بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم حسن اعبيدوا
رواية وشم في الذاكرة
لمريم بن بخثة
الحاجة للأدب..حاجة للحياة
ما حاجة الإنسان إلى أن يكتب قصيدة، ما حاجته إلى أن يرتق حكاياته فيصوغها قصة أو رواية؟ و هل مازال في الكون فسحة و فضاء للاستمتاع بنبض الروح تدبجه اللغة، و يطرزه البيان..و يتسلل إلى الأسماع بما اكتسب من قدرة إلى إعادة صياغة العالم.حتى يبدو لنا على غير ما عهدناه..و على غير القواعد التي وفقها يدور..ويدور؟.
ما حاجة الإنسان للأدب هي شيء من حاجته إلى الجمال..وحاجته إلى الجمال سلمُُ ُ للوصول إلى مراتب الكمال..و ما الكمال الإنساني إلا سعي دؤوب لا يكل و لا يمل من أجل اكتشاف السر الذي وضعه الله في هذا العالم..و لكل إنسان آلته في استنطاق الكون للوصول إلى السر، فللفلاح آلة و للصانع آلة و للعالم آلة و للشاعر و الروائي آلة..و متى سلمت الفطرة و توضحت الرسالة إلا و كانت الآلة مستجيبة طيعة تدفق الجمال كشلال منهمر لأنها حازت طاقة الجمال التي لا نهاية و لا حدود لدفقها و توهجها..و هكذا فالمبتدأ و المنتهى في أي عمل إبداعي هو سعي الأديب إلى تفجير طاقته الداخلية و التي يجدها موشاة بالجمال..و يتوق إلى أن يبث هذا الجمال في أنفس متلقيه.فيكتسب بذلك شرعية الوجود الدائم..الذي يضج فيه المكان و الزمان و الجسد عدماَ َ في عدم...
من هنا جاءت تجربة الأديبة المبدعة السيدة مريم بن بخثة التي أرادت أن تلج حبك الجمال لما آنست من نفسها نورا فقالت.. لعلني آتيكم بقبس منه..أو أجد لكم طريقا إلى الاستمتاع..بلذة الكون عن طريق لذة الكتابة..
من هنا جاءت لتضع ذاكرة شخوصها على مرأى و مسمع العاشقين لرتق الحرف..و حبك السرد هي ذاكرة تغوص في أعماق النفس لتكشف عن انفصام نكد تعيشه الذات(سعاد)بين الهوى المتبع و بين الإرادة و المسؤولية..حتى إذا ما جعل الإنسان من نفسه عبدا لهواه وجد نفسه في سجن يحرمه لذة الحياة لأنه توهم السعادة في الغرائز..لكي يصبح السجن مآل لكل من أغلق حواسه لتستأثر بها الغرائز بعيدا عن توجيه الروح..بعيدا عن توهج الفطرة..فيسقط قناع سعاد.. و كم من سعاد تستلذ لبس القناع.. و كم من مجتمع يتغافل عن أقنعته التي تزيده خسارة.
هو الانفصام النكد..بين ذات تواقة للحكي وأذن لا تأبه إلا بالزيف..بين حلم وارف مزدان بأشجار الحب و الخير و الجمال تريده الذات و تعشقه و بين واقع يغري كما أغرى الشيطان آدم فتاه بعد ذلك في دروب الشقاء.
هو الانفصام النكد بين القناع و بين صوت الفطرة.. لتكون رسالة مريم صرخة في وجه الإغراء و قناع المدينة المزيف حتى لا ننخدع فنذوب الآدمية.هي رسالة فلسفية وجدانية تؤسس لجدلية الفطرة و القناع طلبا لانتصار الفضيلة التي يتصالح فيها الإنسان مع نفسه.و يتصالح مع الغاية التي خلق الله من أجلها الإنسان، و هي بث الجمال و تلقي الجمال.
و جمال الأنثى ليس في جسدها و لكن في طاقة الروح و توهج الوجدان و انسجام الخارج مع الداخل..
هي رسالة اجتماعية..تود مريم بن بخثة أن تقول فيها للمجتمع انتبه إننا نذوب طاقة بناتنا في الوهم ثم بعد ذلك نفقدهن في الزحام..و ها هن يذبن بين أنياب الإغراء لأنهن لم يتلقين نصلا فعالا يربي و يحاور و يسامح..مهما اشتدت آلام آثاره على الجسد.
هي رسالة ذات.. تروم فيه مريم دروب الفضيلة.. و لكن بدواة ملء مدادها الجمال و ريشتها الرواية..ثم هاهي بإذن ربها ترسم جرحا تمسحه بضماد الطبيب الحكيم المداوي، حتى تنشأ الروح في فضاء الفطرة و الجمال.
هي رسالة رواية امتزج فيها الحكي بالشعر و الذات بالجماعة.. و الكشف الفاضح بالرتق المداوي .. و الداخل بالخارج..لتولد أولى التجارب بما يكفي من نضج و تألق.
هي..مريم تزرع جرحها لنحصد سعادة القراءة و لذة الحكي.. و تنزع قناعها لنرتدي لباس الفطرة و الجمال.
فاخلع نعليك..يا قارئ و إنك بحضرة تجربة أولى ولدت لتكون بنضج الفطرة.
الأستاذ حسن اعبيدو
عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية