الشوارع ملأى بالزهر ، و الأرض تفوح منها رائحة دماء ساخنة لا زالت .. ينضم هشام
إلى أصدقائه .. زهرة أخرى يعانق شذاها جبال أريحا و وديانها . فبرغم ليالي العذاب الطويلة ، و برغم النار و الدمار الذي حل بأسرته الصغيرة في الأيام الأخيرة لكن هشاما لم يجبن . أخته سناء انطفأ الوهج في عينيها و هي تدافع عن أحمد ، أخيها البكر و صديق أيامها المعجونة بالنار و الأمل و المحبة. كان يحكي لها عن كل شيء . عن حبيبته و الأرض الطيبة أرضهم ، و عن الخلية التي غدا عضوا فيها دون علم أمه ، وعن دوره النشط فيها . بعث مرة معها رسالة لمنى حبيبته يقول فيها : أحبك .. و أعشق الحرية.
لما اقتحم العساكر البيت الصغير بحثا عنه ، هلعت الأم ، وأفاق هشام ذو السنوات العشر على الأصوات المفزعة. أما سناء ذات الستة عشر ربيعا ، فقد بصقت في وجه العسكري الضخم ، و نشبت أظافرها في وجهه و عنقه حين هجم على أخيها أحمد بوحشية .. لكن زميله الثاني جرها من شعرها إلى الغرفة المجاورة وعيناه تنفثان شررا ، و صفع الباب وراءهما بعنف .. ،.. ثم حاول أن .. لكن سناء قبل أن يلمسها ، امتدت يدها إلى زجاجة ماء فارغة فوق الطاولة ، كسرتها ثم غرستها في قلبها بشجاعة .. فارقت بعدها الحياة ، وابتسامة نصر تطل من العينين.
"ابتعد عن ولدي" تصرخ الأم بألم ! و هي ترى االضابط يضرب ابنها أحمد على رأسه ضربة موجعة، لما رغب أن يدافع عن شقيقته سناء. "اخرج من بيتي ومن بلدي "! يكتبها هشام بدم أخته الغالية.
و انزرع صمت رهيب بين جدران بيت حزين... الأم لم تنطق حرفا لثلاث ليال طوال ، .. بعد أن اعتقل فلذة كبدها ، وعذب في حضورها دون أن تستطيع رد الأذى عنه . أما سناء ، فأبت أن تأخذ عزاءها ، أو تصدق أنها رحلت عنها
إلى الأبد.. .. فعافت نفسها الطعام ، و النوم، أبى أن يقترب من الجفون .. أحاط بها جيرانها وأصدقاؤها ، و غمروها باهتمامهم و محبتهم، لكنها لم تكن ترى إلا هشاما ، و دموعها الغزيرة ترجوه ألا يتركها وحيدة و يرحل هو أيضا...
حين تفيق الأم نور من غفوتها ، الساعة الثامنة صباحا تحاول الصمود رغم وجع مرير يرمح في الخلايا. تنادي على زوجها حسين بصوت حنون ، يقول الألم : حسين رحل منذ خمسة أعوام و لم يعد .. اصطاده الصهاينة حاملا سلاحا في سيارته القديمة ، الكل كان يعرف أنه يخرج كل غسق ليأتي بالسلع الذي يحتاجها متجره الصغير، ولا أحد يعلم أنه كان يملؤها بالسلاح الذي يحتاجه رفاقه للدفاع عن الوطن الحبيب ..
عذبوه. أحرقوا جسده بالنار . علقوه ليالي طويلة . لكنه لم يقل اسما واحدا من أسماء أصدقائه .. ولا حرفا نطقه لسانه رغم لسعات السياط الحارقة غير : فلسطين .. بدمي أفديك و ولدي ..
تهرول نور إلى غرفة ابنتها سناء ، فيقابلها الفراغ و وحشة الأمكنة ، ودم عزيز ينسكب على الكرسي حيث كانت تجلس ، و على مرآتها و ألبوم صورها .. من يعطيني ينبوع الدموع لأبكي ! ابنتي و زوجي و ولدي ... آه ! تحرق شراييني ! آه ! يا ولدي .. آه .. يا بلدي ! لكن هشاما سوف يكون سندي ، أَقْسَمَ ألا يتركني و يرحل ..
الساعة تشير إلى الثامنة و النصف صباحا . يهجم العدو على الأطفال الصغار بشراسة ، أحمد و أمين و بثينة و آمال و محمد و إبراهيم وهشام ، براعم خضراء متفتحة على الحب و الحياة ، تفتح صدورها للموت و الرصاص عشقا .. سلاحها حجارة و أمل. وتبدأ الأزهار العبقة بالحب تهوي على الأرض الطيبة ، و تسقيها بدم وردي فواح.
"لا تبك يا أمي فبلدي أغلى من روحي".
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
أختي الكريمة بديعة في بادئ الأمر أرحب بك في منتدى مطر ترحيبا أرضه مفروشة بالزهور وهواءه عطر أغلى من المسك...
قصة تندرج ضمن أدب المقاومة نستخلص منها قوة دفينة في قلب بديعة بنمراح! قوة تذكرنا بأدب غسان كنفاني وأبناء جيله.. صرخة نبؤة يصلنا صداها بأسلوب رائع ورموز توحي لنا بمواجهة الاعتداء بالمثل.. السن بالسن.. إنها الرسالة التي نقرأها من خلال السطور.. وتبقى دائما فلسطين هي القلب النابض في روح المغاربة...
مودتي وتقديري.
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
أختي الكريمة بديعة في بادئ الأمر أرحب بك في منتدى مطر ترحيبا أرضه مفروشة بالزهور وهواءه عطر أغلى من المسك...
قصة تندرج ضمن أدب المقاومة نستخلص منها قوة دفينة في قلب بديعة بنمراح! قوة تذكرنا بأدب غسان كنفاني وأبناء جيله.. صرخة نبؤة يصلنا صداها بأسلوب رائع ورموز توحي لنا بمواجهة الاعتداء بالمثل.. السن بالسن.. إنها الرسالة التي نقرأها من خلال السطور.. وتبقى دائما فلسطين هي القلب النابض في روح المغاربة...
مودتي وتقديري.
شكرا لترحيبك الرقيق.. شكرا لأنك أنت من دعوتني إلى متديات مطر.
فعلا أخي العزيز، فلسطين دوما في قلوبنا و الوجدان
و قلمنا كما قلوبنا ما فتئ ينزف ألحانا شجية لأطفال قلسطين و شعبها البطل
عبورك أسعدني