كوثر خليــــــــــل
الغربة و الانفلونــــــزا
الفصل الأول
سرحان المحايد يكره الايديولوجيا و النفي و يحبّ ركبة أمّه يتخذها وسادة و تنّور الطهو القديم ينام على هدير صوته يراه هدهدة و يأخذه إلى طفولته البعيدة الساذجة. كان يرتعش من كلمات كالشيوعية و الحزب، و الارهاب و السياسة، و السلاح حتى أصابته لوْثة الحروب. كان سفير قريته للنوايا الحسنة و كان سعيدا بسمائه التقليدية التي لم يتغير وجهها منذ الولادة، و أرضه التي لم يرها تنتج غير الحنطة.
كان يختزن جوعا قديما تمتصّه القناعة و غضبا قديما يدفنه الذلّ، كان لا يختلف عن كل دمى القرية، تلك الدمى تتشابه حتى العبث، حتى الفجيعة, و كان يحلو لكل محافظ قرية جديد يكلّف بمهمّة هناك أن ينزل بها ليتفرج على هذه القرية النموذجية التي يأخذ فيها التعب على الوجوه شكل سكّة القطار القديمة و الغضب على الوجوه ملامح المهرّج البائس..
كان هذا الشبه الاوتوماتيكي مثيرا للضحك يدغدغ غريزة الاقتناص لدى الساسة و يغريهم بالامتلاك البدائي، سلالة تنتصر للموت لا للحياة، تغسل كفنها كل يوم حتى يبدو في كامل نصاعته، سلالة تعشق الخسارة و تتمسك بها، فهي لا تملك غيرها. سلالة يطارد أفرادها الغيوم تتشكل في خيالهم فرسانا و عبيدا، يغرسون فيها خناجرهم و يريقون منها الدماء و يؤرخون مطارداتهم الخيالية في قصص يحكونها لأطفالهم قبل النوم.
كانت هذه السلالة خليطا غريبا من الملائكة و الأغبياء حتى إذا أخرج أحدهم مخلبه أو نقر بمنقاره لا يصيب إلا شيبهه في هذه القرية المطوقة بآلاف علامات الاستفهام أما العدو فيجهلونه أو يتجاهلونه أو يساومونه على أن يبقى شكلهم النموذجي نموذجيا فقد ضحوا طويلا ليكتسبوا هذه الصفة، هذه القرية الكتومة المتكتمة كانت حُبلى بأسرار رهيبة فتحت عليها أبواب البر و البحر و القيامة.
لم يكمل سرحان تعليمه في مدرسة القرية، كان ولوعا بالسير على طول سكة القطار كل يوم، يراقب المسافرين الذين يطلون من شبابيك القاطرات بثيابهم الأنيقة و ملامحهم المشدودة التي تدلّ على حياة تختلف كثيرا عن حياته. و كان حارس المحطة العجوز رجلا طيّبا يتقن الايطالية و يسكن وحيدا هناك دون زوجة أو ولد. كان سرحان يحلم طويلا بالأمكنة التي يصل إليها القطار و يحاول أن يتخيّل حياة أولئك الناس فلا تستعرض مخيلته إلا صور جيرانه و أفراد عائلته.
طلب سرحان إلى حارس المحطة أن يعلّمه الايطالية فأجاب الرجل: "عافاك الله من ذلك البرّ يا بني، لا تتعلم لغة أهله فتحنّ إليهم، اتعض من عمّك الهادي فقد التهمته الغربة و التهمت زوجه و صغاره ثم لفظته فردا معيدة إياه إلى نقطة البداية كأن لم يسافر و لم ينجب و لم يَغنَ. ألحّ سعيد على حارس المحطة طويلا حتى وافق لكنّه أصرّ على أن يحكي له قصّته في بلاد ما وراء البحر و خيبته التي دامت ثلاثين عاما.
قال الهادي: "كان لا بدّ من الاستمرار..رغم سوء الحظ و رغم اللاتطابق في أي شيء..كان العبث الأبيض يكتم الأنفاس في تلك المدينة الرمادية و مشنقة الوهم تشدنا بحبال لامرئية نحن الوافدين على هذه المدينة الفاجرة التي تنظر لأمثالنا بكل صلف و احتقار.
لن أنسى ذلك الزورق الدائري الذي يشبه ضلوع الحوت ذلك الذي حملني في ليلة دامسة إلى ضوء كنت أراه من قريتي العائمة فأحسبه حضارة و أحسبه حرية حتى كنت أحلم أني أعرج إليه كل ليلة في قضبان من الخوف العسكري فيلقمني حليب النجاة و الحرية. كان الليل دامسا و لم أكن أعبأ به، كنت لا أرى أمامي إلا رسوم ليوناردو دافنشي و مايكل أنجلو تتلألأ أمامي كشلالات من الضوء.
كنت قد قرأت كل ما وقعت عليه يداي من الكتب الفرنسية أو المترجمة إلى الفرنسية، قرأت "المنزلة الإنسانية" لمالرو، قرأت الأمير لمكيافيل، لم أترك شاعرا أو كاتبا إلا و اُطلعت على أعماله. كنت رساما موهوبا فقررت بِفَوْرة الشباب و عنفوان التجربة أن أهاجر إلى إيطاليا، كنت متأكدا بأنني لن أكون عبئا حضاريا أو هكذا خُيِلَ إليّ. كنت أرى نفسي في أوج عهدي و قد فتحت بوابة الشهرة على مصراعيها حتى اعترف بي القاصي و الداني و صار الكل يتسابق إلى دعوتي إلى أروقة الفنون و معارض الرسم العالمية و إقامة الحوارات الصحفية. كل ذلك و أنا في الزورق بين مَوْتين لا أنيس و لا رفيق.
|