كانت خيوط الشمس الرقيقة التي تعبر الزنزانة الانفرادية تقرص جفوني..كنت أرغب بالنوم ألف عام بلا انقطاع، تلفّتّ على جنبي الأيسر و لكني سمعت صوت الحارس كأنما يأتي من بئر عميقة، كنت غير مستيقظ تماما حين دار المفتاح في القفل و ركلني الحارس على مؤخرتي فانتفضت، كانت الزنزانة أشبه بجحر للفئران و كنت أحاول أن أعتدل في جلستي على الأرض و لكني لم أستطع، كنت أرى فيه أول مواجهة لي في حياتي مع النظام،كنت في نهاية المرحلة الابتدائية حين عرفت الوجه البشع للسلطة فقد كان رجال الشرطة يطاردون شعبا أعزل من أجل رفضه دفع ثمن الخبز المجحف و يقتلون أفراده و تكرر ذلك المشهد في المرحلة الثانوية في ظروف أخرى فكان رجال الشرطة يطاردون و يضربون شبابا مراهقين لا يتجاوز عمرهم عشرين عاما يقتحمون عليهم مؤسستهم التي يدرسون بها ليلقنوهم دروسا عصماء في الطاعة أستاذها عصا مدرّبة لا تسمع و لا تعقل. و كان حارس الزنزانة الذي أمامي لا يختلف عنهم في شيء..نفس الهمجية و الظلم، مجرد آلة في يد جبار يوجّهها حيث شاء.
أخذني الحارس إلى الضابط :"يجب أن تخلع أوهام الثورة التي في رأسك، هل تثور على أبناء وطنك، الذين هم من لحمك و دمك؟ لقد كان الاستعمار ليلا طويلا ذقنا فيه ويلات الذل و الاهانة، كنا شعبا بلا كرامة.. من أنقذك من الاستعمار و حفظ كرامتك؟ أليست الدولة التي تعاديها الآن هي التي جعلت لك كيانا مستقلا و خدمات أينما توجهت في ترابك الغالي نعمت بها؟ ألم تحمك الدولة التي تعاديها الآن من اللصوص الذين يسرقون بيتك و الغرباء الذين يقاسمونك طعامك؟ ألم ترفع الجهل عنك و عن أمثالك فبنت لكم المدارس و الثانويات و الجامعات؟ ألم تحمك من الأمراض و الأوبئة فبنت لك المستشفيات؟ ألم تكفل لك إطارا قانونيا تتزوج من خلاله و تنجب أطفالا يكون لهم كل الحقوق بحكم انتسابهم إليك؟ ألم..ألم..ألم..
انتابتني صعوبة لغوية في الردّ على كلامه فلم يكن لنا نفس منطق الكلام و التفكير و لم أكن و أنا في تلك الحالة من التعذيب و تشتت الأفكار قادرا على دحض أو إثبات كلامه فقد كان يتكلم كثلاجة ناطقة أو ككلب مسعور يرتدي بدلة. بلعت ريقي، كنت أشعر بثقل في جسمي و في لساني و قلت بحركة غريزية :" أريد أن أنام" جُنّ جنون الضابط و أخذني من ثيابي الممزقة و دفعني على الحائط "ماذا تحسبني؟ لا تتظاهر أمامي بالعَتَهِ و المسكنة فلديّ كلّ الوسائل لإنطاقك" جمعت كل قوّتي و قلت له:" يا سيدي الضابط، أنا لست ثائرا على أحد، و لا أهتمّ لأحد، أنا رسام يُقال إنّه موهوب، أردت أن أجرّب حظي في بلاد الآخر عَلّي أظفر بفرصتي، أمّي لم تكن تريدني أن أغادر و كذلك "حورية" و لكنّي أصررت. أنا لا أرفض عطايا دولتنا السَّنِية و لكنني أريد أن أطير و أرى العالم، أبي كان بريئا و مع هذا ظلت التهمة تلاحقه بل صارت تلاحقني أنا أيضا، لقد و جدت نفسي في ورطة ليس لي فيها يد، لقد حاولت أن أدخل التراب الايطالي بطريقة غير شرعية بسبب فقري و ليس لسبب آخر فأنا لا أملك المال للسياحة و لا حتى لاستخراج جواز و لو كان لديّ المال ما وقفت أمامك هذا الموقف، أنا مواطن شريف لا أمدّ يدي للكسب الحرام، ربّما كان عليّ أن أنتظر وقتا أطول لأحصل على المال و لكن لا علاقة لي بالثورة و لا بمعاداة السلطة"
مرّت الأيام على تلك الحال دون نتيجة تُذكر فالتعذيب لم يتغيّر و الأقوال لم تتغيّر و الضابط لم يسأم حتى كانت ليلة قدم فيها أحد أصدقاء الضابط المقربون و أحضر زجاجة نبيذ فاخرة، جلسا يتسامران و يضحكان حتى ساعة متأخرة. كان الحارس يسترق السمع و يتلمظ بشراهة و هو يتمنى في داخله لو يشاركهما تلك المجالسة و ذلك المشروب. لم أستطع النوم في تلك الليلة و طال السهر حتى تبسّط الضابط في جلسته و رقّ قلبه على حارسه فناداه لشرب كأس قائلا :" تعال اشرب معنا أيها الحارس البائس، فحين تغيب النساء تصير كل اللذائذ سواء" انطلق الحارس كالسهم، كاد يجري على قوائمه الأربع بعد أن تحلّب ريقه طويلا في فمه و لم يدر أنّه نسيَ سترته على شباك زنزانتي و لم يدر أنني كنت مستيقظا حتى ذلك الوقت. كانت تلك صدفة إلاهية ما كانت لتحدث مهما خططتُ لها. و هكذا كسرت قيودي بيديّ و فررت متلبّسا بجناح الليل الأزرق الفاخر.
هكذا وجدت نفسي في التراب الذي تمنت قدماي أن تطآه و اختفيت مدّة طويلة لدى فتاة تعيش بمفردها لتعول عائلتها. طلبت لديها اللجوء لِلَيلة فكانت أكرم مِمّا توقّعت،، قصصت عليها كل ما حدث معي منذ البداية فرقّت لي خاصّة حين أعلمتها بموهبتي في الرسم فاُختبرتني فلم تقف لي على كذبة واحدة و هكذا كنت أرسم في بيتها و تعرض هي لوحاتي للبيع في الشوارع التي تعجّ بالسياح.
خرجت إلى النور بعد مدّة ليست بالقصيرة، خرجت مع "لاورا" أجوب شوارع ايطاليا و استنشق هواءها الممزوج بروائح البحر و العصور القديمة..
كان ذلك المارد الذي ينتصب كل يوم و رجلاه مثبتتان على الشاطئ مادّا يده يأخذ القرابين من كل الحارقين و كأنّه قد أغفل البحرَ ليلا كي يمرّوا دون أن يتفطن إليهم البحر فينقلب عليهم. ذلك المارد الذي كان يتفضل على كل الحارقين لعقود و لا يترك ناجيا يهرب من نظرته الثاقبة إلا و أخذ منه المقابل لم يفعل ذلك معي فقد حلمت في ليلة من الليالي أنني أقطع يد المارد الممدودة للأخذ. لست أدري كيف و لكنني شعرت بقوّة لا تعادلها قوّة: شعرت أنني نِدّ لذلك المارد، لا يمسّني خوف و لا طمع. كنت أنظر في عينيه للمرّة الأولى فوجدته مجرّد تمثال مما يكبر في الوهم و ترتجف له جوارح الضعيف أما القوي فلا و قد قررت أن أكون قويا بلا رجعة.
كانت "لاورا" تتعلق بي يوما بعد يوم و لكني كلّما ضاجعتها أصرخ باسم "حورية"..لم أستطع أن أتخلص من الماضي بصفة قطعية، كان يداهمني حين أرسم و حين آكل و حين أعشق..أنا أحبّ "لاورا" فهي طيّبة و تقدّر الرسم و لكن لهفتي ناقصة وساحات روما لا تثير فيّ أيّ شجن قديم، كان اكتشافي لروما في البداية كضربة الشمس، شيء ما اِختلّ في داخلي، لم يكن ذلك الأثر الذي أردته، أردت أثرا يعيدني إلى ذاتي فإذا بحالة من التنافر المتبادل تستبدّ بهذا الاكتشاف و تحوّله إلى غربة عميقة و شعور بدائي بالذنب.
دخل صوت أمّي إلى الشرفة من البحر، ربّما حملته سفينة راسية قادمة من بلادي بمرسوم حكومي، اشتممت رائحة الخبز و زيت الزيتون و القهوة المدقوقة..صرخ صوت في داخلي:" أنت الآن قويّ، لا تنظر إلا إلى الأمام..أنتَ في عصر الهرب، الكل هارب من الكل، الناس في معركة الوجود و العدم سواء و من أجل الوجود يحرقون الأخضر و اليابس."
(أخذ يحدّق في البحر و هو يسحب نفَسا طويلا تخنقه ذكريات الزنزانة، دخلت "لاورا" كشلّال و احتضنته من الخلف، قال بصوت شارد :"أنت هنا "لاورا"؟" قالت بدلال :" و أين كان حبيبي؟" شخصت عيناهُ بعيدا فعرفت أنه كان شاردا في الماضي، في قريته التي لم تبرحه يوما من الأيام. قالت متداركة :" لقد جلبت الآن طبقا إيطاليّا أصيلا لذيذا جدا، إنّه احتفال بشيء سيسعدك" قال :" و ما هذا الشيء؟" قالت:" لقد طرح عليّ أحد الزبائن المهمين شراء كل لوحاتك القادمة أي لن تبيع لوحاتك إلّا لهذا الزبون مقابل سعر مناسب و سيأتي إليك هنا في كلّ مرّة لتتفقا على كلّ شيء و سيوفّر لها رواقا قارا تُعرض فيه لوحاتُك شهريا قبل أن تُباع"
قال :" هذا خبر سعيد حقا، أنا مدين لك "لاورا" " قالت :" لستَ مدينا لي بشيء، لقد كانت حياتي قبلك لا لون لها و لا طعم")
قبل هذا الوقت لم أكن أشعر بالانتماء و لو وهما أما الآن و قد أخذت أكثر مِمّا كنت أنتظر فقد بدأت أشعر بالانتماء إلى "لاورا" أو هكذا خُيّل إليّ..صارحتني برغبتها الشديدة في طفل فَثُرْتُ و تحججت بأنني ما أزال أشعر بالغربة هنا و بأنني غير مستعدّ و لكن مع الأيام صرت أكثر ليونة و تقبّلا و تلاشت صورة "حورية" و أخذت مكانها صور ابني "طارق"و ابنتي "جوليا"..
كنت طيلة أربعين عاما أعمل كالوحش مدفوعا بعبارات الثناء و الاعتبار الكبير لشخصي و لِفَنّي الذي كان غريبا عن أمثالي، كان الايطاليون يشترون رسومي فقد كانت تعكس روح الشرق و المغرب كما أنها تمثل يدا عاملة رخيصة تمكنهم من تزيين بيوتهم و بناءاتهم بأثمان أزهد و كانوا يرون فيّ الوافِدَ مُحدَثَ النعمة رغم أني قضيت بينهم زمنا أطول من الذي قضيته في قريتي مسقط رأسي، حتّى "لاورا" بدأت تضيق بطباعي و تتّهمني بالكِبَرِ و الخَرَف و بأنني لا أختلف عن أي شيخ من شيوخ قريتي. كانت "لاورا" المسؤولة عن كل ما يتعلق بالمسائل المالية أما أنا فلا أهتم إلا بالابداع. في يوم من الأيام، كنت أقوم بنزهة بحرية و حين عدت إلى البيت وجدت كارثة في المنزل فقد رفعت عليّ زوجتي دعوى في الطلاق و دعوى في الحجر عليّ لأنني صرت عجوزا و لم أعد أملك الأهلية الكافية لإدارة أموالي و أعمالي و ما قصم ظهري أن اُبْنَيّ كان لهما نفس الموقف فما كان مني بعد خسارتي الفادحة في عائلتي إلا أن أعددت حقيبتي و يمّمت طريق العودة علّي أنقذ ما تبقّى و لكن هيهات فقد مات أكثر أفراد عائلتي و ماتت "حورية" التي قضت عمرها في انتظاري، عدت لأجد قريتي كما تركتها أما أنا فقد كنت مَسْخًا مُشوّها لا أقدر حتى على رؤية شكلي في العيون المطفأة لأهل قريتي، العمل الوحيد الذي وجدته هو حراسة محطة القطار لإتقاني لغة الأجانب و ها أنت تراني الآن بعد حياة بطولها و عرضها أحتاج للعمل لآكل، عملا حقيرا يليق بشَيْخ وحيد خَرِف من شيوخ هذه القرية"
أخذ الهادي يزفر زفيرا حارّا و ينشج نشيجا مُرّا أمّا سرحان فلم يكن قادرا على تهدئته و هو ينوء تحت ثقل عقود طويلة من الزمن و خيبة في الولد لا يُحسد عليها، إذ كيف يواسيه و لم يعُد له أحد في القرية، خسر ماضيه من أجل مستقبل لن يكون ملكا له و خسر أرضه من أجل أن يعمّر أرض الآخر.


