أنت غير مسجل في منتدى مطر . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا
آخر 10 مشاركات
تَنْهِيدَة (الكاتـب : عبدالله فراجي - آخر مشاركة : سعاد بني أخي - مشاركات : 16 - )           »          الجمع العام لجمعية شهود للتربية و الثقافة (الكاتـب : بن بخثة مريم - آخر مشاركة : محمد يوب - مشاركات : 10 - )           »          كناوة : سحرية الروحي و فتنة الموسيقى (الكاتـب : عبد الفتاح المسودي - آخر مشاركة : العربي الرودالي - مشاركات : 1 - )           »          عطاء (الكاتـب : حسين الدمرداش محمد العدل - مشاركات : 2 - )           »          توجس (الكاتـب : مليكة الغازولي - آخر مشاركة : سعاد بني أخي - مشاركات : 6 - )           »          يا عايشة مامتيش (الكاتـب : لميس سعديدي - آخر مشاركة : ريحانة بشير - مشاركات : 2 - )           »          من أجل عيون الملك (الكاتـب : زايد التجاني - آخر مشاركة : سعاد بني أخي - مشاركات : 3 - )           »          أصحاب الــقــرار (الكاتـب : خمسي عبداللطيف المغربي - آخر مشاركة : عبد الغفور خوى - مشاركات : 4 - )           »          أخلاقيات المضامين وتفاعلها في نصوص مجموعة محمد... (الكاتـب : العربي الرودالي - مشاركات : 4 - )           »          نرفزة (الكاتـب : طارق جمال الادريسي - آخر مشاركة : سعاد بني أخي - مشاركات : 2 - )


العودة   منتدى مطر العودة امتدادات العودة مختارات

إضافة رد
   
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  مشاركة رقم : 11 (الرابط)  
قديم 06-24-2009, 02:02 PM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 8,878
بمعدل : 13.59 يوميا

نقوس المهدي متصل الآن عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : مختارات
افتراضي

الشعر والموت


بقلم الآنسة نازك الملائكة (بغداد)



لعلّ كل متتبع للشعر المعاصر يتذكر تلك الهتافة المتحشرجة الخصبة التي أرسلها أبو القاسم الشابي وهو ينازع في أيام احتضاره الأخيرة:
جفّ سحر الحياة يا قلبي الباكي
فهيا نجرّب الموت هيّا

فهذا بيت يلفت النظر بما يتخذه من موقف تجاه الموت يخالف الموقف المعتاد للمحتضرين، فهو بدلا من أن يعرض استسلام الشاعر لهذا الفناء الذي لا بدّ منه، يصوره لنا وكأنه يقبل عليه باختياره في لهفة وشوق. ولفظة "نجرّب" عميقة الدلالة هنا لما تتضمنه من إيجابية وقوة، وذلك لأن التجربة فعالية إرادية يقوم بها الإنسان واعياً، وهي بهذا تختلف اختلافاً جوهرياً عن الموت الذي هو استسلام سالب لا مفرّ منه لعوامل الانحلال والسكون. فإذا كان أبو القاسم قد سمّى رحلته إلى هذا العالم " تجربة "، فهو إنما يضع أيدينا بهذه اللفظة على موقفه من الموت وبالتالي على موقفه من الحياة.

وقد كانت تجربة الموت تملك بالنسبة للشابي كل ما تملكه التجارب الحيوية من متعة مبهمة وغموض مغر، وفي وسعنا أن نتثبت من هذا من بمراجعة لقصائده حيث نجده يذكر الموت عندما يتحدّث عن الجمال والحياة والشباب والأمل والربيع. ونموذج هذا قوله في قصيدة "تحت الغصون"
فلمن كنت تنشدين؟ فقالت للضياء البنفسجيّ الحزين
للشباب السكران، للأمل المعبود، لليأس، للأسى، للمنون.

فقد جمع في البيت الثاني الشباب والأمل واليأس والأسى و (الموت) في سياق واحد، هو سياق الفناء والسكر بالحياة الكاملة التي لا يتم جمالها في نظر الشابي إلا باجتماع الفرح والألم والحركة والسكون فيها. وهذا هو التفسير لما قد يلوح غريباً من أن الشاعر يجعل حبيبته تذكر الموت في اللحظة التي اكتملت فيها سعادتهما، ذلك أنه كان يؤمن بأن الحياة العميقة الكاملة لا تصل قمتها من الإدراك والوعي حتى تندغم بالموت، وتفهمه فهماً جمالياً خالصاً. وقد كان جزءٌ من جمال حبيبته أنها تشاركه هذا الإيمان، كما كان الاعتقاد عينه هو الذي قوّى (بروميثيوس) على احتمال آلامه الجسيمة الرهيبة، ولذلك جعله الشاعر يرى في الموت "ذوباناً في فجر الجمال".

إن مظاهر عشق الشابي للموت تنتشر عبر شعره، ... هاك مثلاً هذه اللوحة الباذخة التي يرسمها لموته في قصيدة "النبيّ المجهول":
ثم تحت الصنوبر الناضر الحلو تخطّ السيول حفرة رمسي
وتظل الطيور تلغو على قبري ويشدو النسيم فوقـي بهمس
وتظل الفصـول تمشي حواليّ كما كـنّ في غـضـارة أمس

في هذه الأبيات تخلو تجربة الموت من المرارة الرهيبة، فالشابي يذكرها في هدوء حالم، وكأنها ستقوده إلى عوالم خفيّة مسحورة يشتاق إلى أن يجوبها. وهذا عين ما نستطيع استخلاصه من القصيدة المشهورة "الصباح الجديد"، فالأبيات الأخيرة فيها تذكرنا بحرارة الفرحة التي تنبثق في قلب غلام حالم يعبد البحر، وقد أتيح له أخيراً أن يبحر في سفينة شراعية بيضاء ذات صباح دافئ ربيعيّ الشمس.

هذا الموقع الذي يقفه الشاعر من الموت يعيد إلى الذاكرة موقف الشاعر الانكليزي العذب جون كيتس John keats الذي يمكن أن نسميه شاعر الموت المفتون الأكبر. فهو يقول في إحدى قصائده: "الشعر والمجد والجمال أشياء عميقة حقاً. ولكنّ الموت أعمق. الموت مكافأة الحياة الكبرى". ويهتف في قصيدة مشهورة: "كنتُ نصف عاشق للموت المريح، وناديته بأسماء عذبة في أناشيد عديدة". ثم يضيف بيتين: "الآن أكثرَ من أي وقت آخر، يبدو لي أن من الخصوبة أن أموت". ويدل كيتس على جنونه بالموت حتى دون أن يتحدث عنه مباشرة ويكفي أن نشير مثلاً إلى قوله في إحدى مطولاته: "كان هناك موت حيّ في كل انبجاسة من النغم".

ذلك أنه يصف هنا الحياة بالموت دون أن يلوح له هذا متناقضاً على الاطلاق. والحق أننا نشعر أن الألفاظ "أموت. موت. ميّت" كانت تسكر حسّ كيتس وتبدو له متفجرة بالجمال كما يلوح من هذه العبارات التي نقطفها من قصائده:


"مولد أزهار غير منظورة، وحياتها، وموتها في سكينة عميقة".
"قال هذا وخطا بخفة، في لون من المـرح المملـوء بالمـوت".
إنها تعيش مع الجمال، الجمال الذي يجب أن يمـوت".
"إلى بعض الأرواح المنفردة التي استطاعت أن تبعثر شبابها في الغناء وتموت".

وثمة شاعر ثالث وقف الموقف عينه من الموت، هو محمد الهمشريّ (ذلك الشاعر الموهوب الذي كان موته خسارة شعرية كبيرة رزئ بها الأدب العربي الحديث). إن إحساس هذا الشاعر بالموت أكثر تميزاً منه عند الشابي مثلاً، حتى يكاد يقرب من كيتس، وكأن أي حادث يرتبط بإحساسه لابد أن يذكره بالموت، وهكذا نجد أن سعادته بالرجوع إلى قريته في قصيدة "العودة" تعيد إلى ذهنه ذكرى القمة العليا للحياة التي يبلغها الإنسان بالموت:
أمـوت قريـر العيـن فيــك منعّما
يخدرني نفـح مـن المـرج عاطـر
و يلحفنــي هـذا البنفسـج و لتكـن
مسـارح عينيّ الربى و المخاضـر
وآخر ما أصغي إليه من الصدى
خريرك يفنى وهو في الموت سائر

ولعل هذه الأبيات تذكرنا باللوحة الجميلة التي رسمها أبو القاسم لقبره، فهنا نجد العطر والبنفسج وخرير الماء وشاعراً يموت سكران بالجمال، مخدراً بالعبير. هذه العذوبة التي يجدها الشاعر في تذكر ساعة الموت تعيد إلى الذاكرة قول كيتس في إحدى رسائله إلى صديقته فاني: "هناك أمران خصبا الجمال أحلم بهما: حبك وساعة موتي".
والهمشري لايقلّ عن كيتس تولهاً بالفناء، حتى أنه كتب ملحمة كاملة سمّاها "شاطئ الأعراف" وتحدث فيها عن رحلته الأولى بعد الموت نحو الحياة الأخرى. والقصيدة تكاد تكون أغنية حب موجهة إلى الموت لا أثر فيها للحسرة ولا للذكرى، وكأن الشاعر يلتذ بكل لحظة من لحظات موته إن صح التعبير.

أما الشاعر الانكليزي روبرت بروك Rupert Brooke الذي مات قتيلاً في الحرب العظمى، فإن حبه للموت لم يكن حبّ عشق كحب الشابي وكيتس والهمشري، وإنما كان حب صداقة، فكان خالياً من تلك الحدة الحسية التي لمسناها في شعر زملائه وسبب هذا في رأينا أن بروك لا يرى في الموت غرابة تجعله يبالغ في حبه فهو شيء اعتياديّ له ما للحياة من جمال وفيه ما فيها من إزعاج لا أكثر.

وقد ترك هذا الموقف أثره في شعر بروك الذي يتجه اتجاهاً يختلف عن اتجاهات الثلاثة الآخرين. فهو مثلاً يتحدث في إحدى قصائده عن "شاعر" ميّت لقي حبيبته في جهنم، فراحا يركضان عبر شوارع الجحيم سروراً باللقاء... ثم اكتشف فجأة أن عينيها فارغتان، وأحس مكان شفتيها القديمتين برودة ثلجية. وأدرك أخيراً أنهما ميتان كلاهما. وفي هدوء تام يتخيل بروك في قصيدة أخرى موت حبيبته والطقوس الرومانية التي ستقيمها أسرتها عند دفنها. ولا بد لنا أن ننبه هنا إلى أن هذا الموقف يخلو كليّاً من رغبة الإيذاء التي تدفع أحياناً بإنسان مهجور إلى أن يتخيل موت هاجره تشفيّاً أو إغاظة، فبروك يصف موت الفتاة لمجرد اللذة التي يجدها في وصف الحادث بصفته الإنسانية. والموت عنده حدث اعتياديّ لا يستدعي الجنون، وهذا أمر يجعل استعماله للانتقام والتشفي ضرباً من العبث المستحيل. وفي قصيدة ثالثة يتخيل بروك أنه قد مات، ولا يصحب تخيله هذا أي حزن، وإنما مقصد القصيدة أن تصف رعشة مفاجئة تسري بين الزملاء الموتى ويدرك الشاعر منها أن حبيبته ماتت ووافت علم العدم.
ألا يبدو من هذا كله أن الموت عند بروك يتجرد من فكرته المحزنة المخيفة تجرداً كاملاً فلا تبقى منه إلا الحقيقة العارية؟
وهذا يجعل موقفه منه مختلفاً عن الموقف المألوف بين الناس. فهؤلاء يجعلونه خاتمة، بينما يراه بروك في أكثر الأحيان بداية فنية لإمكانيات متعددة. وهذا يعيد إلى ذاكرتنا قصيدة كيتس الفذّة هايبيرون Hyperion وفيها نجد أبولو الإله الجديد لا يبلغ مرتبة الألوهة إلا بعد أن يموتdie into life وبهذا يكون الموت خطوة نحو الحياة الكبرى.
بعد هذا الاستعراض السريع لمظاهر الولع بالموت في شعر الهمشري والشابي وكيتس وبروك ... سنحاول أن نتساءل عن العلاقة المبكرة الممكنة بين هذا الولع الغريب بالموت، والوفاة المبكرة التي أردت الشعراء المذكورين وهم في غضارة الشباب قبل الثلاثين. وربما كان ممكناً أن يكمن بعض السر في حالة كيتس والشابي في مرض السلّ الذي ماتا به في سن السادسة والعشرين، فالمعروف أن هذا داءٌ عاطفيّ تصحبه أعراض من الحساسية والعذوبة وحدة الانفعال. غير أن الهمشري وبروك قد ماتا فجأة لأسباب عارضة، فتوفي الأول في عملية جراحية بسيطة أحسبها الزائدة الدودية، ومات الثاني قتيلاً خلال الحرب، وهذا يبعد أن يكون المرض هو السبب في حب الموت. فماذا نعلل هذه الظاهرة الغريبة؟ ولم كان هذا الحب الخصب للموت عند شعراء ماتوا في ريعان شبابهم؟ أكان الغرام بالموت يتصل بالوفاة المبكرة عن طريق الإيحاء على وجه؟ أم كان نتيجة لإدراك غامض للموت المبكر الذي ينتظر في زواية من زوايا المستقل القريب؟ لكي نصل إلى أجوبة هذه الأسئلة، سنلاحظ أولاً أن بين الشعراء الأربعة صفة مشتركة يملكونها جميعاً على شيء من التفاوت هي حدة الإحساس أو القدرة على الانفعال العنيف. وهذه صفة لا يملكها المتوسطون من الناس، ولعل هذا من حسن حظ الإنسانية، فالانفعال كما سنرى إسراف في الطاقة لا ترضاه الطبيعة. والحق أن الطبيعة تبغض الإسراف في الجهات كلها. وتعمل جاهدة على رد الحياة البشرية إلى الاعتدال الذي يضمن لها البقاء.
ومن السهل أن نمثل لهذا الإسراف في الانفعال بالإشارة إلى قصيدة "العاشق الأكبر" The Great Lover لبروك، وقد عدّ فيها الأشياء التي أحبها حباً شديداً على كثرتها، وسنعجب حين نجدها تشمل الصحون البيضاء، والأكواب، والغبار، والسطوح المبللة تحت ضوء الطريق، وأقواس قزح، ودخان الخشب المحترق، وقطرات المطر المختبئة في الأزهار الدافئة، ونعومة الأغطية، وخشونة الشفوف، والغيوم، والجمال اللاعاطفيّ الذي تملكه آلة ضخمة، ورائحة الثياب القديمة، والألم الجسمي وهو يتحول إلى الهدوء، والنوم، والأماكن العالية، وأشجار البلوط، وأشياء أخرى كثيرة غير هذه. وهذه أشياء منحها الشاعر كثيراً من الانفعال الذي يختزنه سواه من الناس للأحداث الكبيرة في الحياة. فالإنسان المتوسط يدرك في أعماقه أن هذا التبذير في الإحساس مضرّ بحياته، ومن ثم يبتعد عنه ويحرص على الاقتصاد في العاطفة.
وفي حالة الهمشري تجبهنا الحدّة العاطفية في تلك الصلاة الملتهبة التي أرسلها إلى "جتا الفاتنة" في عالمها اللامنظور، وتلوح لنا في وضوح ونحن نقرأ قصيدته البديعة في "النارنجة الذابلة". وكلا "جتا" و"النارنجة" رمالٌ منهارة لا يقيم عليها الإنسان المتوسط الحكيم سعادته، فالأولى وهمٌ مطلق والثانية مجرد نارنجة فانية.
وقد كانت انفعالية الشابي أكثر اتساعاً من انفعالية الهمشري حتى كادت العواطف تصبح عنده مرضاً ناهشاً، فعاش الشاعر يلهث وأتعبه الشعر حتى قتله. إن الشعر قد كان هو السلّ الأكبر في حياة هذا الشاعر المشتعل، ومن أجله عاش يتعذب بكل جمال يمر به، وإن كان عذابه لذيذاً.
أما كيتس فنحن نحتاج إلى أن نقف عنده وقفة أطول، فقد كان الانفعال بالنسبة إليه هو الموضوع وهو غاية الحياة كلها. وهذا يخالف الموقف الشائع الذي لا يرى في العواطف إلا عَرَضاً يصاحب الأحداث ويستحسن الإنسان المتوسط أن يتجنبه جهد الإمكان. ويكفي، لكي نشير إلى المكانة العميقة التي يحتلها الانفعال من حياة كيتس أن نقطف بيتين رائعين وردا في قصيدته انديميون Endymion. قال:
"أواه، هل وُجد قط ذلك الإنسان المنفرد الذي أحبَّ ولم تقتله الموسيقى؟".
إن المضمون الفكريّ الذي تنطوي عليه هذه الصرخة العاطفية الغنية بالمعاني هو أن اجتماع الانفراد والحب والموسيقى في حياة أي إنسان كفيل بأن يثير انفعاله إلى درجة قاتلة. غير أن كيتس كان يتحدث عن نفسه، وقد كان يدرك في مرارة أن الموسيقى لم تقتل من الناس كثيرين غيره.
والحق ان كيتس قد كان يملك قدرة خارقة على الانفعال يندر مثيلها حتى بين الشعراء والفنانين الكبار، وكأنه كان متجهاً بكيانه كله إلى أن يحترق ليكون شاعراً عظيماً. إن ألفاظه تنبجس بالعواطف الغريزة والإحساسات الحادة حتى يكاد القارئ المرهف المتذوق لا يقوى على أن يقرأ كثيراً من شعره في جلسة واحدة. وقد عالج كيتس قضية الانفعال في أساليب مختلفة في شعره، على نطاق عام حيناً، تفصيلي حيناً آخر. وأول ما يلفت نظرنا أن شخصياته في القصائد القصصية كانت كلها شخصيات مرهفة شديدة الحساسية تذهب في القدرة على الانفعال المركز إلى حدود بعيدة تكاد تصبح شاذة. وهكذا نجد أن "بورفيرو" و"مادلين" و"لاميا" و"ليسيوس" و"انديميون" و"سينثيا" و"ساترن" وغيرهم كانوا كلهم متوحشين في حبهم وكرههم وسخطهم ورضاهم، وقلما كانوا يعرفون الوسط. إنهم أناس يعيشون بعواطفهم ويأكلون قلوبهم.
وهكذا نجد انديميون Endymion في القصيدة الوحشية الجمال التي تحمل اسمه يغرم بسينثيا Cynthia غراماً عاصفاً لا مثيل له ويترك قلبه نهبة لكل جمال يحيط به مهما صغر، حتى يكاد يتعذب بحبه لأشياء مثل الفراشات وزنابق الماء وضربات قاطع الأخشاب في غابات لاتموس. أما قصيدة لاميا Lamia فهي تنتهي بمعانيها اللاشعورية المكتنزة إلى أن التفكير يقضي على الحياة عندما يحاول أن يقتل العاطفة: لقد كانت لاميا أفعى تحولت إلى فتاة جميلة بقدرة سحرية، غير أنها كانت مخلصة في حبها للطالب ليسيوس عاشق الشعر والفلسفة، فبنت له قصراً مسحوراً جدرانه من الموسيقى. وفي يوم الزواج، خلال دعوة صاخبة بالعطر والموسيقى والألوان يتدخل أبولونيوس أستاذ الفلسفة فيحدّق في لاميا تحديقة ثابتة طويلة تكشف عن حقيقتها الخيالية وتهدم الجدران الموسيقية للمنزل، وإذ ذاك تصرخ لاميا وتتلاشى. وإلى هنا يكون الموقف غير غريب بالنسية للقارئ، فماذا في أن يهدم الواقع الملموس خيالات من هذا النوع؟ غير أن النتيجة التي انتهى إليها ليسيوس هي الموضوع الهام بالنسبة لكيتس. ذلك أن ليسيوس قد مات حالاً عندما فقد حبيبته المسحورة، وسدىً حاول أبولونيوس إنقاذه. وقد كان هذا هو سرّ كيتس أيضاً...
هذه المبالغة في بذل القوى النفسية لا بد أن تؤدي بالشاعر إلى أن "يستنفد" قواه الروحية والشعورية في بضع سنين، ثم يقف لاهثاً فجأة ويضطر إلى أن يموت. فالانفعالية تشبه الاحتراق، لأنها تجعل الشاعر ضعيفاً تجاه مظاهر الحياة المحيطة به، فكل جمال يعصف بقلبه، وكل اتساق يملأ مشاعره بالحماسة الطافحة، وهذه حالة تصبح فيها قيمة الأشياء المحيطة بالشاعر أغلى من حياته نفسها.
وهكذا كان الانفعال أول طريق إلى الموت في حياة هؤلاء الشعراء، لأن رصيد الإنسان من الطاقة العاطفية محدود بحيث إذا بالغ في صرفه انتهى إلى "إفلاس" انفعالي مبكر. وهذا الإفلاس هو الباب المؤدي إلى الموت. ولنتخيل كيتس أو الشابي من دون انفعال. إنهما ولا شك يموتان ...
ولعل هذه الحقيقة تبيح لنا أن نعتقد أن هذا الولع الذي صبّه شعراؤنا على الموت كان يتضمن إدراكاً باطنياً سابقاً للخاتمة المبكرة، تسوقهم إليه ملاحظاتهم الخفية لانعدام التوازن بين المبذول من طاقتهم العاطفية والرصيد الكامل منها في كل حياة إنسانية. وكأن الواحد منهم كان يشعر بأنه يقتل نفسه شيئاً فشيئاً حينما يسرف في طاقة الانفعال.
ولا شك في أن هذا يلوح حماقة للمتوسطين من الناس وهم أغلبية البشر. غير أن منطق العبقرية إجمالاً ينسجم مع ما سمّاه نيتشه بالرغبة في الفناء للتفوق على الذات. وهي رغبة غير واعية لايد للشاعر الانفعالي فيها، لا بل إنه يسرف لكي يموت. وهو يمنح الأشياء كلها قيماً جمالية أعلى من القيم التي يمنحها إياها الفرد العاديّ، ويؤدي هذا "المنح" إلى الموت. ومن ثم يتكون في حياة الشاعر الانفعاليّ مثلث من القيم زواياه الثلاث هي الانفعال والشعر والموت. فالشاعر يحب الانفعال لأنه يؤدي إلى الشعر. على أنه يلاحظ أن الانفعال هو الموت لأن الأول طريق محتّم إلى الثاني،.. ومن ثم تبدأ مرحلة من الغرام بالموت نفسه تقابل الغرام بالشعر حتى تصبح الألفاظ الثلاثة في معنى واحد. إنها مرحلة يندعم فيها الطريق بالغاية التي تنتهي إليها في وحدة متينة لا انفصام لها.
وربما كان رأينا هذا محض "جولة" جبنا فيها جهة وحشية من جهات التعليل الأدبي. ولعل الموضوع يحتاج إلى أن نواجهه مرة أخرى...




الآداب، س3، ع7، تموز 1954


توقيع نقوس المهدي



المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.




  مشاركة رقم : 12 (الرابط)  
قديم 06-25-2009, 10:39 AM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 8,878
بمعدل : 13.59 يوميا

نقوس المهدي متصل الآن عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : مختارات
افتراضي

استفتاءات شاركت فيها نازك الملائكة

النزعة الإنسانية في الأدب العربي الحديث




الآداب تستفتي:
"هل صحيح أن النزعة الإنسانية ضعيفة في الأدب العربي الحديث؟ إذا كنتم تعتقدون ذلك فما هي أسباب هذا الضعف، وما السبيل إلى معالجته؟"

(شارك في الاستفتاء كل من:
سلامة موسى، رئيف الخوري، نازك الملائكة، جورج حنا، نهاد التكريتي، ابراهيم الوائلي)

جواب الآنسة نازك الملائكة:
يفترض هذا السؤال أن ثمة شيئاً منفصلاً يمكن أن نسميه بالنزعة الإنسانية في الأدب، ثم يشغل نفسه بالبحث عن هذه النزعة في آدابنا الحديثة أقوية هي أم ضعيفة. وهو يجنح أيضاً إلى تقرير جواب من لون معين عندما يفترض أن الجواب سينتهي إلى أن النزعة ضعيفة، ولذلك يحتاط ويلقي سؤالين حول أسباب هذا الضعف والسبيل إلى "معالجته". وهذا الأسلوب في صياغة السؤال إن لم يخط طريق الجواب خطاً صارماً فهو ولاشك يتطلب جواباً مقصوداً.
وعلى ذلك فلابد للجواب أن يكون حذراً فلا يستسلم للفرض الذي بني عليه السؤال.
فما المقصود بالنزعة الإنسانية قبل كل شيء؟ أوليس الأدب كله محصولاً إنسانياً يعالج أحاسيس الإنسان وأفكاره وانفعالاته وأحداث حياته؟ وهل كان محض صدفة أن الأوربيين يطلقون لفظ إنسانيات (Humanities) على الآداب إجمالاً تمييزاً لها عن الدراسات العلمية؟ هذه أسئلة يتغافل السؤال عنها حين يتضمن معناها العام أن الإنسانية نزعة صغيرة تقوى وتضعف ونستطيع نحن التدخل في تقويتها وإضعافها.
وإننا لنرجو ألا يكون المقصود بالنزعة الإنسانية هنا التعبير عن المشاكل والأحزان والمتاعب التي يعانيها أفراد الجنس الإنساني. فليس الشقاء بمجموعه إلا جانباً صغيراً من المعاني الواسعة التي تتضمنها لفظة "الإنسانية" ومن الغبن لهذه الكلمة العظيمة أن تتقلص وتتآكل حتى يقتصر محتواها على معنى (الألم).
ولو كان المقصود بالنزعة هذا المعنى الصغير لما كان للاستفتاء داع، فالأدب العربي اليوم مصاب بحمى من صور الشقاء والتعاسة والأحزان، وكأن حياتنا الإنسانية الفذة بكل ما فيها من انطلاق وخصب وجمال قد انهارت وفقد روحها وهي دعوة أريد بها شيء فانتهت إلى أشياء وأشياء أخرى.
ولو سلمنا جدلاً بوجود نزعة إنسانية، وبأن هذه النزعة ضعيفة في آدابنا الحديثة، لما كان في وسعنا، على كل، أن نصنع شيئاً في معالجة الإشكال، وذلك لأن ضعف نزعة ما في الأدب قضية معقدة تنشأ غالباً عن عوامل تاريخية وبيئية تجعل اقتراحاتنا لاتزيد الأمر إلا إشكالاً.
والآداب لا تغير نزعاتها وفقاً لآراء النقاد والصحف الأدبية وإنما تستجيب إلى قوى خفية تتغلغل جذورها حتى تتصل بالذهنية العامة للأمة، والقوى المجهولة التي تكون نفسيتها وتاريخها الطويل. ألا ينتهي بنا هذا إلى التسليم بأن ضعف الاتجاه الإنساني إن وجد إنما ينبع مباشرة من حياتنا الإنسانية؟ فإذا أردنا علاجاً فلنبحث في حياتنا نفسها عن السبب، فليس الأدب إلا مرآة تعكس الحياة، وضعف النزعة الإنسانية لابد أن يكون نتيجة لضعف مقابل في إنسانية الناس،
هذا فضلاً عن أن الحديث عن "معالجة الضعف" الذي يفترضه السؤال، "توجيه الأدب"، ولاشيء يقتل الأدب مثل أن يجد طريقه محفوفاً بالموجهين والناصحين ومقترحي الحلول. يضاف إلى هذا ما نشهده في التاريخ الأدبي من أن الأدباء الحقيقين لا يتقبلون التوجيه الخارجي الذي لاتبرره عوامل داخلية تنبع من حياتهم نفسها.

الآداب، س1، ع9، بيروت، أيلول 1953.


توقيع نقوس المهدي



المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.




  مشاركة رقم : 13 (الرابط)  
قديم 06-26-2009, 10:50 AM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 8,878
بمعدل : 13.59 يوميا

نقوس المهدي متصل الآن عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : مختارات
افتراضي

رأي في مؤلفاتي



الآداب تستفني:
"مارأيكم في مؤلفاتكم"


(شارك في الاستفتاء كل من: ميخائيل نعيمة، نازك الملائكة، سلامة موسى، ذو النون أيوب، عمر فروخ، مارون عبود)

جواب الآنسة نازك الملائكة:
ماذا يمكن أن يكون رأي شاعر في ديوانين له صدر آخرهما منذ خمس سنوات؟
الأمر فيما أرى يتوقف إلى حد كبير على مدى التطور الذهني والنضج العاطفي الذي اكتسبه الشاعر في السنوات التي تلت إنتاج هذين الديوانين.
فإذا كانت ثقافته ما زالت نامية، وحواسه الجمالية سائرة إلى الاتساع والاقتراب من الدقة، كان لابد أن يعدل هذا أحكامه على شعره السابق إجمالاً فيحيد بها عن الرضا. وقد يدخل فيها شيئاً من القلق والميل إلى اعتبار القصائد أعمالاً غير ناضجة.
ولعل هذا هو السبب في موقفي الحالي من شعري في "عاشقة الليل" و"شظايا ورماد"، فأنا الآن أملك قدرة كاملة على معاملتهما معاملة موضوعية خالصة وقد أتناولهما بالنقد الشديد في كثير من قلة الاكترث، وكأنهما لم يشغلا حياتي إلى آخر حماسة فيها سنوات طويلة. ولم يكن هذا البرود الموضوعي في وسعي يوم كتبت القصائد، فقد كنت إذ ذاك أعيش في حدود المقدرات التي أنتجتها وحشدت لها قواي الذهنية والعاطفية جميعاً.
وقد يلوح موقفي هذا مناقضاً لما يعرف من جنوح المرء إلى تبرير أعماله وتنزيهها عن الخطأ والضلال، فالمرء لا ينتقد نفسه على اعتبار أنه يملك تصحيح موقفه إذا أراد، وهذا هو القانون.
على أن حالتنا هذه لا تخرق القاعدة إلا على صورة ظاهرية. فمن الذي يوجه النقد في حالتي؟ أهي عاشقة الليل تنقد عاشقة الليل؟ كلا. لأن عاشقة الليل بعواطفها وأفكارها وكآباتها قد مضت مع عام 1947 وأنا الآن إنسان آخر يكاد لا يرتبط بالفتاة الأخرى إلا بالذكرى. والزمن قد أضاف إلى عاشقة الليل إضافات واسعة عميقة في جهات مختلفة فغير طباعها وملأ ذهنها بثقافات جديدة وأغنى حياتها الداخلية بمئات الخبرات والتجارب والصور، ورسم ونحت حتى صنع بضعة أشخاص في مكان الفتاة القديمة التي عاشت سنة 1947.
ومن بين هؤلاء الأشخاص المتعددين في داخل النفس ينبري واحد يسلط أحكامه على الواحد السابق في برود وقلة اكتراث. وهذا الشخص الجديد يعد نفسه أقرب إلى النضج من الأشخاص السابقين، لأنه يعلم بأية تجارب قد مر وأية امتدادات جديدة قد اكتسب.
وهكذا يبدو أن الزمن هو الذي يصنع علاقاتنا بالأشياء، وأن الحقيقة نسبية إلى حد كبير. فما نظنه اليوم مثلاً عالياً للجمال قد يصبح خلال السنين القادمة فجاً في نظرنا. والأمر يتوقف على مدى نمونا وحيويتنا ونضجنا.
إن أكداس الأفكار والتجارب والمواقف التي تضاف إلى حياتنا تمنحنا قمماً جديدة نشرف منها على الأشياء، فتتغير نظرتنا إلى الوجود، ونكتسب آراء وحماسات جديدة وتتسع النقطة التي تربطنا بالموضوعات، وهذا هو الذي يمنحنا الحرية في نقد أنفسنا نقداً موضوعياً ترتفع فيه درجة حساسيتنا بعيوبنا وأخطائنا.


الآداب، س2، ع2، بيروت، شباط 1954.



توقيع نقوس المهدي



المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.




  مشاركة رقم : 14 (الرابط)  
قديم 06-27-2009, 10:17 AM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 8,878
بمعدل : 13.59 يوميا

نقوس المهدي متصل الآن عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : مختارات
افتراضي

الشاعرة العراقية نازك الملائكة
بقلم عيسى الناعوري
(عمان)



تحتل نازك الملائكة مكانها في الرعيل الأول من شعراء وشاعرات الجيل الجديد في عاصمة فيصل. وهي شاعرة منتجة، عرفتها الصحف ومحافل الأدب بحرارة شعرها العاطفي الغني بالخيال والصور الشعرية المترقرقة.
وقد نشأت نازك في بيت عامر بالأدب والشعر، فأبوها صادق الملائكة شاعر وأديب له مكانته بين أدباء العراق، ووالدتها المعرفة في محافل الأدب باسم: "أم نزار الملائكة" شاعرة من الشواعر المبرزات في العراق، ولأخيها نزار وأختها إحسان مشاركة في الأدب والشعر. وقد نال الجميع حظاً عالياً من الثقافة، واتقنوا عدداً من اللغات الاجنبية، واطلعوا على الآداب العالمية بلغاتها الأصلية. ومن هنا تهيأ لنازك جو أدبي خالص تكونت فيه شاعريتها وذوقها الأدبي والفني.
وعلى الرغم من أنها نشأت في بيئة شرقية محافظة، إلا أنها في حياتها البيتية قد لقيت رعاية طيبة ونالت حرية واسعة، وأتيح لها أن تمضي في الدراسة إلى أقصى حد تستطيعه، فقد أنهت دراستها الجامعية في دار المعلمين العالية في بغداد، ونالت شهادتها. وقد كانت أخيراً تواصل دراستها العالية في إحدى جامعات الولايات المتحدة.
ولنازك ديوانان مطبوعان، الأول "عاشقة الليل" وقد طبع سنة 1947، وكتبت مقدمته أختها إحسان، والثاني "شظايا ورماد" وقد صدر في عام 1949، وفيه مقدمة تحليلية بقلم الشاعرة نفسها. وعلى الرغم من تقارب المدى بين ظهور الديوانين، فإنهما يمثلان مرحلتين مختلفتين من مراحل التطور في حياة نازك الشعرية. فالأول يمثل دور العاطفة وحدها بينما يمثل الثاني دور "الوعي" أو دور "العقل" بتعبير أدق. وبين هذين الطورين اختلافات جوهرية واضحة كل الوضوح في شعر الديوانين.
أما في الديوان الأول فقد كانت نازك شاعرة موفقة، إذ كانت العاطفة والطبع وحدهما يسيران شاعريتها، ويمدانها بالفورة والحنان والحيوية والصورة الملونة الحية، وكان في عبارة شعرها كل ما يميز الشعر العربي الجميل من موسيقى وتجانس والشعر العربي في رأي أغنى من الشعر الغربي بهاتين الصفتين بشكل خاص، وهو إذا فقد تجانسه الموسيقي أضاع أهم عناصر جماله وتأثيره في النفس.
لهذا نقول أن نازك الملائكة في ديوانها الأول موفقة كل التوفيق في موهبتها الشعرية، أما في الديوان الثاني فقد اختلفت الحال، لأن الشاعرة لم تعد تعتمد على الموهبة والحس والعاطفة، بل جعلت تستند في قسم غير قليل من قصائدها إلى الثقافة الواعية المركزة. لقد حكمت ثقافتها في شعرها وأرادت أن تجري عليه نوعاً من الاختبار الفكري، يتصرف به الوعي المثقف، محاولة أن تجري به على غرار حبكة الشعر الغربي، ولكنه جاء شيئاً يشبه النثر بتفعيلاته غير المتجانسة وغير المنضبطة في نظام موسيقى. ونشير ههنا إلى قصائدها: "نهاية السلم"، "الكوليرا"، "لنكن أصدقاء"، "في جبال الشمال"، "أغنية الهاوية"، "خرافات"، وغيرها.
على أن الحقيقة أن الشاعرة قد وفقت في المقدمة التحليلية الطويلة التي صدّرت بها الديوان أكثر من توفيقها في تطبيق شعرها على هذه الأصول الأدبية التوجيهية التي رسمتها في الصفحات (من 8 إلى 12) من المقدمة، بشكل خاص. والمقدمة هي التي تحدد أهداف الشعر ومنازعه وطرائقه التي تحاول نازك أن ترسمها لنفسها وللشعر العربي الجديد، وإن يكن التطبيق قد انزلق عن هذه المسالك المرسومة كما تنزلق عجلات القطار عن خط الحديد.
بعد هذا كله نعود إلى شعر نازك نتلمس ما فيه من معان وخصائص، فنجد أن الحصة الكبرى من شعرها قد وقفتها على عواطفها وانطباعاتها الشخصية، التي نستطيع أن نجمعها تحت عنوان واحد هو "الحرمان". وفي القصائد العديدة التي عبرت بها الشاعرة عن قسوة الحرمان هذه، نلمس عاطفة شديدة الحرارة، ولهفة شديدة العمق، ونطالع صوراً تقطر بالدم وتندلع باللهيب.
وهذه الحرارة العاطفية في شعر نازك قد تتحول إلى فورة كلها عنفوان وتمرد وكبرياء ونقمة. والفورة هي الميزة التي تميز حياة الشباب عادة، كما أن هناك ناحية أخرى قد ترافق مرحلة الشباب وهي الحيرة. وقد عبرت نازك عن حيرة الشباب هذه في قصيدتها "صراع" أحسن تعبير، فهي تحب وتكره وتضحك وتبكي، وتريد وتنفر، ولكنها لا تدري ماذا ولماذا، فهي تقول:
أحــب وأكــره، ماذا أحـب
وأكـره؟ أي شعــور عجيــب؟
وأبكي وأضحك، ماذا ترى
يثير بكائي وضحكي الغريب؟
أريــد وأنفـــر أي جنـــون
حياتي؟ وأي صراع رهيــب؟
لماذا أعيش؟ لمـاذا أغنـي
ومن ذا أصارعه؟ لامجيــب؟
والحيرة تولد الألم والتشاؤم، وهذان أبرز ما يصطبغ به شعر نازك في ديوانيها معاً، لا فرق في ذلك بين ما يدخل منه في نطاق عاطفتها الفردية الخاصة، وما يمس الحياة العامة. فهناك قصائد تعالج بعض مشاكل الحياة والنفس البشرية، ولكنها تكفنت بالتشاؤم الموجع، فضاع ما كان يمكن أن تؤديه من رسالة الجمال والحب والخير. ونذكر من هذه القصائد: "خرافات"، "جامعة الظلال"، "أغنية الهاوية"، وغيرها.
قلت أن الحصة الكبرى من شعر نازك تتعلق بمشاعرها الفردية وتعبر عن مشاكل قلبها وعاطفتها الخاصة. على أن هذا لا يمنع من القول إن هناك زاوية من نفسها كانت تنفتح للشعور مع الآخرين ولتصوير ما في المجتمع من شرور وآلام. ففي الديوان الأول نجد خمس قصائد من هذا النوع، هي: "مرثية غريق"، "سياط وأصداء"، "المقبرة الغريقة"، "خواطر مسائية"، "عيد الإنسانية". وفي ديوانها الثاني ثلاث قصائد هي" "الكوليرا"، "لنكن أصدقاء"، "يوتوبيا في الجبال". على أن الذي لمسناه في هذه القصائد كلها أن العاطفة فيها "دافئة" فقط، وكان يعوزها شيء من الاضطرام لكي تجد تأثيرها القوي في النفوس.
وشيء آخر نلاحظة في القصائد الثلاث التي من ديوان "شظايا ورماد"، وهو أن المعاني التي تدورعليها كلها حنان ورحمة على أبناء الحياة، ولكننا لا نظلم الشاعرة إذا قلنا أن طريقة النظم فيها لم تعرف الرحمة بآذان القراء وأذواقهم الشعرية، فقد ألف القراء في الشعر العربي إيقاعاً موسيقياً متجانساً، فوجدوا هنا نظماً غريباً مقلقلاً يصدم الأذن بشكل عنيف. والحقيقة أن القارئ يسير من الشاعرة في هذه القصائد وأمثالها، لاهثاً من التعب، فهناك بيت طويل وآخر قد لا يزيد على لفظة واحدة، لأن "التفاعيل" قد وزعت على الأبيات بدون نظام، فغدت مدعاة للملل والتعب والارتخاء النفسي. ونكتفي الآن بإيراد نموذج قصير من هذا الشعر الذي نعنيه، وهو من قصيدة "فلنكن أصدقاء":
لنكن أصدقاء
إن صوتاً وراء الرماد
في عروق الذين تساقوا كؤوس العداء
في عروق الذين يظلون كالثملين
يطعنون الإخاء
يطعنون أعزاءهم باسمين
في عروق المحبين والهاربين
من أحبابهم، من نداء الحنين
في جيمع العروق
إن صوتاً وراء جميع العروق
هامساً في قرارة كل فؤاد خفوق
يجمع الأخوة النافرين
ويشد قلوب الشقيين والضاحكين
ذلك الصوت صوت الإخاء
فلنكن أصدقاء
والذي يطالع شعر نازك المتألم يلمس هناك شيئاً من أثر أبي القاسم الشابي، وعباراته الشعرية الجميلة، وقوة تصوره. ويظهر هذا الأثر على الأخص في قصيدة "بين فكي الموت" التي نظمتها نازك في حالة المرض، مما جعل هناك جامعاً بين حالتها الشعورية والحالة الشعورية التي كان الشابي ينظم فيها قصائده الباكية. وفي القصيدة تقول الشاعرة:
أيها الموت، وقفة قبـل أن تغري بجسمـي سكونــك الأبـديا
أه، دعني أملاً عيوني من الأنوار، وأرحم فؤادي الشاعريا
أه، دعني أودع العود، يا موت، فقد كان لي الصديق الوفيا
وأرنـم لحــن الـوداع لدنيــاي، لأمضـي للمـوت قلبــاً شقيا
ونجوى الموت وتمنيه من الأشياء الكثيرة الشيوع في شعر نازك، وهي شيء نتمنى لو خلا منه الشعر عامة، إذا كنا نريد من الشعر أن يقود الحياة إلى السمو والقوة والفرح، وبالتالي إلى السعادة، وهذه هي رسالته. ونازك شاعرة قوية في روحها، عذبة في عباراتها، جميلة في خيالاتها، ويمكنها أن تؤدي رسالة الشعر إلى الحياة على أجمل وجه متى وصلت إلى وجهتها الصحيحة، فهي حتى الآن تتقلب في مراحل النضوج السريعة. وهذه الخصائص الشعرية التي ذكرناها الآن لشاعرية نازك نلمسها على أروعها في قصيدتها "أنشودة الأبدية" التي تناجي فيها روح الفنان الخالد تشايكوفسكي بقولها:
سأحب الحياة من أجل ألحانك يا بلبلي الحزين، وأحيا
سأرى في النجوم من نـور أحلامـك ظـلاً مخلـداً أبديا
وإذا ثارت العواصف في الليل وراء الحقل الرهيب الجي
لمست روحـي المشوقـة فيهـا ذكريات من روحـك الناري
أيها المـوت، أيهـا المـارد الشريـر، يالعنـة الزمـان العنيـد
كيف ترضى يداك أن تقتل الإلهـام؟ ماذا تركتـه للوجـود؟
سوف تفنى ذكراك أنت، ويبقى ظل ذاك الطير الجميل الوديع
سوف تبقى نجواه تخفق فوق الأرض بالحب والجمال الرفيـع
وبعد فلست أود أن أختم الحديث قبل أن أرجو إلى الشاعرة الموهوبة أن لا تجعل "للعقل" من شعرها المرتقب وطريقة نظمه أكثر من حظ الملح من الطعام، وأن تترك لطبعها الموهوب، وعاطفتها الصافية، وخيالها الطليق أن تدير دفة شعرها ليبلغ بحنان إلى قلوب القراء. كما أرجو أن تطلق عاطفتها الحنون في مداها الأرحب، لتطوف بوطنها العربي المحدود أولاً، ثم بوطنها الإنساني الأكبر لتغرف من فيضهما الذي لا يغيض، وأنا كفيل بعد ذلك بأن تصل إلى أرحب آماد المجد الأدبي الذي لا يموت.

الأديب، س11، ج3، بيروت، مارس 1952.


توقيع نقوس المهدي



المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.




  مشاركة رقم : 15 (الرابط)  
قديم 06-28-2009, 10:55 AM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 8,878
بمعدل : 13.59 يوميا

نقوس المهدي متصل الآن عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : مختارات
افتراضي

حـول "مـزالـق النقــد المعــاصـر"


بقلم عيسى الناعوري
(عمان)





في العدد الماضي من الأديب الأغر كتبت الصديقة الشاعرة الآنسة نازك الملائكة مقالاً تحت عنوان "مزالق النقد المعاصر"، فاسترعى انتباهي دفاعها المتحمس للأدب كشيء يقصد لذاته، لا دخل للنقد في توجيهه أو تحديد سبله ومراميه. وأنا أرجو أن تغفر لي الأخت الكريمة جرأتي في هذا الرد على آرائها النقدية ومفاهيمها الأدبية، فهي إنما تكتب لتقرر حقائق تعتقدها وتناضل دونها. فلتسمح لنا بدورنا تقرير الحقائق التي نعتقدها ونناضل دونها. والحياة هي التي تقرر بقاء أصلح الآراء وأثبتها على محك الحياة نفسها.

لست أدري لماذا تصر الأديبة الشاعرة الناقدة على أن تحشر الأدب حشراً في نطاق الذات، ولا تخرجه لتجعله شيئاً عاماً للحياة وللناس، فهي تقول في مقالها الأخير: "إن المهمة الأدبية للناقد تبقى مقيدة بالقصيدة من وجهتها الجمالية والتعبيرية، في دراسة موضوعية خالصة، يلاحظ خلالها هيكل القصيدة العام، ويقف عند أداة التعبير، فيدرس مدى اتساقها مع جو القصيدة والعاطفة التي تسيطر عليها، ويدرس الوزن واللمسات الموسيقية، وأثر القافية...إلخ".
المهم أن الشاعرة الناقدة، تطلب إلينا أن ننظر في الجسم الماثل أمامنا لنرى تناسق تكوينه، بدون نظر فيما إذا كان تمثالاً جامداً أم إنساناً حياً، وإذا كان إنساناً حياً فيكفي أن ننظر في جمال صورته، وتناسق تكوينه، بدون أن نعرف إذا كان يحمل في داخله روح ملاك أم روح شيطان.
نظرة قشورية، لا عمق فيها، ولا حياة، ولا لذة، ولا جمال. فهل هذه غاية النقد الأدبي؟!
ثم تقول الشاعرة: "كل ما يهم الناقد أن يلاحظ كفاءة القصيدة للتعبير عن الموضوع دون أن يناقش صلاحية الموضوع من الوجهة الاجتماعية والتاريخية".
الحقيقة التي أريد أن أختصر الطريق إليها هي أن الكاتب أو الشاعر إذا كان يكتب لنفسه ولهدهدة عواطفه، وتصوير أحاسيسه الذاتية وحدها، فخير له أن يطوي إنتاجه لنفسه، فيتلذذ بقراءته متى شاء وكيفما شاء، بدون أن ينغص عليه أحد لذته ومتعة روحه. ولكن الصحيح أنه لا ينشر ما ينتجه من شعر أو نثر، في الكتب أو الصحف، إلا لأنه يريد أن يقرأه الناس، وهو يعرف أن الناس سيدفعون ثمن الكتاب أو الصحيفة قبل أن يقرأوها، تماماً كما يفعلون حينما يريدون الحصول على الطعام أو اللباس أو الحاجات الضرورية الأخرى التي تباع في الأسواق.
والحقيقة الواقعة أن الناس لا يدفعون ثمناً لشيء لا يفيدهم، أو يشعرون بأن لهم فيه حصة: نفعاً أو شيئاً من شعورهم، أو مشاركة في إحساسهم العام.
فأنا مثلاً كمواطن مستهلك لا أشتري شفرة حلاقة، أو فرشاة أسنان، أو جورباً أو صابونة، إلا لكي استخدمها في حاجاتي اليومية، ولست أدفع ثمن حبة بندورة أو برتقالة أو رغيف خبز لمجرد كونها جميلة، ولكني أشتريها لأقتات بها، ومثل هذا تماماً حالي مع الكتاب أو الصحيفة.
أرجو أن لا تتأفف الأخت الشاعرة أو تتقزز، فتعتقد أنني "ابتذلت" الشعر وأهنته بإنزالي إياه إلى صف الصابون والفرشاة وشفرة الحلاقة وحبة البندور، فلا مفر من مجابهة الواقع الذي يرينا أننا ندفع الثمن "نقوداً جامدة" لكل هذه الأشياء على السواء، وإذن فقيمتها من حيث هي بضاعة تباع وتشترى، واحدة. ولو كان القارئ يدفع ثمن ما يقرأ "عواطف" و"كلاماً جميلاً" فحسب، لاكتفينا بأن ينتج لنا الشعراء والكتاب عواطف وكلاماً جميلاً، بدون غاية وبدون هدف، فمثل هذا الترف الفكري والفني لم يتهيأ له مجتمعنا بعد، ولا هو في حاجة إليه، وهو مازال غارقاً في الجهل والمشاكل المعقدة إلى ما فوق أذنيه.
ولتقل لي الأخت الكريمة، ما حاجتي، أنا القارئ، إلى دفع ثمن كتاب أو ديوان شعري يكتبه صاحبه ولو بحروف من ذهب وبخيالات من جنائن الفردوس أو عبقر.. ليحدثني فيه عن صبواته وعربدات شهواته، وسهراته مع صواحبه، والقمر الذي كان يغازل النجوم فوق، والغصون التي كان النسيم يعبث بخصلات شعرها في هدأة الليل، وهو في غمرة الهوى والفتون...ووو...
وبعدين... مع هؤلاء السابحين في متاهات النجوم، وفي أبراج الضباب، والشعب من حولهم ينتحر بآلامه، وهو يقتات بالتراب، ويتجرع الدماء ويفترش الثرى... وهم لا يخرجون عن محيط أنانيتهم وأهوائهم العاتية؟!
ألا ترى الصديقة الشاعرة أنه خير لي، أنا القارئ، أن أشتري بثمن الكتاب أو الصحيفة من هذا الطراز رغيف خبز، أو حبة بندورة إذا كنت جائعاً أو أشتري جورباً أو شفرة حلاقة أو صابونة، فاستخدمها لحاجاتي الضرورية، ما دمت لا أجد في الكتاب أو الصحيفة ما يولد في نفسي أملاً، أو يبعث فيها تعزية، أو يخلق فيها عزماً، أو يقودني إلى عمل جميل جدي؟ وما حاجتي إلى أن أنفق المال والوقت لأقرأ هراء، وأشبع كلاماً فارغاً؟؟
نرجو أن تنزل معنا الشاعرة إلى الشارع، ففيه الشعر والأدب كله: في أكواخ الفقراء، في خيام اللاجئين، وفي وجوه العمال المتعطلين، والأطفال المحرومين من المدارس، والمتسولين الذين لا يجدون مستشفى ولا طبيباً ولا دواء، في القرى التي لا تصل إليها الطرق المعبدة، فتنحبس عن الاتصال بالمدن وبالحياة طوال الشتاء، والتي تفتك في أهلها الأمراض والأوبئة لإهمال دوائر الصحة والشؤون الاجتماعية لها، في المستنقعات والبرك التي يسرح فيها البعوض ويمرح، ويحمل العدوى. هو وغبار الطرقات والأحياء المهملة، إلى الصدور والعيون، فيذهب براحتها وصفائها. في هذه كلها، وفي خيرات الأرض العربية وكنوزها التي تتخم بها بطون السادة والغرباء، بينما يحرم الشعب العربي من تعب يديه وعرق جبينه فيها، في الأراضي المهملة وكلها خير وبركة لا يستثمرها أحد. في كل شيء في هذه البلاد السيئة الحظ، المنكوبة بأهلها وبحكوماتها وبأدبها وأدبائها. في هذا كله وفي غيره. مما لايتسع المجال لذكره، ينبع الأدب الذي نريده والذي لا نريد غيره.
نرجو أن تنزل معنا الشاعرة إلى الشارع لتشاهد وتستوحي، أما بروج الغمام فليس فيها سوى الخواء اللامحدود، وسوى الهروب من الحياة والواقع، والأديب الذي يهرب من الحياة والواقع ينصرف عن أدبه وعنه أهل الحياة والواقع، هؤلاء يعيشون بأعصابهم ودمائهم ودموعهم. إن هؤلاء في حاجة إلى أيدينا لسندهم، وإلى عقولنا لتهديهم وتقودهم. ولن ينفعهم أن نكتب لهم شعر العواطف الذائبة، ونقدم لهم الصحون الذهبية الفارغة ونقول لهم: كلوا واشبعوا من بريقها الجميل!
الأديب منا هو لأبناء الشعب كأم العصافير تهبط أمامها من العش إلى الأرض لتعلمها كيف تستعمل أجنحتها بأمان وتهبط مثلها، ثم تقفز أمامها على مهل لعلمها كيف تقفز، وتنقر الحبوب والديدان أمامها ثم تلقيها لها على الأرض لتعلمها كيف تلتقطها بمناقيرها، وتغمس منقارها بالماء، ثم ترفعه في الفضاء لتعلمها كيف تشرب، ولا تبتعد عنها في قفزها وطيرانها، لتطمئن إلى سلامتها.
فإذا لم نكن نحن والأدباء أمهات عصافير الشعب، فخير لنا أن ننطوي على ذواتنا في الظلام إلى أن نموت في عزلتنا، لأن النور لم يخلق لأعيننا.
وإذا كان الأديب هو قائد الشعب ومعلمه، فإن الناقد هو الذي يحمل المشعل ويضع المنهاج لينير للأديب طريق القيادة، فهو إذن على عكس ما تقول الشاعرة مطالب بأن يحدد للأدب أهدافاً، ويرسم سبلاً، ويقوم سيراً لئلا ينحرف ويضل. والناقد الواعي المخلص أدرى بالمزالق والوعور، وإن لم يكن أدرى وأوعى لأدواء المجتمع التي تتطلب الطب والعناية، فهو على الأقل مشجع ودافع، وهو على الحالين مطالب بأن يقوم وينبه إلى كل انحراف في أهداف الأدب، وخروج على مفاهيمه "الاجتماعية" والشعبية، فهذه وظيفته. أما أن يقف حاملاً مقياسه بيده ليقيس تناسق الأبيات الشعرية، وينظر في قيمها الجمالية والتعبيرية، ثم يمد صوته على طريقة أهل الكيف عندما يطربون: "الله!!..." فتلك وظيفة لا نريدها له، على الأقل في مجتمعنا الحاضر، وفي زماننا الحاضر.
وللأخت الشاعرة تقديري وتحياتي واحترامي.
الأديب، س12، ج6، بيروت، يوليو 1953.




توقيع نقوس المهدي



المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.




  مشاركة رقم : 16 (الرابط)  
قديم 06-29-2009, 08:21 PM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 8,878
بمعدل : 13.59 يوميا

نقوس المهدي متصل الآن عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : مختارات
افتراضي


حـول "الشعــر والمجتمــع"

سلمى خضراء جيوسي
(روما)


لقد شعرت بمتعة شديدة عندما طالعت مقال الآنسة نازك الملائكة حول اجتماعية الشعر في العدد الأخير من الأديب الغراء، غير أني أؤكد للشاعرة المحبوبة أن حملتها كانت قاسية جداً.
إني أعيش في أوربا منذ نحو أربع سنوات وإني أؤكد لكم أن المغتربين من العرب من مهاجرين أو أعضاء السلك السياسي العربي، هم من أكثر الناس شعوراً بأحوال الشرق العربي المترجرجة ومن أشدهم حماساً وطموحاً ورغبة في التحسين العملي الحاسم، ذلك لأنهم يقابلون ويقارنون، ويسألون ويسألون ويكتشفون لأنفسهم شهراً بعد شهر ويوماً بعد بوم نقاط الضعف في حاضر أمتهم وفي سياسة قادتها وفي أوضاعها الغريبة الشاذة.
ورغم أني تمتعت بقراءة مقال الآنسة نازك إلا أني اختلف معها في بعض النقاط اختلافاً بينته هذا الرسالة المقتضبة.
إن هذه الدعوة إلى اجتماعية الشعر التي تحدثت عنها الآنسة نازك (عدد يوليو 1953 من الأديب) ليست معقدة ولا خطرة على الشعر إلى الدرجة التي تصفها وتحذرنا منها. بل إني أراها على غاية من البساطة، فهي نداء إلى الشعراء أن يكرسوا جزءاً من مجهودهم الفني، صغيراً كان أم كبيراً، لخدمة قوميتهم ومجتمعهم. ذلك لأن العرب أمة من أكثر الأمم تأثراً بالشعر، بل أستطيع أن أقول إن الشعر هو أكثر الفنون تأثيراً على نفسيتهم ومشاعرهم، فليس عجباً أن نتحول برجائنا إلى الشعراء أن يحاولوا شعراً يرفع معنويات هذه الأمة ويساعدها هو أن تسترجع شيئاً من ثقتها بنفسها التي فقدتها مع ما فقدت ويدخل في محسوسياتها المبهمة معاني الحرية الخالصة وحب الانطلاق والسمو بالناس للعظمة القومية والشعور فالمقدرة والكفاءة والشوق إلى تحقيق الأهداف الوطنية النبيلة.
ولو نظرنا في حقل الطب لوجدنا علماء يقومون بأبحاثهم لاكتشاف علاجات جديدة فعالة لأمراض الإنسانية الفتاكة مبتدئين بأكثرها انتشاراً وخطراً. وكذلك جميع العلماء، يعملون أبداً لتقدم الإنسانية محاولين دائماً تحسين ما ضعف من أركان المدينة مستجيبين بالدرجة الأولى لمطالب الشعوب واحتياجاتها. فلم لا ينحو الأدباء والفنانون منحى العلماء ويكونون مثلهم في الاستجابة لنداءات أمتهم عندما تحتاجهم هذه الأمة.
وتقول الآنسة نازك وهل من المعقول أن ينصرف جيل كامل من القراء إلى اتجاه بعينه دون أن تكون هنالك أسباب بيتية وتاريخية موجبة به!!!
وهذا غريب حقاً فالأسباب البيتية والتاريخية أكبر وأوضح من أن أعددها أنا، وإن أي إنسان مثقف ثقافة سياسية عصرية صحيحة لا يسعه إلا أن ينتفض خوفاً على مستقبل هذه الأمة القريب فهي تجتاز الآن مرحلة من أعسر المراحل التي مرت بها أي أمة في التاريخ الحديث وأوضاعها الغريبة الشاذة الخطرة تستوجب أن تجند لها الجماعات الواعية، كل الجماعات الواعية، لا ساستها وزعماؤها فقط كما تقول الآنسة نازك، جميع أسلحتها وقواها: وعلى رأس هذه الجماعات المتنورة الشعراء، للسبب الذي ذكرته سابقاً بالضبط.
بالطبع لا يمكن أن نطلب من كل الشعراء أن يكرسوا كل مجهوداتهم إلى طرق المواضيع الوطنية، تماماً كما فسرته الآنسة نازك من أن الشاعر هو إنسان ذو مجموعة ملونة من المشاعر والأحاسيس عرضة لأن تتأثر بأشياء قد لا تمت إلى الوطنية بشيء، وفي حال تأثره المعين بأمر من الأمور فإن كتابته للشعر أمر طبيعي يجب أن لا يناقش عليه، أما أن يكرس ديوانه أو مجموعة أو مجهود سنين من العمر في شعر لم يتأثر بعضه بحال من الأحوال بالمعتركات الاجتماعية والسياسية التي تغلي مراجلها داخل بلاده فإن هذا من الشذوذ الإنساني ومن الانعزالية والذاتية ومن التهرب من واقع البيئة التي تقول الآنسة نازك إنه يمثلها إجباراً لا اختياراً، وما يمثل بالحقيقة إلا بيئته الخاصة المحصورة أشد الحصر المنعزلة في برجها العاجي عن خضم المجتمع الكبير.
وقد لا يجيء انعزال الشاعر هذا عن نقص في عواطفه الوطنية الكامنة وإنما يعود إلى تربيتنا الوطنية تشربناها منذ نعومة أظفارنا، تلك التربية التي هي من ثمار الثقافة المقصودة التي تعمد أن يزرعها الغرب في نفوسنا في عهد الانتداب. إننا جميعاً نعتقد أننا نحب بلدنا وأمتنا، ولكن الجزء الأكبر منا لا يعرف كيف يجب أن يحبها وكم يجب أن يحبها، وأنا لا أقول هذا عن حكم طائش بل بعد مراقبة طويلة مقصودة لمشاعر الوطنية عند بعض الأمم الأخرى. إن كل ايطالي إذا تكلم عن بلده لمعت عيناه ببريق الفخر البالغ درجة الغرور، فجمالها وزهرها وشبابها وأطعمتها وأخلاق أهلها وكل شيء لها أفضل ما في العالم على الإطلاق، وكل ايطالي يشعر هذا ويصرح به لاسيما عامة الشعب الذين لا يمكنهم أن يقبلوا جدلاً في هذه الأمور قطعياً على خطأ الكثير منها. وقد رأيت أهالي فينا في بجرنزغ سهرات الهويرغر المشهورة، يغنون أغانيهم الغزلية الجميلة بفينا ولا ينهونها إلا وهم ينشجون. رجالهم ونساؤهم، وهذا دأبهم دائماً. وكذلك الألمان فإذا اجتمعوا في سهرة فكم يشتركون جميعهم بأناشيدهم الوطنية المبدعة كلاماً، المؤثرة أنغاماً وتراهم ينقلبون إلى أشخاص عاطفيين بصورة لا يمكن تخيلها عنهم. وهذا ما ترمي إليه الدعوة على الشعر أن يكون له اللفظ القوي الذي يدفع بالأمة للطموح والثقة بالنفس لا لليأس والدموع، وأن تكون معانيه عالية سامية توحي بالعظمة وبحب المجد.
أما الأسلوب والبناء والأخيلة وقوة العاطفة وبراعة الحبك والتشبهات إلخ...فهذه أمور تدخل في نطاق النقد الفني التي لا تتعرض له الدعوة ولا أظن أنها تدعيه.
وتقول الآنسة نازك أن "التاريخ لم يرو أن أدب أمة من الأمم قد غير اتجاهه وفق دعوة عامدة نادت بها الصحافة". وبالحقيقة إن التاريخ روى، ففي روسيا الشيوعية نجد أن الإنتاج الأدبي والفني والسنمائي قد تحول جله إلى الناحية الشعبية؛ فقد أيقن الأقطاب أن الدعاية للشعب نفسه أمر فائق الأهمية وعملوا على تغذيتها مباشرة عن طريق الخطب والصحافة والإيحاء من خلال القطع الفنية والشريط السينمائي. فشعرهم وقصصهم السينمائية وأغانيهم الشعبية ومسرحياتهم، كل هذه الأمور، ترمي إلى التمجيد الوطني وهي تتحدث وتردد كثيراً أغاني السلام العالمي، لكي تقنع الشعب أن دولة السوفيت لا تريد إلا السلام، السلام العالمي الخالد حتى خلقت جيلاً من الشباب يثق ثقة عمياء بحكومته وبأنها لا تريد الحرب وأنها دولة عظيمة، إلخ.
وهم بالطبع لا يرون شيئاً عن سياستها الخارجية والحرب الباردة التي شلت بها الكثير من امكانيات العالم الحر. ولست أورد هذا المثل إلا للدلالة فقط أنه من الممكن إنسانياً وبسيكولوجياً تحويل الجهد الفني في أمة، أي أمة نحو هدف معين، سيما إذا كان هذا الهدف وطنياً وسيما إذا كان، كما يكون الحال عندنا، هدفاً نبيلاً سامياً والحاجة إليه ملحة وماسة.
أما الأحوال الفردية والمناظر الجميلة التي قد توحي للشاعر بشعره في كثير من المرات فإنها أمور طبيعية وكما قلت قبلاً يجب أن لا يناقش عليها أبداً. وهي كثيراً ما تكون صوراً رائعة تترك لنا شعراً بديعاً خالداً فمن الشطط والشذوذ إغفالها واستنكارها. وإني وجدت أن الإنسان يتذكر عادة من شعر شاعر ما كان أكثر اتصالاً بالإنسانية عامة منه بحياة الشاعر الخاصة الخاصة.
وهذا يشمل أيضاً الأمثلة الشعرية المروية عند كل الأمم وكذلك الشعر الذي يصف المحركات العاطفية التي أثرت ومازالت تؤثر في كل إنسان لا في الشاعر وحده، وكأن الإنسان يقرأ صدى لتجاربه العاطفية وأحاسيسه. ولهذا فقد كان الشعر الوطني الذي هو أحد مواضيع الشعر الإنساني العام من أخلد ما أنتجته أقلام الشعراء عند كل الأمم.

ومهما قويت قيمة الفن للفن بمعزل عن موضوعه ومهما جملت القطعة الفنية ولنقل الشعرية بحد ذاتها، فإن قيمتها الكبرى ليست عند جماهير القراء، لاسيما في أمتنا نحن، بل عند الخاصة الخاصة من محبي الشعر والأدب الذين يحسنون تذوق الجمال في القطعة الفنية المكرسة للفن. ومن العبث الإنكار أن عددهم في أمتنا قليل، حتى بين المثقفين منا، وإن الشاعر العربي الذي يتغاضى عن هذه الحقيقة يخسر حب الجماهير لأدبه وتذوقهم لشعره. وأنا أقول إنه قد يكون مقدساً لهذا المذهب الفني إلى درجة لا يهتم معها بآراء الجمهور الأكبر ممن يقرأون الشعر وله الخيار في ذلك بالطبع.
هذا وإني إذ أدعو فحول شعرائنا إلى شعر يسير بالشعب نحو تعشق بلده وأمته والتعصب المنطقي لمصالحه وحقوقه والطموح نحو الشمس، آمل بالوقت نفسه أن لا يخلو شعرهم من غزل رقيق أو شوق حنون أو ذكرى جميلة أو "وصف وردة" أو "منظر حصاد" أو "ذكريات نزهة عائلية مرحة على رمال جزيرة". ولصاحب الأديب الذي أعده علماً من أعلام الأدب والشعر، ومثلاً أعلى للإنسان المثقف ثقافة عصرية كاملة، أقدم اعجابي واحترامي وتقديري الشديد.

الأديب, س12، ج9، بيروت، سبتمبر 1953.


توقيع نقوس المهدي



المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.




  مشاركة رقم : 17 (الرابط)  
قديم 06-30-2009, 02:29 PM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 8,878
بمعدل : 13.59 يوميا

نقوس المهدي متصل الآن عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : مختارات
افتراضي

نـازك الملائكـة والشعــر الحــر

جلال خياط (بغداد)



قرأت في الجزء الأول السنة الثالثة عشر من مجلة الأديب الغراء مقالاً للآنسة نازك الملائكة تكلمت فيه عن الشعر الحر في العراق..كيف بدأ..وإلى أين وصل..ولقد حاولت الآنسة الشاعرة في مقالها هذا أن تضع للشعر الحر قواعداً وأصولاً وأن تبين لنا فيه أنها أول من ابتدع هذا اللون الجديد في العراق!...



الشعر الحر Free Verse هو الذي لا يخضع لسلطان القافية والتفعيلات، فللشاعر أن يستعمل من التفعيلات في البيت الواحد ما يشاء على ألا تتعدى الأربع في العادة ... وله حرية واسعة في ترتيب قوافي القصيدة بحيث تكون متشابكة أو متلاحقة أو منطلقة، وعدم تقييد الشاعر بالقوافي والتفعيلات يمنحه حرية يستطيع بها أن يبعد عنه القواعد الثابتة التي كثيراً ما تفسد عليه شاعريته ... فالقافية الواحدة مملة ومتعبة وعدد التفعيلات المعين في البيت الواحد يؤدي بالشاعر إلى الإطالة والحشو، ولا يجوز في الشعر الحر تعدد البحور لأنه يحتاج إلى الموسيقى المتدفقة لتعوض عن القوافي الشاردة وعن عدد التفعيلات المختلف في كل بيت حسبما تقتضيه المعاني.
إن حركة الشعر الحر قد ازدهرت في العراق فأقبل عليه شعراؤنا وفي مقدمتهم الآنسة نازك الملائكة، ولكن هذا لا يعني أن العراق أول من عرف الشعر الحر وشعراءه أول من نظموا به، ففي أقوال الآنسة ما يوحي إلينا بذلك فهي تقول "...وحركة الشعر الحر كأية حركة جديدة في ميادين الفن والحضارة بدأت لدنة حيية مترددة..."، وإني لأسأل الآنسة أين بدأت هذه الحركة؟...وفي أي وقت؟... إن الغموض الذي يكتنف قول الآنسة يوحي إلى القارئ بأن يظن أن الكاتبة الفاضلة تعني بقولها هذا أن الحركة بدأت في العراق، وهي تقول "...مثل هذه الحركات التي تنبع فجأة بمقتضى ظروف بيئية وزمنية لا بد أن تمر بسنين طويلة قبل أن تستكمل أسباب النضج..."، فحصر حركة الشعر الحر بظروف بيئية وزمنية دون تعيين هذه الظروف البيئية والزمنية التي نبع بمقتضاها الشعر الحر يوحي إلى القارئ أن الحركة نبعت في بيئة معينة وفي زمن معين وربما يظن أن الكاتبة تعني بقولها هذا أن الحركة ولدت في العراق.
لقد عرف الأوربيون الشعر الحر وأغرموا به منذ القرن السابع عشر حتى يومنا هذا وفي مصر قامت أولى المحاولات في إدخال الشعر الحر والشعر المرسل إلى الأدب العربي. ولقد كتب الأستاذ "دريني خشبة" في مجلة الرسالة المصرية بحثاً ضافياً في هذا الموضوع قال فيه: "... إن ملتون حاول في منظومته عن شمشون Samson Agonistes محاولة بارعة في الشعر الحر. كما شاع استعماله بين الشعراء الفرنسيين، وقد نظم به لافونتين في القرن الثامن عشر ولكن على قواعد العروض اليوناني، على أن الشعر الحر لم ينتشر انتشاراً عالياً إلا قبيل الحرب العظمى الأولى، وتسمى الشعراء الذين آثروه واستعملوه بكثرة باسم The Imagists أي الذين يصورون صور الأشياء بالشعر الحر كما يصور الفنان صورها في ذهنه بألوان من نور ومن هؤلاء عزرابوند Pound وفلنت Flint ولوول Lowell و د. هـ. لورنس الشاعر والكاتب الروائي الماجن وريتشارد ألدنجتون ..."
ويقول الأستاذ خشبة إن أولى المحاولات في الشعر الحر والشعر المرسل قامت في مصر على أيدي الأساتذة "محمد فريد أبو حديد وعلي أحمد باكثير والمازني وأحمد زكي أبو شادي وخليل شيبوب" وغيرهم، فقد نشروا القصص والملاحم والقصائد التي نظمت على طريقة الشعر الحر والشعر المرسل.
ويقول الأستاذ العقاد إن أول من نظم بهذا اللون الجديد في العراق هو المرحوم جميل صدقي الزهاوي فقد نشرت له المؤيد قصيدة حرة، فما رأي الآنسة نازك الملائكة في هذا.
لقد قامت في مصر ثورة على الطريقة الجديدة كما قامت في العراق، ونُقدت الدعوة في مصر كما نقدت في العراق حين أصدرت الآنسة نازك الملائكة ديوانها "شظايا ورماد" سنة 1949 وفي مقدمته إشارة "إلى الأساس الوزني للشعر الحر الذي اعتبرته لوناً من الحرية يستحق أن يمنحه الشاعر العربي"... ومن أمثلة النقد الذي جوبهت به الدعوة في مصر أقوال الأستاذ العقاد في مقال منشور في الرسالة المصرية "إن اختلاف القافية بين البيت والبيت يقبض سمعي عن الاسترسال في متعة السماع ... والظاهر أن سليقة الشعر العربي تنفر من إلغاء القافية كل الإلغاء ...إهمال القافية يصدم السمع بخلاف ما ينتظر حين يفاجأ بالنغمة التي تشذ عن النغمة السابقة، فانتظام القافية متعة موسيقية تخف إليها الآذان وانقطاع القافية بين بيت وبيت شذوذ يحيد بالسمع عن طريقه الذي اطرد عليه ويلوي به لياً يقبضه ويؤذيه..."
وبعد هذا كله يخيل إليّ أن الآنسة نازك الملائكة مخطئة حين تقول "...إن حركة الشعر الحر على الرغم من كل ما يمكن أن يقال في إرجاعها إلى أصول قديمة تجد جذورها في الموشحات الأندلسية، تبقى بنت هذا القرن وحده. فالموشحات لم تتلاعب بعدد التفاعيل خلال القصيدة الواحدة ولم تتحرر القافية نصف هذا التحرير ولعل أبرز الأدلة على أن الحركة وليدة عصرنا هذا أن أغلبية قرائنا مازالوا يستنكرون القصائد الحرة..."، وأعتقد أن الآنسة مخطئة في حكمها الأخير أيضاً فما كل ما يستنكره الناس جديد.
لقد تطور مفهوم الشعر الحر عند الشعراء العرب وأصبح أوسع أفقاً ولم يعد يقتصر على الملاحم والقصص كما بدأ في أول نشأته في أوربا وفي مصر، وقد وجد هوىً في نفوس بعض الشعراء المجددين، والشعر العربي يزخر اليوم بالقصائد المتمردة على القافية وعلى عدد التفعيلات... فللشاعر "سليم حيدر" قصائد رائعة في ديوانه "أفاق" أستطيع أن اعتبرها من الشعر الحر، منها قصيدته التي يقول في أولها:
اتركيني ...
واحملي ما قد تبقى ... من عفافكْ
فضلات شق فيها العهر طرقا
وأقذفيها ... نكبة في وجه غيري
لمحت عيناي ما تحت خضابك
أي عار
قصيدته "غروب":
غروبْ
وأفق خضيب
فلا العندليب
نجيّ يبث هوى المستهامْ
ولا الياسمينْ
ندي الجبين
يروّي النسيم عبيراً وطيب
وللشاعر نزار قباني وأحمد سليمان الأحمد وفؤاد الخشن وغيرهم قصائد راقية حرة الوزن ... ولا أريد بهذا أن أقارن بين شعر هؤلاء وبين الشعر العراقي الحر فللأخير طابعه وجوّه ومنحاه...
ولا شك في أن الآنسة نازك الملائكة هي أول من بعث حركة الشعر الحر في العراق جدياً وأول من تبناها ... ولقد تبعها آخرون أجادوا في هذا النظم وقد تكلمت الآنسة في مقالها عن بعضهم ... كالسياب والبياتي وشاذل طاقة ونسيت آخرين منهم عدنان الراوي وكاظم جواد وغيرهم...
وفي الشعر العراقي قصائد حرة الوزن جديرة بالإعجاب منها مما لم تشر إليه الآنسة قصيدة لبلند الحيدري بعنوان "الجرح المرائي" نشرتها مجلة الأديب الغراء:
لا تمسّي كبريائي
لاتمسّي ذلك الجرح المرائي
أنا أدري أين من نفسي دائي
أنا أدري
فاتركينا ...
لا تقولي لمَ لم تأتِ إلينا ...!
لا تقولي قد تكبرت علينا ...!
أنت تدرين وأدري ...
هكذا نحن انتهينا بإباء
وأخيراً أرجو من الآنسة الفاضلة أن تعيد النظر في بعض ما جاء في مقالها وأن تتيح لنا في المستقبل قراءة بحث جديد كامل عن الشعر الحر.

الأديب، س13، ع3، بيروت، مارس 1954.





توقيع نقوس المهدي



المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.




  مشاركة رقم : 18 (الرابط)  
قديم 07-02-2009, 01:50 PM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 8,878
بمعدل : 13.59 يوميا

نقوس المهدي متصل الآن عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : مختارات
افتراضي

من يوميات نازك الملائكة




* عن المدى الثقافي
* اعدتها للنشر : احسان الملائكة




29/10/ 1949
عصراً حضر الشاعر بلند الحيدري لزيارة اخي نزار، وكان نزار مريضاً، فقابله ابي، ونقل لي عنه انه كتب عن شظايا ورماد نقداً في سبعين صفحة وسينشر في مجلة " العقيدة" في عددها القادم، على ان تليه البقية!! ما القول في هذا يانازك الملائكة؟!
لننتظر على كل حال قبل ان نعلق بأي شيء.
في الليل اشتدت الحمى بنزار، فذهبت الى غرفته وصالحته بعد خصامنا الذي استمر ما يقرب من ثلاثة أشهر، فرحب بي وقال انه كان يعلم ان قلبي رقيق بحيث لا أحتمل اطالة الخصام وينبغي ان اعرف نزار جيداً فهو فتى رقيق رغم ما يبدو من خشونته التي يجب ان نغفرها له. لقد كنت مغتاظة من خصامنا لانني بطبعي مسالمة هادئة امقت العراك أياً كان نوعه.

30/10/1949
بعد الظهر وردتنا مجلة "البيان" وفيها كلمة قصيرة عن شظايا ورماد اغضبتني الى حدٍ بعيد، الكاتب صاحب المجلة "الذكي" يقول بالحرف الواحد: (شظايا ورماد تكفل (!) مجموعة من القصائد التي تعودت عليها الشاعرة في التجديد ومعظمها من الشعر المنثور!!).
اليس من نكد الدنيا ان تكون المجلات في أيدي اميين كهذا الانسان؟
انني أثور لانني اكره اشد الكره ما يسمى بالشعر المنثور، وطالما وصفت من يكتبونه بأردأ النعوت.
وإذا صاحب احدى المجلات يظن كأجهل الجهلاء ان شعر "شظايا ورماد" منثور!
في مجلة البيان أيضاً قرأت ان "بدر السياب" يطبع ديوانه "أساطير" مع مقدمة ضافية. وقد سرني هذا الخبر.. في الاقل لكي لا أجابه ثورة النقاد وحدي!! الآن سيتلقى الزميل الموهوب بعض الهجمات مثلي. وأسفاه ايها الزميل، سيقولون لك ان شعرك منثور، وسيصدقهم الجهلاء.
ترى هل نجح شظايا ورماد؟ مازلت أسأل نفسي فلا اعرف الجواب، وامس تلقيت رسالة من الاستاذ "ميخائيل نعيمة" قال فيها نصاً: "ولاني وقعت في مقدمتك الجميلة وفي بعض قصائدك الجديدة على روح مجاهد ثائر مؤمن، بت اتوقع لك مستقبلاً يماشي رغبتك ورغبتي في الانطلاق الذي بشرت به في "الغربال" وماأزال ابشر به، وانا من غير ان اتصدى بالتحليل لمحاولاتك التجديدية، ونصيبها من النجاح، اسر بها واباركها من اعماق قلبي، فالمهم ان نحس دافعاً قوياً من قرارة النفس لا من البيئة، ولا من رغبة عابرة ان يقال عنا اننا مجددون".
حسن. ما الرأي في هذا الكلام؟ اليس فيه لون من المماطلة في الحكم؟ الاستاذ على كل حال مهذب وفي طباعه نبل أحبه، وان كنت لا اقره على اسلوبه كأديب له شخصيته! فهو باختصار يخاف ان يقول رأياً حاسماً، لئلا يثبت الزمن خطل رأيه، ومعه بعض الحق في ان يخاف، فكثير من الشباب المتحمسين ينطفئون، ولا يتركون الا آثاراً في الرمال سرعان ما تمحوها الاعاصير.
انا لست منهم يا أستاذنا المتردد! وسترى يوماً انني لا انتمي الى صنف المنطفئين!

31/ 10/ 1949
في المعهد الثقافي البريطاني قابلت الشاعرة لميعة عباس فقالت لي انها قد كتبت عن ديواني مقالاً، فلما سألتها عنه قالت انه مازال في ذهنها، لم يكتب!

1/11/ 1949
وصلتني من الصديقة "بنت الشاطئ" رسالة جميلة، مما ورد فيها: (لفرط اعجابي بكٍ وانفعالي بشعرك، وايماني بانك جاوزت بفنك العبقري حدود زمانك ومكانك، فأصبحت وانت على قيد الحياة مد لله في عمرك، شخصية عامة ندرسها كما تدرس الاعلام، ونجترئ على اقتحام ما يسمونه شؤونك الخاصة، لأنك منذ أشرقت في سماء الفن صرت موضوعاً فنياً مباحاً للدارسين).
وهذا احد الادباء يكتب في جريدة "الهاتف" البغدادية كلمة حارة يختمها قائلاً (إن حلقت نازك الملائكة اليوم بين شعراء وشاعرات العراق عالياً، فغداّ لن يبلغ شأوها الا القليل من الشعراء الذين يسكبون عصارة قلوبهم في مثل هذه الكؤوس الشفافة ليسلبوا الباب المستمعين والقراء).
ثم هذه رسالة اعجاب وقصيدة تتحدث عن شعري وهي من قارئ لبناني في "قرعون". وسمعت ان الاديب الفلاني يقول انني اعظم شاعرية عربية معاصرة.
الا يعزيك كل هذا يا نازك المصدومة النفس؟!

الاربعاء 2/ 11/ 1949
عصراً كلمني بالتلفون الاستاذ يحيى الثعالبي زميلي القديم، وقال انه يريد ان يكتب مقالاً عن شظايا ورماد، وسألني عن سبب حذف القصائد التي كتبتها خلال دراستي في دار المعلمين العالية مع انها كانت "لطيفة" وسبب ترتيب القصائد في شظايا ورماد بالنسبة للتواريخ، واسئلة أخرى أجبته عليها جميعاً.

5- / 11/ 1949
ما أروع شعر شكسبير !! إن سونيتاته تبدو لي ممتلئة بالحياة والحس. لقد كان مثلي عميق الشعور بأن الزمن يمر، واكاد لا اجد شاعراً آخر يدانيه في هذا.
انني أزجي اليك اعجابي يا ملك الشعر الانكليزي يا شكسبير، انا أريد، أريد، أريد ان اكون مثلك، أن اكتب شيئاً خالداً يحدث حدثاً في ادبنا المعاصر الميت، وسأغمس روحي في مسرحياتك ايها العبقري.
ما هذا كله؟! انني حقاً فتاة مضحكة ساذجة الى حد سخيف، لماذا اخاطب شكسبير؟؟ يكفي ان أدرس مسرحياته لكي تصقل مواهبي، إن كنت أملك مواهب في حقل الدراما.

6/ 11/ 1949
الناس يهاجمونني في كل مكان. وقد بدأ شظايا ورماد يحدث ضجة في اوساط بغداد، صباح اليوم قرأت مقالاً لانسان اسمه (م.د. اسمعيل) فيه هجوم عنيف، إذ اتهمني بانني مقلدة تقليداً اعمى لشعراء اوربا المعاصرين، وخص قصيدتي " مرّ القطار" و "خرافات" قائلاً انهما نقل عن ت.س. اليوت، وقال فوق ذلك انني مغرورة بنفسي وانني اوحي لاهل عصري بان يؤرخوا بديواني الجديد انتهاء عصر في الأدب العربي وبداية عصر جديد!!!
لقد آذاني هذا المقال لان الناس لا يعرفون شيئاً عن "اليوت" وسبيلي الوحيد الى الرد ان اشتغل بترجمة شعر "اليوت" إلى العربية وانشرها في الجريدة ذاتها.
بل انني ارى في هذا الهجوم مديحاً لشاعريتي، لابد ان الكاتب قد اعجب بشعري، ولذلك استكثر ان يصدر من شاعرة عراقية فلم يجد امامه الا ان يقتنع بانه لابد ان يكون منقولاً من مصادر اوروبية.
آه آه.. سأعلمكم يا أبناء بلادي ان تثقوا بانفسكم وان هذا الشعر شعركم ولا علاقة لاوروبا به.
عبارة واحدة تسرني في المقال المتخبط. قال الكاتب: " ذلك هو الديوان الثاني تخرجه الشاعرة الموهوبة نازك الملائكة وتقذف به في وجه الادب العربي بقسوة وحنق، موحية لأهل العصر ان يؤرخوا لما قبل نازك وما بعدها في التاريخ الأدبي".
حسن يامولانا.. شكراً على ظنك الرائع في شاعريتي!!
هل قلت أنا انني أعد نفسي تاريخاً جديداً ام هذا ما اوحاه اليك ديواني الذي تثور عليه؟!
صباحاً قالت لي احدى زميلاتي المدرسات: "اتعلمين ان ديوانك شظايا ورماد قد أحدث ثورة؟ إن الناس يتحدثون عنك الى درجة لا تصدق.." وقد نقل الي احد اصدقاء ابي مثل هذا القول ايضاً، فقال ان الادباء يتكلمون عن الديوان في كل مكان وانني الآن شخصية الموسم البارزة الخ الخ..

7/ 11/ 1949
حضر ابي ظهراً يحمل صحيفة "الهاتف" وفيها مقال بقلم "زكي حامد الجادر" عنوانه "ملكة القصائد" والمقال تعبير عن اعجاب الكاتب بقصيدة "الخيط المشدود في شجرة السرو" التي قال فيها : "انها ملكة القصائد في هذا الموسم بل لا أغالي اذا قلت انها اعظم واروع قصيدة سمعتها حتى الآن بلا استثناء، نازك الملائكة هذه الشاعرة الرصينة التي تسمو بشعرها الى أبعد الاغوار النفسية والتعبيرية، انها اميرة الشاعرات في الادب العربي بلا منازع، والبرهان على ذلك ديوانها الاول "عاشقة الليل" والثاني "شظايا ورماد" الذي بلغت فيه درجة عليا من التقدم والانتصار في ميدان الشعر الحديث".
ومما لفت نظري قول الكاتب في ختام المقال "ما اجدرنا ان نعطي المبدع حقه فنقول له: انت اجدت، وكيف يجوز ان نمر بمثل هذه الجوهرة دون انتباه ودون ان ننبس ببنت شفة وهذا اجحاف بحق المبدع الذي اعطانا اثمن ما يملك الا وهو فنه وشعوره".

12/ 11/ 1949
عصراً وصلتني كالعادة صحف ومجلات تتحدث عني. في جريدة "الوقت" رد على تهمة التقليد التي وجهها الي كاتب في "العالم العربي" يوم السبت الماضي. وفي مجلة "المكشوف" البيروتية تعليق قصير على شظايا ورماد، لمحت فيه بروداً من المجلة تجاه ديواني، وان كان كاتب المقال قد حاول ان يمدحني: "لابد لمن يستطلع الشعر في ديار العرب ان يذكر نازك الملائكة، شاعرة العراق الكبرى".
انا امقت المديح المجرد، كما أكره الشتم المجرد، لانهما ينمان عن اندفاع عاطفي لا تفكير وراءه، وما اسهل ان نمدح ونقدح ان لم نتدبر ما نقول.
الاحظ انني اقابل ما يكتب عن شظايا ورماد ببرود وهو شيء يسرني. قالوا: "ان كيتس مات غماً لأن ناقداً هاجم شعره، وهذا على الاقل رأي "بيرون و"شيلي" ولا أدري كيف كان يحس جون كيتس لو انه لقي ما ألقى انا في هذه الايام.

19/ 11/ 1949
في طريق عودتي الى البيت من المدرسة، تذكرت دون داعٍ علي محمود طه، وقلت لنفسي: إن شاعريته تحتضر، وان شعره سطحي رغم جماله وموسيقاه، وكانت في يدي جريدة مطوية فخطر لي ان اقلبها ففتحتها، وما كدت افعل حتى قفز امام بصري هذا العنوان العجيب:
"علي محمود طه في ذمة الله" يحف العنوان السواد وقرأت تحته نعياً قصيراً يقول إنه مات على إثر الشلل الذي الم به منذ أشهر!
لا استطيع ان اصور شعوري، أذكر انني طويت الجريدة حالاً دون ان أقرأ أي شيء آخر، وحاولت ان افهم معنى ما قرأت وأجرده من دوي الالفاظ في مسمعي.. فلم استطع الا بعد انصرام دقائق.. مات علي محمود طه اذن، وخفت قيثاره الى الابد، وسرعان ما سينسى الناس اسمه في هذا الشرق العربي الجاحد، سيكتب عنه واحد او اثنان ثم يلف اسمه بغبار الزمن ويسكت كل شيء.
اما أنا فأود لو فرغت الى كتابة بضعة مقالات عنه اعترافاً بأثره العميق على شعري خلال الفترة السابقة لعاشقة الليل واخشى ان اتكاسل واقنع نفسي بانني مشغولة!!
في البيت استقبلتني كآبة والدتي واحسان ووجدت أنباء موت الشاعر قد سبقتني.. والملاحظة العامة ان المشاهير في مصر يتساقطون واحداً بعد الاخر في سرعة. فقد مات منهم هذا العام الممثل نجيب الريحاني، وابراهيم عبد القادر المازني الكاتب الشهير والشاعر خليل مطران والممثل احمد سالم وهلم جراً. ومن يدري متى سنموت نحن؟ وما هذه الحياة بعد كل شيء؟
مما يصح تسجيله اليوم مقال عن شظايا ورماد في مجلة "صوت المرأة" البيروتية بقلم الكاتبة "روز غريب" التي قابلتها في ظهور الشوير هذا الصيف، وأعجبت بشخصيتها وغلبة السمة الصلبة عليها، وهو أمر نادر في نسائنا. جاء في المقال:-
“ترى امعانها في درس آداب الغربيين في اشاراتها إلى آدابهم وأساطيرهم وإستلهامها بعض شعرائهم، وفي ثورتها الجارفة على جمود الشعر العربي وقيوده، وأخذهم بأكثر أساليب الشعر الاوربي الحديث من تنويع وافتنان في الوزن والقافية، وترابط قوي بين الأجزاء، واستثمار لنظريات الرمز والغموض والعقل الباطن. وفي أسلوبها جرأة وذاتية وتحرر يدنيه من مستوى الشعر الصافي”.
هذا المقال لم يزدني إلا إعجاباً بروز غريب، إنها فتاة عظيمة، وسأكتب إليها وأعلن اعجابي وحبي لها.
لم أقرأ طويلاً في الليل خوفاً من الأرق، إلا ان زكاماً قوياً ضايقني وحال بيني وبين النوم. يالهذه الحساسية التي يقابل بها جسمي الشتاء، انني لا أطيقها، والعطاس يزعجني ويضعف صحتي..

20-11-1949
لا شيء هام، عصراً سرت مع نزار على الشاطئ ساعة.

26-11-1949
ظهراً استقبلني في جريدة الوقت مقال اعجاب بقلم "فؤاد ميخائيل" عنوانه "ساعات مع شظايا ورماد" فيه مديح كبير أعجبني بعضه، إلا انه بمجموعه، على الطريقة العراقية المعاصرة عموماً في النقد.. اما مديح عظيم او شتم لا يطاق! وقد راقتني منه هذه الملاحظة: (حياة نازك بعد عاشقة الليل هي حياة حزن وألم وعذاب وتمتزج معها ألوان أخرى جديدة هي الغضب والثورة والسخرية والانفجار) إلا انني أمقت أن أوصف بأنني "حزينة.. معذبة" هذه النعوت الرومانسية لم تعد تروقني، ولا يتنمي شظايا ورماد إليها أصلاً.

27-11-1949
قرأت النصف الأول من "مذكرات الأرقش" وهو كتاب جديد لميخائيل نعيمة، وراقتني الصفحات الأولى لأن شخصية الأرقش لاحت لي مبتكرة، ثم اكتشفت أن المؤلف حشا الأرقش بأفكاره التي ألفناها في كتبه كلها، الوجود عرض زائل، والأهواء البشرية رخيصة فانية وهكذا. ما أبعد العالم الذي يحيا فيه ميخائيل نعيمة عن الحياة، ومع ذلك يظن أنه أحد الكتاب الواقعيين الذين لا يعيشون في الابراج العاجية. هذا الكاتب يحتقر العواطف والمشاعر البشرية كلها ويدعو إلى لون من الحياة الصوفية الباردة التي لا تهمها الأحاسيس الجميلة الشفافة.. وأنا أحس كلما قرأت كتبه أنني أختنق.

29-11-1949
بعد الظهر حملت مجموعة قصائد لشكسبير وذهبت إلى شاطئ دجلة. هبطت إلى جرف النهر وجلست على الرمل في الشمس والماء الضحل يتحدر تحت قدمي في النهر. ما أجمل الشتاء! وما أروع هدوءه! لاح لي كل شيء نظيفاً، مسالماً: النهر، ورمال الجزيرة، والشمس المتألقة على كل شيء، وهي تسكب عليّ دفئها. وذكرني الجمال بأننا سنموت يوماً، ونفقد كل شيء، لكني وجدت نفسي أهزأ به، فهذه اللحظة ملكي أنا، لا قدرة للموت على انتزاعها. إن المستقبل لا يهمني، ما دمت أملك لحظتي الجميلة!

30-11-1949
في الشارع عند عودتي إلى البيت لقيت النحات خالد الرحال، فسار معي حتى محطة الباص، ووقف حتى أقبلت الحافلة، يكلمني عن شظايا ورماد. قال إن قصيدة "مَرَّ القطار" تمثل له الدورة الدموية للحياة البشرية تمثيلاً دقيقاً، وانه أحب قصيدة "كبرياء". ثم قال انه منغمس في صنع تماثيل جديدة.
أشعر إنني أريد أن أؤلف كتاباً فكرياً خالصاً أعالج فيه قضية المرأة في العصر الحديث، وتاريخها في العصور الماضية، وما أرجوه لها في المستقبل، وسبب رغبتي انني ألاحظ أن نظرية هامة قد تكونت في ذهني، وترسبت تفاصيلها ببطء طيلة السنوات الماضية، وانني خير من يستطيع الكلام حول الموضوع، لأنني احدى القليلات اللواتي يملكن من قوة الرغبة في حياة الفكر ما يجعلهن يحتملن التضحية بسعادة الحياة كلها من أجل الأدب، ولذلك استطعت ان أتفرغ للدراسة هذا التفرغ، وبذلك تهيأ لي سبيل الردّ على مهاجمات أعداء المرأة مثل توفيق الحكيم، وشوبنهاور، وزكي مبارك، وغيرهم.

7-12-1949
اشتريت مجلة الأديب البيروتية ووجدت فيها باباً عنوانه "مكتبه الأديب" استعرض فيه كاتبه بعض "عظماء النقاد" ما يقرب من ثلاثين كتاباً بينها كتاب يدعى "شظايا ورماد" وكان نقده لهذا الكتاب مقتصراً على احتزاز أسطر من مقدمتي للكتاب، لا غير. وهذا ما صنع بالكتب الأخرى جميعاً. أي ينقل أسطراً من مقدماتها!! أليست هذه طريقة مبتكرة في التعريف بالكتب؟!!! إلا ان تفاهات الكاتب المذكور لم تزعجني إلا قليلاً، فقد عثرت في المجلة على مقال عميق للكاتب يوسف الشاروني"، الذي يشبهني في أحاسيسه وأفكاره شبهاً كبيراً، لذلك أحب كتاباته حباً كبيراً اكاد لا أمنحه لأديب معاصر آخر.
ظهراً ذهبت إلى المعهد الثقافي البريطاني. اثناء الدرس قال الأستاذ "ديزموند ستيوارت": (سنسأل نازك أن تقرأ علينا مقالها حول قصيدتي شكسبير وشيللي، وأخصها هي بالطلب لأنها شاعرة ومعرفتها بالأدب الانجليزي جيدة جداً بحيث يستفيد الصفّ من الاستماع إلى مقالها استفادة كبيرة.)
بدأت أقرأ.. كان مقالي في ست صفحات محشوة حشواً بآرائي الخاصة وأقتباسات من بعض كبار النقاد الانجليز المحدثين، وقد قارنت فيه بين قصيدتين موضوعيتين لشكسبير وشيللي، شارحة "سبب عمق الموضوعية عند شيللي، وهو طبيعة العصر وضحالتها عند شكسبير الذي كان يلذه تصوير ما حوله مما يشغله عن نفسه، ولذلك يعد شكسبير شاعراً شيئياً عظيماً.
وفيما أنا استعرض "الشيئية" في قصيدة شكسبير قاطعني الاستاذ قائلاً بالانجليزية "انه مقال ممتاز، جيد جداً في الواقع وسوف تحصلين على درجة ممتازة عليه، انه متوازن بشكل عظيم" وعندما انتهيت عاد يثني عليَّ ويقول انه خير تحليل ممكن للقصيدتين. وراح يشرح للطلاب بعض الآراء التي عرضتها، مثل كون الشعر الغنائي موضوعياً على العموم وكون الشاعر شيللي وزملائه من الرومانسيين يدخلون آراءهم الاجتماعية في قصائدهم، ونحو ذلك.
لقد أراحني مديح الاستاذ "وهو شاعر معروف" أراحني من الوجهة الادبية إراحة كبيرة، لاسيما وان مقالي مكتوب بالانجليزية.
بعد ذلك قرأ علينا الاستاذ ستيوارت قصيدة لبيكون، والتفت إلى الطلاب وقال: "هذه الآراء الواردة في القصيدة تشبه آراء فيلسوف اوربي معروف. هل فيكم من يعرفه؟" لم يجب على السؤال غيري، وكان جوابي: "انه شوبنهاور".
في الليل قرأت دراسة انجليزية عن سونيتات شكسبير، ثم تحدثت طويلاً مع نزار.

8-12-1949
في المدرسة حاولت تصحيح دفاتر الطالبات فأبت زميلتي م. ك ان افعل ذلك، لأنها ترغب في أن تتكلم باللغة الفرنسية، وهكذا كان، خاصةً لأنني اكره التصحيح وأحب الفرنسية.
ظهراً حملت كتاب اللاتينية، وراجعت دروسي في الشمس الجميلة ثم حضر مصلح الجرامفون وأصلحة. فوراً استمعنا إلى السمفونية الاولى لسيبليوس التي تأثرت بها تأثراً هائلاً وامتلأت حماساً وانفعالاً.
في المساء اتصل بي تلفونياً السيد حسين الرحال مدير الاذاعة في بغداد. وعرض عليَّ القاء قصائد في برنامج الشهر القادم، فوعدت بأن افعل. ثم عاد ثانيةً بعد دقائق وأنبأني أن الموعد المحدد سيكون 18 من الشهر القادم.

9-12-1949
ظهراً استمعت إلى السمفونية الأولى لسيبليوس ثم إلى "فنلانديا". ما أعظم الموسيقى!! إنها تحيرني دائماً.. أقرر الاستماع إلى السمفونية الأولى، فأحضر الاسطوانات وأدير الجرامفون وأجلس صامتة، وأنتظر، مدركةً أن شيئاً غريباً سيحدث لي رغماً عني..
وحين تبدأ الموسيقى تشقّ طريقها إلى نفسي، أحس بهدوء مطلق، ثم تنشط قواي النفسية نشاطاً مثيراً، فأنفعل بحدة وحرارة، وأود لو عانقت الكون.. لو صنعت شيئاً غريباً.. هائلاً.. عظيماً.
هذه السمفونية الأولى لسيبليوس تؤثر في نفسي تأثيراً لا سبيل إلى سبر غوره، أجد نفسي دامعة العينين كلما أصغيت إليها، وأنغامها تحفر روحي حفراً، ولا تبقي في قلبي موضعاً غير مجروح. لا بدّ أن سيبليوس كتبها على أثر حبٍ فاشل، وإن كانت انغامها تسمو بالروح فوق الحبّ، وفوق مجرى الحياة اليومية، وهي تذكر السامع بعالم غامض غير محدود في مكان ما من الكون.
في الليل قرأت سيرة الفيلسوف "فرانز بيكون" في ثلاثة مراجع انجليزية استعداداً لكتابة مقال عن آرائه في الحياة، كلّفنا بكتابته الاستاذ ستيوارت.


توقيع نقوس المهدي



المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.




  مشاركة رقم : 19 (الرابط)  
قديم 07-02-2009, 02:03 PM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 8,878
بمعدل : 13.59 يوميا

نقوس المهدي متصل الآن عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : مختارات
افتراضي

يوميات نازك الملائكة - تابع


10-12-1949
عصراً ذهبت إلى السينما مع احدى صديقاتي، وأعدت مشاهدة شريط "الرقصة الناقصة" الذي شاهدته منذ أيام، وأحببته حباً كبيراً من اجل رقصة الباليه الشاعرية "بحيرة البجع" الذي أخرجت فيه اخراجاً هائل الروعة، لا يضاهيه أي شيء شاهدته في السينما طيلة حياتي. في الباب الشرقي قابلت "ص. ك" صديق والدي، فقدم إليّ جريدة مصرية "النداء" التي كتبت عني مقالاً عنوانه "شظايا ورماد".

11-12-1949
عصراً استمعنا إلى الكونشرتو "البيانو" لخاجاتوريان، وفنلانديا، والفالز الحزين لسيبيليوس باستمتاع كبير. اية نشوة تثيرها الموسيقى الكلاسيكية فيَّ!! ليلاً استمعت إلى اغنية عبد الغني السيد "البيض الأمارة" التي غناها بصوته الشجيّ العميق الذي أعده أغنى صوت بالانفعالات الجياشة البعيدة عن مبالغات العواطف الغرامية المبتذلة. صوت عبد الغني السيد يعبر عن عوالم بعيدة ملؤها الافكار الفلسفية والكآبية والجمال ولهذا أحبه.

12-12-1949
تلقيت رسالة عذبة من السيدة بنت الشاطئ تسألني فيها سؤالاً محرجاً أشد الاحراج حول حبّ "عاشقة الليل" ولا أدري كيف أجيبها.. في الليل اشتغلت بدراسة القسم الأول من قصيدة: "لاميا" لجون كيتس.

13-12-1949
في الليل قرأت فصلاً في كتاب "جون مدلتون ميري" Murry عن جون كيتس، وفكرت طويلاً في شاعريتي ومستقبلها ثم رحت اقرأ كتاب "رجعة فرعون" لبنت الشاطئ، ونمت بعدها خائفة، فموضوع الموتى يثير رعبي دائماً. ما أشد شوقي إلى عمتنا الكبيرة فاطمة التي توفيت منذ سنتين. انني أتأوه بحرقة كلما نظرت في موضع سريرها في غرفتنا، وسدى احاول نسيان حبها الشديد لي وعطفها علي.

16-12-1949
يوم ممطر مظلم. ذهبت إلى المعهد البريطاني متأخرة دقائق فعلمتُ من احسان ان الاستاذ سأل عني: هل ستحضر؟ كان موضوع الدرس الاول: آلهة الاغريق. وهو موضوع أعدهُ من اختصاصي، فقد درستهُ دراسة مركزة عميقة طيلة السنوات السبع الماضية. ولذلك لم اكتب حرفاً من كلام الاستاذ، وجلست اصغي دون ان اكتب.

17/12/1949
صباحاً.. قرأت مقالاًُ عن شظايا ورماد بقلم شخص اسمه م.ح. النجار بدأه قائلاً (الانسة نازك الملائكة في ديوانها شظايا ورماد معلمة وليست شاعرة)، وكان المقال كله شتائم متحاملة، ماذا افعل لهم؟. هذا الهجوم من نوع (ارجع الى الصيدلية يا مستر جون كيتس، فمن الخير للمرء ان يكون طبيباً فقيراً من ان يكون شاعراً فقيراً) ومن حسن الحظ انني اقرأ هذه الايام سيرة كيتس فانا اكاد اكون مثله في سوء حظي مع ادباء هذه الايام. في البيت فاجأني نبأ محزن زادني شعوراً بتفاهة الحياة فقد توفيت السيدة ن.ج بالسكتة القلبية مع انها ما زالت في ريعان الشباب، وهي من اقارب العائلة البعيدين.. هربت من الاسى الى شاطئ دجلة حيث جلست ساعة على الرمال اراقب قطيع الغنم، وأمدّ بصري الى النهر الهادئ المسالم وقلت لنفسي.. كلنا سنموت، والفسحة التي بقيت لنا ضئيلة، ولابد لنا ان نترك آثار أقدامنا في رمال الحياة، ومن ثم فلا بد من العمل. في الليل زار ابي صديقه ص.ك، وقال لي ان هناك ست مقالات مهاجمة جديدة ستظهر في الاسابيع القادمة في صحف بغداد وراح يشجعني على الصمود في وجه ادباء العراق!! ليلاً.. كتبتُ رسالة في اربع صفحات الى صديقتي بنت الشاطئ.

18/12/1949
عصراً غادرنا البيت نحو كلية الاداب والعلوم، حيث اجتمعت "ندوة الشعر" برئاسة مستر ستيوارت ومستر باربانك والشاعر الفلسطيني ابراهيم الحوت. وقد القى المستر ستيوارت على المستمعين محاضرة موضوعها "وظيفة الشعر في الحضارة الحديثة الآلية" كان ملخص رأيه ان الشعر الدرامي والتعليمي قد فقد منزلته في عصرنا، وان الثوب الوحيد الذي يلبسه الشعر المحبوب اليوم، هو الشعر العاطفي Lyrical. وهو ينصح الشاعر الحديث ان يعبر عن روح العصر ويستعمل صوراً من الواقع وإلا غرب نجم الشعر نهائياً. وختم المحاضرة مستشهداً بقصيدتين للشاعرين الاميركيين ازرا باوند، وت. س. اليوت، قائلاً ان شعرهما ناجح، لانه يمثل روحية العصر الحديث وان اليوت هو أول من ادخل الالفاظ اليومية الى الشعر.

19/12/1949
يوم ممطر لم تشرق فيه الشمس. عند الظهر راحت السماء تمطر بغزارة واستمرار حتى الساعة الخامسة عصراً حيث اشرقت الشمس فلونت الغيوم باحمرار عميق فاتن. ليلاً اشتغلت مع جون كيتس. لحظت ان له ولعاً غريباً بالالفاظ المبتكرة، واحسبه مثلي قد كان في اول حياته الشعرية لفظياً جداً، قرأت بعد ذلك سيرته بقلم "لورد هاوتون" وهي سيرة ملذة، وتهمني فيها رسائل كيتس التي اجد فيها كثيراً من افكاري، كما اجد في حياته صورة ثانية من حياتي! لكني لا اريد ان اموت مثله. بعد ذلك كتبت رسالة الى الصديقة ديزي الامير.

21/12/1949
حاولت، ليلاً، الكتابة في "مأساة الحياة" فأضفت اليها ابياتاً قالت احسان عنها: انها جميلة. من المعهد استعرت كتاباً ملخصاً عن "الف ليلة وليلة"، رغبة مني في العثور على اقصوصة شعرية الموضوع، اكتب حولها مسرحية إن امكن، فراعني ان الكتاب لا يقل قذارة عن النسخة العربية! ان هؤلاء القدماء كانوا لا يفهمون من الحب الا العلاقة الجنسية الغليظة.

22/12/1949
هجوم جديد في احدى الصحف على ديوان شظايا ورماد، وانا رغم ثقتي بنفسي ومعرفتي بقيمة شاعريتي انزعج لهذه المهاجمات وقد عزمت منذ اليوم على ألا أقرأ ما يكتب عني في بغداد، فها انا منذ شهرين اتلقى سيلاً من الشتائم في الصحف العراقية، حتى لم اعد احتمل. أأنا حجر؟! انا شاعرة بمواهبي الشعرية رغم كل شيء... لا لا!! سوف أتم رسالتي فانا ما زلت في اول الطريق، لقد دفعت حياتي ثمناً للشعر، فلأكمل اغنيتي قبل ان اغادر الوجود. الم اهجر لهو الحياة ومتع الشباب كلها قانعة بزاوية من زوايا الفكر تكفي لأن ارسل منها نشيدي، لا!! ها انا ذي مملوءة شعراً. ويا صديقتي نازك! دعيني اهمس في سمعك.. الا تعلمين ان طريق المجد محفوف بالاشواك؟ أيمكن ان يمر شظايا ورماد دون ان يحدث دوياً؟! هيا خففي من توترك وانظري الى المستقبل، واحذري الاصغاء الى هذر "الفضلاء" فهم يلعنون كل فضيلة كما يقول نيتشه.

23/12/1949
أمس شاهدت في السينما شريط (قاعة كارنيغي) وسمعنا خلال الفيلم مقاطع من السمفونية الخامسة لبيتهوفن والسمفونية الخامسة لتشايكوفسكي، وكثيراً من الحان شوبان وشومان، وسان سانس، وشوبرت ورحمانينوف وسواهم، وقد بكيت وانا اصغي الى موسيقى سان سانس. ما اروع الموسيقى! لقد بعثت هذه الالحان في دمي الحياة. عصراً أمطرت السماء الا انني ذهبت الى المعهد الثقافي، ودخلت المكتبة مبللةً، وبعد استراحة قصيرة سرت الى البيانو ورحت انقر بأصابعي افتتاحية السمفونية السادسة الحزينة لتشايكوفسكي، وقد احسست لها وقعاً غريباً وقطرات المطر تضرب الزجاج خارج البناية، فجأة دخل مدرسنا الاستاذ ستيورات واقترب منا، وسلّم علينا. بعد الدرس الاول نزلنا الى المكتبة، انا واحسان ورأينا الاستاذ ستيوارت واقفاً يشرب الشاي، فذهبت احسان اليه، تسأله عن كلمة اغريقية، فسألها اين عثرت على هذه الكلمة؟ وكنتُ واقفة على مبعدة، فتقدمت اليهما وقلت (في التوراة) فاعتذر وقال انه لا يعرف الاغريقية جيداً. بعد ذلك سألني: اتكتبين النثر ايضاً؟ فقلتُ له: انني استعد لمستقبل في النثر، واعتقد انه يحتاج الى ثقافة عميقة اكثر من الشعر، ومضيتُ انقل اليه مهاجمات النقاد في بغداد لديواني شظايا ورماد فابتسم وقال: لكن هذه المهاجمات العلنية تعني الشهرة لكٍ. ثم اردف "وبماذا يتهمونك؟" طبعاً كنا هو وانا نتحدث بالانجليزية وانا اترجم الحوار هنا الى العربية. اجبت: مثلاً يزعمون انني اقلد ت.س. اليوت مع انني لم اقرأ اليوت الا بعد طبع شظايا ورماد، وبعد اتهامهم لي بتقليده!! قال: يجب الا تشعري بالمرارة من النقد الجارح، جون كيتس لم ينل الشهرة الا بعد هجمات النقاد على شعره في المجلات الانجليزية. ان القدح افضل للمبدع من المدح بالتأكيد. الم يُتهم شيللي وكيتس وبايرون بالتقليد، وبأن كلاً منهم يقلد الآخر وما الى ذلك؟ مع اننا الان نميز تماماً بين شخصياتهم واساليبهم ولا نشعر بوجود تشابه او تطابق بين اشعارهم، فلكل من اولئك المبدعين اسلوبه الخاص المتميز. ولما اخبرته ان اكثر كتاب تلك المقالات عني، ليسوا من النقاد الذين يُعتد بآرائهم، قال: "قد يكونون مغرضين او حاسدين او انهم لا يصدقون ان تكون بينهم شاعرة مبدعة مثلك، تذكري هذا دائماً. الواقع ان كلام الاستاذ ستيوارت بثّ الشجاعة في نفسي، خصوصاً قوله "ان المهاجمات تعني أن شعري يُقرأ باهتمام، ويثير في نفس القراء صدىً عميقاً. بعد ذلك تشعب الحديث، ومضى الاستاذ يبدي اراءه بالشعراء. قال ان لغة "روبرت بروك" ضعيفة وفي شعره عيوب، ولما سألته عن ادجار الن بو، قال ان شعره ضحل على الرغم من جمال اسلوبه. ومن الذين يُعجب بشعرهم: الشاعر الاميركي "والت ويتمان"، وان كان احياناً يبالغ في عرض عواطفه، ومن الشعراء المعاصرين الذين يعجب بهم: الشاعر الانجليزي "ييتس" yeats اما ت. س. اليوت فيراه بارداً جامد العاطفة وعقلياً، ويكره نقولات ايليوت الذكية من النصوص الاغريقية والالمانية وغيرها لا سيما في مطولته: "الارض الخراب" واتفق معي على الاعجاب بالفيلسوف نيتشه، لا سيما بكتابه "هكذا تكلم زرادشت". تحدث الاستاذ ستيورات ايضاً عن نفسه. قال انه نشر ديوان شعر في العشرين من عمره، لكنه ندم فيما بعد على ذلك، وانه يكتب الان رواية سيطبعها في اميركا لاحقاً.

27/12/1949
في مجلة الرسالة قرأت قصيدة عنوانها "قلب يتعذب" لفدوى طوقان، وقد كتبت عليها "هدية الى صديقتي الشاعرة الرقيقة نازك الملائكة". لفدوى طوقان قصائد جميلة في كثير من الاحيان وفي حياتها وحدة وانسجام ظاهران ومن اجلها احيي شاعريتها وأحبها.

السبت 31/12/1949
آخر ايام عام 1949 وها هو ينطوي ويودعنا الا يستاهل مني قصيدة؟ يا لي من جاحدة. عصراً حضرت لرؤيتي عائلة فلسطينية لا أعرف اسماء افرادها ومعها فتاة اسمها "سميرة عزام" قالوا عنها انها اديبة، وما كاد رب العائلة يجلس بعد مصافحتي حتى قال لي "ينبغي للانسان ان لا يحد تفكيره بناحية واحدة، فهذا يضرّهُ كشاعر" سألته مندهشة "تعنيني؟ اية ناحية تقصد؟" وجاء جوابه: "التشاؤم" قلت له: "انا لست متشائمة" ما اضخم هذه الاسطورة التي "يعرفها" عني كل انسان في العراق وخارجه! انا مشهورة الان ولا يقوى انسان على تغيير فكرة الجمهور عني. يا لهم من مضحكين! لو علموا اية فتاة متمردة تختفي وراء تشاؤمي المزعوم.

الاحد 1/1/1950
اول ايام السنة الجديدة. ولا اشعر برغبة في تسجيل حياتي هنا مع انني متفائلة وأُحسُ أن السنة تحمل لي سعادة من نوع ما.. كل ما صنعته اليوم انني اشتريت كتباً من المكتبة العصرية سجلتُ أسماءها في المفكرة، ولا اظنني سأجد وقتاً حتى لألقاء نظرة عليها حالياً. المهم عندي هو شراء الكتب.. أليست هذه رغبة عمياء؟! ليلاً.. كتبتُ قصيدة وجهتها الى عام 1950 منها: يا عام لا تقرب مساكننا فنحن هنا طيوفْ
من عالم الاشباح ينكرنا البشرْ
ويفر منا الليل والماضي ويجهلنا القدرْ
ونعيشُ أشباحاً تطوفْ
نحن الذين نسيرُ لا ذكرى لنا
لا حلم لا أشواق تصرخ لا منى
نحن العراةُ من الشعور ذوو الشفاه الباهته
الهاربون من الزمان الى العدم
الجاهلون أسى الندم

2/1/1950
استيقظت في العاشرة صباحاً، وفي رأسي صداع، وتذكرت بمرارة انني كتبت امس قصيدة جديدة، فقرأتها وشعرت انها جميلة الى حد ما، فيما بعد انقبض صدري وعاودتني الافكار القلقة حول شاعريتي من يعلم أي صراع يدور في نفسي؟ وهؤلاء الذين يكتبون عني عشرات المقالات، ماذا يقولون لو عرفوا؟ من يدريهم بالسبب الذي جعل "شظايا" يصبح "رماداً" كيف يعلمون الآلام التي عانيتها خلال كتابة هذا الديوان؟

3/1/1950
ابرز حوادث اليوم محاضرة القيتها في الصف الرابع "أ" عن سبب كآبة الشعراء العراقيين المعاصرين، وقد رددتُها الى الخيبة في نتائج الحرب العالمية الثانية، واختلال النظم السياسية في العراق، وشبهتها بحالة الشباب الاوروبي في اوائل القرن التاسع عشر.
كانت التلميذات في حالة استمتاع كبير، واقتناع بما اقول.. في الليل اتصلت تلفونياً بأميرة نور الدين، بعد ان كلمتني هي عصراً طالبةً قصائد لي او لوالدتي مما نشر في هذا الشهر. وأنبأتني انها كتبت عن "شظايا ورماد" مقالاً ألقته في محطة "اذاعة الشرق الادنى" في الشهر الماضي، وقالت فيه ما معناه ان الديوان قوبل مقابلتين في بغداد، واتفق الكل على انني فيه شاعرة مجددة، الا ان البعض رأى في هذا التجديد جمالاً مطلقاً، ورفعني الى مرتبة عالية من الشاعرية، والبعض الاخر رأى انني قد خرجت عن المقاييس كلياً، حتى لم يعد يربطني بالشعر العربي رابط! ولما سألتها عن رأيها هي في "شظايا ورماد" قالت: (اعجبتني قصائد معينة هي التي لم تخرجي فيها على حدود اوزاننا، الا انني لم استسغ الاخرى، فانا ولا أكتمك كلاسيكية في كل شيء واحرص على القديم) ويظهر من كلامها انها لا ترى في "شظايا ورماد" تجديداً غير تجديد الاوزان والقوافي!! مع ان هذا التجديد الاخير كان اهون ما أحدثت في الديوان في رأيي وان كانت هذه النقطة قد ضاعت في غمار مهاجمة تجديد الاوزان، فلم يهاجمني من اجلها احد!!

5/1/1950
ما اسعدني اليوم!! أكاد أطير.. واود لو كانت ايامي كلها لا اقل سعادة من هذا. غادرت المدرسة مبكرة وهذا من صفات يوم الخميس الذي احبه. وفي البيت اندغمت ساعتين في قراءة كتاب (هولدرلن) لستيفان زفايك ما اروع هذا الكتاب وما اروع مؤلفه! كلاهما يفتنني ويلهمني، ويسرني أنني احيا معهما الان. كان "هولدرلن" يؤمن بالحماسة، ويراها اروع الحالات النفسية التي يمر بها البشر، حتى انه يقول "تموت الالهة حين يموت الالهام" والالهام عنده حالة عليا من حالات الحماسة اما الشقاء فهو فقدان الحماسة اذ ذاك يعود الحالم المحلق الى رتابة الواقع البشري، ويصبح عرضة للالم والشيخوخة والمرض. ويتحدث زفايك عن خيبة "هولدرلن" في "كوته" و"شيلر" اللذين كانا اذ ذاك في شيخوختهما، وقد فقدا المقدرة على الحماسة. في هذا الباب لمست تجاربي الخاصة.. احياناً يبدو لي التشابه بيني وبين الشعراء والادباء، الذين عاشوا منذ عشرات السنين، في بلاد بعيدة تختلف عن بلادي كثيراً الى درجة لا تصدق فنحن كلنا نشعر شعوراً واحداً، ونمر بالظروف نفسها، ونعاني تجارب الشباب والسذاجة ذاتها، ثم نتعلم ببطء ما تعلمه السابقون ونموت. في الساعة الثالثة شعرت بالشعر يتدافع في روحي فأحضرت قصيدتي المطولة "مأساة الحياة" ورحت اكملها وقد استقر عزمي اخيراً على انني يجب ان امضي في كتابة نسخة جديدة منها لا علاقة لها بالقديمة الا بالخطوط العريضة اما الشعر والصور والافكار فكلها جديدة. وفي سكون الغرفة ودفئها وانعزالها عادت اليَّ شاعريتي الهاربة وملأتني يقيناً بانني ما زلت نازك الملائكة التي كتبت "عاشقة الليل" و"شظايا ورماد" واحدثت بهما ذلك الدوي، فكتبت ما يزيد على ثلاثين بيتاً بعثت الجمر في رمادي. أيقنت ان شاعريتي قد اتسعت وتعمقت خلال الفترة الماضية، ووثقت من ان سبب ركودي فراغ حياتي من العواطف التي اعتدت ان استمد منها موضوعات قصائدي القصيرة، وهذا هو الدليل الاكيد.. ها انا انطلق حال وجود موضوع اتحدث فيه. القصيدة تتحدث الان عن الحرب وشرورها، وانسخ الان بضعة مقاطع مما كتبت اليوم: والشفاه العذراء اطبقها الموت على لحن حبها المبتور
والجباه لتي ذوت قبل ان يلمسها اصبع الهوى المسحور
***
والخدود التي تعير مغيب الشمس الوانها وتسقي الشروقا
غار فيها جرحُ التراب عميقاً
وذوت قبل ان تذوق رحيقا
انا اعجبُ للشاعرية ما هي؟ وكيف استطيع ان ابتدع الجمال حين اكتب شعراً، بينما يعز علي ربعه وانا أنثر؟ لماذا؟ لماذا؟ لكن لماذا أسأل؟ هذا "ستيفان زفايك" ينصح الا يقرأ الشاعر كتب الفلسفة قراءة عميقة، فما يلوح للشاعر شعراً صافياً قد يتحول تحت ضغط اصابع الفلسفة الباردة الى واقع ملموس له اسبابه ونتائجه وهذا اخطر اعداء الشاعرية المتفجرة. في الليل كنت في حالة نشوة، وقد عاودني الشعور بانني شاعرة مبدعة، خاصة بعد ان قالت احسان "تعيش بيننا في هذا البيت مخلوقة عبقرية ونحن لا نشعر.." هذه مبالغة طبعاً، الا ان شيئاً في نفسي يجعلني اصدق جزءاً منها بعد تجريده من التورم! بعد ذلك قرأت الفصول المتعلقة بهولدرلن وزفايك في كتاب "العبقرية والموت" لعبد الرحمن بدوي.

6/1/1950
صباحاً ذهبت مع احسان الى السينما وشاهدنا شريط "منزل الغرباء" تمثيل "سوزان هيوارد"، و"ادوارد.ج روبنسون" ثم ذهبنا الى السوق واشتريت بنطلوناً جاهزاً ازرق اللون، وشعرت بسعادة اعرفها كلما حققت نزوة من نزواتي، وانا اعلم انها نزوة تافهة احياناً الا انني اراها هي الشعر في حياتي، ولذلك احترمها.

7/1/1950
بعد الظهر واصلت الكتابة في مأساة الحياة، ولا اظنني ساسميها بهذا الاسم، فهذا اسم ملحمة كتبتها سنة 1945 ولا معنى لتكراره.. والارجح ان خطة القصيدة نفسها ستحيد عن الاصل. وخلال الكتابة لاحظت الحالة الانفعالية التي تعتريني في مثل هذه الحالات الشعرية، وقلما انتبهت اليها من قبل.. القلب اذ ذاك يضطرب ويضرب بقوة غريبة، وكأنه يؤدي طاقة مضاعفة، واليد ترتعش بعصبية، والشفتان تتحركان في رجفة لا ارادية، والعينان تغيمان فلا تريان ما امامهما، وانما تبصران شيئاً وراءهما، ان استمرار هذه الحالة يقتل صاحبها ولذلك اتهرب دائماً منها واجد المهرب غالباً في التخيلات المريحة.
انني اتطور واحس اندفاع ديوان جديد في حياتي بعد الفترة التي كتبت خلالها "شظايا ورماد" والاحظ حساً لفظياً جديداً يدخل الى حياتي ويلهمني تعابير سحرية غريبة من امثال "صوت السكون" و"لغز الجمال" و"تراث الذهول" و"السنين الصفر" الخ الا ان الاهم من التعابير ذلك الامتزاج الغريب بين الحواس في ذهني حتى اكاد ابلغ مرحلة الرمزية العميقة وهذا نموذج: من اغان مرت باعمدة الابهاء غرقى بالدفء والاحلام.
ناعمات تغوص في رجعها الاهات سكرى الخطوط والانغام.
ان احساسي بان الاغاني دافئة حالمة ناعمة ذات خطوط ملساء صافية غريب على شعري، وانا ارقب موكبه مبهورة مفتونة. كيف يحدث هذا داخل النفس؟ ما الشاعر؟ ما الشاعرية؟ ما القوة التي تبدع هذا التغير؟ انني امجد هذا الجزء الشاعر في نفسي، لانه من عالم اسمى مني واطهر، واشعر بسعادة مجنونة لا تعادلها سعادة، سعادة اليقظة بعد نوم سنة كاملة لم اكتب خلالها قصيدة واحدة مندفعة. الان قد بدات حياتي الشعرية، الان احني رأسي لمقولة "نيتشه" العظيم "ايها الانسان.. تفوق على ذاتك".
***
تلقيت اليوم رسالة رقيقة من روز غريب تقول فيها انها معجبة بشخصيتي الى جانب اعجابها بشاعريتي، وان مقالها عن "شظايا ورماد" كان قاصراً، لانها كانت تعلم انه سينشر في مجلة سطحية كصوت المرأة، وان ديواني يستحق دراسة اعمق. ثم قالت ان انتاجها الادبي لا يرضيها لانها لا تستطيع ان تتفرغ للادب كلياً.

9/1/1950
صباحاً كتبت مقالاً بالانجليزية عنوانه "قصائد كيتس القصيرة والطويلة" وبينت رأيي فيها واشتغلت به ساعتين كاملتين، وبذلك اضعت فرصة اتمام "مأساة الحياة". عصراً ذهبت الى المعهد الثقافي. كيتس قد خمدت شاعريته في اواخر عام 1819 وهذا يعزيني ويشجعني على فهم خمودي خلال السنة الفائتة التي احمد السماء على انها انتهت.


توقيع نقوس المهدي



المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.




  مشاركة رقم : 20 (الرابط)  
قديم 07-02-2009, 02:11 PM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 8,878
بمعدل : 13.59 يوميا

نقوس المهدي متصل الآن عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : مختارات
افتراضي

يوميات نازك الملائكة - تابع



12/1/1950
بعد الظهر ذهبنا الى السينما لمشاهدة شريط "ذهب مع الريح" وخرجت منه مبهورة، الفلم على طوله بديع وفيه فصول انسانية رائعة كمناظر الاف الجرحى، وجثث القتلى والحرائق المخيفة، والجوع، والتشرد..

18/1/1950
في دار الاذاعة اللاسلكية القيت مختارات من القسم الاول من ملحمة "مأساة الحياة" وهو يقع في مائة بيت (هذه هي الصورة الجديدة من الملحمة وقد كتبتها سنة 1948) وقد نال القائي للقصيدة اعجاب اهلي الشديد وعلقت احسان قائلة "لقد كنت تلقين القصيدة بصوت راكز عميق يوحي الى السامع بثقتك المطلقة بنفسك وبشعرك". وعند دخولي البيت تلقاني اهلي بتصفيق حاد!

25/1/1950
اكاد انتهي من اعداد اسئلة امتحان نصف السنة لتلميذاتي في دار المعلمات الابتدائية. "هند محمد علي" تلميذتي الذكية قد نسخت لي كل مقال كُتب عن "عاشقة الليل" و"شظايا ورماد" طيلة حياتي الادبية، نسخاً منظماً حسب التواريخ، يا لها من فتاة كريمة. في مكتبة المعهد الثقافي البريطاني جلست مع الشاعرة "فطينة النائب" والرسامة البريطانية "مس بياتريس بلين" وعدد من الفتيات ورحنا نستمع الى تسجيل لقصائد "شكيسبير" و"جون كيتس" بصوت ممثلة انجليزية عجوز، وكان القاؤها متكلفاً ثم استعضنا عنها بصوت "مس بلين" الجميل، والقائها العذب، وتلاها المستر ديزموند ستيوارت، فالقى قصيدة لشيكسبير، والتفتت "مس بلين" فقالت للمستر ستيوارت: (تجلس الى يميني الان شاعرتان.. افليس مؤسفاً الا نسمع شعرهما؟) وقد قرأت ستة مقاطع من مرثية "توماس كري" ثم قرأتُ قصيدتي "ثورة على الشمس".

26/1/1950
اكتب هذا تحت اشعة الشمس البديعة التي ارتفع حبي لها الى نشوة سحرية هذا العام. ان اشعتها تدغدغ روحي واحس كان وسادة ناعمة تلفني، والدفء يتغلغل في احلامي ويغلف عروقي وكم انا سعيدة اليوم بالشمس وبالشعر. ان روحي ممتلئة بالشعر والجمال والانغام. احد اسباب سعادتي اليوم انني اكتشفت شاعراً استطيع ان اشرب قصائده!! لقد وجدت "محمد الهمشري" اول مرة وأعجب كيف كنتُ عمياء عنه، وهو اعظم عبقرية شعرية عربية في القرن العشرين؟ ومنذ اسبوع كتبتُ الى الشاعرة فدوى طوقان، اسألها لماذا مات هذا العبقري، واي فجر كان ينتظر الشعر العربي على يديه؟! في الصف الاول من دار المعلمات الابتدائية قرأت مختارات من قصائده: "النارنجة الذابلة" و"تأملات في حياة شاعر" و"اليمامة" و"شاطئ الاعراف". ما اشد حساسية هذا الشاعر الذي لم يفز الادب العربي بمثله! وكنتُ وانا اقرأ قصائده، ارتشف كل بيت متأثرة بروعتها، مما جعلني أجيدُ الالقاء الى حد اثر في التلميذات تأثيراً كبيراً حتى دمعت اعينهن حباً له، وقلن لي انه اروع شعر سمعنه طيلة حياتهن، وقالت احداهن "ان القاءك يملأ شعر الهمشري معاني سحرية واظنك لو قرأت اتفه الشعر لجعلته يبدو إلهيا!".
يبدو لي الهمشري شبيهاً بشاعري المحبوب جون كيتس. اود لو كنت حرة بحيث اكتب قصيدة الآن، فانا في حالة غير اعتيادية، إلا ان زيارة صديقتنا فوزية" تقص جناحي، هذه المسكينة التي فقدت اختها فجاة منذ شهر قد لقيت مني الاهمال، مما يجعلني افضل الذهاب الى رؤيتها حالاً. وقد ذهبنا اليها عصراً وبقينا معها ساعتين. وهي ما زالت في شبه ذهول. وقد حاولنا ان نصرف ذهنها عن التفكير في وفاة اختها بالحديث عن تفاصيل الحياة اليومية، وعن اساتذة الكليات، وعن طه حسين الخ.. الخ..
في البيت اتممتُ المقال الذي كتبته عن قصيدة "اهواء" لبدر السياب. ثم قرأتُ قليلاً ونمت.

28/1/1950
تبلغ احياناً السعادة بي قمتها العليا فاحس الحياة منسجمة رائعة، واعجب لنفسي كيف اعمى عن هذا النبع من السعادة في سائر الايام! وقد كان اليوم من هذه الايام فطفحت الساعات بعسل مسكر، وكدت اذوب رقة وترفاً واطمئناناً!
غادرت المدرسة بعد الدرس الاول برخصة خاصة، وكان البرد قارصا، والسواقي متجمدة. وما كدتُ ابلغ البيت حتى حملت كتبي وصعدت الى السطح على نية القراءة، الا انني حملتُ معي، احتياطاً، النسخة الخطية من "مأساة الحياة" وديوان كيتس، وكتاباً عن حياة كيتس ودفتر مذكراتي هذا واستلقيت على السرير في الشمس التي أدفاتني رغم برودة الرياح اللاسعة، وسرعان ما دب الدفء المترف في جسمي، وعدت احسٌّ الاشعة توسدني وتلامس جبيني، وانبعثت في ذهني قصيدة سميتها "اغنية شتائية" اهديتها الى الشمس، ولم اكتب هذه القصيدة مرة واحدة، وانما عشتها طيلة خمس ساعات كاملة لم اغادر فيها مكاني الا عندما جعتُ جوعاً شديداً فارسلت اليِّ والدتي غداء مكوناً من الحساء والكباب والبيض والبطاطة المقلية.. وفي الثالثة بعد الظهر ارسلت اليَّ والدتي الصبي الخادم "شكر الله" تطلب اليَّ النزول لان الموقد قد برد. هبطت السلم قفزاً، شاعرة بأنني قد كتبتُ قصيدة من اروع شعري، وان يقظة جديدة قد اذن فجرها في حياتي الادبية. ولذلك سمحتُ لنفسي بان اضيع النهار بعد ذلك في لا شيء فلم ازد على الكلام والضحك، وكنت طيلة النهار في شبه طفولة! وحضرت احسان مساء، فما كادت تراني حتى قالت: (مالك اليوم؟ لقد تغير فيك شيء) فردت عليها أمي: (لقد احرقت وجهها في الشمس طيلة النهار) ولما قرأت احسان القصيدة احبتها جداً وقالت: (هذه قصيدة مبتكرة في شعرك لقد تطورت فجأة تطوراً صاعقاً، انك لاول مرة في حياتك قد تحررت من (الكآبة) وكتبت قصيدة مرحة تحب الجمال حباً ايجابياً، ان القصيدة كلها اغنية لجمال الشمس، وفيها حياة من نوع غريب على ادبنا العربي) ثم طلبت مني ان انشر القصيدة. لقد ادركت احسان مفتاح القصيدة بهذه العبارات القليلة ادراكاً كلياً، على ان القصيدة لم تتم بعد، وتنقصها الان المقاطع الاخيرة، ولذلك سأرجئ الكلام حولها.

1/2/1950
لم يكن هذا يوماً ناجحاً واشعر انني قد اضعتُ وقتي. اشتغلت قليلاً في قصيدة "هايبريون" لجون كيتس، وكتبتُ مقالاً تحليلياً لقصيدتي "الخيط المشدود في شجرة السرو" باللغة الانجليزية لالقائه في جمعية الادب بكلية الاداب، واظنني سأختصره، وسأختصره، وساختار للقراءة قصائدي: "ذكريات" و"الافعوان" و"صراع". في الليل اضفتُ صفحتين الى سيرة حياتي. آه.. انني احتاج الى غرفة خاصة هادئة ومريحة وفكرة مرور الزمن تضايقني. ***

2/2/1950
انا سعيدة واود ان اعيش طويلاً على الاقل ريثما اكتب ديوان شعر جديدا مرتعشا بحب الحياة وعشق الجمال وبفرحة كبيرة بالوجود، والذي يبعث في دمي الحياة امران مندغمان، يصعب عليَّ التفريق بينهما، احدهما شعور الغبطة الذي يملأ نفسي، والاخر استيقاظ حماستي وشاعريتي، ولا ادري من الذي يُسبب الاخر، الغبطة تثير حماستي وشاعريتي؟ ام الشاعرية تثير الغبطة وتهزها من مهدها المسحور؟ في الليل رأيت وجه القمر يطل عليَّ من النافذة، فتركتُ كتبي حالاً واطفأت الضوء، ورحت اراقبه وهو يعبر نافذتي ببطء شديد، كانت غصون شجرة الكنار العارية تتخلل ضوءه وتبدو ساحرة الجمال وبدا القمر شبيهاً بثمرة كبيرة براقة معلقة في الشجرة. تذكرت "شجرة القمر" والقصيدة التي قراتها حولها في "ظهور الشوبر" في الصيف المنصرم وافتتنتُ بها. ما اروع القمر! ان نفسي ممتلئة بشعر غير متجسد وينبغي لي ان ابحث عن صورة لفظية لهذه القصائد الصامتة في اعماقي. ان روحي تلتهب بحرارتها كما تلتهب ارض بركانية تكفنها الثلوج. عصر اليوم حمل أبي اليَّ جريدة وقال "اقرئي هذا المقال لعل فيه ما يهمك" واشار الى مقال فيها بعنوان "شعر وشعراء" للكاتب محمود العبطة، والجريدة هي "الانقاذ"عدد السبت الماضي. الكاتب حمل حملة شديدة على من يسمون انفسهم شعراء اليوم، وفي نهاية المقال ورد ما يلي: (ولا احاول ان اصف كل الشعراء العراقيين بالتقليد والجمود حاشا لله، ففي العراق من الشعراء من نفاخر بهم الاقطار العربية مثل الرصافي والزهاوي والجواهري ونازك الملائكة والسياب وبلند الحيدري، لكن هذه الحفنة الممتازة لم تنبغ ولم تتدفق الا بعد ان حطمت القيود وابعدت الشكليات فاجرت دماء جديدة في الشعر العراقي، وابقت اشلاء المقلدين من المدرسة القديمة تنتظر ساعتها الاخيرة).
وفي مكان اخر من الجريدة ورد الخبر التالي: (في نية الشاعرة الاستاذة نازك الملائكة اصدار مجموعة شعرية جديدة، ولا شك ان ديوانها الثالث سيحدث نفس الحركة التي احدثها ديواناها الاولان: عاشقة الليل، وشظايا ورماد). والواقع انني لا املك الان أي ديوان جديد، فالديوان ليس مجموعة قصائد فحسب، وانما هو في اعتقادي، وحدة كاملة تضم قصائد فترة معينة من حياة الشاعر، وتوحدها فلسفة شعرية واحدة واتجاه عاطفي واحد. وقد كان السر في نجاح "عاشقة الليل" انه ديوان موحد منسجم تسيطر عليه قصة حب واحدة وروح رومانسية واحدة قوامها حب الليل والكآبة وحرارة العواطف وسذاجة الحس، اما "شظايا ورماد" فهو صورة لفترة فلسفية من حياتي، بدأتُ فيها بالتفكير لاول مرة. فاحسست افكاري، وفكرتُ احاسيسي، وكانت تسيطر عليه ايضاً قصة حب واحدة غير الاولى، وهي تختلف عنها كل الاختلاف، واما الديوان الثالث فمن يدري كيف سيكون؟! من المؤكد انه لن يكون كئيباً ولا حزيناً، وانما سيكون لاول مرة في حياتي ديواناً هادئاً ووديعاً، تتجلى فيه غبطة الروح الفرحة بالحياة، الباحثة عن الجمال، فهذا هو اتجاهي الان.

3/2/1950
عصراً كتبت مقالاً جيداً عن محمد الهمشري شاعري العظيم. واكثر الحديث فيه يدور حول قصيدة "النارنجة الذابلة" وقد اسعدني المقال.
بعد ذلك قرأت يوميات 1948 واحببتها. ما اسرع ما مر الزمن!

4/2/1950
حوادث هذا اليوم لم تكن حسنة، على الرغم من انني قرأت صباحاً خمسين صفحة في سيرة جون كيتس بقلم "دوروثي هبوليت".
بعد الظهر بدأتُ بتقليب صفحات عدد "الاديب" الاخيرة وصدمتني المجلة كما اصبحت تفعل كل مرة. اول ما ازعجني فيها سطحية المقالات والقصائد المنشورة فيها. وباستثناء ثلاثة اشياء فيها وهي اولاً مقالة عنوانها "الذروة في الادب والفن" لجبرا ابراهيم جبرا، وثانياً" اناشيد منثورة" ليوسف الشاروني الذي اعجب بكتاباته دائماً، وثالثاً مقطوعة صغيرة ناجحة للشاعر ابراهيم يعقوب عوبديا، باستثناء هذه الثلاث فان الباقي حفنة ترهات، خاصة القصائد ثم هناك قصيدة لاكرم الوتري تبدو باردة العاطفة الا انها مع ذلك اجمل من كل القصائد اللبنانية في العدد.
بعد ذلك ذهبنا الى السينما لمشاهدة فلم "المرآة الداكنة" تمثيل "اوليفيا دي هافيلاند" وهو فلم سايكولوجي يثير الاعصاب، وحين حلت فترة الاستراحة في السينما وأُضيئت الانوار عدتُ الى تقليب صفحات مجلة الاديب، فأثارت انتباهي قصة لموباسان ترجمها الى العربية احد الكُتّاب، وكان من سوء حظي انني قد قرأت هذه القصة بالفرنسية وانني احفظ منها بالفرنسية ذاتها أسطراً كاملة، وبذلك استطعت ان الاحظ ضخامة الاخطاء في الترجمة، وبعد المسافة بين اسلوب موباسان، ومترجمه الضحل!
ظهر اليوم كلمني الاديب نعمان ماهر الكنعاني تلفونياً وطلب مني ترجمة لحياتي مصحوبة بقصائد لي غير منشورة لانه يكتب كتاباً عن "شاعرات العراق" وازعجني انه لم يُشر الى والدتي الشاعرة ام نزار الملائكة، مع انها اشعر الشاعرات العراقيات، وأنصع اسلوباً منهن جميعاً، والنقاد يتناسون والدتي دائماً لانني انا اشهر منها.
في الليل جاءتني احسان راكضة، وهي تصيح "نازك ارقصي فرحاً! لقد شُكلت الوزارة الجديدة، وتغير وزير المعارف الذي منع ترشيحك للبعثة" اجبتها: انا يائسة!! فقالت "ان الامل لا يُشرق الا من اعماق اليأس" ثم اردفت قائلة: "ستفوزين بالبعثة يا نازك" وبلهجة تمثيلية راحت تنشد:
"أتتك الخلافة منقادة اليك تجررُ اذيالها"!!
بعد ساعة مضيتُ في كتابة سيرة حياتي لاقدمها للسيد الكنعاني، وتتبعتُ فيها نموي العقلي والسايكولوجي منذ طفولتي، وذكرت المؤثرات التي دفعتني الى حيث انا الان.

6/2/1950
في دار المعلمات. مراقبة من الثامنة صباحاً حتى الواحدة ظهراً باستمرار، وكان البرد شديداًَ فتجمدت اطرافي وجمعت نفسي كالقنفذ في زاوية القاعة.
عصراً أبت احسان الذهاب الى المعهد الثقافي لشدة البرد، لكني اصررت على الذهاب.
عند العودة الى البيت وجدتُ جريدة النداء اللبنانية تنتظرني، وكان فيها مقال عني بعنوان "شاعرة عربية معاصرة" ومع المقال صورتي التي نُشرت سابقاً في مجلة آخر ساعة المصرية. كاتب المقال سماني "الشاعرة الانسانية الثائرة على النظام الاقطاعي وقال إن كآبتي ليست الا ثورة عنيفة على الحياة الاجتماعية

9/2/1950
عصراً ذهبنا الى سينما روكسي حيث قابلنا صديقتنا ديزي الامير، وشاهدنا معاً شريط "المدينة الكبيرة" تمثيل (ماركريت او براين).

11/2/1950
اليوم اول ايام العطلة الربيعية. صباحاً، صعدتُ الى السطح حيث استلقيت على السرير استمتع بدفء الشمس، وسرعان ما تفجر الشعر، فرحتُ اتم قصيدة "اغنية شتائية" هذه القصيدة بداية فترة جديدة في حياتي الشعرية فهي تتميز بحب ايجابي واضح للجمال. قيمةُ القصيدة الوحيدة في انها جميلة، ولذلك لم اهتم بأن أُحملها صوراً غريبة، ولا أفكاراً ذكية، انها كالشمس جميلة لا اكثر!!.. وهذه هي فضيلتها الوحيدة.
في الثالثة هبطت من السطح جائعةً، وبعد ان عنفتني امي على إهمالي، قدمت لي الغداء، فاكلته في شبه حمى دون ان احس طعمه.
بعد ذلك ذهبت مع امي وشقيقتي احسان وسعاد لزيارة خالتي "ام قيس".
في الليل زارنا صديق والدي: الاستاذ احمد المهداوي واملى على (وكالة الانباء العربية) نص رأيي في قضية اشتراك المرأة في الانتخابات وفي الحياة السياسية عموماً. والمفروض ان تصريحي هذا سيُذاع في نشرة اخبار العالم غداً من عشرين محطة اذاعة!! تقدم باهر!! لعلي سأصبح شخصية يشار اليها بالبنان في المجتمعات!!

12/2/1950
صباحاً حضرت تلميذتي "هند" فأعطيتها، استجابة لطلبها، مجموعة رسائلي التي أرسلتها من البصرة، وصلاح الدين، وسرسنك، والكوت وظهور الشوير، وبيروت، الى اهلي لتنسخها لي.

14/2/1950
اضعت الصباح في الشمس الحارة، وغنيتُ كثيراً الحان عبد الوهاب طبعاً وقلما أغني غيرها.
ظهراً تغدت معنا صديقتا احسان: زهرة البير وفاطمة الحسني.
عصراً زارتنا زميلتانا في المعهد الثقافي "فيكي" و"ميراندا".
ليلاً ذهبنا الى السينما حيثُ شاهدنا شريطاً بديعاً اسمه "نينوتشكا" تمثيل تلك الممثلة العظيمة "كريتا كاربو" التي تتضاءل الى جانبها كل ممثلة سينمائية اخرى.

15/2/1950
عصراً ذهبت الى دار الاذاعة اللاسلكية والقيتُ قصيدتين من شعري إلقاءً جيداً، وشددت على المقاطع الفرحة مثل:
ولولاك من اين ينبع ضحكي وحُبي السعيد
وهذي الحماسة من اين أعصرها للنشيد

16/2/1950
صباحاً في الشمس قرأت "هايبربون" لكيتس، كلها ولم اصنع شيئاً آخر، فقد كانت الشمس خانقة لشدة الحر.
بعد الظهر كلمني بالتلفون الاديب ع.م.س، فابدى اعجابه الشديد بقصيدتي "طريق العودة" التي ألقيتها امس في الاذاعة، وسألني: كيف توصلت الى ادراك كل هذا العمق الفلسفي وانت ما زلت شابة يافعة؟ ثم قال: انه لم يسبق له ان قرأ شيئاً يشبه هذه القصيدة، لا في العربية ولا في الانجليزية. انها رائعة الجمال.
حسن يا نازك الملائكة.. اتستحق قصيدة "طريق العودة" كل هذا الثناء؟!
إذاعتي بالامس على كل قد احدثت أثراً كبيراً. وقد حدثني عنها اناس مختلفون، صغار وكبار، مثقفون وعوام.. عصراً زارنا اناس كثيرون... صديقتنا ديزي الامير، صديقتي سنية عبد الكريم واختاها، صديقتي خالدة مدحت، اربع فلسطينيات الخ، وقد ضقت ذرعاً بهذا اشد الضيق وجلست صامتة، نصف كئيبة، ماذا يفعل المرءُ؟ ينبغي ان يتحمل صابراً، فالناس لطفاء، وليس ممكناً ان اهرب منهم، اوارفض زيارتهم، إلا انني اعجب.. ماذا يجدون فيّ ما يجذب؟! انا لطيفة مع الناس طبعاً. إلا ان عدم استمتاعي بالجلسة والاحاديث واضح اشد الوضوح، ولذلك جلست اكلم ديزي الامير عن شعر "رايلي" الذي تحبه اشد الحب، والهمشري الذي احب شعره اشد الحب وهي تشاركني هذا الحب.. وقد اهدتني "خالدة" اطاراً فضياً جميلاً تتوسطه صورتي. ان هذا اللطف من الناس هو الذي يغلّ يدي دائما. كيف ارفض مقابلة الناس لمجرد انني مشغولة؟ ومع ذلك اليس في هذه المقابلات تضييع للوقت؟!

18/2/1950
في غرفة الاستقبال جلست صباحاً أتم الملحمة، فاضفت اليها ثلاثين بيتاً تخيلت انها رائعة الجمال، إلا انني وانا اقرأها الان بعد ساعات اعجب من سطحيتها، فالصور فيها مكررة، وانا لم ابلور بعد صورة "للجمال" الذي اريد التعبير عنه، إلا انني اعلم طبعاً ان الشاعر لا يستطيع ان يبلغ قمة ان لم يضع وقتاً كبيراً في تسلق المتعرجات التي تطيل الطريق، فهذا هو الطريق المؤدي الى الاعالي دائماً. وهنا استطيع ان اقول انني اكثر نجاحاً، فالفاظي قد تطورت تطوراً كبيراً، وأنا الان اقدر على تلوين الالفاظ بمعان عميقة خارجة عن الحدود القاموسية، كما انني لم اعد اسيرة الكلمات كما كنت في بعض قصائدي سابقاً.
اليوم على كل حال، سميت "قوس قزح" باسم (قوس الامطار) وهي تسميه ترجمتها عن الانجليزية Rainbow واراها اكثر شعرية من اسمه العربي "قوس قزح" الذي لايمكن استعماله في البحر "الخفيف"، على كل حال. ولا أريدُ الان ان اطيل التعليق حول الملحمة، الا انني ساشتغل فيها هذا الاسبوع جديا مادمت في عطلة وسوف اتمها في العطلة الصيفية القادمة، قرأت اليوم باستمتاع مقدمة ديوان "اين المفر" لمحمود حسن اسماعيل. وقد لاحت لي، رغم تكلفها، مبتكرة، واظن الشاعرين اللذين قصدهما الشاعر بهجومه: احمد شوقي وخليفته علي محمود طه. وهو امر منطقي فشاعرية محمود حسن اسماعيل تمثل النموذج المعاكس لمدرسة شوقي، لذلك اذكر انني عندما احببت شعر علي محمود طه سنة 1941، لم اعد احب شعر محمود حسن اسماعيل، وانغمست في فترة لفظية سنوات، انتهيت منها سنة 1945 التي اعادتني الى حب شعر محمود حسن اسماعيل وجعلتني اتبرم بعلي محمود طه.
كم احب قصيدة "خمر الضلال"! و يؤسفني ان الشاعر لم يعد يكتب مثلها هذه الايام.
بعد الظهر دراسة قاموسية لقصيدة "ايزابيلا" لجون كيتس، ثم رحت اكتب رسائل الى صديقتي "بنت الشاطئ" والى بعض قريباتي، ياله عملاً متعباً! انه باختصار مضيعة للوقت.


توقيع نقوس المهدي



المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.




إضافة رد


مواقع النشر
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الملائكة لا تتحدث لغة الشياطين 3/4 عبدالله البقالي النثر الفني 0 12-06-2008 11:39 PM
الملائكة لا تتحدث لغة الشياطين 2/4 عبدالله البقالي النثر الفني 2 12-06-2008 10:30 AM
الملائكة لا تتحدث لغة الشياطين عبدالله البقالي النثر الفني 2 12-01-2008 06:39 PM
عاشق فلسطين .. حسين نازك .. أنا أول من لحن أغاني للثورة الفلسطينية .. عبود سلمان العلي العبيد الموسيقى 0 11-30-2008 08:33 PM

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الساعة الآن 10:49 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.7.4, Copyright ©2000 - 2010