في مسألة التراث
بقلم الأستاذ : عبد السلام بنعبد العالي *
على الرغم مما قد يوحي به هذأ العنوان , فلن أتحدث عن هيجل و لا عن هايدجر و لا عن موقف هذا من ذاك . إن ما أرمي إليه منه هو أن ينقل القارئ إلى الأصول الفلسفية لإشكالية التراث : ذلك أن ه هذه الإشكالية ألمانية في أصولها و مسألة التراث طرقت , وما تزال تطرق , في نظرنا, بالكيفية التي نحتها الفكر الألماني مند بداية القرن الماضي [ القرن 19 ] حيث طرحت مسألة التراث في ملابسات سياسية و فكرية معينة . لهذا ا فلسنا نقصد هنا بهذين الإسمين علمين من أعلام الفلسفة الألمانية بقدر ما نود أن نبلور فيهما الموقفين الأساسيين اللذين تمخض عنهما كل جدال جدي حول مسألة التراث : الموقف الأول يمتد من هيجل إلى دلتي و ينظر إلى التراث من خلال نزعة تاريخية و داخل ميتافيزيقا الهوية و التطابق . أما الثاني فيضم أسماء متنوعة في الظاهر و يتواجد فيه جنبا إلى جنب كل من ماركس و نيتشه و فرويد و هايدغر . بل إننا نجد صداه حتى عند بعض المفكرين الفرنسيين المعاصرين.
و لا حاجة الآن للوقوف عند تلك الملابسات السياسية و الفكرية التي تميزت بها ألمانيا خلال القرن الماضي و التي دفعت بحدة إلى طرح مسألة التراث. و يكفي أن نقول أنها تميزت أساسا بظهور الوعي القومي و بروز النزعات التاريخية و علم التاريخ و نحت مفهوم الإيديولوجية و اللاشعور . وقد تكرر هذا الموقف في روسيا فأخذ مشكل الوعي القومي يطرح مع العشرينيات من القرن الماضي خصوصا عندما احتك الروس بأوروبا مع حروب نابليون فأخذت " الأنتلجنسيا" الروسية تطرح مسألة التراث و مسألة الهوية و تفتحت على الفلسفة الألمانية و أصبح " شلنج " في البداية هو رائدها في التفكير إلى أن عرفت فيما بعد كلا من هيجل و ماركس . و نفس الأمر عرفته إيطاليا عند قيام وحدتها .
في جميع الحالات كان طرح مسألة الذات و الهوية يتم في مقابل آخر يتحدى بقوته و سيادته . فكان " آخر " ألمانيا هو فرنسا بثورتها السياسية و انجلترا بمكانتها الاقتصادية . و كان " آخر " ايطاليا هو قوة فرنسا . أما آخر روسيا فكان " أوروبا " متمثلة في ألمانيا في حقبة و في فرنسا في أخرى : فأمام فروق متعددة تقوم الذات كهوية تكون من التمايز بحيث تصبح الفروق المتعددة التي تنخر الآخر و تجزؤه من الضآلة لدرجة أنها تمحي أمام هذا الاختلاف الأساس , و في هذه الحال تلجأ الذات إلى البحث عن جذور متأصلة تقوي وحدتها فتطرح مسألة التراث و التجدر التاريخي . و ما يهمنا التأكيد عليه هنا هو أن مسألة التراث عندما تطرح تفرض دوما مفهوما معينا عن الهوية و عن التاريخ ثم عن الوعي. و ما نود القيام به هو محاولة تحديد المفاهيم التي تفترضها الكيفية التي تطرح بها مسألة التراث عندنا الآن في العالم العربي. فضمن أي تصور عن الزمان التاريخي تطرح هذه المسألة ؟ و داخل أية فلسفة عن الهوية و الاختلاف ؟ و ضمن أية فلسفة عن الوعي ندرجها ؟
لا يتعلق الأمر هنا, بالطبع, بالوقوف عند نشأة " آخر " الهوية العربية. ذلك الآخر الذي اتخذ أسماء متعددة عبر العصور و الذي يتخذ اليوم اسم الغرب , كما لا يتعلق أيضا بمتابعة الكيفية التي كانت الذات العربية ترتد بها إلى نفسها ( و يردها إليها الآخر ) لترسم صورة ما عن نفسها ( و عن الآخر ) و عن ماضيها و تراثها . إن ما يهمنا هوالصياغة النظرية لمسألة التراث عندنا. فنحن إذ ندرس التراث نريد منه أن يكون عامل تأصيل و خصوصية حضارية. كما نريد تملكه دون أن يتملكنا و استلهامه دون أن يستلبنا. ومن هنا يتبلور ذلك الإشكال الذي اعتدنا أن نلخصه عندما نقابل التراث بالمعاصرة. فماذا يفترض هذا التقابل ؟
لنقل بسرعة إنه يفترض مفهوما زمانيا عن التراث , و تحديدا خاصا للزمان التاريخي هو التحديد الهيجلي الذي يكون فيه الزمان صيرورة يفصل فيها حاضر متحرك الماضي عن المستقبل . إنه الزمان الذي يقوم , كما بين هايدغر , على مفهوم الحضور . لذا يريد هايدغر أن ينظر إلى مسألة التراث خارج فلسفة الحضور . وهو لا يعتبر التاريخ تتابعا لعدة عصور يتجاوز اللاحق منها السابق. و إنما ينظر إليه كما يقول من زاوية تاريخية أصيلة Historiale فيلتفت لهذا ا الذي لا ينفك عن المضي. و هو لا يطرق مسألة التراث من وجهة نظر التجاوز الهيجلي ( 1 ) إنه , على العكس من ذلك , بنظر إلى الماضي على أنه ما ينفك يمضي و إلى الحاضر على أنه ما يفتأ يحضر . بهذا المعنى لا يكون التراث وراءنا و نحن لا نكون لا على مسافة قريبة و لا على مسافة بعيدة من أصولنا الفكرية ( 2 ) . بل إن هذه الأصول تكون معاصرة لنا. ومن هذا المنظور ينهار التقابل بين التراث و المعاصرة.
إلا أن المعاصرة هنا لا تعني المثول المباشر و الحضور الواعي. إن التراث يكون حاضرا زمانيا غائبا وعيا . مع هايدغر , إن حضوره لا يتم كذاتية متعينة و إنما في اختلافه و انفصاله و تباعده .
يتعلق الأمر إذن بإعادة النظر في التراث خارج فلسفة الحضور و بعيدا عن مفهوم الأصل مثل اللاشعور الفرويدي , لأنماط الزمان . يتعلق الأمر بتصدع الكائن و خلخلة كل تطابق و تعديد كل وحدة .
هذا التصدع لمفهوم الكائن لا بد و أن يتعارض مع الطرح التقليدي لمسألة التراث. ذلك أن هذه المسألة ارتبطت دوما بالبحث عن التأثيرات و الاستمرارات , عن الاستقرار و الدوام : دوام الأرض التي نحيا عليها . و اللغة التي نتكلمها , و المدينة التي نعيش فيها و الفكرة التي نعتقد حقيقتها . فنحن إذ نعتقد أن حاضرنا يستند إلى ضرورات قارة و مقاصد عميقة نلجأ إلى التراث لتقوية هذا الوهم بالخلود و إثبات " النحن " و حفظه . و من هنا كان حديثنا دوما عن تراث بصيغة المفرد, بل و عن " التراث " بصيغة التعريف. و من هنا أيضا ارتبط حديثنا عن التراث بفلسفة متوحشة عن الهوية ترفض الآخر و ترمي به في خارج مطلق , و لا تنظر إلى الاختلاف و السلب إلا كلحظة في بناء الهوية و الأنا . و ربما آن الأوان لإقحام الانفصال في وجودنا ذاته و النظر إلى التراث, لا في صيغته المفردة, بل في غناه و كثرته و الإصغاء لأصواته المتعددة لإنقاذه من ميتافيزيقا الذاتية وعدم استغلاله لتزكية وهمنا بالخلود.
إلا أن الأصوات , كما نعلم, لا تتكافأ في فرص أخذ الكلمة. فما أكثر تلك التي قمعت فاضطرت أن ترسم لنفسها مسالك معقدة و تتخذ دروبا ملتوية و " تختزن " في مكبوتات اللاشعور . غير أن مكبوتات اللاشعور هذه , إن كانت لا تحترم أنماط الزمان فهي لا تندرج أيضا وفق معايير القيم . و هذا يعني أن مسألة التراث ينبغي أن تطرح فيما وراء الخير و الشر. فإذا كان التراث يشكل جانبا من مستوانا الرمزي Notre symbolique فهذا يمنعنا من النظر إليه من خلال نزعة إرادية تقرر ما ينبغي أخذه منه و ما يلزم تركه : فالأمر لا يتعلق بدخول متحف لاقتناء أشيائه الجميلة و لا باستعراض أحقاب للوقوف عند لحظاتها المشرقة ولا بإبراز المفكرين الذين كانوا يسارا ضد كل يمين . بل إنه يعني , على العكس من ذلك , التحرر من الوهم الأفلاطوني لتاريخ – ذاكرة , لإقامة ذاكرة –مضادة Une contre –mémoire بحيث لا يكون التراث وعاء نغرف منه ما يلائم حاضرنا و لا نلجأ إليه لاسترجاع حقائق منسية و أحياء قيم غابرة . و إنما نعيد إنتاج تلك الأصول لمتابعة نشأتها و كيفية ترسخها في لا وعينا. سيكون سؤالنا, و الحالة هذه: كيف تشكلت ذاكرتنا العربية – الإسلامية و كيف أرسيت دعائمها ؟ و كيف ترسخت أصولها و ثبتت نماذجها ؟ و مجمل القول كيف أصبحت قيمها قيما ؟ و لا داعي إلى التأكيد بأن هذا السؤال ينطوي على أسئلة ضمنية تتعلق بالكيفية التي نحث بها الآخر. ذلك أن جينيالوجيا الذات هي في نفس الوقت جينيالوجيا الآخر . فالسؤال عن "النحن " يعني أيضا السؤال كيف أصبح غيرنا " الآخر " و ما هي أشكال " الغرب " التي صنعها الخطاب العربي ؟
غير أن ما ينبغي التأكيد عليه هو أن هذه الأصول , كما يؤكد هايدغر مرة أخرى , لا تعرض علينا نفسها بقدر ما تخفيها و تغلفها . فالتراث لا يوجد وجودا تاريخيا Historique وهو ليس محفوظا بين دفات كتب الأصول أنه موشوم على جسم " الشعب " عالق بآذانه , منقوش على جدرانه , حال في لغته , مكبوت في لا وعيه .
لا يتلخص التراث إذن في ما يسمى " ثقافة عالمة " و لا تؤول مسألته إلى مجرد مسألة معرفية ترتد إلى مجرد صعوبات منهجية تتمثل في كيفية استعادة الماضي و دراسة التاريخ و تأويل النصوص و تحقيقها . إن الأمر يتعلق , بصفة أقوى من ذلك , بثوابتنا الفلسفية : بمفهومنا عن اللغة و عن التاريخ و الهوية بل و عن الكائن ذاته ! فأما أن تعتبر الهوية معطى أول و يقذف بالآخر في خارج مطلق , و يكون التاريخ إحياء لنفس خالدة و تقوية للوهم بالخلود , أو تكون الهوية أمرا يغزي و يكتسح . و حينئذ يكون البحث في التراث إصغاء لأصواته المتعددة . أما أن يكون التاريخ تكرارا لا يمل للصورة التي استطاعت أن تسود و التي يقدم بها التراث ذاته و يؤرخ لها و يعيها , أو يكون تملكا لفراغاته و حفريات لصمته و التفاتا للمنسي منه .
ذلك أنه لا ينبغي أن ننسى أننا إن كنا قد تعودنا الحديث عن التراث بصيغة المفرد ف ذلك لأننا اعتدنا أن ننظر إلى أشكال التراث في مركزيتها الرسمية. فأخذنا نعتبر مركزا ما اعتبره هو كذلك و نهمش ما همشه و ما تفتأ تهمشه الصورة السائدة عنه . و ربما حان الوقت لخلخلة تلك المركزية و إعطاء الكلمة للهوامش .
يتضح لنا الآن أن إعادة الصياغة النظرية لمسألة التراث تفرض علينا , قبل كل شيء , إعادة النظر في المفاهيم التي رسخها التراث الميتافيزيقي و أرخ بها لذاته متمثلا في فلسفة هيجل – و خصوصا مفهوم اللغة و توليد المعاني , و مفهوم الهوية , و مفهوم التاريخ ذاته .
عبد السلام بنعبد العالي . هايدغر ضد هيجل التراث و الاختلاف ص – ص 11 – 16
دار التنويرللطباعة والنشر . الطبعة الأولى , 1985
الهوامش:
1) يقول هايدجر : " ... يقتضي ذلك أن يحرر الفكر الذي نقل إلينا فيتمكن من العودة إلى ما اختزن فيه : إلى هذا الذي لم ينفك عن الوجود – إلى هذا الذي يهيمن على التراث مند بداياته و كان دوما أسبق منه / دون أن يفكر فيه مع دلك بوضوح و دون أن ينظر إليه كأصل ( ... ) . أن حوارنا مع تاريخ الفكر لا يتحدد بالتجاوز و إنما بالرجوع إلى الوراء ( ...) هذا الرجوع يقودنا إلى ميدان أهمل حتى الآن و هو أول ميدان يستحق أن يذهب فيه التفكير إلى الحقيقة في وجودها "
M. Heidegger . Identité et différence in question 1. P / 283-4 Gallimard . Paris 1979
2) يقول هايدغر " إن المسافات الزمنية و تسلسل العلل تمت إلى التاريخ لا إلى الوجود التاريخي الأصيل . فحينما نوجد تاريخيا, لا نكون لا على مسافة بعيدة و لا على مسافة قريبة من الإغريق. إننا بالنسبة إليهم في التيه و الضلال " .
*عبد السلام بنعبد العالي : أستاذ الفلسفة بجامعة محمد الخامس بالرباط .