هي تجربة لها منطقها الخاص الذي يحكمها ويحكم رؤية أصحابها، وقد قرأت للأستاذ محمد المهدي السقال نصوصا عمودية في السابق، تتميز بلغتها الصافية المتينة، وبجرسها المتسق المنسجم، ولي رأي في التجربة الحالية التي أقدم عليها، لأنني لاحظتها أيضا عند شعراء آخرين نظموا قصائد عمودية كثيرة مزجوا في بحورها بين تفعيلات
بطريقة جديدة، كأن ينظموا حسب ما يلي:
فعولن مستفعلن فعولن مستفعلن=فعولن مستفعلن فعولن مستفعلن
أو:
متفاعلن فاعلن متفاعلن فاعلن=متفاعلن فاعلن متفاعلن فاعلن
الخ ...
أو أن يمزجوا بين بحرين يتداولان بينهما الصدر والعجزحسب اجتهاد الأخ السقال.
لكن إن كان للمزج بين تفعيلتين بطريقة مبتكرة ما يشفع له اتباعا لما فعله الخليل عندما كان يزن ما يسمعه من أشعار العرب على تفعيلات مناسبة لإيقاعات يترنم بها، وافتراضا لما لم يصله من أشعار قد تكون لها أوزان أخرى غير التي سجلها كما فعل من أضاف بحرا بعده، فللمزج بين بحرين في بيت واحد يثير لدي ملاحظة أسردها كالتالي:
لا يعارض أحد أن البحور عبارة عن إيقاعات لها نظامها وتأثيرها الموسيقي المتزن على النفس، فهي كالجمل الموسيقية التي تتطلب الانسجام مع مقامات معينة يحكما الاتساق والانسجام، إذ لا يمكن أن أستمع في قطعة موسيقية إلى مقام الراست أو السيكا لتنقلني فجأة إلى مقام الصبا، فذلك يعتبر نشازا لا تستسيغه الأذن أو النفس، كذلك الأمر بالنسبة للبيت الشعري، فعندما أتابعه في قراءة صوتية أو عروضية، أشعر أن الصدر قد حملني إلى جو إيقاعي معين، يرفعني صعودا إلى مرحلة صوتية في تفعيلته الأخيرة، لأتهيأ إلى نهاية هذا الإيقاع في نهاية العجز، فيحصل لدي الانسجام الموسيقي الذي يؤثر في النفس تأثيرا مستحبا خلقه الانسجام بين شطرين من " نفس المقام الموسيقي "، لكن عندما يتغير " الجو الموسيقي " في الشطر الثاني بعد أن ارتاحت النفس إلى جو مغاير في الشطر الأول، فإنني أخشى هنا أن يحصل ما يمكن اعتباره نشازا إيقاعيا.
ولتبسيط الفكرة أكثر، خذ أي قصيدة ملحنة موسيقيا، سترى أن لحنها خاضع لإيقاع معين يتجلى في ميزانه الذي تحكمه آلات معينة من قبيل الدف والرق والكونطرباس، والتي تخلق في انسجامها هارمونيا تتضح في الترابط مع بقية الآلات الأخرى، فإن افترضنا أن القصيدة الملحنة قد اعتمدت بحرين مختلفين، فحتما سيؤثر ذلك على الانسجام اللحني، ولا داعي إلى أن نشير أن أمهر الملحنين للقصائد كانوا ملمين بالعروض، فكانت ألحانهم ناجحة بسبب اتزانها الإيقاعي، والعكس صحيح.
هي ولاحظة اعتمدت فيها ‘لى الذوق أكثر من اعتمادي على جوانب " علمية "، لأن ما يحكم الجوانب الفنية أكثر، هو الذوق والمقاييس الجمالية
أذكرني عقبتُ على هذه القصيدة في مكان آخر
وأحمد لها أنها كانت فأل خير لبداية علاقة محبة وتقدير
مع العزيز الكبير الأستاذ محمد المهدي السقال
مزج وزني موفق
وانتظرْ مني، في ضوئه، جنونا وزنيا ثانيا
قد يثير حفيظة المحافظين وربما يقلق الخليل هناك
محبتي وتقديري
و أذكر أول سجال أدبي خضته ،
كنت شاهدا عليه وصاحب الفضل في الانتهاء به إلى بر الأمان،
خجلت من التمادي فيه بين يدي حكمتك أستاذي مصطفى الشليح.
خسرت رهانا متغيرا وكسبت مودة إنسانية ثابتة.