دفعت إلي بالصحن ، كانت نظراتها خائفة ، أنا أعرفها جيدا ، دائما تخاف خاصة إذا تعلق الأمر بشيء مجهول .. مددت يدي إلى الطعام ، أمضغه ولا أجد له طعما كالمريض ، الشهية مفقودة ، مزقت اللحم ويدها ترتعش ، وضعت قطعة كبيرة أمامي .العين على اللحم والقلب على الرسالة ..البارحة فقط توصلت برسالة عجيبة لم يسبق لأحد أن توصل بها على الإطلاق .." المرجو منك الحضور بمقر الوزارة الأولى هذ الخميس لأمر يهمك " الوزارة الأولى ؟ من أكون ؟ " حِـتـّـة " كاتب مولع بالقص ..يقص على الناس قصصا متنوعة ، وما قيمة القص اليوم ؟ مجرد أحداث لا تسمن ولا تغني من جوع ..حكواتي متميز يملأ رؤوس الناس بأحداث واقعية وأحيانا خيالية .. لأمر يهمك ؟ وماذا يهمني غير نشر قصصي وطبعها مرات ومرات ! ماذا يهمني غير الإبداع والإمتاع ؟ أم تراكم كالعنكبوت ،تصيدوننا واحدا واحدا بعد نسج خيوطكم الواهية أيها الرعاع ؟
أينك أيها الولد العاق ؟سألت نفسي وعيناي على شاشة الحاسوب ، كنت أبحث في ثنايا الجمل .. أغوص في شروح الكلمات ..أينك أيتها القنابل الذكية والألغام الخفية ؟ أخطاء متناثرة هنا وهناك اكتشفتها ، أغض الطرف عنها لأنها ليست من النوع المقصود
- بابا بابا ! متى سنذهب إلى الحديقة ؟ هل سنركب الناعورة ؟
ضربت بيدي الهواء أن اتركيني ،الناعورة هي التي أنا فيها يا بنتي .. أينك أيها الخطأ الفادح ؟ أينك أيتها الكلمة القاتلة ؟ معان كثيرة وقفت عليها لم أكن أقصدها وأنا أكتب .. بدت لي الكلمات والجمل عالما فسيحا ، حقل ألغام بامتياز .. ياه !
- هل أنت القائل كذا كذا ؟ اعترف أيها الزعيم الجديد ! قل لي أولا ، هل تذكر المقال الذي نشرته في صحيفة الغد ؟ آه ، ستقول لم أكن أقصد...
-أرجوكم ! أنا لم ..
-اخرس يا وغد.
هيا اعترف ! لن تعانق الحرية حتى نسمع الاعتراف وتمضي عليه بأصابعك النارية تلك .
التفت إلى أصابعي أتفرس فيها ، انتبهت على صوتها الحنون :
تعال يا يوسف ! لقد أرهقت نفسك في المراجعة حتى احدودب ظهرك ، صار كالمنجل ، تعالى أرجوك .. تلمست شعري المبلل قليلا ، غرست فيها عينين زائغتين ، وقفت جانبي برهة ثم انصرفت .
حدثت نفسي أخاطب خيالها : اتركيني يا أم سلمى ، الأوغاد يخططون لإفراغ الجماجم من العقول .. أكيد سيزجون بنا في سجن مظلم .. لعله يريد أن يدخل كتاب غينيس ، الذي زج بأكبر عدد من المفكرين كان الوزير الفلاني ، حركت رأسي عموديا مع إرخاء شفتي السفلى تعجبا
صاحت من داخل المطبخ تسأل :
- هل تكون أطلقت النار في إحدى المقاهي وأنت ثائر ؟ لعلك ثـقت أكثر من اللازم ..؟
رماني السؤال في أحضان الماضي .. صرت كحجرة صغيرة تنزل وتنزل إلى أعماق البحر ، أخذت أستعيد شريط اللقاءات السالفة ، الأمسيات الأدبية .. التعليقات والردود ..خلواتي مع الأهل والأصحاب .. أغمضت عيني كمن يغمضهما على القذى ، أقوم بمسح شامل لللحظات المريبة ..هل يكون أحدهم وشى بي ؟ وماذا فعلت أو قلت ليشي بي ؟ أسئلة كثيرة كانت تطرق رأسي كالمطرقة فيهتز لها القلب ، كلما اقترب اليوم الموعود تعصبت أكثر ، ثم حـُبب إلي الاختلاء بنفسي الساعات ذوات العدد ، ثم صار النوم يعز علي حتى ذلك اليوم.
استقبلني الموظف بترحاب
تفضل سيدي من هنا ..
تجمدت أبحث عن الحقيقة في تقاسيم وجهه ..أستجلي النظرات لعلي أفهم شيئا ، ثم دخلت غرفة واسعة ومكيفة ، أطفأت برودتها بعض اللهب الذي يسري في جسدي .. ستائر النوافذ كبيرة وجميلة للغاية ، الكراسي وثيرة ، قبل الخروج قالت لي وهي تسوي ربطة عنقي :
أنا متأكدة أن العاقبة ستكون خيرا إن شاء الله ، لاتدعو إلى الإرهاب .. لست متدينا متنطعا .. لا تخوض في السياسة .. آه السياسة ! لعنة الله على السياسة ، أكيد وجدوا كلمات جارحة حتى العظم لأحد المسئولين الكبار .. لعلي اخترقت الحدود الحمراء وأنا لا أدري ؟ كانت عيناي تدوران في محجريهما ، أحسست بالقلب ينبض نبضاته الأخيرة ، اغرورقت عيناها ، رفعت الصحيفة المطوية وطفقت أطالعها استخفافا بالأمر .. أرى الكلمات السوداء كغربان ممسوخة .. نفضت عني غبار الأحداث الماضية ، التفت يسارا ، لاحت لي البلبلة الصداحة ، جحظت بعيني ، ماذا تفعل هنا ؟ هل تكون ..؟ هبت واقفة في صمت ، كانت تمسك ظرفا أصفرا ، حدجته بنظرة خاطفة ، نظرت إلى ظرفي ، ثم تهالكنا على المقاعد الوثيرة كجذعين يابسين.
- أهلي في الخارج ينتظرون .. إنهم خائفون ..
اسمع ، انه مجرد خطأ، أضافت قبل أن تغلق الباب، لعلك تحمل اسم أحد المسئولي...
رددت : لعله خطأ ما .. لكن لست وحدي ؟ انتبهت .. استأسدت لحظة فأجبت :
ليس هناك ما يدعو إلى الخوف ، لعل في الأمر خطأ ما .. لسنا في زمان الأمين والمأمون
- تفضلا .. معالي الوزير يطلبكما
سترك يارب !
دخلنا يسبقنا التوجس ، هب الرجل واقفا ، شد على يدينا بحرارة
الحمد لله .. طارت الغربان وحطت الحمائم ، انشرح الصدر وذهبت عقدة اللسان
- قولوا وداعا للغبن ! قال مبتسما ، منذ اليوم معشر الكتاب ، سندعمكم ماديا ومعنويا .. سنعمل على تدريس أعمالكم في المؤسسات .. جميع المؤسسات .. الدولة ستتكلف بنفقات طبع أهم الإبداعات .. ستلقون الترحاب والمساعدة من المسئولين أينما حللتم .. المذكرة قد سبقتكم إلى مكاتبهم ،يجب أن تعاملوا معاملة خاصة ..
تبادلنا نظرات الفرح ، ثم بسطنا أيدينا وتعانقنا عناق الحبيب لحبيبته ، كنا كمن يتطوح من السكر ، تنبهنا للحالة ، تباعدنا قليلا ثم خرجنا يدا في يد .
وبه تم البلاغ يومه الإثنين من السنة الخمسين بعد الألفية الثانية للميلاد
-----------------------------
زايد التجاني / ميدلت [/size]
التعديل الأخير تم بواسطة سعاد بني أخي ; 06-03-2009 الساعة 06:07 PM.
هذا النص سبق نشره بجريدة الصباح ....حيث تعرض للبتر من طرف المشرف على الصفحة الادبية ..فجاء النص غامضا وغير مفهوم...هنا النص كامل والمعنى واضح وطبعا موعدنا 2050 حتى نحظى بالدعم المطلوب ...وننال الرضا والشكر.................تقبل اعجابي وودي اخي زيد المبدع المتميز
الأخ زايد التيجاني .. تحية طيبة ..
شدني النص شداً ، بعد ما وجدت فيه نفسي ،أعجبتني طريقة الحكي الهادئة والرصينة ، مع تخير الألفاظ السهلة والتعابير المأنوسة ، مع التركيز على ذاتية البطل ووجدانه ، وتفاعله مع الحدث الذي خلخل طمأنينته ،وزعزع أفكاره ..
أخي زايد : نص غني يحتاج إلى قراءة وقراءة ، فهو يظهر من أول قراءة أنه سهل المنال ، ولكن يخفي بين طياته معاني كثيرة تضرب في عمق تهميش المبدعين ،وعدم الاهتمام بهم ، وما توصلت إليه ،فإن النص يعبر عن متمنيات تقض مضجع الكتاب والمبدعين ،أجملها في تساؤلاتهم العديدة : لمن أكتب ..؟ ولماذا أكتب .. ؟ وكيف أكتب ..؟ وما فائدة الكتابة بدون قراء..؟وهل هناك دعم مادي ومعنوي ..؟ .. تقبل مودتي ..
الفرحان بوعزة..
أخي التيجاني حلقت بنا عبر السرد إلى عالم يبقى حلما في ظل الظروف الحالية التي تحمل كثيرا من التناقضات....الثقافة لمن؟ الخبز أولا والثقافة ثانيا ،أو الثقافة أولا والخبز ثانيا...هنا نتحدث عن الطبقة التي تعيش في عمق هذه التناقضات....أسئلة كثيرة تتناسل .....إلى متى يستمر هذا الوضع؟
تقبل مروري المشاكس ....تحياتي.....نجيب أمين