على غرار ما طالعته من نصوص سابقة للقاصة الأستاذة بديعة بنمراح ، أجد نفسي مرة أخرى في مواجهة نص أخر نوعي من نصوصها .
"شظايا حلم بديعة بنمراح" . عنوان نص استهل مسيرته ، بفعل التخيل " مرورك في خيالي " ، إن هذا الفعل كان سببا في النشوة الغامرة التي تلاها مباشرة فعل أخر أساسي أخرج الحلم من الصمت نحو فكرة الكتابة " أظنني اليوم سأمطر ". المطر وإن كانت دلالته تشير إلا فعل الكتابة ، ففعل الكتابة هذا مقترن بأمر أخر إنه فعل البكاء والأسى . بالتالي تكون الكتابة هنا بكائية ، إما عن شيئ مضى أو مستقبلي ، بحيث تكون اللحظة النفسية الآنية نقطة إنطلاق نحو أحد المساريين . ولن ننتظر مطولا لأن الجواب أتى سريعا " أتذكر حين كنا صغارا........ " .فعل التذكر في حقيقة الأمر جاء بداية حقيقة لفعل كتابة القصة . فيكون لدينا استهلال به تم استحضار فكرة القصة .وأخر تمت به بداية سرد القصة . إن هذا الأستهلال المزدوج الأبعاد ساهم منذ البداية وبقوة في الحفاظ على النسق السردي الهادئ و الممتع . فتذكر اللحظات السعيدة ـ بعد الفقد ـ " كان حبنا يحبو.....، كنا نخشى عليه..... .، نجزع إن أن.....، ......." تجعل المتلقي للنص ينتظر لحظة كسر الرتابة ، بفعل تحول إجرائي يكون منعطفا سرديا نحو مسار آخر . نحو الحالة /اللحظة . "لكن ..... ما اصعب هذه اللاكن " فعل الإستدراك هنا يشير إلا عدم استمرارية الحالة الأولى ـ الحب الرابط بين الطرفين ـ بل يأخر العملية السردية " حتى قلمي بين أناملي يأبى أن يخطها ألما يسيل في شراييني...."، إن عملية التأخير هذه ليست توقفا نهائيا عن السرد، بل هي عملية نفسية بالأساس أدت إلى التوقف مؤقة لفتح المجال أمام طرح تساؤلات عن الأسباب الرئيسة في عدم استمرارية الحالة الأولى .هنا تحول السرد من الاسترجاع نحو الآنية .والتي تظهر معالمها بقوة في طرح الأسئلة من قبيل : "أيمكن ان يولد الجفاء من....، هل للود أن يمسي ....... ".
أن التساؤل هنا يتخذ طابعا استنكاري ، فكيف يمكن لحب بهذه القوة ان ينتهي ؟ الإجابة المنطقية ـ ما دام السرد يقتصر على طرفين ـ الموت . وحتى في مثل ما ذكرت لا يمكن ان ينتهى الحب بل يتحول إلى ذكرى يعيش على إيقاعها الطرف الباقي على قيد الحياة . كل الإجابات غير مقنعة ، إلأ إجابة واحدة أتقن تركيبها الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر حين قال :" الجحيم هم الآخرون". وهي فعلا الإجابة التي سيتم من خلالها العودة من جديد نحو الماضي .
" قال أهلك .....
وقالو ا .......
وقال اهلي ....
وقالوا ........"
لا أجد في هذا المقام إلا قول الأقارب عقارب . لكن لنتأمل قول الطرفين . أهله الذين لم يروا مثل حبهما ، بالأحرى مثل تفاهمهما وحبه لها ،و لم يكن منهم إلا الوقوف أمامه ل"إيقاظه" لإيقاف الحب . فعل القول الأول من طرف أهل الحبيب كان تفكيرا في حالة الابن، وفعل القول الثاني كان إجرائي بحيث أن الأهل لم يسمحوا باستمرار حالة الحب " يا إلاهي أنسمح لها أن تدمره هكذا ؟
والأمر نفسه حاصل بالنسبة "لأهلها" . كان القول الأول تفكيرا في حجم الحب وقدره، والقول الثاني إجرائي " لم لا نتحدث إليها"
فتكون المحصلة بين القولين :
1القول الأول تفكير في العلاقة بقوة نــــــحو القول الثاني الذي هو محاولة إيجاد أجوبة للمسبب التفكير ـ العلاقة بين الطرفين ـ
2 القول الثاني ينطلق من محاولة إيجاد أجوبة ، نحو اقتحام عالم الحبيبين قصد إصلاح الأوضاع /إفساد التناغم بين الحبيبين
وبين الأهل ضاع الحب ولتكون النهاية فعلا بسب الجحيم ـ حسب سارتر ـ ليأتي قول متأخر للأصدقاء حول الموضوع يفيد أن ما كان بين الطرفين علاقة حب قوية انكسرت بقوة .فعل القول من طرف الأصدقاء كا من ناحية البرنامج السردي إيجابيا لأن رأيهم في العلاقة كان في كرونولوجيا سرد القصة متأخرا ، الشيئ الذي معه أدى دورا نموذجيا بجعل قولهم سلبيا من ناحية الإيحاء و الدلالة . لتعود القصة من جديد إلى اللحظة الآنية وتفتح نفسها هذه المرة نحو المستقبل بالتساؤل عن امكانية العودة " فهل ترى ياحبيبي ، يمكننا أن نلملم شظايا حلمنا النازف ؟" النزف دليل على استمرارية الحب و الألم لفظة حبيبي دليل على شعور لم يمت ، لذا فالقصة من خلال التساؤل الأخير تقحم المتلقي في لعبة انتاج جواب للتساؤل المطروح في أخر القصة ،ليكون فاتحة قصة جديدة يكتبها كل من قرأ النص
كل هذا و تقول" تلميذ" يا عثمان!
لقد قرات نصي بعمق وحللت تفاصيله و زدته جمالا.
أحييك أيها العزيز على غوصك في أغوار حرفي
و هذا التحليل المتمكن الذي أضفى عليه جمالا.
ألف شكر لتعبك و وهجك و عبورك المبهج
محبتي و كل التقدير
انتشيت بمرورك في خيالي ،و غمرت روحي بهجة. . أظنني اليوم سأمطر.
أتذكر حين كنا صغارا ، و كان حبنا يحبو نصب أعيننا؟ كنا نخشى عليه الجراح ، و نجزع إن أَنَّ أو تعثر..
كبر حبنا و أينع ، و أزهر عطرا غمر قلوبنا فرحا. تذوقناه فأحببنا الحياة و الناس ، و غفرنا للأيام غضبها و صدها .
زرعنا وردا و ياسمينا ، و جنت أيدينا طيب ما غرسنا . لكن...... ما أصعب هذه اللاكن!
وما أمرّ طعم حروفها تنزرع في الحلق علقما! حتى قلمي بين أناملي يأبى أن يخطها ألما يسيل في شراييني..
أيمكن أن يولد الجفاء من تربة العطاء و البذل؟ هل للود أن يمسي جراحا تدمي سويعاتنا و ثواني أيامنا؟ و أنا و أنت ،كيف تآمرنا مع الناس على خنق أجمل بسمة على شفاه وليدنا؟!
ضمنا طائر الوجد الجميل ، بين أحضان روح عذبة ، فحلقنا في فضاءات لا تنتهي ، تضيء دربنا نجوم تتلألأ في حدقاتنا أملا ، و غدا نرنو إليه مزهرا ..
ما أعذب هذا الإحساس ، ينساب في قلوبنا دفئا و عطرا ! لكن ..كيف يتحول قطعا ثلجية تركض في دمائنا،؟ فتغشى الحياة عتمة ، و نرى الربيع أنصال عشب تجرح أمانينا ؟
قال أهلك:
- لم نر بعد زوجين حبيبين مثلكما!
و قالوا:
"كيف أسكرته هذه المرأة حدّ الثمالة ، إنه يسمع و يرى من خلالها، يفكر و يحس بعقلها!
يا إلاهي ! أنسمح لها أن تدمره هكذا ؟
و قال أهلي :
- كل هذا الحب؟!
و قالوا:
" هو لا شك يحتويها ، حتى لا تتكلم أو تحتج ، أو تقول رأيها !
إنها تظهر بشاشة و سعادة ، لكن في صدرها تسبح الهموم . لم لا نتحدث إليها ؟ علها تعي حقيقة ما ينطوي عليه إنسان منحته كل أيامها !
و قال الأصدقاء، بعد أن انطفأ وهج الفرحة في عيوننا :
-ما تحملانه بين ضلوعكما جوهرة حقيقية ، سقيتموها بسنين العمر ،لكن ريحا هوجاء كسرتها بقساوة!
فهل يا ترى حبيبي ، يمكننا أن نلملم شظايا حلمنا النازف؟
.................
...هل تسمح - حبيبي - أن نكون معا فيما تبقى من محطات العمر؟
...هل لديك - حبيبي - مايكفي من الصدق لتاجيج النار التي كانت تسكن القلب؟
...هل لدينا نفس الاصرار - حبيبي - لنقع من جديد في حب بعضنا البعض؟
لم أجد ابلغ من هذا الاسترسال لأعبر عن مدى تجاوبي مع خلجات هذا النص المتوهج عاطفة
تحياتي أختي بديعة بنمراح