أنت غير مسجل في منتدى مطر . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا
آخر 10 مشاركات
جزء منــــــــــــــــي ... (الكاتـب : حسن بواريق - مشاركات : 0 - )           »          إعتذار واجب وعهد أكيد لكل آل مطر (الكاتـب : حسين الدمرداش محمد العدل - مشاركات : 42 - )           »          توجس (الكاتـب : مليكة الغازولي - آخر مشاركة : عبدالرحيم التدلاوي - مشاركات : 8 - )           »          صدور الترجمة الفرنسية للمجموعة الشعرية "إمين إفري... (الكاتـب : أشرف كانسي - مشاركات : 0 - )           »          يا عايشة مامتيش (الكاتـب : لميس سعديدي - آخر مشاركة : مليكة الغازولي - مشاركات : 4 - )           »          كتاب "شاعر يمر" لعبد اللطيف اللعبي: كتاب الألم... (الكاتـب : أشرف كانسي - مشاركات : 0 - )           »          صرخة الموت ... قصة قصيرة (الكاتـب : أحمد الجنديل - آخر مشاركة : ريم شعيبي - مشاركات : 1 - )           »          عطاء (الكاتـب : حسين الدمرداش محمد العدل - آخر مشاركة : محمد عدناني - مشاركات : 3 - )           »          أستاذة نعمة محمد العربي، مرحبا بالشعر الجميل في... (الكاتـب : سعاد بني أخي - آخر مشاركة : حسين الدمرداش محمد العدل - مشاركات : 10 - )           »          إبداع بلا حدود تنظم المقهى الادبي الثالث يوم... (الكاتـب : إبراهيم قهوايجي - آخر مشاركة : عبدالرحيم التدلاوي - مشاركات : 4 - )


العودة   منتدى مطر العودة امتدادات العودة مختارات

إضافة رد
   
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  مشاركة رقم : 1 (الرابط)  
قديم 06-09-2009, 02:57 PM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 8,878
بمعدل : 13.59 يوميا

نقوس المهدي متصل الآن عرض البوم صور نقوس المهدي



المنتدى : مختارات
افتراضي من يوميات نازك الملائكة

من يوميات نازك الملائكة





بقلم الكاتب: إحسان الملائكة

يوم ممطر لم تشرق فيه الشمس عند الظهر راحت السماء تمطر بغزارة واستمرار حتى الساعة الخامسة عصراً حيث اشرقت الشمس فلونت الغيوم باحمرار عميق فاتن. ليلاً اشتغلت مع جون كيتس. لحظت ان له ولعاً غريباً بالالفاظ المبتكرة، واحسبه مثلي قد كان في اول حياته الشعرية لفظياً جداً، قرأت بعد ذلك سيرته بقلم "لورد هاوتون" وهي سيرة ملذة، وتهمني فيها رسائل كيتس التي اجد فيها كثيراً من افكاري، كما اجد في حياته صورة ثابتة من حياتي! لكني لا اريد ان اموت مثله. بعد ذلك كتبت رسالة الى الصديقة ديزي الامير.
21/12/1949




حاولت، ليلاً، الكتابة في "مأساة الحياة" فأضفت اليها ابياتاً قالت احسان عنها: انها جميلة
من المعهد استعرت كتاباً ملخصاً عن "الف ليلة وليلة"، رغبة مني في العثور على اقصوصة شعرية الموضوع، اكتب حولها مسرحية إن امكن، فراعني ان الكتاب لا يقل قذارة عن النسخة العربية! ان هؤلاء القدماء كانوا لا يفهمون من الحب الا العلاقة الجنسية الغليظة.
22/12/1949




هجوم جديد في احدى الصحف على ديوان شظايا ورماد، وانا رغم ثقتي بنفسي ومعرفتي بقيمة شاعريتي انزعج لهذه المهاجمات وقد عزمت منذ اليوم على ألا أقرأ ما يكتب عني في بغداد، فها انا منذ شهرين اتلقى سيلاً من الشتائم في الصحف العراقية، حتى لم اعد احتمل أأنا حجر؟! انا شاعرة بمواهبي الشعرية رغم كل شيء... لا لا!! سوف أتم رسالتي فانا ما زلت في اول الطريق لقد دفعت حياتي ثمناً للشعر، فلأكمل اغنيتي قبل ان اغادر الوجود الم اهجر لهو الحياة ومتع الشباب كلها قانعة بزاوية من زوايا الفكر تكفي لأن ارسل منها نشيدي، لا!! ها انا ذي مملوءة شعراً.
ويا صديقتي نازك! دعيني اهمس في سمعك.. الا تعلمين ان طريق المجد محفوف بالاشواك؟ أيمكن ان يمر شظايا ورماد دون ان يحدث دوياً؟! هيا خففي من توترك وانظري الى المستقبل، واحذري الاصغاء الى هذر "الفضلاء" فهم يلعنون كل فضيلة كما يقول نيتشه.
23/12/1949



أمس شاهدت في السينما شريط (قاعة كارنيغي) وسمعنا خلال الفيلم مقاطع من السمفونية الخامسة لبيتهوفن والسينما الخامسة لتشايكوفسكي، وكثيراً من الحان شويان وشومان، وسان سانس، وشومرت ورحمانينون وسواهم، وقد بكيت وانا اصغي الى موسيقى سان سانس. ما اروع الموسيقى! لقد بعثت هذه الالحان في دمي الحياة.
عصراً أمطرت السماء الا انني ذهبت الى المعهد الثقافي، ودخلت المكتبة مبللةً، وبعد استراحة قصيرة سرت الى البيانو ورحت انقر بأصابعي افتتاحية السمفونية السادسة الحزينة لتشايكوفسكي، وقد احسست لها وقعاً غريباً وقطرات المطر تضرب الزجاج خارج البناية، فجأة دخل مدرسنا الاستاذ ستيورات واقترب منا، وسلّم علينا.
بعد الدرس الاول نزلنا الى المكتبة، انا واحسان ورأينا الاستاذ ستيورات واقفاً يشرب الشاي، فذهبت احسان اليه، تسأله عن كلمة اغريقية، فسألها اين عثرت على هذه الكلمة؟ وكنتُ واقفة على مبعدة، فتقدمت اليها وقلت (في التوراة) فاعتذر وقال انه لا يعرف الاغريقية جيداً.

بعد ذلك سألني: اتكتبين النثر ايضاً؟ فقلتُ له: انني استعد لمستقبل في النثر، واعتقد انه يحتاج الى ثقافة عميقة اكثر من الشعر، ومضيتُ انقل اليه مهاجمات النقاد في بغداد لديواني شظايا ورماد فابتسم وقال: لكن هذه المهاجمات العلنية تعني الشهرة لكٍ.
ثم اردف "وبما يتهمونك؟" طبعاً كنا هو وانا نتحدث بالانجليزية وانا اترجم الحوار هنا الى العربية.
اجبت: مثلاً يزعمون انني اقلد ت.س. اليوت مع انني لم اقرأ اليوت الا بعد طبع شظايا ورماد، وبعد اتهامهم لي بتقليده!!
قال: يجب الا تشعري بالمرارة من النقد الجارح، جون كيتس لم ينل الشهرة الا بعد هجمات النقاد على شعره في المجلات الانجليزية. ان القدح افضل للمبدع من المدح بالتأكيد الم يُتهم شيللي وكيتس دبايرون بالتقليد، وبأن كلاً منهم يقلد الآخر وما الى ذلك؟ مع اننا الان نميز تماماً بين شخصياتهم واساليبهم ولا نشعر بوجود تشابه او تطابق بين اشعارهم، فلكل من اولئك المبدعين اسلوبه الخاص المتميز. ولما اخبرته ان اكثر كتاب تلك المقالات عني، ليسوا من النقاد الذين يُعتد بآرائهم، قال: "قد يكونون مغرضين او حاسدين او انهم لا يصدقون ان تكون بينهم شاعرة مبدعة مثلك، تذكري هذا دائماً.
الواقع ان كلام الاستاذ ستيورات بثّ الشجاعة في نفسي، خصوصاً قوله "ان المهاجمات تعني أن شعري يُقرأ باهتمام، ويثير في نفس القراء صدىً عميقاً.
بعد ذلك تشعب الحديث، ومضى الاستاذ يبدي اراءه بالشعراء قال ان لغة "روبرت بروك" ضعيفة وفي شعره عيوب، ولما سألته عن ادجار الن بو، قال ان شعره ضحل على الرغم من جمال اسلوبه.
ومن الذين يُعجب بشعرهم: الشاعر الاميركي "والت ويتمان"، وان كان احياناً يبالغ في عرض عواطفه، ومن الشعراء المعاصرين الذين يعجب بهم: الشاعر الانجليزي "ييتس" yeats اما ت. س. اليوت فيراه بارداً جامد العاطفة وعقلياً، ويكره نقولات ابليوت الذكية من النصوص الاغريقية والالمانية وغيرهما لا سيما في مطولته: "الارض الخراب" واتفق معي على الاعجاب بالفيلسوف نيشتة، لا سيما بكتابه "هكذا تكلم زرادشت".
تحدث الاستاذ ستيورات ايضاً عن نفسه قال انه نشر ديوان شعر في العشرين من عمره، لكنه ندم فيما بعد على ذلك، وانه يكتب الان رواية سيطبعها في اميركا لاحقاً.
27/12/1949



في مجلة الرسالة قرأت قصيدة عنوانها "قلب يتعذب" لفدوى طوقان، وقد كتبت عليها "هدية الى صديقتي الشاعرة الرقيقة نازك الملائكة" لفدوى طوقان قصائد جميلة في كثير من الاحيان وفي حياتها وحدة وانسجام ظاهران ومن اجلها احيي شاعريتها وأحبها.
31/12/1949



آخر ايام عام 1949 وها هو ينطوي ويودعنا الا يستاهل مني قصيدة؟ يا لي من جامدة.
عصراً حضرت لرؤيتي عائلة فلسطينية لا أعرف اسماء افرادها ومعها فتاة اسمها "سميرة عزام" قالوا عنها انها اديبة، وما كاد رب العائلة يجلس بعد مصافحتي حتى قال لي "ينبغي للانسان ان لا يحد تفكيره بناحية واحدة، فهذا يضرّهُ كشاعر" سألته مندهشة "تعنيني؟ اية ناحية تقصد؟" وجاء جوابه: "التشاؤم" قلت له: "انا لست متشائمة"
ما اضخم هذه الاسطورة التي "يعرفها" عني كل انسان في العراق وخارجه انا مشهورة الان ولا يقوى انسان على تغيير فكرة الجمهور عني يا لهم مضحكين! لو علموا اية فتاة متمردة تختفي وراء تشاؤمي المزعوم.
الحلقة الثانية
الاحد 1/1/1950



اول ايام السنة الجديدة. ولا اشعر برغبة في تسجيل حياتي هنا مع انني متفائلة وأُحسُ أن السنة تحمل لي سعادة من نوع ما.. كل ما صنعته اليوم انني اشتريت كتباً من المكتبة العصرية سجلتُ أسماءها في المفكرة، ولا اظنني سأجد وقتاً حتى لألقاء نظرة عليها حالياً. المهم عندي هو شراء الكتب.. أليست هذه رغبة عمياء؟!
ليلاً.. كتبتُ قصيدة وجهتها الى عام 1950 منها:
يا عام لا تقرب مساكننا فنحن هنا طيوفْ
من عالم الاشباح ينكرنا البشرْ
ويفر منا الليل والماضي ويجهلنا القدرْ
ونعيشُ أشباحاً تطوفْ
نحن الذين نسيرُ لا ذكرى لنا
لا حلم لا أشواق تصرخ لا منى
نحن العراةُ من الشعور ذوو الشفاه الباهتة
الهاربون من الزمان الى العدم
الجاهلون أسى الندوم

1/2/1950



استيقظت في العاشرة صباحاً، وفي رأسي صداع، وتذكرت بمرارة انني كتبت امس قصيدة جديدة، فقرأتها وشعرت انها جميلة الى حد ما، فيما بعد انقبض صدري وعاودتني الافكار القلقة حول شاعريتي من يعلم أي صراع يدور في نفسي؟ وهؤلاء الذين يكتبون عني عشرات المقالات، ماذا يقولون لو عرفوا؟ من يدريهم بالسبب الذي جعل "شظايا" يصبح "رماداً" كيف يعلمون الآلام التي عانيتها خلال كتابة هذا الديوان؟
3/1/1950



ابرز حوادث اليوم محاضرة القيتها في الصف الرابع "أ" عن سبب كآبة الشعراء العراقيين المعاصرين، وقد رددتُها الى الخيبة في نتائج الحرب العالمية الثانية، واختلال النظم السياسية في العراق، وشبهتها بحالة الشباب الاوروبي في اوائل القرن التاسع عشر.
كانت التلميذات في حالة استمتاع كبير، واقتناع بما اقول..
في الليل اتصلت تلفونياً بأميرة نور الدين، بعد ان كلمتني هي عصراً طالبةً قصائد لي او لوالدتي مما نشر في هذا الشهر.
وأنبأتني انها كتبت عن "شظايا ورماد" مقالاً ألقته في محطة "اذاعة الشرق الادنى" في الشهر الماضي، وقالت فيه ما معناه ان الديوان قوبل مقابلتين في بغداد، واتفق الكل على انني فيه شاعرة مجددة، الا ان البعض رأى في هذا التجديد جمالاً مطلقاً، ورفعني الى مرتبة عالية من الشاعرية، والبعض الاخر رأى انني قد خرجت عن المقاييس كلياً، حتى لم يعد يربطني بالشعر العربي رابط!
ولما سألتها عن رأيها هي في "شظايا ورماد" قالت: (اعجبتني قصائد معينة هي التي لم تخرجي فيها على حدود اوزاننا، الا انني لم استسغ الاخرى، فانا ولا اكتمل كلاسيكية في كل شيء واحرص على التقديم) ويظهر من كلامها انها لا ترى في "شظايا ورماد" تجديداً غير تجديد الاوزان والقوافي!! مع ان هذا التجديد الاخير كان اهون ما أحدثت في الديوان في رأيي وان كانت هذه النقطة قد ضاعت في غمار مهاجمة تجديد الاوزان، فلم يهاجمني من اجلها احد!!
5/1/1950



ما اسعدني اليوم!! أكاد أطير.. واود لو كانت ايامي كلها لا اقل سعادة من هذا.
غادرت المدرسة مبكرة وهذا من صفات يوم الخميس الذي احبه.
وفي البيت اندغمت ساعتين في قراءة كتاب (هولدرلن لستيفان زفايك ما اروع هذا الكتاب وما اروع مؤلفه! كلاهما يفتنني ويلهمني، ويسرني أنني احيا معهما الان.
كان "هولدرلن" يؤمن بالحماسة، ويراها اروع الحالات النفسية التي يمر بها البشر، حتى انه يقول "تموت الالهة حين يموت الالهام" والالهام عنده حالة عليا من حالات الحماسة اما الشقاء فهو فقدان الحماسة اذ ذاك يعود الحالم المحلق الى رتابة الواقع البشري، ويصبح عرضة للالم والشيخوخة والمرض.
ويتحدث زفايكك عن خيبة "هولدرلن" في "كوته" و"شيلر" اللذين كانا اذ ذاك في شيخوختهما، وقد فقدا المقدرة على الحماسة في هذا الباب لمست تجاربي الخاصة احياناً يبدو لي التشابه بيني وبين الشعراء والادباء، الذي عاشوا منذ عشرات السنين، في بلاد بعيدة تختلف عن بلادي كثيراً الى درجة لا تصدق فنحن كلنا نشعر شعوراً واحداً، ونمر بالظروف نفسها، ونعاني تجارب الشباب والسذاجة وذاتها، ثم نتعلم ببطء ما تعلمه السابقون ونموت.
في الساعة الثالثة شعرت بالشعر يتدافع في روحي فأحضرت قصيدتي المطلولة "مأساة الحياة" ورحت اكملها وقد استقر عزمي اخيراً على انني يجب ان امضي في كتابة نسخة جديدة منها لا علاقة لها بالقديمة الا بالخطوط العريضة اما الشعر والصور والافكار فكلها جديدة.
وفي سكون الغرفة ودفئها وانعزالها عادت اليَّ شاعريتي الهاربة وملأتني يقيناً بانني ما زلت نازك الملائكة التي كتبت "عاشقة الليل" و"شظايا ورماد" واحدثت بهما ذلك الدوي، فكتبت ما يزيد على ثلاثين بيتاً بعثت الجمر في رمادي أيقنت ان شاعريتي قد اتسعت وتعمقت خلال الفترة الماضية، ووثقت من ان سبب ركودي فراغ حياتي من العواطف التي اعتدت ان استمد منها موضوعات قصائدي القصيرة، وهذا هو الدليل الاكيد.. ها انا انطلق حال وجود موضوع اتحدث فيه القصيدة تتحدث الان عن الحرب وشرورها، وانسخ الان بضعة مقاطع مما كتبت اليوم:
والشفاه العذراء اطبقها الموت على لحن حبها المبتور
والجباه لتي ذوت قبل ان يلمسها اصبع الهوى المسحور
والخدود التي تعير مغبت الشمس الوانها وتسقي الشروقا
غار فيها جرحُ التراب عميقاً وذوت قبل ان تذوق رحيقا
انا اعجبُ للشاعرية ما هي؟ وكيف استطيع ان اتبدع الجمال حين اكتب شعراً، بينما يعز علي ربعه وانا أنثر؟ لماذا؟ لماذا؟ لكن لماذا أسأل؟ هذا "ستيفان زفايكك" ينصح الا يقرأ الشاعر كتب الفلسفة قراءة عميقة، فما يلوح للشاعر شعراً صافياً قد يتحول تحت ضغط اصابع الفلسفة الباردة الى واقع ملموس له اسبابه ونتائجه وهذا اخطر اعداء الشاعرية المتفجرة.
في الليل كنت في حالة نشوة، وقد عاودني الشعور بانني شاعرة مبدعة، خاصة بعد ان قالت احسان "تعيش بيننا في هذا البيت مخلوقة عبقرية ونحن لا نشعر.." هذه مبالغة طبعاً، الا ان شيئاً في نفسي يجعلني اصدق جزءً منها بعد تجريده من التورم!
بعد ذلك قرأت الفصول المتعلقة بهولدرلن وزفايكك في كتاب "العبقرية والموت" لعبد الرحمن بدوي.
6/1/1950



صباحاً ذهبت مع احسان الى السينما وشاهدنا شريط "منزل الغرباء" تمثيل "سوزان هيوارد"، و"ادوارد.ج روبنسون" ثم ذهبنا الى السوق واشتريت بنطلوناً جاهزاً ازرق اللون، وشعرت بسعادة اعرفها كلما حققت نزوة من نزواتي، وانا اعلم انها نزوة تافهة احياناً الا انني اراها هي الشعر في حياتي، ولذلك احترمها.
7/1/1950



بعد الظهر واصلت الكتابة في مأساة الحياة، ولا اظنني ساسميها بهذا الاسم، فهذا اسم ملحمة كتبتها سنة 1945 ولا معنى لتكراره.. والارجح ان خطة القصيدة نفسها ستحيد عن الاصل.
وخلال الكتابة لاحظت الحالة الانفعالية التي تعتريني في مثل هذه الحالات الشعرية، وقلما انتبهت اليها من قبل.. القلب اذ ذاك يضطرب ويضرب بقوة غريبة، وكأنه يؤدي طاقة مضاعفة، واليد ترتعش بعصبية، والشفتان تتحركان في رجفة لا ارادية، والعينان تغيمان فلا تريان ما امامهما، وانما تبصران شيئاً وراءهما، ان استمرار هذه الحالة يقتل صاحبها ولذلك اتهرب دائماً منها واجد المهرب غالباً في التخيلات المريحة.
انني اتطور واحس اندفاع ديوان جديد في حياتي بعد الفترة التي كتبت خلالها "شظايا ورماد" والاحظ حساً لفظياً جديداً يدخل الى حياتي ويلهمني تعابير سحرية غريبة من امثال "صوت السكون" و"لغز الجمال" و"تراث الذهول" و"السنين الصفر" الخ الا ان الاهم من التعابير ذلك الامتزاج الغريب بين الحواس في ذهني حتى اكاد ابلغ مرحلة الرمزية العميقة وهذا نموذج: من اغان مرت باعمدة الابهاء غرقى بالدفء والاحلام ناعمات تغوص في رجعها الاهات سكرى الخطوط والانغام ان احساسي بان الاغاني دافئة حالمة ناعمة ذات خطوط ملساء صافية غريب على شعري، وانا ارقب موكبه مبهورة مفتونة كيف يحدث هذا داخل النفس؟ ما الشاعر؟ ما الشاعرية؟ ما القوة التي تبدع هذا التغير؟ انني امجد هذا الجزء الشاعر في نفسي، لانه من عالم اسمى مني واطهر، واشعر بسعادة مجنونة لا تعادلها سعادة، سعادة اليقظة بعد نوم سنة كاملة لم اكتب خلالها قصيدة واحدة مندفعة. الان قد بدات حياتي الشعرية، الان احني رأسي لمقولة "نيشة" العظيم "ايها الانسان.. تفوق على ذاتك"
تلقيت اليوم رسالة رقيقة من روز غريب تقول فيها انها معجبة بشخصيتي الى جانب اعجابها بشاعريتي، وان مقالها عن "شظايا ورماد" كان قاصراً، لانها كانت تعلم ان سينشر في مجلة سطحية كصوت المرأة، وان ديواني يستحق دراسة اعمق ثم قالت ان انتاجها الادبي لا يرضيها لانها لا تستطيع ان تتفرغ للادب كلياً.
9/1/1950



صباحاً كتبت مقالاً بالانجليزية عنوانه "قصائد كيتس القصيرة والطويلة" وبينت رأيي فيها واشتغلت به ساعتين كاملتين، وبذلك اضعت فرصة اتمام "مأساة الحياة" عصراً ذهبت الى المعهد الثقافي كيتس قد جمدت شاعريته في اواخر عام 1819 وهذا يعزيني ويشجعني على فهم خمودي خلال السنة الفائتة التي احمد السماء على انها انتهت.
11/1/1950



كيف تنسج الحياة احداثها؟ انني كلما حدقت في سجل امامي عجبت من اندماج الاحداث السعيدة والمؤلمة معاً في نوع من الانسجام وانما نميل الى عزل العناصر السعيدة عن العناصر الباكية، واعتبارها منفصلة بفترات زمانية كبيرة ولذلك يحدث حين اراجع مذكراتي ان الاحظ ان الحادث الشقي الفلاني قد حدث خلال اسبوع واحد مع الحادث السعيد الفلاني، فاستغرب ان تحتمل الحياة تناقضاً كهذا ولا اصدقه، واكاد اشك في صحة السجل لولا انني انا التي كتبته.
عصراً في طريقي الى المعهد الثقافي بسيارة الامانة شغلت نفسي باستظهار قصيدة كيتس "الى الاناء الاغريقي"
في المعهد اعاد الينا المستر ستيورات اوراق الامتحان اليومي السابق. وقد كانت درجتي على السؤال الاول 9/10 وعلى السؤال الثالث 10/10 ممتاز، وهذا السؤال يتعملق بسبب خوف كيتس من التفكير، لانه يؤدي الى الكآبة، وقد قرأ الاستاذ اجابتي على طلبة الصف.
في البيت ليلاً.. ترجمت قصيدتي "يُحكى ان حفارين" الى الانجليزية.
12/1/1950



بعد الظهر ذهبنا الى السينما لمشاهدة شريط "ذهب مع الريح" وخرجت منه مبهورة، الفلم عمل بديع وفيه فصول انسانية رائعة كناظر الاف الجرحى، وجثث القتلى والحرائق المخيفة، والجوع، والتشرد..
18/1/1950



في دار الاذاعة اللاسلكية القيت مختارات من القسم الاول من ملحمة "مأساة الحياة" وهو يقع في مائة بيت (هذه هي الصورة الجديدة من الملحمة وقد كتبتها سنة 1948) وقد نال القائي للقصيدة اعجاب اهلي الشديد وعلقت احسان قائلة "لقد كتب تلقين القصيدة بصوت راكز عميق يوحي الى السامع بثقتك المطلقة بنفسك وبشعرك" وعند دخولي البيت تلقاني اهلي بتصفيق حاد!
25/1/1950



اكاد انتهي من اعداد اسئلة امتحان نصف السنة لتلميذاتي في دار المعلمات الابتدائية "هند محمد علي" تلميذتي الذكية قد نسخت لي كل مقال كُتب عن "عاشقة الليل" و"شظايا ورماد" طيلة حياتي الادبية، نسخاً منظماً حسب التواريخ يا لها من فتاة كريمة.
في مكتبة المعهد الثقافي البريطاني جلست مع الشاعرة "فطينة النائب" والرسامة البريطانية "مس بياتريس يلين" وعدد من الفتيات ورحنا نستمع الى تسجيل لقصائد "شكيسبير" و"جون كيتس" بصوت ممثلة انجليزية عجوز، وكان القاؤها متكلفاً ثم استعضنا عنها بصوت "مس بلين" الجميل، والقائها العذب، وتلاها المستر ديزموند ستيورات، فالقى قصيدة لشيكسبير والتفتت "مس بلين" فقالت للمستر ستيورات: (تجلس الى يميني الان شاعرتان.. افليس مؤسفاً الا نسمع شعرهما؟) وقد قرأت ستة مقاطع من مرثية "توماس كري" ثم قرأتُ قصيدتي "ثورة على الشمس".
26/1/1950



اكتب هذا تحت اشعة الشمس البديعة التي ارتفع حبي لها الى نشوة سحرية هذا العام ان اشعتها تدغدغ روحي واحس كان وسادة ناعمة تلفني، والدفء يتغلغل في احلامي ويغلف عروقي وكم انا سعيدة اليوم بالشمس وبالشعر ان روحي ممتلئة بالشعر والجمال والانغام.
احد اسباب سعادتي اليوم انني اكتشفت شاعراً استطيع ان اشرب قصائده لقد وجدت "محمد الهمشري" اول مرة واعجبت كيف كنتُ عمياء عنه، وهو اعظم عبقرية شعرية عربية في القرن العشرين؟ ومنذ اسبوع كتبتُ الى الشاعرة فدوى طوقان، اسألها لماذا مات هذا العبقري، واي فجر كان ينتظر الشعر العربي على يديه؟! في الصف الاول من دار المعلمات الابتدائية قرأت مختارات من قصائده: "التاريخة الذابلة" و"تأملات في حياة شاعر" و"اليمامة" و"شاطيء الاعراف" ما اشد حساسية هذا الشاعر الذي لم يغز الادب العربي بمثله! وكنتُ وانا اقرأ قصائده، ارتشف كل بيت متأثرة بروعتها، مما جعلني أجيدُ الالقاء الى حد اثر في التلميذات تأثيراً كبيراً حتى دمعت اعينهن حباً له، وقلن لي انه اروع شعر سمعته طيلة حياتهن، وقالت احداهن "ان القاءك يملأ شعر الهمشري معاني سحرية واظنك لو قرأت اتفه الشعر لجعلته يبدو إلهيا!"
يبدو لي الهمشري شبيهاً بشاعري المحبوب جون كيتس اود لو كنت حرة بحث اكتب قصيدة الآن، فانا في حالة غير اعتيادية، إلا ان زيارة صديقتنا فوزية" تقص جناحي، هذه المسكينة التي فقدت اختها فجاة منذ شهر قد لقيت مني الاهمال، مما يجعلني افضل الذهاب الى رؤيتها حالاً. وقد ذهبنا اليها عصراً وبقينا معها ساعتين. وهي ما زالت في شبه ذهول. وقد حاولنا ان نصرف ذهنها عن التفكير في وفاة اختها بالحديث عن تفاصيل الحياة اليومية، وعن اساتذة الكليات، وعن طه حسين الخ
في البيت اتممتُ المقال الذي كتبته عن قصيدة "اهواء" لبدر السياب. ثم قرأتُ قليلاً ونمت.
28/1/1950



تبلغ احياناً السعادة بي قمتها العليا فاحس الحياة منسجمة رائعة، واعجب لنفسي كيف اعمى عن هذا النبع من السعادة في سائر الايام؟ وقد كان اليوم من هذه الايام فطفحت الساعات بعسل مسكر، وكدت اذوب رقة وترفاً واطمئناناً!
غادرت المدرسة بعد الدرس الاول برخصة خاصة، وكان البرد قارصا، والسواقي متجمدة وما كدتُ ابلغ البيت حتى حملت كتبي وصعدت الى السطح على نية القراءة، الا انني حملتُ معي، احتياطاً النسخة الخطية من "مأساة الحياة" وديوان كيتس، وكتاباً عن حياة كيتس ودفتر مذكراتي هذا واستلقيت على السرير في الشمس التي أدفاتني رغم برودة الرياح اللاسعة، وسرعان ما دب الدفء المترف في جسمي، وعدت احسٌّ الاشعة توسدني وتلامس جبيني) وانبعثت في ذهني قصيدة سميتها "اغنية شتائية" اهديتها الى الشمس، ولم اكتب هذه القصيدة مرة واحدة، وانما عشتها طيلة خمس ساعات كاملة لم اغادر فيها مكاني الا عندما جعتُ جوعاً شديداً فارسلت اليِّ والدتي غداء مكوناً من الحساء والكباب والبيض والبطاطة المقلية.. وفي الثالثة بعد الظهر ارسلت اليَّ والدتي الصبي الخادم "شكر الله" تطلب اليَّ النزول لان الموقد قد برد.
هبطت السلم قفزاً، شاعرة بأنني قد كتبتُ قصيدة من اروع شعري، وان يقظة جديدة قد اذن فجرها في حياتي الادبية. ولذلك سمحتُ لنفسي بان اضيع النهار بعد ذلك في لا شيء فلم ازد على الكلام والضحك، وكنت طيلة النهار في شبه طفولة!
وحضرت احسان مساء، فما كادت تراني حتى قالت: (مالك اليوم؟ لقد تغير فيك شيء) فردت عليها
أمي: (لقد احرقت وجهها في الشمس طيلة النهار) ولما قرأت احسان القصيدة احبتها جداً وقالت: (هذه قصيدة مبتكرة في شعرك لقد تطورت فجأة تطوراً صاعقاً، انك لاول مرة في حياتك قد تحررت من (الكآبة) وكتبت قصيدة مرحة تحب الجمال حباً ايجابياً ان القصيدة كلها اغنية لجمال الشمس، وفيها حياة من نوع غريب على ادبنا العربي) ثم طلبت مني ان انشر القصيدة.
لقد ادركت احسان مفتاح القصيدة بهذه العبارات القليلة ادراكاً كلياً على ان القصيدة لم تتم بعد، وتنقصها الان المقاطع الاخيرة، ولذلك سأرجئ الكلام حولها.
1/2/1950



لم يكن هذا يوماً ناجحاً واشعر انني قد اضعتُ وقتي اشتغلت قليلاً في قصيدة "هايبريون" لجون كيتس، وكتبتُ مقالاً تحليلياً لقصيدتي "الخيط المشدود في شجرة السرد" باللغة الانجليزية لالقائه في جمعية الادب بكلية الاداب، واظنني سأختصره، وسأختصره، وساختار للقراءة قصائدي: "ذكريات" و"الافعوان" و"صراع".
في الليل اضفتُ صفحتين الى سيرة حياتي آه.. انني احتاج الى غرفة خاصة هادئة ومريحة وفكرة مرور الزمن تضايقني.
2/2/1950



انا سعيدة واود ان اعيش طويلاً على الاقل ريثما اكتب ديوان شعر جديد مرتعش بحب الحياة وعشق الجمال وبفرحة كبيرة بالوجود والذي يبعث في دمي الحياة امران مندغمان، يصعب عليَّ التفريق بينهما، احدهما شعور الغبطة الذي يملأ نفسي، والاخر استيقاظ حماستي وشاعريتي، ولا ادري من الذي يُسبب الاخر، الغبطة تثير حماستي وشاعريتي؟ ام الشاعرية تثير الغبطة وتهزها من مهدها المسحور؟
في الليل رأيت وجه القمر يطل عليَّ من النافذة، فتركتُ كتبي حالاً واطفأت الضوء، ورحت اراقبه وهو يعبر نافذتي ببطء شديد، كانت غصون شجرة الكنار العارية تتخلل ضوءه وتبدد ساحرة الجمال وبدا القمر شبيهاً بثمرة كبيرة براقة معلقة في الشجرة تذكرت "شجرة القمر" والقصيدة التي قراتها حولها في "ضهور الشوبر" في الصيف المنصرم وافتتنتُ بها.
ما اروع القمر! ان نفسي ممتلئة بشعر غير متجسد وينبغي لي ان ابحث عن صورة لفظية لهذه القصائد الصامتة في اعماقي.
ان روحي تلتهب بحرارتها كما تلتهب ارض بركانية تكفنها الثلوج عصر اليوم حمل أبي اليَّ جريدة وقال "اقرئي هذا المقال لعل فيه ما يهمك" واشار الى مقال فيها بعنوان "شعر وشعراء" للكاتب محمود العبطة، والجريدة هي "الانقاذ"عدد السبت الماضي.
الكاتب حمل حملة شديدة على من يسمون انفسهم شعراء اليوم، وفي نهاية المقال ورد ما يلي: (ولا احاول ان اصف كل الشعراء العراقيين بالتقليد والجمود حاشا لله، ففي العراق من الشعراء من نفاخر بهم الاقطار العربية مثل الرصافي والزهاوي والجواهري ونازك الملائكة والسياب وبلند الحيدري، لكن هذه الحفنة الممتازة لم تنبغ ولم تتدفق الا بعد ان حطمت القيود وابعدت الشكليات فاجرت دماء جديدة في الشعر العراقي، وابقت اشلاء المقلدين من المدرسة القديمة تنتظر ساعتها الاخيرة)
وفي مكان اخر من الجريدة ورد الخبر التالي: (في نية الشاعرة الاستاذة نازك الملائكة اصدار مجموعة شعرية جديدة، ولا شك ان ديوانها الثالث سيحدث نفس الحركة التي احدثها ديواناها الاولان: عاشقة الليل، وشظايا ورماد)
والواقع انني لا املك الان أي ديوان جديد) فالديوان ليس مجموعة قصائد فحسب، وانما هو في اعتقادي، وحدة كاملة تضم قصائد فترة معينة من حياة الشاعر، وتوحدها فلسفة شعرية واحدة واتجاه عاطفي واحد. وقد كان ايسر في نجاح "عاشقة الليل" انه ديوان موحد منسجم تسيطر عليه قصة حب واحدة وروح رومانسية واحدة قوامها حب الليل والكآبة وحرارة العواطف وسذاجة الحس واما "شظايا ورماد" فهو صورة لفترة فلسفية من حياتي، بدأتُ فيها بالتفكير لاول مرة. فاحسست افكاري، وفكرتُ احاسيسي، وكانت تسيطر عليه ايضاً قصة حب واحدة غير الاولى، وهي تختلف عنها كل الاختلاف، واما الديوان غير الاولى، وهي تختلف عنها كل الاختلاف واما الديوان الثالث فمن يدري كيف سيكون؟! من المؤكد انه لم يكون كئيباً ولا حزيناً، وانما سيكون لاول مرة في حياتي ديواناً هادئاً ووديعاً، تتجلى فيه غبطة الروح الفرحة بالحياة، الباحثة عن الجمال، فهذا هو اتجاهي الآن.


توقيع نقوس المهدي



المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.




  مشاركة رقم : 2 (الرابط)  
قديم 06-18-2009, 02:09 PM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 8,878
بمعدل : 13.59 يوميا

نقوس المهدي متصل الآن عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : مختارات
افتراضي

الأبعـاد الأربعـة فـي الأدب

للآنسة نازك الملائكة
ببغداد



أصبحت نظرية الأبعاد الثلاثة للأشياء تعدّ من مخلفات العصور السالفة، التي لا سبيل إلى الاحتفاظ بها، فمنذ أنشتاين بدأ "الزمن" يتحول إلى بعد رابع له امتداده وعمقه وقيمته الكبيرة مثل أي بعد من الأبعاد الثلاثة الأخرى. وربما كان المناسب ان نقف لحظات عند هذه النظرية قبل أن نعرض لتأثيرها في الأدب والفن. بقي الزمن قبل هذه النظرية يعد فراغاً وهمياً ابتدعه الإنسان، فقد كانت الأشياء تملك ثلاثة أبعاد: الطول، والعرض، والارتفاع. وربما كان أول ما أثار فكرة البعد الرابع في الذهن البشريّ، ما لوحظ من أن احتفاظ أي شيء بأبعاده الثلاثة أمر شبه مستحيل، فالمباني الضخمة والصخور الكبيرة تنهار وتتفتت وتتغير أبعادها، والناس ينمون ويكبرون، ويعتريهم النحول والسمنة والطول، وتتغير ألوان بشرتهم، ولا شيء يحتفظ بأبعاده ثابتة، مما يجعل فكرة الأبعاد الثلاثة ناقصة، وكأنها تحدّ الأشياء كلها في لحظة زمنية واحدة ربما كانت أقصر من لمح البصر، وربما تغيرت الأبعاد كلها في اللحظة التالية، مما يجعلنا أحوج إلى أبعاد أخرى أكثر ثباتاً وأوسع شمولاً، بحيث تنطوي تحت جناحها هذه التغيرات كلها، ومنها ننتهي إلى أن ندرك الأشياء بأبعادها الحقيقية.

وبزغت فكرة "الزمن" فجأة، وسماه أينشتاين "البعد الرابع" وبذلك كان أول من عده شيئاً مرئياً، بعد أن كان وهماً غير محدود، ولا صورة له في الذهن. ومنذ نظرية البعد الرابع أصبحنا نستطيع أن نرى الزمن بجزئياته، كما نرى صوراً مبعثرة متقطعة من شريط سينمائي كبير. وإيضاح هذا أن نقول إن هذا الكرسي في هذه اللحظة من الزمن يملك ثلاثة أبعاد، كما تملك الصورة الواحدة المتقطعة من شريط سينمائي جموداً ذا بعدين. ونستطيع أن نضيف إلى الكرسي بعده الرابع حين تكون صورتنا له جامعة للحظاته الزمانية كلها منذ صُنع، فإذ ذاك تكون مجموعة التغيرات التي اعترته هي الزمن، وهي تقابل حركة الشريط السينمائي التي تكسب الصور المنفردة حركة رائعة، فنراها تبتسم وتتحرك وتفكر. وسرعان ما شغفت فكرة هذا البعد الرابع طائفة رجال الفكر والأدب، فعكفوا عليها يدرسون إمكانياتها الأدبية، وما يمكن أن تقدمه لمملكة الفن. وكان أحد المفكرين الذين افتتنوا بها ج. و. دنّ (Dunne) الذي أصدر سلسلة كتب مبنية عليها نالت شهرة كبيرة بين الأدباء، وإن كان قد ألبس أفكاره ثوباً علمياً من المعادلات والرموز.
وليس غرض هذا المقال أن يعرض لتفاصيل نظرية دنّ، فأنا معنية بالناحية الأدبية منها، وهي تكفي لإيضاح أثر فكرة البعد الرابع في آدابنا الحديثة. وقد يكون خير شرح عملي لهذه النظرية مسرحية "الزمن وآل كونوي" Time and the Conways للكاتب المسرحي المعاصر ج. ب. بريستلي (Priestley) التي كانت في الواقع تطبيقاً ناجحاً لبعض إمكانيات النظرية. وسنرى أن الزمن فيها قد استحال إلى بعد رابع، وأن بريستلي مهتدياً بدنّ قد منحه حركة طولية الامتداد، استحالت معها لحظات الزمان إلى محطات كبيرة يسير قطار النفس على امتدادها كيفما شاء رواحاً ومجيئاً.
وتلوح المسرحية أول وهلة قصة حياة أسرة من الطبقة المتوسطة، وهي حياة اعتيادية لا تهزها مغامرات ولا أحداث كبيرة، وإنما يعيش أفرادها كما تعيش أكثر الأسر. ويفتتح بريستلي مشاهد القصة بمساء اليوم الذي تبلغ فيه كي (kay) كبرى أخواتها الحادية والعشرين من عمرها في سنة 1919، ومن أجلها تقيم الأسرة احتفالاً. وقد اختار المؤلف للبطلة أن تكون فتاة مراهفة الحس تحب الأدب وتوشك أن تشق طريقها نحو ما "كانت" عازمة على أن يكون مستقبلاً جيداً في كتابة القصة. وخلال لحظات الحماسة الأخيرة، بينما كانت الأم تنشد أغنية لشومان، أحست كي باندفاع الشعور في أعماقها فبدأت تكتب فصلاً في قصتها الأخيرة. وفجأة...غامت عيناها...ورأت حلماً.
ويكون "الحلم" هو الفصل الثاني من المسرحية، فترى كي أسرتها في عام 1939 بعد عشرين سنة من الليلة التي تحلم فيها، فإذا الزمن قد عبث بسعادة الأسرة عبثاً قاسياً مرّاً: البطلة نفسها قد أصبحت صحفية تكتب للجماهير لكي تعيش، وأختها المفضلة قد ماتت (منذ) سبعة عشر عاماً، ووالدتها قد فقدت ثروتها، ومثل هذا. وأقبح ما في الأمر أن أفراد الأسرة قد تفرقوا وانشقوا وفقدوا عواطفهم الودية القديمة. وينتهي مشهد الحلم بحديث بين كي وأخيها المقرب "آلان" الذي هو أعمق شخصيات المسرحية وأروعها، وقد وضع بريستلي على لسانه فلسفته القائمة على فكرة البعد الرابع.
وتفيق كي من الحلم ويبدأ الفصل الثالث، وفيه نرى بقية الاحتفال بمولد كي الحادي والعشرين. إلا أن كي نفسها تحس أن ظلاً قاتماً قد هبط على نفسها فهي تذكر أنها حلمت بشيء فظيع، إلا أنها لا تذكر الحلم بتفاصيله، وإنما تعود إليها جزازات منه بين حين وحين فترتعش وتقلق وتنتفض انتفاضاً غريباً لا تدرك أمها سببه. أما الأسرة فتمضي تحلم بالمستقبل. ويفلح بريستلي في إثارة ما يسمى بالسخرية المسرحية (Dramatic Irony) في نفس المشاهدين والقراء الذين يعلمون مقدماً أن هذه الأحلام كلها ستتحطم خلال السنوات العشرين التالية.
هذه هي الخطوط العامة للمسرحية، وقد رأينا أن الزمن كان المحور الذي قامت العقدة عليه، وإن كانت حركته ذهنية امتدت في حلم كي. ولكي نفهم هذا الحلم الغريب، لابد لنا أن نستعين بنظرية دنّ التي سماها (Serialism) فهي السبيل الوحيد لتفسير ما قد يلوح وعياً خارقاً بالمستقبل البعيد. ذلك أن دنّ يعتقد أن الإنسان إنما هو "سلسلة من الملاحظين في سلسلة من الأزمنة" وهو يسمي وعينا الاعتيادي باسم "الملاحظ الأول" ويسمى الزمن الذي نعرفه باسم "الزمن الأول". ثم يقول إن الملاحظ الأول فينا يفقد نشاطه حين ننام، ويفيق مكانه الملاحظ الثاني الذي يملك مقدرة خارقة على الحياة في ما يسميه دنّ "الزمن الثاني" وهو حرية حركية واسعة على امتداد الزمن الأول تمنحنا قابلية جبارة على أن ننتقل بأذهاننا حيثما شئنا في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، كما صنعت كي كونوي حين انتقلت وهي في سنة 1919 إلى سنة 1939، وشهدت الواقع الفظيع الذي ينتظر أسرتها الآملة الطموح.
ولابد لنا أن نلاحظ أن بين الملاحظين الأول والثاني فرقاً جوهرياً، هو أن الأول عاجز قاصر بحيث لا يرى للأشياء في اللحظة الزمنية الواحدة إلا ثلاثة أبعاد، أما البعد الرابع، فهو لا يراه إلا على هيئة تغيرات بطيئة تعتري الأشياء في الزمن، في حين يستطيع الملاحظ الثاني أن يرى الزمن بعداً رابعاً للأشياء، يتحرك في لحظة كما يتحرك في سنة، أما هذه الحركة على امتداد البعد الرابع، فهي عند دنّ تفسّر أشياء كثيرة منها ما نراه أحياناً في أحلامنا من صور غريبة باهتة من عهود الطفولة المنسية، وما نلاحظه في أحيان أخر من صدق أحلامنا حول المستقبل، فقد يصدق أن نرى أنفسنا في مكان غريب لا نعرفه، ثم يحدث خلال أسبوع أن نرى المكان نفسه كما جاء في الحلم.
وهذه الفكرة المبتكرة، الغريبة إلى حد يفتن الخيال، معاكسة للفكرة الشائعة في الزمن، وهي الفكرة التي قامت عليها الآداب كلها منذ أقدم العصور، وقد لخصها بريستلي بقوله: "كل ما هو موجود في الواقع هو اللحظة الحاضرة، فالماضي قد تلاشى وأمس قد أصبح مع العصور، وهم كلهم قد ذهبوا إلى ليمبو. والمستقبل لم يصل بعد، ولا يمكن أن يقال إن له هيئة أو صفة، وإنما هو كالماضي لاشيء. وبين هذين "اللاشيئين" يقوم حدّ موسي هو اللحظة الحاضرة." وهذه الفكرة "الشائعة" المبتذلة عن الزمن قد كانت فكرة كي، التي جلست تحدث أخاها قائلة إن آل كونوي الشبان المرحين قد "ذهبوا" إلى الأبد، وإن في العالم شيطاناً كبيراً يسمى بالزمن، وظيفته أن "يضرب" البشر ويبلى عواطفهم ويطمر شبابهم. وهي أيضاً الفكرة التي قام عليها أدب العصر الإليزابيثي في الأدب الإنكليزي، ولعلها تفسر كونه عصر قلق وتحرق وانغماس في ملذات الحس.
واحتال بريستلي، لإتمام تطبيق نظرية دنّ، بأن خلق شخصية "آلان كونوي" البديعة، وقد كان هدفه منها أن يخلق إنساناً مؤمناً بأن الزمن بعد رابع يمكن أن نتحرك على امتداده، وبأنه يحيا كله في كل لحظة، فالماضي لايذهب إطلاقاً، وإنما هو موجود كله الآن، والمستقبل في اللحظة ينتظر كاملاً، في مكان ما، ونحن فيه كلنا بماضينا، بحاضرنا، بأبعادنا الثلاث كلها. وحين كان "آلان" مؤمناً بهذه الفكرة المريحة اكتست حياته باطمئنان رائع الجمال، لايعكره همّ ولا قلق ولا بغضاء، حتى إنه كان غاية في الصفاء والهدوء حين كانت أسرته كلها ترتجف بين فكي الشقاء في ذلك المساء من سنة 1939.
ومن هذه الحرية الحركية نستطيع أن نستمد سعادة عميقة كاملة تعزينا عن لحظات الأحزان وساعات الألم والمرارة. فنحن نستطيع مثل "آلان كونوي" أن نجد العزاء عن أي عذاب نعانيه بأن ننظر إلى اللحظة المظلمة على أنها "معبر" ذو أبعاد ثلاثة، لا بعد رابع لها، ومعنى هذا أنها لحظة عابرة، لابد أن تمحوها لحظة تالية سعيدة هي أيضاً ذات ثلاثة أبعاد. أما الزمن "حياتنا كلها" فهو مجموعة هذه اللحظات كلها منذ المولد حتى الوفاة.
من هذا نستنتج أن الفرق بين فكرة بريستلي ودنّ عن الزمن، والفكرة الشائعة عنه، يقوم على أن بريستلي ودنّ يعتقدان أن حركة الزمن أشبه بحركة الموجة تسير صعوداً وهبوطاً حتى تبلغ مقرها الأخير. ونحن على هذه الموجة أشبه ببجعات صغيرة تصعد وتهبط معها، وقد اعتدنا أن نسمي قمة الصعود بالسعادة وقرار الهبوط بالألم، ومن ثم نمضي في صعود وهبوط دائمين، دون أن نستطيع أن نقول: "نحن على القمة" أو "نحن في القرار"، لأن هذا القول ليس إلا نظرة ذات ثلاثة أبعاد لما هو ذو أربعة أبعاد، وهو الموجة النشيطة المتحركة التي لا يمكن أن تسمى موجة حتى تتجرد من حركتها.
وقد أخذ "آلان كونوي" على أخته "كي" أنها تجرد الحياة من بعدها الرابع، وبذلك تجردها من الأمل والجمال وتملأها يأساً وذلك وحده هو المسؤول عن شعورها بأن آل كونوي الشبان المرحين قد ذهبوا إلى الأبد؛ ذلك أن الماضي والحاضر والمستقبل عند "آلان"، تملك كياناً خارجياً مفصولاً عنا، وتعيش كاملة في لحظات الزمن كلها؛ وبريستلي يشبه هذا الكيان المستقل بالمحطات، ويشبهنا نحن بالقطار، والمحطة السابقة التي غادرناها أمس لم تمسح من الوجود حين غادرناها، وإنما لاتزال قائمة تملأها ضجة الموظفين وحقائب الركاب فكذلك الماضي الذي خلفناه لم يزل حياً، نشيطاً في مكانه، ومثله المستقبل فهو المحطة التي لن نصل إليها بعد، وهي كذلك قائمة، وليس من المعقول أن تخلق في لحظة وصولنا إليها.
على هذه الفكرة الأخيرة بنى الكاتب الإنكليزي الكبير هـ. ج. ويلز قصته الخيالية "آلة الزمن" (The Time Machine)، وقد ذهب فيها إلى أبعد مما ذهب بريستلي ولاشك، فجعل بطل القصة يخترع (آلة) تتحرك في الزمن، فإذا ضغط على بعض أزرارها انطلقت به كما يريد إلى أعماق الماضي، أو آفاق المستقبل. إلا أن غرض ويلز لم يكن ذا علاقة بالزمن، فقد كان الهدف الأول للقصة فيما يبدو أن تدرس المصير الذي ينتظر الوجود، نتيجة لانقسام المجتمع البشري اليوم إلى طبقتين اجتماعيتين تكدح إحداهما من أجل راحة الأخرى.

الكتاب، س6، ج3، مج10، القاهرة، مارس 1951.



توقيع نقوس المهدي



المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.




  مشاركة رقم : 3 (الرابط)  
قديم 06-19-2009, 12:54 AM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 8,878
بمعدل : 13.59 يوميا

نقوس المهدي متصل الآن عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : مختارات
افتراضي

أساليـب التكـرار فـي الشعـر


بقلم

الآنسة نازك الملائكة




على الرغم من أن التكرار كان معروفاً للعرب أيام الجاهلية الأولى، وقد ورد في الشعر العربي بين الحين والحين، إلا أنه في الواقع لم يتخذ شكله الواضح إلا في عصرنا، وقد جاءت على أبناء هذا القرن فترة من الزمن، عدوا خلالها التكرار في بعض صوره من ألوان التجديد في الشعر، ومن المؤكد أن الاتجاه نحو هذا الأسلوب التعبيري مازال في اطراد بحيث يصح أن نرقبه، ونقف منه موقفاً يقظاً، أقول هذا لا لأنني أعده أسلوباً ردئياً، فهذا بعيد عن رأي، وإنما لأنه، حين يعد أسلوباً سهلاً يستطيع أن يردي شعر أي شاعر إلى الهاوية. ذلك أن أسلوب التكرار يحتوي على كل ما يتضمنه أي أسلوب آخر من إمكانيات تعبيرية، وهو في الشعر، مثله في لغة الكلام يستطيع أن يغني المعنى ويرفعه إلى مرتبة الأصالة، ذلك إن استطاع الشاعر أن يسيطر عليه سيطرة كاملة، ويستخدمه في موضعه وإلا فليس أيسر من أن يتحول هذا التكرار نفسه بالشعر إلى اللفظية المبتذلة التي يمكن أن يقع فيها أولئك الشعراء الذين ينقصهم الحس اللغوي، والموهبة والأصالة.



والقاعدة الأولية في التكرار أن اللفظ المكرر لا بد أن يكون وثيق الارتباط بالمعنى العام، وإلا كان لفظية متكلفة لا سبيل إلى قبولها، كما أنه لابد أن يخضع ككل ما يخضع له الشعر عموماً من قواعد جمالية وذوقية وبيانية، فليس من المقبول تكرار لفظ ضعيف الارتباط بما حوله، أو لفظ ينفر منه السمع، إلا إذا كان الغرض درامياً، يتعلق بهيكل القصيدة العام وستوضح نماذج الشعر التي اخترتها ما أقصد بهذا، ولن يخلو المقال من نماذج للتكرار الرديء الذي يصدم الحس الجمالي ويخرج عن نطاق الغرض الذي يستعمل من أجله التكرار.
ولعل أبسط ألوان التكرار، تكرار كلمة واحدة في أول كل بيت من مجموعة أبيات متتالية في قصيدة، وهو لون شائع في شعرنا المعاصر، يتكئ إليه أحياناً صغار الشعراء في محاولتهم تهيئة الجو الموسيقي لقصائدهم الرديئة، حتى كثرت القصائد التي يبدأ كل بيت فيها بألفاظ مثل "أنت" و"تعالي" و"هنا" ونحوها... ولا ترتفع نماذج هذا اللون من التكرار إلى مرتبة الأصالة والجمال، إلا على يدي شاعر موهوب يدرك أن المعوّل في مثله على ما بعد الكلمة المكررة ، فإن كان مبتذلاً، رديئاً، سقطت القصيدة، وإلا فهي في مستوى قصيدة الهمشري "إلى الفاتنة" وهذا نموذج منها:


أنت كوخ معشوشب في ربـاة


مـقمر الصمت سرمدي الخيـال


نعسـت روحي الكليلـة نشـوى


فيه، ترعى فجري هذا الجمـال


أنت صمت مخيم ... ففضاء...


فـظـلام مكوكـب ... فـنهـار


فهمـود تـدب فيـه حيـاة


ويغنـي في فجرها النـور بهـار


أنت كـل الحيـاة .. أنت كيـانـي


أنت روحي أبصرتها في سباتي


أنت وحيي مجسداً.. أنت لحني


يـاسـمـاء علـى سـمـاء حياتـي



والملاحظ أن كثيراً مما كتب المعاصرون من هذا اللون رديء تغلب عليه اللفظية، وعلة هذه الرداءة أن طائفة من الشعراء تضيق بهم سبل التعبير فيلجأون إلى التكرار، التماساً لموسيقى يحسبون أنه يضفيها، أو تشبهاً بشاعر كبير، أو ملئاً لفراغ. ومن النماذج المبتكرة، تكرر كلمة "نسيت" في قصيدة النسيان لمحمود حسن اسمعيل، فهذا تكرار يتعلق تعلقاً مباشراً ببناء القصيدة العام، وهو أحد الأسباب التي تجعلنا نعده تكراراً ناجحاً غير لفظي، كما نعد القصيدة واحدة من أجمل ما كتب شعراؤنا المعاصرون. ولعل من المناسب أن أقتطف نموذجاً من القصيدة، ولينتبه القارئ إلى العناية الكبيرة التي صبها الشاعر على ما يلي لفظة "نسيت" في كل بيت، وهو سر جمال التكرار ونجاحه:
ونسيت الأنسـام تنقـل فـي المـرج صـلاة الطيـور للغـدران
ونسيت النجــوم وهـي علـى الأفــق نشيــد مبعثــر الأوزان
ونسيت الربيع وهو نديم الشعر والطيـر والهـدى والأمانـي
ونسيت الخريف وهـو صبـا مات فسجتـه شيبـة الأغصـان
ونسيت الظلام وهو أسى الأرض وتابوت شجوها الحيران
ونسيت الأكـواخ وهـي قـلـوب داميــات تلفعــت بالـدخــان
ونسيت القصور وهي قبـور ضاحكـات البلى مـن البهتــان

هذا نموذج يتوفر فيه الشرطان، فاللفظ المكرر متين الارتباط بالسياق، وما بعده قد لقي عناية الشاعر الكاملة.
يلي تكرار الكلمة، تكرار العبارة، وهو أقل في شعرنا المعاصر، وتكثر نماذجه في الشعر الجاهلي ومنه في شعر المهلهل:



ذهب الصلح أو تردوا كليبا


أو تحلوا على الحكومة حلا


ذهب الصلح أو تردوا كليبا


أو أذيـق الغداة شيبان ثكلا


ذهب الصلح أو تردوا كليبا


و تنـال العـداة هـونـا وذلا



وقد كرر المهلهل عبارة "على أن ليس عدلاً من كليب" في قصيدة أخرى أكثر من عشرين مرة على رواية أبي هلال العسكري... وأشهر من هذا التكرار لعبارة "قربا مربط المشهر مني"، و"المشهر" فرسه وهو يستدعيه، إيذاناً بعزمه على الحرب، ورداً على قصيدة الحارث بن عباد التي استدعى فيها فرسه "النعامة" مكرراً عبارة "قربا مربط النعامة مني".
ولا يخفى أن للتكرار في هذه المواضع كلها علاقة كبيرة بظروف الشاعر النفسية، وطبيعة حياته البدوية...ولا شك في أنه كان يلاحظ أن التكرار يثير الحماسة في صدور المحيطين به وسستنفرهم للقتال، ومن ثم استعمله.
وأحد نماذج التكرار المألوفة في عصرنا، تكرار بيت كامل من الشعر، في ختام المقطوعة، وقصيدة ميخائيل نعيمة "الطمأنينة" مثال ناجح له:


سـقف بيتي حـديـد


كـن بيتـي حجـر


فاعصـفــي يـاريـاح


اقصفي يا رعـود


واسـبحـي ياغـيـوم


وانتحب ياشـجــر


واهطلـي بالمطـــــر


لست أخشى خطر


سقـف بيتـي حـديـــد


ركـن بيتي حجــر


من سراجي الضئيـل


أسـتمــد البصـــر


كـلمــا الليـــل جـــاء


والظــلام انتشــر


وإذا الفجـــر مـــات


والنهـــار انتحــر


فـاخـتفــي يانجـــوم


وانطفـئ ياقمــــر


من سراجي الضئيل


أسـتمــد البصـــر



ولنلاحظ أن هذا اللون من التكرار لا ينجح في القصائد التي تقدم فكرة عامة لا يمكن تقطيعها، لأن البيت المكرر يقوم بما يشبه عمل النقطة في ختام عبارة تم معناها، ومن ثم فهو يوقف التسلسل وقفة قصيرة ويهيء لمقطع جديد. وقد رأينا أن قصيدة نعيمة تقدم نماذج فرعية لمعنى الطمأنية العام، وقد وقفت كل مقطوعة نفسها على نموذج فرعي واحد انتهت عنده، وهذا سر نجاح التكرار في القصيدة. ويفشل هذا التكرار في القصائد التي تتسلسل معانيها تسلسلاً لا داعي فيه للتقطيع. ومن نماذجه قصيدة عنوانها "سجين" لبدر شاكر السياب، يبدو التكرار في ختام كل مقطع منها صادماً يعوق التسلسل، ويوقفه دون داع، وهذان مقطعان منها:


ذراعـا أبـي تلقيـان الظــلالَ


على روحيَ المستهام الغريب


ذراعا أبي والسراجْ الحزين


يطاردني في ارتعـاش رتيـب


وحفت بي الأوجهْ الجائعات


حيـارى، فيا للجـدار الرهيـب


ذراعـا أبـي تلقيــان الظــلال


على روحيَ المستهام الغريب


وطال انتظاري..كأن الزمان


تلاشـى فلـمْ يبـقَ إلا انتظــار!


وعيناي ملءُ الشمـال البعيـد


فيـا ليتنـي أستطيــع الفــــرار


وأنت التقـاءُ الثـرى بالسمـاء


علـى الآل فـي النائيات القفـار


وطال انتظاري كأن الزمان


تلاشى فلـم يبـق إلا انتظـــار!



التكرار هنا يبدو تلويناً مجرداً ليس له داع، وهو يوقف الانسياب الشعوري للقصيدة، التي تملك كسائر قصائد هذا الشاعر وحدة محببة يؤسفنا أن تتعثر لاهثة في ختام كل مقطع. وقد كان موضع التكرار هنا، (رغم تسلسل القصيدة وطبيعتها التي لا تقبل التقطيع) يمكن أن يتحسن لو عني الشاعر بأن يجعل البيت الثالث في المقطوعة يفضي بمعناه إلى البيت الرابع، كما في مقطوعات ميخائيل نعيمة، فإذا ذاك يمتلك التكرار سبباً واحداً يبرر وجوده في قصيدة لا تحتاج إليه إطلاقاً.
ومن هذا اللون من التكرار، ما يكرر الشاعر فيه كلمة أو عبارة معينة واحدة في ختام مقطوعات القصيدة جميعاً، وهو لون شائع مثاله تكرار ايليا أبو ماضي المشهور بعبارة "لست أدري" في قصيدة "الطلاسم" وتكرار علي محمود طه لعبارة "اسقنا من خمرة الرين اسقنا" في قصيدة "جمرة نهر الرين"، وشرط هذا النوع من التكرار أن يوحد القصيدة، في اتجاه يقصده الشاعر، وإلا كان زيادة لا غرض لها.
ثم ننتقل إلى تكرار المقطع كاملاً، وهو تكرار يخضع لشرط تكرار البيت عينها، أعني إيقاف المعنى لبدء معنى جديد ومن أمثلته قصيدة "الصباح الجديد" لأبي القاسم الشابي وقد كرر المقطع التالي فيها أكثر من مرة:


اسـكتــي يـا ريــاح


واسكتـي يا شجون


مات عهـد النــواح


وزمــان الجنــون


وأطــــل الصـبـاح


من وراء القـرون



ومع أن التكرار لم يضر بالقصيدة، إلا أنه لم يفدها كثيراً، وربما كان أجمل لو حذفه الشاعر فالقصيدة من دونه لا تخسر شيئاً، ويلاحظ أن هذا التكرار المقطعي يحتاج إلى وعي كبير من الشاعر، بطبيعته كونه تكراراً طويلاً يمتد إلى مقطع كامل، وأضمن السبل إلى نجاحه أن يعمد الشاعر إلى إدخال تغيير طفيف عى المقطع المكرر، والتفسير السايكولوجي لجمال هذا التغيير، أن القارئ، وقد مر به المقطع، يتذكره حين يعود إليه مكرراً في مكان آخر من القصيدة، وينتظر غير واع أن يجده كما مر به تماماً...لذلك يحس برعشة من السرور حين يلاحظ فجأة أن الطريق قد اختلف، وأن الشاعر يقدم له في حدود ما سبق أن قرأه، لوناً جديداً. ولا أجد في ما بين يدي من الدواوين نموذجاً أعرفه لهذا التكرار باستثناء قصيدتي "الجرح الغاضب" التي نشرت في مجموعتي "شظايا ورماد"، فالمقطع الأخير في هذه القصيدة تكرار ملون لمقطع سابق.
ويهمني أن أشير إلى أن التكرار في قصيدة "الجرح الغاضب" على الرغم من ألوانه المختلفة عن ألوان المقطع الأصلي، لا يدخل على هيكل القصيدة المعنوي تغييراً، وإنما يؤكده لا أكثر، فهو تكرار بياني..
والخطوة التالية التي يمكن أن يخطوها الشاعر في هذا التكرار المقطعي، أن يقيم هيكل المعنى في القصيدة على التلوين الذي يدخله بالصورة التي بينتها على المقطع الأصلي الذي يكرره، والنموذج الذي أحبه وأريد تقديمة للقارئ قصيدة بديعة لأمجد الطرابلسي قرأتها في مجلة الرسالة منذ سنين عنوانها "احترق...احترق"


أنقلها هنا كاملة:


لا تقف يا قطار


لا تهـن يا خفـق


نخـلات الديـار


من وراء البحار


لمعت في الأفق


ويك لا تحترق


قد بلغنـا الفنـاء


بعـد كـد المسيـر


ليس دون لقـاء


بعد هذا المساء


غير بعض العصور


وبحــار تمــور


سر بنا..سر بنا


فـي الدجى يا أمل


الهــوى نـاينــا


والمـــدى غـانيــا


يا هنا من وصل


بعد فوت الأجل


قف بنا ياقطــار


واستـرح يا خفق


بيننــا والـديــار


غمـرات البحـار


وظــلام الأفـق


احترق..احترق..



ألا يتعلق التكرار هنا تعلقاً قوياً ببناء القصيدة العام بحيث يستحيل حذفه دون أن تنهار القصيدة "وهي غامضة، صوفية الاحساس، عني الشاعر فيها برسم الجو، أكثر مما عني بتقديم المعنى مفرزاً مرتبطاً متسلسلاً" تبدأ بالأمل في العودة إلى الديار، ذلك الامل الذي يغذيه لمعان نخيل الديار من وراء البحار، ثم يتذكر الشاعر الزمن والموت وطبيعة الأمل الزئبقية...ويتسع في ذهنه مدلول الديار فيتحول إلى ما هو أعمق من الأرض وأبعد، وإذ ذاك يرسل صرخته الأخيرة: "قف بنا ياقطار" وبالتلوين اللفظي الذي أدخله الشاعر في المقطع المكرر تغير اتجاه المعنى في القصيدة كلياً، فاستحالت "لا تحترق" إلى "احتراق..احتراق.." وكانت هذه مقارنة صامتة بين حس الأمل في المقطع الأصلي، وحس اليأس في المقطع المكرر. وقد كان الشاعر فناناً وهو يختار "احترق..احترق.." عنواناً، لأنها كما رأينا ملخص الصراع كله، وإليها ترتكز القصيدة.
وتجرني هذه القصيدة التي اختتمها الشاعر بالتكرار، إلى الوقوف لحظة عند قضية اختتام القصائد بتكرار مقاطع سابقة منها، فالملاحظ أن كثير من هذه الخواتيم تجيء غاية في الرداءة والسبب أن بعض الشعراء الضعفاء يلتجئون إلى التكرار تهرباً من اختتام القصيدة اختتاماً طبيعياً، ومن طبيعة التكرار أنه يوحي بانتهاء القصيدة ويستطيع بهذا أن يخدع القارئ العادي، على أن لا يفوت على قارئ متذوق يفهم أسرار البلاغة في التكرار وسأختار لهذا التكرار المضلل نموذجاً لشاعر نؤمن بشاعريته (فلا خير من أمثلة نقتطفها من شعراء لا قيمة لهم): قصيدة "الكوخ" من ديوان "أغاني الكوخ" الصادر سنة 1934 لمحمود حسن اسماعيل، وهي قصيدة طويلة ضغطت فيها القافلة الموحدة على الشاعر حتى أبرمته، وجعلته يتهرب من الخاتمة فأجهز على القصيدة بتكرار المطلع وقد كان لسوء الحظ مطلعاً ردئياً:


بعثر عليه الدمـع ما صفقـت


في قلبـك الألحـان يا شـاعـر


وأحرق له الأجفان ما مسها


برح الأسى والحزن يا ساهر



* * *

بقي من أنواع التكرار نوع دقيق، يكثر استعماله في شعرنا الحديث، وهو تكرار الحرف، وأمثلته كثيرة منها هذان اليبتان العذبان من إحدى قصائد أبي القاسم الشابي المشهورة:


عذبة أنت كالطفولة كالأحـلام كاللحـن كالصبـاح الجديـد


كالصباح الجديد، كالليلة القمراء، كالورد، كابتسام الوليد



فالشاعر يكررالكاف هنا ويؤثرها على واو العطف لأنها تجدد التشبيه وتقويه محتفظة له بيقظة القارئ كاملة، ولا شك في أن المعنى يفقد كثيراً لو كان الشاعر قال "عذبة أنت كالطفولة والأحلام واللحن"...
وهذا نموذج ثان من قصيدتة رائعة الجمال لبدر شاكر السياب عنوانها "أهواء":


وهيهات ..أن الهوى لن يموت


ولكن بعض الهــوى يأفــلُ


كمــا تأفـل الأنجـمُ الخافـقــات


كما يغرب الناظـر المُسبَـلُ


كمــا تستجـمّ البحــار الفســاح


مليـّـاً كمــا يرقــد الجــدول


كنوم اللظى، كانطواء الجناحِ


كما يصمت النايُ والشمألُ



ويلاحظ أن التكرار لو حذف لفقدت الصور الفرعية كثيراً من جمالها...أما الفائدة الايجابية للتكرار في هذه النماذج كلها فسأرجئ الكلام فيها إلى فرصة أخرى.



الأديب، س 11، ج 5، بيروت، مايو 1952.




توقيع نقوس المهدي



المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.




  مشاركة رقم : 4 (الرابط)  
قديم 06-19-2009, 12:08 PM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 8,878
بمعدل : 13.59 يوميا

نقوس المهدي متصل الآن عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : مختارات
افتراضي



مـزالـق النقــد المعــاصـر


بقلم
الآنسة نازك الملائكة (بغداد)





ما زال النقد الأدبي بمعناه الحديث فناً ناشئاً في آدابنا المعاصرة تنقصه الأسس التي يرتكز إليها في أحكامه ويعوزه التركز والرصانة. فنحن مازلنا نعبر من حياتنا تلك الفترة التي تتصف بالعفوية والاستغراق، وهي فترة تمر بها الآداب في أوائل يقظتها حين يكون إنتاجها غير شاعر بذاته، فيتفجر على صورة أدب يعالج الانطباعات النفسية والذهنية والاجتماعية معالجة تلقائية دون أن يقف ليراجع هذا الإنتاج ويحكم عليه.
والنقد الأدبي مرحلة يبدأ فيها الأدب العفوي إحساسه بذاته على أثر نضجه واكتمال نموه وشعوره بفيض من الحيوية الناقدة التي لابد لها أن تنطلق. وهو في حياة أية جماعة يمثل مرحلة اكتمال ثقافي يمكن أن نسميه وعياً للذات ولهذا نجد المألوف في آداب الأمم أن يوجد الفنانون أولاً ثم النقاد.
وما دامت الحاجة إلى النقد الأدبي بدأت تبرز وتتضخم في آدابنا فليس من شك في أنه على وشك نمو سريع، فمتى اقتضت الظروف أن يوجد لون معين من الأدب كان لا بد له أن يوجد وأمامنا شواهد تاريخية كثيرة على هذا القانون. على أن هذا الفرع من فروع التأليف وهو يسير على غير هدى سيضع جهوداً كثيرة حتى يهتدي إلى الأسس التي ستوجهه وتحكمه، وحتى تنشأ فيه النظريات والمذاهب والمدارس التي تستند إلى أدبنا المحلي دون ارتكاز إلى نظريات النقد الأوربية.
والمزالق التي يجابهها النقد العربي اليوم أكثر مما يمكن معه الاطمئنان، فالناقد يدخل هذا الميدان المضل دون نظريات تقوده ولا مذاهب توجهه ولا أسس يعتمد عليها في أحكامه وإنما يجد مكان هذا إحساساً داخلياً مبهماً يهتف به أنه وهو يسلك مسلك الناقد إنما يضع بنفسه خططاً وقوانيناً وأسساً، وذلك لأنه لايملك حتى نماذج رديئة يقيس عليها. ومن هنا ينشاً في نفسه التهيب ويحس بضرورة الحذر الشديد والاقتصاد في الأحكام وإلا جرفه تيار الابتذال. وهذا فيما نظن موقف كل ناقد مثقف يعرف هدفه معرفة جيدة ويهمه ألا يضل الطريق. فالنقد في هذه المرحلة من مراحل نموها الثقافي موضوع دقيق خطر، وسيكشف المستقبل القريب الغطاء عن كثير مما يمر بنا اليوم باسم النقد، فيلوح لنا إذ ذاك مظهراً من مظاهر صبانا الثقافي لا أكثر.
وأحد المزالق الشائعة التي يكثر سقوط الناقد العربي المعاصر فيها، مزلق يغلب على ظننا أنه صدى للأبحاث السايكولوجية الحديثة التي تصب اهتماماً ضخماً على الفنان نفسه حين تحاول تقديم إنتاجه الفني. وقد بات شائعاً أن يكتب الكاتب مقالاً في نقد قصيدة أو ديوان شعر فينتقل دون وعي إلى الحديث عن حياة الشاعر وظروفه الاجتماعية والبيتية. وليس من الضروري لكي يتم السقوط في هذا المزلق أن يتحدث الناقد عن مولد الشاعر وطفولته، وإنما يكفي أن يقول أن هذه القصيدة تدل على أن الشاعر جبلي مثلاً، وأنه يعيش حياة هادئة ونحو هذا لكي لا يخرج كلياً عن حدد مملكة النقد الأدبي ويدخل في نطاق سيرة الحياة.
ذلك أن المهمة الأدبية للناقد تبقى مقيدة بالقصيدة من وجهتها الجمالية والتعبيرية، في دراسة موضوعية خالصة، يلاحظ خلالها هيكل القصيدة العام، ويقف عند أداة التعبير فيدرس مدى اتساقها مع جو القصيدة والعاطفة التي تسيطر عليها، ويدرس الوزن واللمسات الموسيقية وأثر القافية، ويتحدث عن الموضوع وأسلوب الشاعر في تناوله، ويعين الأساس الذي ترتكز إليه الفكرة العامة، وقد يخرج إلى المقارنة بين قصيدة وقصيدة وشاعر وشاعر، ولابأس في أية اتجاهات أخرى لاتخرج عن هذه الحدود ولا تدخل في نطاق حياة الشاعر وآرائه الاجتماعية، فهذا يدخل في باب السيرة وهي دائرة منفصلة عن دائرة النقد الأدبي.
وأقرب المزالق إلى مزالق السيرة هذا، اتجاه الناقد إلى العناية بما في القصيدة من عواطف وأفكار وجعلها الأساس في نقده. وهذا خطأ شائع يسهل الوقوع فيه خاصة في هذا القرن الذي تشعبت فيه الآراء وزادت سطوتها في الأذهان فبات لكل منا معتقده الذي يؤمن به إيماناً عميقاً ويتحمس له. ومهمة الناقد الأدبي شاقة لأن عليه أن يتجرد من طغيان آرائه وهو يتناول القصيدة التي يدرسها، فالمهم بالنسبة إليه هو القصيدة لا نوعية الآراء التي تحملها. والحقيقة إن استهواء الأفكار والآراء استهواء خطر لا سبيل إلى الاستهانة به خاصة حين تكون هذه الآراء مما يمس القضايا الحساسة في أنفسنا إنسانية كانت أو وطنية أو فردية. وكثير من الناس يجنحون دون وعي إلى الاعجاب بكل قصيدة تعبر عن آرائهم متغافلين عن ضعف القوى الشعرية فيها تغافلاً تاماً. وتلك حالة تشفع فيها للقصيدة عوامل لا علاقة لها بالشعر، وهي حالة يقع فيها كثير ممن يكتبون في النقد، فالقصيدة عندهم رديئة لأنها تحتوي على رأي في الحياة يخالف رأيهم وكأن للآراء الشاعر الخاصة قيمة فنية تؤثر في حكمنا على شعره.
والمشكلة الأساسية في هذا المزلق، أن الكاتب يخلط بين القصيدة وموضوعها وهما شيئان منفصلان. ويمكن أن نقول إجمالاً إن الموضوع ينبغي أن يؤثر في القصيدة للتعبير لا في الناقد، فكل ما يهم الناقد أن يلاحظ كفاءة القصيدة للتعبير عن الموضوع دون أن يناقش صلاحية الموضوع من الوجهة الاجتماعية والتاريخية، فهذه تدخل في حدود مهمة الذين يدرسون تاريخ الحركات الوطنية والأدبية، وهي إن استاهلت من الناقد التفاتاً فهو التفات الإشارة، الذي لا يعفيه من نقد القصيدة نقداً موضوعياً. والسقوط في هذا المزلق يستطيع أن يتم كما تم سابقه دون تطرف كبير، فيكفي أن يهتم الكاتب بالإشارة إلى آراء الشاعر حتى دون أن يناقشها لكي يخرج عن حدود مهمته. ومن نماذج هذا الخروج أن يقول الناقد للقارئ أن الشاعر يحب الطبيعة أو أنه شديد الحساسية بدليل قوله...وأنه يدعو إلى الانطلاق بدليل قوله...ونحو هذا. فهذا كله لون من الدراسة الاجتماعية والنفسية ولا علاقة له بالنقد.
ومن أبرز المزالق التي يحذرها الناقد المثقف ما يمكن أن نسميه بالنقد التجزيئي، وهو ذلك النقد الذي يتناول القصيدة تناولاً تفصيلياً يقف عند المظاهر الخارجية، ويعفي نفسه من معالجة القصيدة باعتبارها هيكلاً فنياً مكتملاً. وأظهر أعراض هذا النقد اعتبار القصيدة مجموعة من المعاني وحدها البيت على الأسلوب القديم. وفي هذه الحالة يقف الناقد عند البيت الواحد مناقشاً في أسلوب كلامي ويتناول التعابير مفصولة عن السياق فيحكم عليها بالجمال أو القبح. ويصبح ناقد هذا النوع خطراً حين يكون ذكياً بارع الأسلوب، فهو إذ ذاك يفلح في تضليل طالب الأدب الناشئ وتوجيهه وجهة مغلوطة في التذوق والحكم، فبدلاً من أن يقدم له أسلوباً منهجياً في تقيم القصيدة يشغله بملاحظات ذكية لاذعة هنا وهناك. مثل هذا الناقد ينسى أن النقد الحقيقي يبدأ بعد هذه المرحلة التي تقف عند الثوب الخارجي وتترك جوهر القصيدة مطموراً بعيداً عن تذوق القراء.
وأحد المزالق أن يعتاد الناقد أن يكون سلبياً في أحكامه فبدلاً من أن يدل على مواطن الجمال في الشعر المنقود، يكتفي بتبرئته من المعايب الشائعة. ونموذج هذا تلك العبارة التي يكررها الكتاب حين يحاولون الحكم على شاعر مقبول، وهي قولهم "إنه شاعر حقيقي يشعر ولا ينظم..." أفلا تتضمن كلمة "شاعر" معنى الحقيقي الذي يشعر؟ ومتى كان الشاعر يمتدح بأنه ليس "نظاماً"؟ ومن أمثلة هذه الأحكام السلبية ما قرأناه لأديب كبير في نقد ديوان لشاعر معروف. قال: "لا تكلف ولا تبذل ولا لف ولا دوران ولا بهرجة بيانبة وعروضية ولا تفتيش مضن عن أوابد الكلم والمعاني." ولسنا نفهم كيف يكون هذا مديحاً إلا إذا أصبح مجرد خلو الشعر من بعض العيوب الفادحة يمكن أن يعد فضيلة تمتدح، وإلا إذا كان المعنى أن شعرنا اليوم يقوم على اللف والدوران والبهرجة والتفتيش المضني عن الألفاظ.
وأحد المزالق الخطرة يكمن وراء استهواء الأفكار والسُكر بالنظريات، وهو مزلق يتردى فيه أولئك الموهوبون الذين قال عنهم ت. س. ايليوت في بعض مقالاته أنهم يملكون عبقريات خلاقة، إلا أنهم لتعطل في قواهم المنتجة راحوا يتسلون بالنقد الأدبي. مثل هؤلاء عادة يحوكون حول القصائد نظريات متحمسة أو تفسيرات من لون بعيد عن الأصل بعداً كبيراً قلما يلاحظونه، فهم منتشون ببريق الفكرة التي ابتدعوها وليس على القصيدة إلا أن تنضغط وفق القالب الذي يريدونه.
وقريب من هؤلاء أولئك الذين يحملون عن القصائد آراء سابقة قبل أن يقرأوها فليس أخطر من هذا الاستعداد العاطفي، لأنه أحياناً ينوّم حاسة التذوق ويعطل قابلية الحكم ليفرض رأياً غير مقبول.
أما إغراء الأسلوب والانتشاء بالألفاظ والتعابير فهو مصيدة للناشئين من النقاد الذين يسكرهم إحساسهم بالقدرة على التعبير فينشئون مقالاً منمقاً عالي الأسلوب مكتمل الإنشاء، إلا أنه لا يمس القصيدة التي يتناولها إلا مساً خفيفاً، ومن هؤلاء فئة تغرم بكتابة المقدمات التاريخية المتعلقة بموضوع الشعر، وأعرف أديباً يكتب في نقد قصيدة تصف سنابل القمح في حقل فيبدأ من تاريخ أول طاحونة هوائية.
هذه المزالق كلها قائمة أمام الناقد العربي المعاصر تفرضها عليه الظروف التاريخية التي واكبت نهضتنا الحديثة وهي بما فيها من استهواء توشك أن تلقف كثرة بارزة من كتّاب النقد المعاصرين بحيث بات المجال دقيقاً محفوفاً بالخطر. وما لم يتسلح الناقد المعاصر بثقافة متغلغلة نفاذة أصبح لا بد له أن يذهب في الضحايا ويساعد في اسلام أدبنا المعاصر إلى الفوضى والاضطراب.


الأديب، س12، ج5، بيروت، مايو 1953


توقيع نقوس المهدي



المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.




  مشاركة رقم : 5 (الرابط)  
قديم 06-20-2009, 12:20 PM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 8,878
بمعدل : 13.59 يوميا

نقوس المهدي متصل الآن عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : مختارات
افتراضي

الشعــر والمجتمــع

بقلم الآنسة نازك الملائكة
(بغداد)





باتت الدعوة إلى اجتماعية الشعر نبرة عصبية تطغى على الصحافة العربية طغياناً عاصفاً. فالقارئ يعثر على أصدائها في كل صحيفة يقرأها، ويسمعها تتكرر في محطات الإذاعة، وتتسلل إلى أحاديث الأندية والمجتمعات حتى باتت في عنفها تشبه تياراً جارفاً يريد أن يكتسح القيم كلها. ونحن لا نشك في سلامة نية هذه الدعوة، وصدق إيمانها بغايتها، ومن المؤكد أنها لا تريد ضراً بالشعراء، فهي على العكس، تؤمن بالشعر إيماناً متحمساً يجعلها تنتظر منه أن يحقق المعجزات في سبيل إنقاذ هذه الأمة التي تعبر اليوم مرحلة متأزمة من حياتها.
على أن سلامة النية لا تملك أن تعصم من الاندفاع العاطفي الذي نلمس آثاره في هذه الدعوة، ولذلك بات على الشعر المعاصر أن يواجه الموقف ويتخذ إزاءه قراراً.
وأول ما يؤخذ على هذه الدعوة التي تذهب إلى أن الشعر يجب أن يكون "اجتماعياً"، إنها تتسلح بمجموعة من التعابير المبهمة التي لا تحاول تحديدها من نحو قولهم "الأبراج العاجية" و"المتهربون من الواقع" و"الأدب الشعبي" و"الشعراء الذاتيون".
وقد أدى تداول جماهير الكتّاب لهذه الألفاظ إلى اضطراب شديد في مدلولاتها وأكسبها من السطحية ما يجعل الناقد المثقف يتحرج من استعمالها محاولاً صياغة تعابير جديدة تؤدي معانيها الفنية والنظرية. أما العاطفية التي يتصف بها كثير من المقالات التي تؤيد الدعوة، فهي تجعلها غالباً خلواً من الرصانة الفكرية التي تتسم بها الدعوات الفنية والمذاهب الفلسفية.
ويبدو لنا أن الدعوة قد نسيت حتى الآن أنها دعوة في مجال فني، فهي تتحدث عن كل شيء آخر غير الشعر، مع أنها موجهة إلى الشعراء. ومن المؤكد أنها لم تقف بعد لتفكر في أسس نظرية تخطها وتضمن بها لأتباعها من ناشئي الشعراء ما يقيهم التخبط وهم ينظمون قصائدهم وفقها، ولم نتسائل بعد عن المدلول الشعري لهذه "الاجتماعية" التي تنادي بها: أهي منهج فني يتقي به الشاعر الناشئ العثرات الضخمة التي تنتظره في مسالك القصيدة الوعرة؟ أهي تخطيط يدله على هيكل القصيدة ويعينه على بنائه؟ أهو تحديد للموضوع؟ كل هذه أسئلة تستهين بها الدعوة، فالجهة الشعرية من الشعر المعاصر هي آخر ما تهتم له، وكأنها دعوة في مجال اجتماعي منفصل انفصالاً تاماً عن الشعر الذي تطبق عليه.
والدعوة بصورتها الحالية تحتمل نقداً شديداً من جهاتها كلها: فنياً وإنسانياً ووطنياً وجمالياً ... وأبرز مواطن الضعف فيها أنها كما قلنا لا ترتكز إلى أسس فنية شعرية، ولم يحاول كاتب واحد بعد أن يحددها من وجهتها النظرية. على أن في صيحاتها المتتابعة ما يمكن أن نعده أسساً مبهمة تريد تشييدها، وفي حدود هذه الأسس نريد أن ندرسها ونناقش موقفها من الشعر إجمالاً.
أما من الوجهة الفنية، فيبدو لنا أن الدعوة حين تلح على أن الشعر يجب أن يكون اجتماعياً، إنما تتناول "الموضوع" وتجعله الغاية الوحيدة المقصودة في كل شعر، فهي لا تهتم بسائر مقومات القصيدة كالبناء والهيكل والصور والانفعال والموسيقى والفكرة والمعاني الظاهرة والخفية، وإنما تقصر عنايتها على موضوع القصيدة وكأنه العنصر الوحيد الذي يكونها. وهذا مخالف لمفاهيم الشعر البديهية، فلعل الموضوع في نظر النقد الأدبي أتفه مقومات الشعر وأقلها استحقاقاً للدراسة المنفصلة، وذلك لأن كل موضوع يصلح للشعر سواء دار حول مشكلة وطنية، أو شجرة توت، أو معركة سباب في شارع ضيق، فالمهم على كلٍ هو أسلوب الشاعر في معالجة الموضوع، لذلك نجد الموضوع عينه ميتاً أو مغمى عليه عند شاعر، حياً ينبض بالجمال المنفعل عند شاعر ثان. ومن هذا يبدو أن الدعوة تلح على العنصر الوحيد الذي ليس شعرياً في القصيدة.
ولا تقتصر الدعوة على عزل الموضوع عن سائر عناصر الشعر، وتضخيم قيمته الفنية هذا التضخيم الذي لا يشفع له شيء، وإنما تمضي في طغيانها الحسن النية، فتأبى إلا أن تحدد مجال هذا الموضوع تحديداً صارماً. فكل شعور لا يتعلق بالوطنية في أضيق معانيها يفوز لديها بنعوت عاطفية جارفة لا يصد اندفاعها شيء. وهكذا نجدها لا تكتفي بهدم سائر معالم القصيدة، وإنما تهدف أيضاً إلى أن تتحكم حتى في العنصر الوحيد الذي أبقته وهو الموضوع. فهي تحمل سيفاً بتاراً وتقف مترصدة فما تكاد تعثر على انفعال خصب لجمال وردة، أو حب ساذج، أو شعور بأزمة نفسية يعانيها فرد إنسان، حتى تضرب ضربتها في عنف وقسوة وتحكم على القصيدة بالتفاهة. وقد قرأنا في الصحف العربية مقالات عجيبة في النقد تصفق لكل قصيدة اجتماعية حتى إذا كانت من وجهة نظر الفن والنقد لا تستاهل أن تسمى شعراً، ولو أراد النقد أن يتصدى لها لانهارت انهياراً فاجعاً. وهذا كله جناية الموضوع على الناقد.
وإذا فحصنا الدعوة من الوجهة الاجتماعية وجدناها في صميمها تنزع إلى أن تجرد الشعر من العواطف الإنسانية. ذلك أن أشد سخطها واستنكارها ينهال على ما تسميه دون أن توضح مقصدها "المشاعر الذاتية" و"الهرب من الواقع" و"الانعزالية". ولو فحصنا هذه التعابير لوجدناها تنتهي كلها إلى أن تنكر أن يكون شعور الفرد العادي من الناس موضوعاً للشعر، فهو، لكي يستحق أن تدور حوله قصيدة ينبغي أن يكون عملاقاً بلا مشاعر: فلا يحب الأزهار، ولا يضيع وقته في مراقبة مغرب الشمس على حقول الحنطة، ثم أنه لا يتألم لهمومه الخاصة، وهو يؤمن بأن الاستماع إلى الموسيقى في هذه الظروف العصيبة إنما هو خيانة وطنية، ونحو هذا...وليس أشد تناقضاً من هذا. فكأن الدعوة عندما أرادت أن تدعو إلى الواقعية ابتعدت عن الواقع ابتعاداً عجيباً، وأسلمت نفسها إلى اعتقادات نظرية لا علاقة لها بالحياة.
وما هذا الواقع الذي تدعو إليه؟ أليس هو حياة الناس؟ الناس الذين لا يمر عليهم يوم دون أن يتألموا ويضحكوا لأسباب تخصهم فردياً، ويعيشون مفكرين في عواطفهم وآمالهم وهمومهم، وتشغلهم قضايا حياتهم الخاصة بكل ما فيها من ذكريات وحماسات ومشاكل نفسية وصداقات وأفكار. وأي لون من الشعر يستطيع أن يعبر عن هذه الحياة الواقعية الإنسانية؟ أهو الشعر الساذج المنفعل بالعبرات والبسمات أم هو الشعر الاجتماعي الذي يقف موقف الوعظ والخطابة؟
ثم أننا حين نسلط الضوء على قولهم "انعزالي" نجدنا إزاء لفظ من تلك الألفاظ التي وسّع الاستعمال معناها أو لعله ضيقه حتى فقد دقته. فالدعوة حين تستعمل هذا اللفظ في مجال النقد الأدبي تنسى أن المجتمع إنما يترك طابعه على الفرد إجباراً لا اختياراً بحيث تصبح السمة الاجتماعية وسماً طاغياً لا يملك الفرد لأن ينجو منه حتى إذا لاذ بأشد أنواع "الانعزال". فحسب الإنسان أن يكون انطباعاته البصرية والسمعية والذهنية قد تكونت كلها في مجتمع بعينه، لكي يكون واحداً من أفراد هذا المجتمع لا يستطيع التهرب من طابعه العام. ومثل هذا الفرد لابد أن يمثل المجتمع أراد أم لم يرد. وعلى هذا تصبح الاجتماعية سمة طبيعية لا تشبه الثوب الذي يستطيع المرء أن يخلعه متى شاء.
إنها شيء ينطبع في الدم والفكر والأعصاب. وهذا شيء يلوح أن الدعوة تغفل عنه عندما تتحدث في احتقار عن أولئك "الانعزاليين الذاتيين الذين لا يمثلون مجتمعهم".
ألا يدل هذا على أن الدعوة لا تستند إلى الواقع وإنما تشيد لنفسها دعائم من هواء في فراغ خيالي؟ ذلك أنها تغرم بالمجتمع فتحمل مصباحاً لتبحث عنه في ضوء النهار. وبدلاً من أن تتذكر أنه كيان معنوي لا وجود له إلا على صورة أفراد من الناس، نجدها تجلس على كرسي مريح وتتخيل له صوراً مثالية منمقة، ثم تطلب إلى الأفراد أن "ينضغطوا" في إطارات هذه الصور. وهذا منطق معكوس، فما المجتمع؟ إنه نحن ... أنا وأنت أيها القارئ وجيراننا وأصدقاؤنا وبنو عمنا. وكلنا نمثله الشاذ منا والذكي والغبي والموهوب. ولكن دعاة الاجتماعية لا يصدقون هذا. فهم لا يدرسون بيئتنا مستدلين عليها بإنتاج شعرائها وأدبائها وإنما يريدون أن يملوا عليهم أدباً يمثل البيئة، وهذا ألطف المتناقضات، وهذا الموقف الذي تقفه الدعوة يؤدي بها إلى خسارة اجتماعية وأدبية كبيرة، فأنصار الدعوة ينشغلون بابتداع الصور الخيالية لما يجب أن يكون عليه الكائن الاجتماعي النموذجي، تاركين الواقع يرقد خلال ذلك منسياً. وهكذا نجدهم يملأون الصحف خطباً دون أن يحاولوا استخلاص المعنى الاجتماعي الذي يدل عليه اتجاه هؤلاء الشعراء. وهل من المعقول أن ينصرف جيل كامل من الشعراء إلى اتجاه بعينه دون أن تكون هنالك أسباب بيئية وتاريخية موجبة؟ إن الأدب ليس تفاحة مسحورة تنبت في الهواء وإنما هو ثمرة علة شجرة تتصل بتربة ويحيط بها مناخ وهذا هو المعنى الذي ينساه دعاة الواقعية الـ Pseudo-realism.
ولندرس الدعوة من وجهتها الوطنية. فماذا سنجد؟ هنا أيضاً ستجبهنا أسس منهارة لا تستطيع أن تثبت للفحص طويلاً. والحق أن العنصر الوطني قائم، لو فكرنا، على فهم للوطنية يضيق معناها تضييقاً شديداً. فالدعوة عندنا تؤكد أن انصراف الشاعر المعاصر إلى تصوير عواطفه الخاصة يدل على نقص في حسه الوطني والدعوة تستعمل ألفاظاً أعنف غالباً إنما تفترض ضمناً ثلاثة مضمونات غريبة تستوقف النظر، وسنحاول أن نناقشها هنا: أول هذا المضمونات أن الدعوة تفصل فصلاً قاطعاً بين دائرة "المواطن" الصالح ودائرة "الإنسان"، فلكي يكون المرء مواطناً صالحاً في نظرها ينبغي له أولاً أن يتخلص من إنسانيته، فلا يحب قوس قزح، ولا ينفعل لمنظر الحصاد، ولا تطربه أغاني الحمامة بين النخيل في ظهيرة بغدادية، ولا تمتعه مسرات الصداقة الساذجة، وذكريات نزهة عائلية مرحة على رمال جزيرة. فكل هذا إذا تغنى به الشاعر، إنما يثبت "سلبيته" في نظر الدعوة.
وما يمكن أن يقال في نقد هذا الرأي أن نسأل أنصار الدعوة أنفسهم إن كانوا في حياتهم اليومية لا يصرفون أكثر وقتهم في العواطف العائلية والحديث عن قضايا حياتهم الواقعية والتنكيت والجدل والغناء والغضب والمزاح والانفعال؟ وما دمنا لا نستطيع أن نحكم على إنسان يفعل هذا بنقص الحس الوطني، فلماذا نعامل الشاعر معاملة أخرى؟ وما دامت الحياة الإنسانية لا تناقض الحياة الوطنية، فليس غريباً أن نحكم على شاعر بنقص الحس الوطني لمجرد انصرافه إلى تصوير الجانب الإنساني من حياته التي يشاركه فيها الناس جميعاً؟
وأما ثاني المضمونات الغريبة التي تختفي خلف هذا الحكم بأن "الوطنية" معنى مرادف للكفاح السياسي، وهذا مخالف للمعنى الحقيقي للوطنية الذي هو حب الوطن وحسب، أما الكفاح السياسي فهو وظيفة النخبة المثقفة من القادة والزعماء والاختصاصيين في كل أمة. ويبدو أن الدعوة تتغافل عن حقيقة أخرى هامة هي أن الوظيفة الوطنية العظمى للملايين من المواطنين في كل بلد هي إعالة أسرهم وتحسين أحوالهم الاجتماعية وتهذيب أبنائهم وانصرافهم انصرافاً مخلصاً إلى أعمالهم التي تؤهلهم لها امكانياتهم العقلية والجسمية، فليس عملهم هذا بأقل قداسة ومكانة من عمل السياسي المناضل والزعيم الموجه. وقد تكون الدعوة إلى أن يترك الفرد العربي حياته الإنسانية ويشتغل بالكفاح السياسي دعوة خطرة تسيء إلى أمتنا الفتية التي تحتاج احتياجاً شديداً إلى أبناء مثقفين مدربين ينصرفون إلى أعمالهم التي يحسنونها: الفلاح إلى حقله، والعامل إلى آلته، والمعلم إلى تلاميذه، والميكانيكي إلى أجهزته، والنحات إلى تماثيله، والشاعر إلى قصائده. أما الكفاح السياسي فهو عمل أناس مختصين لهم ثقافتهم ودراستهم وظروفهم ما يهيؤهم لهذا العمل المعقد.
أما ثالث المضمونات، فهو الحكم بأن الشعر لا يملك قيمة ذاتية في المجتمع، وإنما هو واسطة لغايات أخرى. وهذا حكم يتجاهل القيم الحيوية التي يملكها الفن في حياتنا الإنسانية بمعزل عن موضوعه. وأول هذه القيم أن الفن شحذ لملكات معينة في الإنسان لا يعقل أن الطبيعة كانت عابثة عندما أوجدتها. وثانيها ما يراه الفيلسوف الفرنسي "جان ماري كيو" من أن في الفنون كلها وسيلة لإنفاق الفائض من الطاقة الإنسانية الذي لابد له أن ينفق، فإذا قضى المجتمع على الفن أدى ذلك إلى أن تختزن طاقة متفجرة في الذهن الإنساني دون أن تجد منفذاً، وهذا لا بد أن يؤدي إلى نوع من فقدان التوازن بين الحياتين الحركية والنفسية وهو أمر مضر بالحياة الإنسانية.
وحتى إذا أردنا أن نعتبر الفن "لعباً" مجرداً كما يرى "كانت" و"سبنسر" وجدنا المذهب التجريبي القائل بالضرورة البايولوجية لكل لعب يقوم به الإنسان، فما يلوح لهواً خالصاً إنما هو في الواقع حاجة إنسانية متأصلة لا بد من إشباعها. وهذه هي الفائدة الإنسانية للشعر وهي فائدة تجعل اهتمام الدعوة بالموضوع أمراً لا داعي إليه، فالشاعر يؤدي للمجتمع الإنساني خدمة جسيمة حتى وهو "يلهو" بالتعبير عن سروره بمراقبة القمر وهو يمر عبر السماء.
وإذا استشرنا أنصار مذهب التطور وجدنا فائدة الشعر تمتد حتى تشمل جهة جديدة بما تقدمه من متعة جمالية كالمتعة التي يجدها المرء في شقشقة العصافير وسكينة الفجر وهدير الشلالات وألوان الصخور. فهذه أشياء لا تستغني عنها الإنسانية، لأنها بما تقدم من لذة عاطفية تعين على تطور الحواس الجمالية عند الإنسان وتساعده على النمو العاطفي. والواجب الأعظم للشاعر الوطني أن يرهف مشاعر مواطنيه ويصقل أحاسيسهم الجمالية ويدفع بهم نحو مستقبل إنساني أرفع وأعمق.
وفي ختام هذا النقد العاجل لدعوة الاجتماعية، نستطيع أن نقول أن الدعوة تتناسى تماماً أن آداب الأمم لا تستجيب للدعوات الخارجية، وإنما تنبع من تأثرها غير الواعي بالتيارات المتداخلة التي تكمن وراء الحياة اليومية وتنحدر من ظروفها التاريخية وملابسات حياتها النفسية عبر العصور. ولم يرو التاريخ أن أدب أمة من الأمم قد غيّر اتجاهاته وفق دعوة عامدة نادت بها الصحافة. ومن أعجب العجب أن يقف الذين يزاولون النقد هذا الموقف الواعظ بدلاً من أن يستخلصوا القيم التي يرتكز إليها شعرنا المعاصر الذي هو دائماً شعر اجتماعي أنتجته تربيتنا. وقد لا يخفى على الدعاة أن الموقف الوعظي ينطوي على تجاهل تام لقيمة العناصر اللاشعورية في كل أدب وهي عناصر ضرورية مصاحبة للأصالة والإبداع والاكتمال ومن دونها لا يكون الأدب أدباً. فماذا سينتهي إليه الشعر العربي إن قدر لدعوة الاجتماعية أن تنجح؟ لا شك في أنه سيصبح نمطاً واحداً مصطنعاً لا يملك الشاعر أن يحيد عنه، وفي هذا سيلقى الشعر مصيره.
وإذا مات الشعر فكيف سيتاح له أن يكون عامل خير في حياتنا الوطنية؟ هذا هو المحذور الذي ينساه دعاة الاجتماعية في اندفاعهم العاطفي. وإن أعظم ما نخشاه أن تؤدي بنا دعوتهم إلى أن نخسر أصالة شعرنا دون أن ننجح في أن نفيد الوطن المسكين.
ألا تصبح الدعوة إلى اجتماعية الشعر بهذا دعوة هدم ساذجة ينبغي أن نجند قوانا الذهنية كلها في كبح اندفاعها ورد سذاجتها المستبدة عن الشعر العربي؟


الأديب، س12، ج7، بيروت، يوليو 1953.


توقيع نقوس المهدي



المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.




  مشاركة رقم : 6 (الرابط)  
قديم 06-21-2009, 01:13 PM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 8,878
بمعدل : 13.59 يوميا

نقوس المهدي متصل الآن عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : مختارات
افتراضي

المـرأة بيـن الطرفيـن: السّلبيّـة و الأخـلاق


بقلم نازك الملائكة
(بغداد)



لم يزل موضوع المرأة مجالاً عاطفياً تتناوله الأقلام في كثير من الانفعال، على أسلوب يبتعد عن هدوء الموضوعية وحكمة التجرد من الأهواء. فالمعتقدات الفردية والآراء الاجتماعية المتجمدة والعواطف توشك أن تجعل الموضوع شاقاً على الباحث، فلا يأمن حين يتناوله من أن يقع في مزلق اجتماعي، أو أن تلتهمه سورة عاطفية جارفة تتدخل فيها تيارات تجاربه الشعورية الخاصة، وقد توقعه لفتة هنا و التواءة هناك في هاوية سياسية أو دينية. وما هذا إلا لأن موضوع المرأة لم يخرج بعد عن أن يكون موضوعاً أخلاقياً، وكل موضوع أخلاقي لابد أن يمسّ، من جهاته المختلفة، شتى نواحي الحياة السياسية والدينية والاجتماعية في المجتمع الإنساني. ولا شيء أصعب على الباحث من معالجة قضايا الأخلاق، لأن كل فرد في المجتمع يعد نفسه، بمعزل عن ثقافته، مصدر ثقة في هذه القضايا، ومن ثم يتحول الموضوع إلى حقل العواطف وتنتقل قضايا الأخلاق إلى حيز الشعور. ولعل أبرز دليل على هذا التحول الخطر ما نراه من أن القانون الذي يحكم القضايا النسائية يستمد كثيراً من مواده من العرف المحلي دونما نظر إلى المنطق. والعرف، لو دققنا، قانونٌ غفلٌ يتألف من تراكم العادات والعواطف عبر العصور في بيئة ما، وهو بهذه الصفة يخرج بالضرورة عن النطاق المفروض للقانون.
على أن المصاعب الأخلاقية ليست هي الوحيدة، فثمة مصاعب أخرى تعترض السبيل، منها أن أغلبية النساء في هذه البلاد لم تصل بعد إلى مرتبة الوعي الثقافي الكامل الذي يتيح لها أن تدرك الواقع المرير الذي تتخبط فيه. والحق أن اللحظة التي يشعر الإنسان فيها بأنه مغبون هي لحظة حاسمة في تاريخ تطوره. على أن المرء لن يشعر بالظلم حتى يذوق بعض الحرية، وفي قضايا الحرية يبقى الوسط نقطة قلقة لا سبيل إلى إثباتها، فالمرء ينزع إلى أن ينال حريته كاملة وكأنه يقول: "لا نصف حرية أبداً ... إما الحرية كلها أو لا ..."
وثمة صعوبة أخرى يضعها في سبيل التطور جانب من المتعلمات ذوات الكبرياء والحساسية. فنحن هنا إزاء حالة نستطيع تسميتها "بالتغطية السيكولوجية" وهي حالة شائعة مثالها تلك الفتاة التي يمنعها كبرياؤها من أن تعترف بأنها تسلك وفق خطة أبيها أو أخيها، فتروح توحي لنفسها بأنها تتصرف وفق مبادئ شخصية. وكثيراً ما رأينا الحجاب يصبح مبدأ تدعو إليه فتاة حساسة تتهرب من مواجهة كبريائها المطعونة وكأنها تقول: "...إن كنا لا نستطيع تحقيق ما نرغب فيه، فلنرغب فيما نستطيع تحقيقه. "وهذه في نظرنا أخطر حالة تتعرض لها المرأة، فهي تفقدها قوة الكفاح وتطوي نفسها على جرح غائر.
أما العراقيل التي يبثها الرجل المعاصر نفسه فهي فيما يبدو لنا تنبع من اعتقاده أن تحرر المرأة سيسلبه جانباً من حريته هو، ولعله يؤمن أيضاً بأن قضية التحرر تهم النساء وحدهن لأن فوائدها ستقتصر عليهن، ومن ثم فهو، إن لم يعارض، يتخذ موقفاً سلبياً. ولعله واضح أن هذه العقيدة بفرعيها تتضمن فصلاً قاطعاً لعالم الإنسان يشطره إلى شطرين: نساء ورجال، ويجعل للحرية مدلولين، مدلولاً نسائياً وآخر رجالياً. وقلّ فينا من يريد أن يلتفت إلى أن عبودية المرأة لابد أن تقابلها عبودية مساوية في حياة الرجل، مادام الرجل والمرأة يعيشان متعاونين في بيئة واحدة. والحق أنه ليس معقولاً ولا منطقياً أن يعيش هذان الكائنان معاً ثم يكون أحدهما حراً والآخر مستعبداً تمام الاستعباد. وهذا لأن عبودية هذه لابد أن تؤثر في حرية ذاك. ولا مفرّ من هذا.
- 2 -
وأول ما يهم البحث أن يقرره أن تاريخ المرأة قد كان حتى هذه اللحظة تاريخاً سلبياً. ونحن لا نحتاج إلى أن نذهب بعيدا لإثبات هذا، فالأدلة ترد حولنا وتكاد تختلط بالهواء الذي نتنفسه. وليس من داع إلى أن نلجأ إلى النصوص القانونية، وإنما يكفي أن نلقي نظرة عابرة حولنا لنرى إلى أي مدىً بلغت استهانة الذهن العام بالمرأة. والحق أن تاريخ العبودية الإنسانية لا يشتمل على صفحة أشد سواداً من هذه الصفحة، فنحن هنا إزاء حرمان تام من كل حق من حقوق الحياة. وقد فقدت المرأة تدريجياً كل ما تملك حتى قيمتها الإنسانية. ويبدو هذا في أشياء تمرّ بنا في حياتنا اليومية دون أن نفطن إلى دلالتها البعيدة منها. مثلاً الفرق في المرتبة بين صلة العمومة وصلة الخؤولة، فالمجتمع يجنح إلى اعتبار العم أقرب إلى الإنسان من الخال، وفي هذا دلالة أكيدة على أن الأب يعتبر أهم من الأم على الرغم من أن قيمتها الوراثية متساوية تمام التساوي. ومن هذه المظاهر التي يمكن أن تستخلص منها استهانة المجتمع بالمرأة أن السيدة المتزوجة مازالت تعتبر أهم من الفتاة الآنسة، فهي تتمتع بمزايا كثيرة وتنال احترام الناس. أفلا يدل هذا على أن قيمة المرأة في عرف المجتمع ليست بشخصيتها وثقافتها وسلوكها وإنما تأتيها هبة من زوجها؟ وهذا ينزل بها إلى مستوى السلبية ويقتل طموحها، فإذا كانت الشخصية تُكتسب بمجرد الزواج فلا عجب في أن يصبح العمل الوحيد الذي تسعى إليه هذه المسكينة هو الزواج، والمرأة وفق هذا الرأي العجيب ليست أكثر من مرآة تعكس مجد غيرها.
أما من الوجهة الاقتصادية فالرجل المعاصر عندما يشكو من أنه يعول على المرأة، إنما يؤكد ضآلة قيمتها في نظره. لأن هذه الشكوى تتضمن معنى غريباً، لو تأملنا، وهو أن عمل المرأة من ولادة وتربية وخياطة وكنس وغسل وطبخ وكيّ وغير ذلك، يبدو للرجل وكأنه لا يستأهل قيمة اقتصادية تعادل قيمة عمله هو في المعمل والحانوت والبرلمان. وهو يتغافل عن أن هذا التوزيع في العمل لابد أن يستتبع توزيعاً في المال، فإذا كانت المرأة قد أخذت على عاتقها أن تقبع في المنزل وتنجز هذه الأعمال الشاقة بينما يخرج الرجل ليكتسب المال للأسرة، فأن هذا لابد أن يفترض حقاً مساوياً للمرأة في هذا المال الذي يكسبه الرجل، على ألا يستتبع هذا مناً من الرجل من أي نوع، وباعتبار أن المرأة و لو أرادت أن تؤدي هذه الأعمال نفسها خارج منزلها لنالت عليها أجراً. وهذا ما نسيه الرجل تمام النسيان حتى أصبح يحسب أنه يتكرم بالمال على مخلوقات عاجزة لا عمل لها. وما يهمنا في هذا هو أن نستخلص الحقيقة الأخلاقية وهي أن عمل المرأة المعقد يبدو للرجل بلا قيمة. وهذا أعجب العجب.
وهناك جهة ثالثة نستطيع أن نستفيد منها في إدراك تفاهة المرأة في مجتمعاتنا. تلك هي جهة اللغة العربية، فإن أبسط دراسة اجتماعية للألفاظ والقواعد تدلنا دلالة موضحة على أن هذه اللغة لغة قوم يستهينون بالمرأة.
فالتقديم في النحو هو دائما للمذكر على المؤنث. والتغليب يذهب في هذا مذهباً يحتم تغليب مذكر واحد على أي عدد من الإناث ولو بلغ الملايين، والضمائر المفردة تستعمل في سخاء للتعبير عن جماعة الإناث في بعض النصوص المشهورة. ومما يلفت النظر في اللغة كلمات مثل (الأميّة) ومعناها الجهل بالقراءة والكتابة، وقد نسبت إلى (الأمّ). أما قولهم (شاعر فحل) فهو ينم عن قيمة (الفحولة) ويتضمن أيضاً الاستهانة بالأنوثة، وإلى هذه الاستهانة ترتكز كلمة (فحل) في قوتها. ونظن هذه الأمثلة تكفي ونرجو أن يتاح لنا التفرغ لإفراد بحث حول الموضوع في فرصة أخرى.
هذه الاستهانة بقيمة المرأة وعملها قد استتبعت حرمانها من الملكية الخاصة. ولسنا نقصد أن نتحدث الآن في الملكية الاقتصادية، فلعلها قد حرمت من الملكية في جهات أخرى أهم. هناك الوقت مثلاً. فماذا تمتلك المرأة من هذه الثروة التي يبقى المفروض أن أبناء آدم يستوون في نصيبهم منها؟ لا شيء في الواقع. فقد ألقيت على المرأة أعمال فادحة تستغرق العمر كله، بينما انصرف الرجل إلى القراءة والبحث والفن والتأمل العقلي والتخصص في العلوم أو حتى إلى العبادة المسرفة التي هي أيضاً مظهر من مظاهر الشخصية في إنسان مخيّر. والعجيب أن أغلب الناس يعتقدون أن أعمال المنزل أمرٌ قضته الطبيعة على المرأة، وكأنها جهزتها بمؤهلات في هذه الجهة وجعلت في جسمها أعضاء خاصة تهيئها لإحسان الطبخ والخياطة وغسل الملابس ومسح البلاط. ونحن نسمعهم يتحدثون كثيراً عن عمل المرأة الطبيعيّ، ويدهشنا أنهم يقصدون هذه الأعمال التي لا يمكن أن تنكر مواهب الرجال فيها، فكم فيهم من طباخ وخياط وكنّاس.
على أن الحرمان من المال والوقت أقلّ غرابة من حرمان آخر يصبّ على المرأة، وذلك هو حرمانها من أن تملك اسماً خاصاً كما يملك الرجل. فالمرأة تتبع أباها في اسمها مادامت آنسة، ثم تفقد هذا الاسم عندما تتزوج وتدعى باسم زوجها. فإذا طلقها هذا الزوج لسبب من الأسباب الكثيرة التي يصح الطلاق من أجلها عادت إلى اسم أبيها. ثم يتاح لها زواج ثان كما يحدث أحياناً فيتغير اسمها للمرة الرابعة. وهذا إن لم يكن محزناً فهو مضحك. وإن من حق هذه المخلوقة أن يكون لها اسم ثابت فتتبع اسم أبيها كما يصنع الرجل. والاسم الثابت يشبه أن يكون اعتزازاً من الإنسان بماضيه وعمله، فلابد أن يكون الأصل في حرمان المرأة من الاسم حرمانها من حق بناء ماض تكسبه بالعمل الشريف.
أما الحرمان من الأولاد الذين يحق للأب أن ينتزعهم فور بلوغهم سناً يستطيعون فيها الاستغناء عن حضانة الأم فهو في نظرنا أقسى أنواع الحرمان وأكثرها بعداً عن المنطق.
ولا بد لنا، مادمنا نقرر بعض جوانب الغبن في حياة المرأة، أن نشير إلى الإلزامات الأخلاقية التي قيدت بها دون الرجل. فمن دراسة عاداتنا الاجتماعية نستطيع أن نستخلص أن للأخلاق مدلولات نسائية خاصة تختلف مدلولاتها الرجالية. هناك مثلاً صفة (الكرم) التي ينبل الرجل بها ويرتفع، فهي حين تصل إلى المرأة تصبح خلة مذمومة. وإنما المستحسن عندنا أن تكون المرأة (بخيلة) ومن هذا قول الطغرائي في مدح جماعة:
الجود والإقدام في فتيانهم والبخلُ في الفتيات والإشفاقُ
وقد يكون الأصل في هذا الاعتبار ما أشرنا إليه من أن الرجل يعتبر المال ماله وليس من حق المرأة أن تجود به. وهذا يعيدنا حيث كنا.
وهناك حالة ثانية يتضح فيها الفرق في الاعتبارات الأخلاقية بين المرأة والرجل. وهي حالة الحداد. فعندما يموت ميت تلزم ابنتُهُ وأختُه وأمّه بحداد صارم يتضمن ملازمة البيت ملازمة تامة ولبس ثياب سود كاملة، بينما يترك أخو المتوفى وابنه وأبوه أحراراً فما ينتهي مجلس الحداد حتى يخرجوا بحثاً عن السلوان وهم مخيرون حتى في لبس ربطة العنق السوداء. والمعنى الأخلاقي في هذا التفريق واضح. فالمقصود أن تلازم المرأة منزلها أطول مدة ممكنة وأن تقتصد في شراء الملابس حيث يكفي للحداد ثوب واحد لا داعي لتغييره.
- 3 -
أما الجهة الأخلاقية من حياة المرأة فهي تحتاج منا إلى وقفة أطول، فالحرمان هنا لابد أن يكون الأصل في كل حرمان آخر أنزل بها، وكأن هذه الجهة هي الجهة النظرية في الموضوع وأساس الخطأ في الأمر أن القانون الأخلاقي النافذ في سلوك المرأة يفقد الشرط الأساسي في كل قانون أخلاقي، ذلك الشرط الذي يجعل من الممكن أن نحكم على إنسان بالفضيلة وعلى آخر بالرذيلة. والحقيقة أننا نستطيع أن نجد بعد قليل من التأمل الصافي، أنه لا معنى لأي قانون خلقي لا يقدم للمرء حرية كاملة على مخالفته، وذلك لأن كل قانون أخلاقي إنما يكتسب قوته من افتراض حرية الناس في اتباعه أو مخالفته. ومن هذه الحرية وحدها تنبع أخلاق الناس، وهي التي تجعل الخلق قابلاً لأن نحكم عليه بالثواب أو الإدانة. وهذا يتضمن أن نقول أنه لو احتوى كل قانون أخلاقي على وسائل للتنكيل بمن خالفه لفقدت الأخلاق قيمتها وأصبحت معنى قهرياً لا فضيلة فيه.
ولكي نوضح معنى رأينا هذا، نمثل بحالة إنسان يصدّق لأن الكذب يعرضه لموت أكيد. فمثل هذا الإنسان لا يمكن أن يعدّ صدوقاً لأن الصدق كان ضرورة لا محيد عنها. وتلك حالة يفقد فيها الصدق فضيلته. وإنما يمتدح الصدق حين يكون المرء مخيراً بين أن يكذب أو يصدق دون أن تحتم عليه الضرورة حالة معينة. أذكر أنني سمعت رجلاً يتحدث مرة في اشمئزاز عن أولئك الذين يأكلون السمك دون أن يتذكروا كيف تتلوى السمكة وهي تذبح على الشاطئ، قائلاً أن هذه الصورة تجعله يمتنع عن أكل السمك. وقد صدف أن كانت للرجل أخت ساذجة فاندفعت وقالت له: "ولكنك لا تطيق لحم السمك، لقد كنت تكره رائحته منذ صغرك". فما كاد يسمع هذه العبارة البسيطة حتى انزعج وأشهر أخته في محضر الضيوف. وليس السبب لو تأملنا إلا أن هذه العبارة جعلت فضيلته تظهر بمظهر الضرورة، فما كادت تعلن أنه يكره لحم السمك حتى فقد فخره بالامتناع عن أكله ثواب الاختيار، وانتقل إلى مرحلة الإلزام.
والواقع أننا نستطيع أن نستخلص قانوناً صغيراً نصه أنه كلما كان الخلق الإنساني إلزامياً قلّ ميل المجتمع إلى اعتباره فضيلة. وكأن الفضيلة تصرخ بنا أنها لا تستحق الامتداح إلا إذا كان صاحبها مخيّراً. فلا أخلاق مع القيود إطلاقاً، ولكي نستطيع أن نفترض وجود الخلق، لا بد لنا أن نفترض أولاً حرية كاملة في السلوك وبالتالي فإن من لم يستطع ارتكاب الشر لم يستطع ادعاء الخير.
ولو نظرنا وفق هذا الرأي إلى حالة المرأة لانتهينا حتما إلى أنها لم تصل بعد إلى المرتبة التي نستطيع معها أن نطبق عليها قانوناً أخلاقياً من أي نوع. فهي اليوم مقيدة تقييداً يردها إلى حالة من السلبية تجعلها مجردة من أي نوع من أنواع الخلق. أو أنها ممنوعة بالقوة من أن تكون لها أخلاق معينة نستطيع أن نحكم عليها. إنها ليست خيّرة لأن خيرها إلزامي، وهي ليست شريرة لأن ما ترتكبه من شر ليس إلا نتيجة لما نسميه (استهواء القيد) ونقصد به ذلك الإغراء القوي الذي تملكه الممنوعات، ففي كل قيد استهواء خطر يدعو الإنسان المقيّد إلى أن يكسره ويخرج عليه. وليس لنوع القيد تأثير يذكر في موقف المقيّد فكل قيد يستهوي حتى إذا كان مفيداً. وأغلب الظن أن سبب الاستهواء في حالة التقييد الأخلاقي أن في كل تقييد اتهاماً ضمنياً بسوء الخلق يستدعي الضبط والمراقبة.
وكأن كل قيد تهمة بإمكانية الشر. ولعلنا قد لاحظنا جميعاً أن الأبرياء الذين يتهمون بسوء الخلق ينتهون غالباً إلى أن يسوء خلقهم. وتعليل هذا أن البراءة تتألم من الاتهام إلى درجة تولد فيها ميلاً غامضاً إلى تحقيق هذا الاتهام. ولعلنا إذ نتمسك بهذه الأخلاق لأننا نحسّ بعذوبة الشعور بالبراءة والنقاء، فماذا يحدث لنا حين نتهم زوراً بما لم نرتكب؟ الأرجح أننا نتعرض إذ ذاك إلى ما حدث لتلك الفتاة التي اتهمت وهي طفلة بسرقة عقد ذهبي وعوقبت عقاباً قاسياً دون أن تستطيع إثبات براءتها. فلما كبرت وجدت نفسها منساقة إلى السرقة على الرغم من أنها لا تحتاج إلى المسروقات. ولعلها كانت تفلسف موقفها في أعماق نفسها قائلةً: "إنهم يعتبرونني لصّة على كل حال.. فمم أخاف؟ ولم لا أتمتع بالمسروقات على الأقل؟"، وهذا منطق البراءة المظلومة.
على أن للتقييد ضرراً ينشأ عن أن الخلق المقيد محكوم عليه بالضرورة أن يفقد ثوابه النفسي ومن ثم غايته. فالتقييد يفقد الإنسان لذة الشعور بالقدرة على الاختيار والسطوة على مصيره الأخلاقي، ينما يصحب الشعور بالحرية إحساس بفيض من القوة يتدفق من أعماق النفس ويدفع الإنسان إلى التخلق. ونحن نستطيع أن نصوغ قانوناً خلقياً مؤداه أنه بمقدار الإحساس بالاختيار، يكون الثواب النفسي على العمل. فهذا الإحساس هو المفتاح السحري للقضية. ومثال هذا أن نقارن بين حالة محسن يتطوع بمائة دينار للمحتاجين مدفوعاً بعطفه عليهم وحبه للخير، وحالة رجل آخر وجد نفسه في حفلة خيرية تطوع فيها أصدقاؤه كل بمائة دينار فاضطر بدافع الخجل إلى أن يشاركهم الإحسان. ففي حالة المحسن الأول ينتهي الأمر إلى السعادة والرضا النفسي، أما المحسن المضطر فيخرج ساخطاً ولعله يقسم ألا يحضر حفلات خيرية في المستقبل. وهذه حالة لم يعد فيها المحسن فاضلاً، وهي حالة المرأة التي يفقد خيرها حريته ويصبح إجباريا. ولهذا يستحيل أن تحسّ المرأة بالمشاعر الكريمة التي يحسّ بها رجل فاضل لا يمنعه مانع من أن يكون شريراً وإنما يجد في الخير ملاذاً عذباً لنفسه الطيبة المتدفقة. وهكذا يصبح على المرأة أن تحتمل الخير دون ثواب نفسي، وهذا أشق ما يمكن.
- 4 -
هذا كله ينتهي بنا إلى إدراك السبب في أن المرأة قد بقيت طيلة هذه العصور في حالة من السلبية الكاملة التي تجعل كل حكم أخلاقي عليها غير ممكن. فقد انتهى بها القسر والإلزام إلى أن تكون حياتها سلسلة طويلة من الامتناعات عن السلوك فلم تتصف بأية صفة أخلاقية إيجابية. وقد أدى بها احتفاظها بطاقاتها النفسية الخصبة في أعماق نفسها إلى أن تستعيض عن السلوك بقناع خارجي، المقصود منه أن يكون درعاً واقياً يحمي هذه الأعماق المشلولة من أن تلوح كسيرة سلبية لا كيان لها. وعلى هذا القناع انصبت الأحكام الخلقية.
والحق أن أغلب الأحكام قد دأبت على تناول النتائج بمعزل عن الأسباب فدرست سلوك المرأة بمعزل عن الإلزامات الفادحة التي تقيدها، وبحثت عن الأخلاق في حياة مخلوقة لا حرية لها من أي نوع، وتطلبت الشخصية حيث لا توجد إرادة، والتمست حاضراً حيث لا يوجد ماض ولا تاريخ. وهذا قد كان موقف طائفة كبيرة من الفلاسفة والأدباء والمفكرين وهو موقف غير علمي تنقصه الرزانة والاتزان. فلا أخلاق من دون حرية كاملة في السلوك، ولا شخصية من دون أخلاق رصينة تدرك ذاتها، ولا إنتاج في أي حقل من دون شخصية كاملة العمق واسعة الجوانب نفاذة تدرك ما تريد. وهذا لأن الحرية هي التي تنتج الأخلاق، والأخلاق هي التي تنتج الشخصية، والشخصية هي التي تنتج الفن والفكر والإنسانية.
والحقيقة أن سلوك المرأة في مثل هذه الظروف لا يمكن أن يكون على غير ما نراه اليوم في الطبقات الجاهلة، فهي لا تزيد على أن تكيف نفسها للحياة في مثل هذا المحيط القاسي الذي لا يحميها وإنما يعاملها في قسوة شديدة.
وفي ظل هذا الضغط المستهين اضطرت المرأة أن تتخلى عن فضائل الحرية جميعاً، لأنها أدركت بفطرتها أن الخير الذي يهب نفسه ليس إلا ترفاً يلذ للأحرار من الناس. أما المستعبدون فإن التخلق يسلبهم آخر ما يمكن أن يحلموا به من حق في الحياة. وهكذا اضطرت المرأة إلى التخلي عن كثير من الترف الأخلاقي الذي يجمل الحياة ويمنحها الخصوبة والامتداد والعمق.
وقد كانت متعة (الصداقة) أول ما فقدت المرأة من هذه المظاهر الأخلاقية المترفة. فالمرأة لا تقدر اليوم على الصداقة، وقد أفقدتها الإلزامات الأخلاقية المتعسفة هذه المتعة الإنسانية العذبة التي يزداد استمتاع الإنسان بها كلما اتسع فهمه وتركزت شخصيته الاجتماعية وثقافته. ذلك أن الصداقة تقتضي قبل كل شيء "الحرية" في منح المودة. إنها فيض في شخصية الإنسان يجعله يطفح حتى يغمر إنساناً آخر. وهي في هذا كالكرم تماماً فكما أن الكريم يبذل ماله إرضاءً لدافعٍ لا يقاوم في أعماق نفسه، كذلك يبذل الإنسان الكامل الشخصية حبه لصديق أو أصدقاء. والمرأة تشعر بأنها لا تملك شيئاً تفيض به على الآخرين لأنها لا تملك الحرية ولا الثقة بالنفس وهي بخيلة بالمودة، شحيحة باللطف لأن رصيدها من الشخصية ضيق محدود تعيش منه عيش الكفاف، فماذا تستطيع أن تمنحه للأصدقاء؟ لا شيء. وهي في حالتها هذه أشبه ببركة ضحلة لا تستطيع أن تطفح. وأن على أية بركة أن تكون نهراً عظيماً لكي تستطيع أن تغمر الوديان.
هذا الرأي يجعل الصداقة بذلاً نفسياً يستكمل الإنسان به شخصيته ويتم شعوره بالحرية. والمرأة في ضعفها وقلة ملكيتها تحرص على القليل الذي تملكه حرص البخيل، وهذا أيضاً سبب ما نراه فيها من بخل ملحوظ في كل جهة من جهات حياتها. فهي تخشى الإنفاق وكأن فيه منبع خطرٍ يتهدد مستقبلها. وهذا موقف طبيعي يتخذه المستضعفون المسلوبو الحقوق عادةً. إنه رد فعل دفاعي تلتزمه عند عدم القدرة إزاء القوى المحيطة بها.
ولو راجعنا التاريخ الإنساني لوجدنا أمثلة كثير لهذه الأساليب الدفاعية في الطوائف الصغيرة المضطهدة التي عاشت في بيئات قاسية، فقلما انتهى الأمر إلى غير البخل والأنانية والضعف والحقد والحسد وغير ذلك مما يشكو المفكرون وجوده في المرأة. وعلى هذا التحليل نستطيع أن نقول أن كل خلق إنساني رديء، ينشأ عن شعور بالوحدة وفقدان الحماية الاجتماعية.
ولعل القدرة على الصداقة ليست أعظم ما فقدت المرأة طيلة عصورها السلبية، فمن بين المزايا التي خسرتها شيء آخر أهم هو الشخصية الأصيلة المنفردة، التي تتميز عن سواها بالفروق الفردية. ولقد بات فقدان المرأة لهذا التميز الفردي أمراً مشهراً يشكو منه المفكرون شكوى متصلة لا تخلو من المرارة. ولعلنا قد سمعنا جميعا بذلك الحكم المشهور: "إني أعرف رجالاً كثيرين ولكني لا أعرف إلا امرأة واحدة". وهو نص على الفكرة الشائعة حول تشابه النساء وكونهن نسخاً متعددة من شخصية واحدة. وهذا قريب من الحقيقة للسبب عينه، فمن من دون حرية بالسلوك لابد أن يصبح الناس متشابهين، لأن الحرية هي التي تطلق المواهب والإمكانيات والقوى من عقالها في أعماق النفس، وليست الشخصية إلا محصلة هذه الأشياء بمجموعها، ولا تتكون الفروق الفردية الخلقية بين الناس إلا إذا انطلقت هذه القوى واتجهت. أما الغرائز والعادات الفطرية فهي عينها في الناس كلهم، ولا شك في أن كل امرأة تشبه كل امرأة أخرى فيها. وقد قلنا أن المرأة لم تبدأ بعد بالسلوك لأننا حكمنا عليها بالسلبية، ومن ثم فما وجه انتظارنا فروقاً خلقية بين النساء؟ ووفق أي قانون نطلب إلى المرأة المستعبدة الجاهلة أن تملك آراء وأصالة وشخصية؟ والحق أننا إذا أطّرحنا السلوك الخلقي من حياتنا الإنسانية لم يبق منا إلا ما هو متشابه فينا جميعاً من غرائز وعوامل طبيعية وصفات فطرية وغير ذلك مما تملكه المرأة كما يملكه الرجل.
وقد استتبع فقدان الشخصية مظاهر سلبية أخرى منها ضعف الشعور بالمسؤولية الأدبية خارج الحدود الفردية الضيقة. فما المسؤولية، لو فكرنا، إلا شعور بقوة فائضة تجعلنا نحسّ أن في طاقتنا أن نساعد الآخرين ونسيطر على ظروفهم ونحميهم والمرأة لا تشعر بهذه القوة لأنها قد كانت دائماً محمية يكفيها أخوها وأبوها شر الحيرة ومتاعب العزم والإرادة، فهما يقرران لها كل شيء، وقد مضى أمرها على هذا قروناً حتى لم يعد في وسعها أن تبتّ في شيء وأصبحت تشك في قدرتها.
وأغلب الظن أن هذا العجز عن الشعور بالمسؤولية هو العامل الرئيسي في أن النساء يتكلمن في سرعة تفوق سرعة كلام الرجل، حتى دلت
إحصائية أمريكية على أن عدد الكلمات التي ينطق بها رجل في دقيقة أقل من نصف عدد الكلمات التي تنطق بها امرأة. فالرجل يتكلم في بطء لأنه يحتاج إلى أن يزن كلماته قبلا أن ينطق بها، وهو يدرك أن العبارات الطائشة قد تؤدي إلى نكبات أحياناً، ولذلك يسوقه إحساسه بالمسؤولية إلى التأني في الكلام. أما المرأة فتكاد الألفاظ تفقد في كلامها معانيها لانعدام شعورها بالمسؤولية. والحق أنه كلما كان المضمون الذي يحاول الإنسان نقله بالألفاظ إلى الآخرين أعمق وأدق، زادت حاجته إلى التأني في صياغة العبارات. ومعنى هذا أن للشخصية تأثيراً مباشراً في سرعة التكلم.
وسنكتفي بهذه الأمثلة على الأثر العملي للتقييد في حياة المرأة، ونرجو أن نكون أوضحنا وجهة نظرنا حين نعتبر المرأة لم تبلغ بعد مرتبة يحق لنا فيها أن نصدر عليها أحكاماً أخلاقية فلا أخلاق يملكها من لا حرية له. وعلى هذا أفلم يحن لهذه الملايين من النساء أن تقف وتطلب إلى المجتمع أن يمنحها الحق في تكوين أخلاق؟
- 5 -
بعد هذا الاستعراض السريع لمختلف المشاكل في موضوع المرأة يقوم أمامنا سؤال خطير ينصب عليه أشد الاهتمام اليوم. السؤال عما ينبغي للمرأة أن تصنع الآن إزاء الحالة، أتقبع في منزلها وتنتظر حتى تتحول في بطء شديد من مرتبة السلبية إلى مرتبة الأخلاق لتنزل بعد ذلك إلى الحياة العامة؟: أم تبدأ بالعمل حالاً فتنال حقّ التمثيل البرلماني لتطالب بحقوقها بنفسها تمثلها نخبة من المثقفات ذوات الاستقلال الاقتصادي والعاطفي؟ وبذلك تضمن لنفسها انتقالاً أسرع إلى المرتبة الفعّالة؟ إننا نجنح إلى الأخذ بالرأي الثاني لأسباب مختلفة أحدها أن حق التمثيل النيابي أمر لا علاقة له بالثقافة، فإن مليونين ونصفاً من نساء العراق يملكن الحقّ في أن يكون لهن صوت في مجلس يمثل شعبا ديمقراطياًً. هذا فضلاً عن أن النزول إلى ميدان الحياة سيكون دواء فعّالاً في مداواة السلبية التي قسرت عليها المرأة، وهي سلبية تنتقل عدواها بالضرورة إلى الرجل ومن المؤكد أن كل امرأة مستعبدة في العراق يقابلها حتما رجل مستعبد.أما الاعتراضات التي يصيح بها المترددون من الناس، فلعل أقواها حدّة الاحتجاج بأن المرأة لا تملك ملكات عقلية، لأن التفكير يلوح وكأنه خاصة رجالية. ولسنا نريد أن نرد على هذا الاعتراض بتعداد الأسماء النسوية التي ظهرت في مختلف حقول الفكر، لأن قليلاً من المنطق، وشيئاً من العلم بقوانين الوراثة يضع في أيدينا أدلة من نوع أقوى. فليس من المنطقي أن تكون المرأة مصدر الحياة الأول دون أن تملك مواهب وخصائص عقلية تورثها الأجيال التي تخلقها. وأن من المستحيل أن نوفق بين حقائق علم الوراثة وهذا الحكم الجارف الذي لا يستند إلى أساس علمي، فالطبيعة أحكم من أن تقصر القدرة على إيراث المواهب العقلية على الذكور حذراً من أن يجيء نصف المواليد إلى هذه الحياة بلا مواهب عقلية. وهذا لأن الأجنة تكتسب خصائصها العقلية والنفسية من كلا الأبوين على غير تعيين، فماذا يحدث لو أخطأ جنين ذكر فورث خصائص أمه العقلية؟، وكيف تسلك الطبيعة في حالة تصر فيها مولودة أنثى على أن ترث خصائص أبيها؟، هذه حالة غير مقبولة لأنها تترك الوراثة للمصادفات.
ومن الاعتراضات الشائعة شيوعاً عظيماً اليوم قولهم أن سعادة المجتمع تقتضي تقسيم العمل فيه، وقد قسّم العمل وخصّت المرأة بأعمال المنزل، بحيث إذا أرادت المرأة أن تخرج إلى الحياة لتنال حقوقها تعرضت الأسرة إلى الانهيار. وهذا الاعتراض الغريب يتغافل عن الغرض الأول الذي بنيت من أجله المجتمعات وينسى ما هو مفروض في المجتمع، الصالح. فما هذا المجتمع؟ ولماذا اختار أفراده أن يضحي كل منهم بجانب من حريته ليعيش فيه؟ الجواب أنه إنما قام لتهيئة الحد الأعلى الممكن الذي يكفل للأفراد أن يعيشوا ملء مجالاتهم النفسية، ويستغل أقصى ما ركبته الطبيعة في أعماقهم من مؤهلات روحية وعقلية.
وعلى هذا، فما عذر مجتمع يضحي بنصف أفراده بدعوى المحافظة على راحة النصف الثاني؟ إنها حالة عجيبة لا يتقبلها علم الاجتماع من الوجهة النظرية. لأن المعنى الكامل وراء هذه التضحية يدل على أننا قد خططنا المقاييس قبل وجود الإنسان الذي تستمد منه هذه المقاييس، وسننا الخطط للمجتمع دون أن تستند إلى حاجاتنا وإمكانياتنا. وهكذا وصلت المرأة متأخرة إلى المجتمع، فيما يلوح، فلم يزد الذين سنوا القوانين على الانحناء في أدب جمّ قائلين: "يا سيدتي. يؤسفنا أننا قسمنا العمل قبل حضورك. وقد خصصناك بالكنس والرش والطبخ والخياطة". وهذا مثل أن يقول الاسكافي لزبونه: "يا سيدي لقد صنعت لك الحذاء قبل أن أقيس قدميك، ولا عليك إذا دميت قدماك". ولسنا ندري إن كان قد آن للإنسانية أن توسّع حذائها الضيق.
أما الاعتراض بأن الرجل نفسه لم ينجح في الحياة العملية ومن ثم فإن هذا يستتبع الفرض بأن المرأة لن تستطيع هي الأخرى أن تنجح، فهو فرض يتضمن الاعتقاد الشائع بأن طاقة المرأة مشابهة لطاقة الرجل. وهذا ليس ثابتاً. فنحن إذا سلمنا بالفوارق الجنسية بين المرأة والرجل كان لابد لنا أن ننتظر اختلافاً نوعياً بين مواهب الجنسين. ولا شك في أن التفكير النسوي سيكون وجهة نظر جديدة بالنسبة إلى التفكير الإنساني. والحق أننا نستطيع أن نقول أن مجال المرأة أشبه بمناطق في العقل البشري لم تكتشف بعد ولم تستغل. إنها قارة كاملة جديدة لا نظن كشفاً آخر سيعادلها، فلا شيء أروع ولا أوسع ولا أعمق من الطاقة التي ركبتها الطبيعة في الإنسان. فليكن هذا الإنسان قانوننا الأعظم الذي نقيس وفقه عدالة قوانيننا ونظمنا .
الآداب، س1، ع 12، بيروت، كانون الأول 1953


توقيع نقوس المهدي



المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.




  مشاركة رقم : 7 (الرابط)  
قديم 06-22-2009, 09:19 AM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 8,878
بمعدل : 13.59 يوميا

نقوس المهدي متصل الآن عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : مختارات
افتراضي

حركــة الشعــر الحــر فـي العــراق

بقلم الآنسة نازك الملائكة



كان شهر كانون الأول من سنة 1947 أول العهد بالشعر الحر في العراق، ففي أوله صدرت مجلة العروبة التي كان يصدرها الأستاذ محمد علي الحوماني في بيروت وفيها قصيدة لي حرة الوزن عنوانها "الكوليرا". وفي النصف الثاني من الشهر نفسه صدر في بغداد ديوان "أزهار ذابلة" لبدر شاكر الشياب وفيه قصيدة له حرة الوزن عنوانها "هل كان حباً؟". ولم تنشر الصحف بعد هاتين القصيدتين أي شعر حر حتى صدر ديواني "شظايا ورماد" في أيلول 1949، وفيه مجموعة من القصائد الحرة، قدمت لها بجانب من المقدمة، مشيرة إشارة موجزة إلى الأساس الوزني للشعر الحر الذي اعتبرته لوناً من الحرية يستحسن أن يمنحه الشاعر العربي. وقد أحدثت الحركة والديوان رد فعل عنيف في الأوساط الأدبية في بغداد، ونقدت الدعوة نقداً شديداً، إلا أن الشعراء الشباب استجابوا لها استجابة محمودة، فما انصرم شهران حتى بدأت صحفنا تنشر قصائد حرة بين الحين والحين، وراحت الدعوة تنمو ويتسع نطاقها على صورة مباشرة.
وتتالت بعد ذلك الدواوين فصدر "ملائكة وشياطين" لعبد الوهاب البياتي في آذار 1950 و"المساء الأخير" لشاذل طاقة في آب 1950، كما أذكر و"أساطير" لبدر شاكر السياب في أيلول 1950. وراحت الحركة تتسع وتتخذ مظهراً أقوى حتى بات بعض الشعراء يكتبون أكثر شعرهم إن لم أقل كله بهذه الأوزان الحرة، وبات التيار يشتد بحيث يستاهل عناية النقاد والباحثين.
وحركة الشعر الحر، كأية حركة جديدة في ميادين الفن والحضارة، قد بدأت لدنة، حيية، مترددة، مدركة أنها لابد أن تحتوي على فجاجة البداية، فلا مفر لها من ذلك، لأنها على كلٍ "تجربة" ولن يعفيها إخلاصها وتحمسها من أن تزل وتتخبط أحياناً. ذلك أن مثل هذه الحركات التي تنبع فجأة بمقتضى ظروف بيئية وزمنية، لابد أن تمر بسنين طويلة، قبل أن تستكمل أسباب النضج، وتملك جذوراً مستقرة، وتلين لها أداتها، وليس من المعقول أن تولد ناضجة وإنما تبدو عيوبها كلما ابتعدنا عنها، وأوغلنا في الزمن باختياراتنا الجديدة ونضج ثقافتنا واتساع آفاقنا.
وإلى جانب هذا المحذور المشترك في الحركات الجديدة عامة، كانت لحركة الشعر الحر ظروف خاصة بها، تضيف إلى عقباتها. ذلك أنها، على الرغم من كل ما يمكن أن يقال في إرجاعها إلى أصول قديمة تجد جذورها في الموشحات الأندلسية، تبقى بنت هذا القرن وحده فالموشحات لم تتلاعب بعدد التفاعيل خلال القصيدة الواحدة، ولم تحرر القافية نصف هذا التحرير، وإنما نوعتها وفق خطة معينة يلتزمها الشاعر ولعل أبرز الأدلة على أن الحركة وليدة عصرنا هذا، أن أغلبية قرائنا مازالوا يستنكرون القصائد الحرة، وبينهم كثرة لا يستهان بها، تعتقد اعتقاداً راسخاً أن الشعر الحر ليس شعراً، وإنما هو نثر، أو شعر منثور. والحركة التي تنبت فجأة على هذه الصورة تفقد ميزة هامة، وتتضمن في ذاتها حاجزاً كبيراً دون أي نضج سريع تطمح إليه، فهي حركة لا تملك قواعد تسندها، ولا أسساً تجري وفقها لتأمين الخطأ والزلل، وإنما لابد لأتباعها وهم ينصرونها ويرفعون صوتها، من مجازفة وتضحية.
ونتيجة لهذين السببين، يسهل جداً أن يسقط المبتدئون من الشعراء في التشابه والتكرار، فينهج الواحد منهم نهج زملائه الآخرين دونما ابتكار، لا عن تقليد داع، وإنما على صورة طبيعية، لأن السنن الوحيدة الموجودة هي قصائد الآخرين وهي مازالت قليلة نسبياً وهذا وجه من أوجه الخطر التي تتضمنها الحركة، وقد بدأت مظاهره تلوح في بعض الشعر الحر الذي ينتشر، فلم يعد من النادر أن تتشابه قصائد الشعراء في موضوعاتها وألفاظها وأجوائها وأخيلتها. وإن الخطأ في شعر الواحد ليسري سرياناً مدهشاً في شعر الآخرين وكأنه بات سنة تحتذى لا خطأ ينبغي تجنبه.
ولا تقل الأسباب الناجمة عن طبيعة الأوزان الحرة نفسها خطورة عن السبب السابق، بل قد تكون أحفل بالمثبطات، وأدعى إلى إنذارنا. وسيدهشنا أن نلاحظ أن ما يبدو لنا أول وهلة مزايا في الأوزان الحرة، ينقلب حين نفحصه مزالق خطرة، هي في واقع الأمر مسؤولة إلى حد بعيد عن عظم إمكانيات الابتذال والرخاوة في الشعر الحر، حتى ليكفي أقل تهاون من جانب الشاعر لدفع القصيدة إلى هاوية الابتذال وعامّية اللين.
وأول هذه المزايا الخادعة في الشعر الحر، تلك الحرية البراقة التي يمنحها للشاعر دونما قيد ولا شرط فيما يلوح. والحق أنها حرية خطرة، فالشاعر يلوح معها غير ملزم باتباع طول معين لأبياته، وهو كذلك غير ملزم بأن يحافظ على خطة ثابتة في القافية. فما يكاد يبدأ قصيدته حتى تخلب لبه السهولة التي يتقدم بها، فلا قافية تضايقه، ولا عدو معين للتفاعيل يقف في سبيله، وإنما هو حر، حر ... سكران بالحرية. وهو في نشوة الحرية ينسى حتى ما ينبغي ألا ينساه من قواعد، وكأنه يصرح بآلهة الشعر: "لا نصف حرية... إما الحرية كلها أو لا!" وهكذا نجد الشاعر ينطلق حتى من قيود الاتزان ووحدة القصيدة وأحكام هيكلها وربط معانيها، فتتحول الحرية إلى فوضى كاملة.
وثاني المزايا في الأوزان الحرة، تلك الموسيقية التي تمتلكها، فهي تساهم مساهمة كبيرة في تضليل الشاعر عن مهمته. إنها سعلاة الشعر الخفية وفي ظلها يكتب الشاعر أحياناً كلاماً غثاً مفككاً، دون أن ينتبه، لأن موسيقية الوزن وانسيابه يخدعانه ويخفيان العيوب. ويفوت الشاعر أن هذه الموسيقى المضللة ليست موسيقى شعره، وإنما هي موسيقى فطرية في الوزن نفسه، يزيد تأثيرها أن الأوزان الحرة جديدة في أدبنا ولكل جديد لذة...وعلى هذه الصورة تنقلب موسيقية الأوزان الحرة وبالاً على الشاعر، بدلاً من أن يستخدمها، ويسخرها في رفع مستوى القصيدة وتلوينها.
وأكثر تعقيداً من هاتين المزيتين الخادعتين، المزية الثالثة وهي "التدفق". وهذا التدفق ينشأ عن أن كل وزن حر (باستثناء وزن يندر استعماله) يعتمد على تفعيلة واحدة، ينمو بتكرارها مرات يختلف عددها من بيت إلى بيت. وهذه الحقيقة تجعل الوزن متدفقاً تدفقاً مستمراً، كما يتدفق جدول في أرض منحدرة، وهي مسؤولة عن خلوه من الوقفات. والوقفات، كما يعلم الشعراء، شديدة الأهمية في كل وزن، ولا يدرك الشاعر مدى ضرورتها إلا حين يفقدها في الوزن الحر، فهو إذ ذاك مضطر إلى مضاعفة جهده وحشد قواه لتجنب "الانحدار" من تفعيلة إلى تفعيلة دونما تنفس. ولنلاحظ أسلوب الوقوف في أوزان الخليل ونقارنه بما يقدمه الشعر الحر من إمكانيات وسيبدو لنا أن البحور الستة عشر ذات الشطرين، تقف عند نهاية الشطر الثاني وقفة صارمة لا مهرب منها، بينما لا يمتلك الوزن الحر أية وقفات ثابتة، وإنما يترك الشاعر حراً ليقف حيث يشاء، فهو يلقي المهمة على الشاعر وهنا المشكل. ولست أشك في أن الشاعر الناضج الذي يستعمل الوزن الحر يلاحظ أن المهمة عسيرة، معقدة، فهذا الوزن لا يقدم أية مساعدة طبيعية، والعبء كله يقع على سياق المعنى وارتباطات الألفاظ في القصيدة، وليس هذا بالأمر الهين.
وإلام تودي هذه "التدفقية" في الوزن الحر؟ أول ظاهرة نلاحظها أن العبارة في الأوزان الحرة، تجنح إلى أن تكون طويلة طولاً فادحاً، وهذا نموذج من قصيدة "حفار القبور" لبدر شاكر السياب:

وكأنَّ بعض الساحراتْ
مدَّت أصابعها العجاف الشاحباتِ إلى السماءِ:
تُومي إلى سرابٍ من الغربان تلويه الرياحْ
في آخر الأفقِ المضاءِ
حتى تعالى ثم فاض على مراقيه السفـاحْ
هذه الأبيات كلها عبارة واحدة، وليست فيها وقفة من أي نوع. وهذا مثال ثان من قصيدة "الظلال الهائمة" التي نشرتها الأديب لعبد الوهاب البياتي:
أترى الظلال الهائمات وراءه وعت الغناء
فاسترسلت في شبه حلم واستفاقت للمساء
تروي أحاديث الصبيات اللواتي كن يصطدن
الرجال
بغنائهن وراء أسوار الليال؟
العبارة هنا سؤال، وبترها خلال القراءة أعسر، لأن نبرة التساؤل التي تبدأ بقوله "أترى الظلال..." ينبغي أن تنتهي عند لفظ "الليال". وهذا الطول في العبارة عيب تساعد عليه طبيعة الوزن الحر، ولابد للشاعر من الوعي المتصل لتحاشيه.
والحقيقة أننا لو تأملنا قيود الأوزان الحرة لوجدناها لا تقل عن قيود أوزاننا القديمة إن لم تزد، فالوقفة اضطرارية في الحالتين وإن اختلفت أسبابها، وهو أمر يحتم على الشاعر ذي النون الحر أن يتبع نظاماً صارماً في صياغة عباراته بحيث يعوض عن القيود الجبرية في نظام الشطرين.
وثمة نتيجة ثانية لمزية التدفق هذه، هي أن القصائد الحرة تبدو دائماً لفرط تدفقها وكأنها لا تريد أن تنتهي، وليس أصعب من اختتام هذه القصائد، وهذه ظاهرة يسببها انعدام الوقفات ففي نظام الشطرين تقدم الوقفة القسرية للشاعر مساعدة كبيرة، لأنها هي في ذاتها وقفة، فلا يبقى على الشاعر إلا أن يختم المعنى، وهنا تستطيع أي عبارة جهورية قاطعة أن تؤدي المهمة، خاصة في قصائد الوصف والمناجاة ونحوها. أما في الوزن الحر فالوقفات الطبيعية معدومة، والشاعر حتى إذا استعمل أشد العبارات جهورية وقطعاً يحسّ أن القصيدة لم تقف، وإنما مازالت تتدفق، وعليه هو أن يمضي في تغذيتها رغم انتهائه مما أراد أن يقول.
وتشتد المتاعب في قصائد الوصف والمناجاة على الأخص، لأسباب ترجع إلى طبيعة هذه القصائد، ولذلك تصلح الأوزان الحرة للشعر القصصي والدرامي أكثر من صلاحيتها لغيره.
ونستطيع أن نلمح هذه الظاهرة المتعلقة باختتام القصائد حين نلقي نظرة سريعة على طائفة من القصائد الحرة، فسينجلي لنا أن عدداً كبيراً منها يختتم بتكرار المطلع، ونموذج هذا قصيدة "يا صديقي" لبلند الحيدري من مجموعته "أغاني المدينة الميتة" وقد نشرتها الأديب كما أذكر فالمقطع التالي قد بدأ القصيدة واختتمها معاً بالتكرار:
يا صديقي
لم لا تحمل ماضيك وتمضي عن طريقي
قد فرغنا وانتهينا
وتذكرنا كثيراً ونسينا
وليست هذه محض صدفة، قالشاعر قد استعمل أسلوب الاختتام بتكرار المطلع في قصائد كثيرة منها "أعماق" و"لن أراها" و"حب قديم" و"غداً نعود". ثم أن الظاهرة لا تقتصر على بلند الحيدري، فهي تطل علينا في شعر عبد الوهاب البياتي (قصيدتي: "تمت اللعبة" و"التينة الحمقاء"، مجلة الأديب 1952) ونحن نلمحها عند بدر شاكر السياب في "في القرية الظلماء" من ديوانه "أساطير" وعند شاذل طاقة في "حصاد النار" من ديوانه "المساء الأخير". والذي نراه أن هذا الأسلوب في إنهاء القصائد هرَب من الشاعر لايغتفر، وهو إنما يقع فيه تحت ضغط هذا الوزن الحر، فالتكرار نوع من التنويم لحواس القارئ وفيه إيحاء بالانتهاء يساعد الشاعر المضطر.
ولشعراء الأوزان الحرة أساليب أخرى تفصح عن صعوبة الاختتام الطبيعي. هذه مثلاً خاتمة "حفار القبور" لبدر السياب:
وتظل أنوار المدينة وهي تلمع من بعيد
ويظل حفار القبور
ينأى عن القبر الجديد
متعثر الخطوات يحلم باللقاء وبالخمور
وهذه خاتمة قصيدة "اللقاء الأخير" للشاعر نفسه:
ويلوح ظلك من بعيد وهو يومئ بالوداع
وأظل وحدي في صراع
وليس هذا الأسلوب مقصوراً على بدر السياب، كما قد يلوح للقارئ، فهذه مثلاً خاتمة قصيدة اسمها "محاولة" لبلند الحيدري مما نشرت "الأديب":
ويدور فيها العقربان
تك. تك.
يا للجبان
ياللجبان متى سيومئ بالوداع؟
وأظل أزحف في صراع
هذه القصائد تختتم كلها بأسلوب "ويظلّ..." وهو أسلوب تنويمي كالسابق، لأنه يسلم المعنى إلى استمرارية مريحة وكأن الشاعر يقول للقارئ: "وقد استمر الأمر على هذا..." وبهذا ينتهي دوره، وتنتهي القصيدة. والمسؤول عن هذا كله هو الطبيعة المتدفقة للشعر الحر، على أنها ينبغي ألا تعفي شعراء ممتازين كهؤلاء من إنهاء قصائدهم إنهاء مقبولاً من الوجهة الفنية فليس أكثر إجحافاً بمواهبهم الفطرية من هذه الأساليب المتهربة.
وإذا كانت مزايا الوزن الحر الثلاث "الحرية والموسيقية والتدفقية" قد استحالت شراكاً للشاعر، فما بالنا بالعيوب التي يتضمنها هذا الوزن، وهي عيوب تنجم عن طبيعته نفسها؟
وأبرز هذه العيوب اثنان يرتكزان إلى تركيب التفاعيل في الأوزان الحرة، ولكي نفهم هذا لابد لنا من وقفة قصيرة نستذكر بها أسلوب البناء في أوزاننا القديمة ولنلتفت أولاً إلى أن وحدات الأوزان العربية لا تزيد عن الستّ وهي: (فعولن فاعلاتن، مستفعلن، متفاعلن، فعلن، مفاعيلن) ومن تكرار كل من هذه التفعيلات ست مرات تنشأ ستة أوزان هي المتقارب والرمل والرجز والكامل والخبب والهزج وسنسميها هنا (الأوزان الصافية). أما سائر الأوزان الستة عشر فهي تتألف من المزج بين اثنين من التفعيلات أو أكثر أحياناً، وسنسميها (الأوزان الممزوجة). فإذا تذكرنا أن الأوزان الصافية هي الوحيدة التي يمكن استعمالها في الشعر الحر، وجدنا أن هذا الشعر يقتصر بالضرورة على ستة أوزان من الستة عشرالقديمة، وفي هذا غبن كبير للشاعر وتضييق لمجال إبداعه، خاصة وأن هذه الأوزان الستة لا تستعمل كلها في الغالب وإنما يكثر شعراؤنا من استخدام ثلاثة منها هي الكامل والرمل والمتقارب، كما في النماذج التي مرت. والشاعر العربي قد اعتاد أن يجد أمامه ستة عشر بحراً شعرياً مع مشطوراتها ومجزوءاتها، ولهذا قيمة كبيرة تجعلنا نميل إلى أن نحكم بأن اقتصار أي شاعر على الأوزان الحرة في شعره لا يمكن أن ينتهي به إلى الخير، إطلاقاً...
وفوق هذا، نجد ظاهرة أخرى تنبع من وحدة التفعيلة في الأوزان الحرة، وهي "الرتابة"، فهذه الأوزان تستطيع أن تكون مملة جداً، خاصة إن اقتصر عليها الشاعر، وعندي أنها لا تصلح للملاحم على الإطلاق، فمثل تلك القصائد الطويلة ينبغي أن ترتكز إلى تنويع دائم، لا في طول الأبيات العددي فحسب، وإنما في التفعيلات نفسها، وإلا سئمها القارئ. ومما يلاحظ أن هذه الرتابة في الأوزان، تحتم على الشاعر أن يبذل جهداً متعباً في تنويع اللغة وتوزيع مراكز الثقل فيها، وترتيب الأفكار، فهذه كلها عناصر تعويض عن النغم الممل.
ومؤدى القول في الشعر الحر أنه ينبغي ألا يطغى على شعرنا المعاصر كل الطغيان، لأن أوزانه لا تصمد للموضوعات كلها، بطبيعة القيود التي تفرضها عليها وحدة التفعيلة وانعدام الوقفات وقابلية التدفق والموسيقية. ولسنا بهذا ندعو إلى نكس الحركة، وإنما نحب أن نحذر من الاستسلام المطلق لها، فقد أثبتت التجربة أن خطر الابتذال والعامية يكمن دائماً خلف استهواء هذه الأوزان الظاهري.
ويظهر أن الحركة بدأت تبتعد عن غاياتها المفروضة، ولا نظن هذا غريباً، ولا داعياً للتشاؤم، فلو درسنا الحركة من وجهتها التاريخية لوجدناها لا تختلف عن أية حركة للتحرر الوطني كانت أو اجتماعية أو أدبية. وفي التواريخ مئات الشواهد على ثورة الجماعات ومبالغتها في تطبيق مبادئ الثورة وسقوطها في الفوضى والابتذال قبل استقرارها الأخير. ولهذا نحس بالاطمئنان إلى سلامة الحركة، رغم مظاهر الرخاوة التي تلوح بوادرها اليوم. ومع أن التنبؤ بما ستنتهي إليه الحركة لا يمكن أن يكون قاطعاً، إلا أننا نحس أنها ستتقدم في السنين القادمة حتى تبلغ نهايتها المبتذلة، فهي اليوم في اتساع سريع صاعق، ولا أحد مسؤول عن أن شعراء نزري المواهب ضحلي الثقافة سيكتبون شعراً غثاً بهذه الأوزان الحرة، فليس على الشعر العربي خوف من هذا، ولابد أن ينتهي التطرف إلى اتزان رصين بعد اصرام سنوات التجربة. أما الشعراء الذين سيذهبون ضحايا ولابد لكل حركة ناجحة من ضحايا فحسبنا أنهم هم الذين سينقذون الشعر من الهاوية، حين يكونون نماذج للرداءة والتخبط وفقدان الهوية، إنهم خلاص الشعر الحديث دون أن يعلمون، وهذه هي طبيعة الانقلابات الهامة في التاريخ.

الأديب، س13، ج1، بيروت، يناير 1954


توقيع نقوس المهدي



المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.




  مشاركة رقم : 8 (الرابط)  
قديم 06-23-2009, 05:48 PM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 8,878
بمعدل : 13.59 يوميا

نقوس المهدي متصل الآن عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : مختارات
افتراضي

نحو مجتمع عربي أفضل
التجزئية في المجتمع العربي


بقلم الآنسة نازك الملائكة


1
لو سئلنا أن نصف المجتمع العربي المعاصر بكلمة جامعة تعبر في إيجاز ووضوح عن حالته الحاضرة، لوصفناه بأنه مجتمع "قلق"، ولأمدتنا الكلمة بمعان واسعة تشمل مختلف الجهات العملية والانفعالية والذهنية لهذا المجتمع. والقلق من وجهة النظر الاجتماعية نذير عاطفي يرفع صوته ليدلنا على أن جهة من حياتنا قد فقدت نقطة ارتكازها وبدأت تنهار. فهو أشبه بجرس خطر ترسله أعماقنا الصامتة وترمي به إلى إنذارنا. إننا نقلق، لأننا قد بدأنا نملك وعياً بحياة أسمى من الحياة التي نحياها، وكأننا قد بدأنا نتجزأ إلى كيانين أحدهما يدرك الحاضر والآخر يدرك مستقبلاً حياً يجعله يقارن ويبدأ بالاحتجاج. فالقلق ليس إلا رد فعل صحيّ نواجه به نقص حياتنا. إنه أشبه بالحمّى التي يقابل بها الجسم الصحيح طلائع المرض المهاجم.
وهذا القلق يتخذ أشكالاً مختلفة، منها الشكل البسيط الذي يعانيه الأفراد على صورة توتر نفسي مستمر، ومنها أشكال معقدة أبرزها ما سنسميه هنا بقلق المقاييس ونعني به نظمنا وعدم ارتكازها إلى مستند نظري ثابت. فنحن إجمالاً قوم حائرون لا نملك آراء مستقرة ولا نثبت على خطط، وحتى إذا أتيح لنا أن نختار خطة عامة فسرعان ما نتركها قبل أن نبلغ النتيجة. وما هذا إلا لأننا ننظر إلى الموضوعات من مستويات متعددة تتجاذبنا فتتداخل أحكامنا وتتعدد ارتكازاتها. وليس أكثر ضياعاً من مجتمع يسمح لوجهات النظر المتعددة أن تنفذ إلى حياته. فالحياة ملأى بالمفاهيم المتناقضة وما من فكرة نؤمن بها، إلا وهناك فكرة معاكسة تعارضها. إن سلوكنا، في هذه الحالة، يفقدُ النقطة التي يمكن أن تقيسه وفقها، ولهذا لا يمكن أن نقيسه. وهو في هذا يشبه "السرعة" التي يستحيل أن نقيسها ما لم نملك نقطة ثابتة في مكان ما، فإذا لم يكن ثمة ثبات لم يمكن لنا قياس السرعة. وهذا الثبات المفقود في حياتنا يحرمنا من أن نتمسك بأي حكم، فلكل قضية فيما يلوح لنا وجهان متعاكسان.
ومن هذا التقلقل الفكريّ العام تنشأ الظاهرة الكبرى التي تتغلغل في حياتنا كلها. وهي الظاهرة التي نختار أن نسميها بالتجزيئية، ونقصد بها جنوحنا إلى عزل الظواهر عن بعضها ودراستها مفصولة وكأننا نفترض أن حياتنا تتكون من مجموعة من المجالات المتضاربة التي اجتمعت مصادفة في خليط. فنحن قد اعتدنا أن نلتقط من كل مستوى من مستويات الفكر نقطة نسلط عليها الضوء وندرسها معزولة عن سائر النقاط، فبدلاً من أن ندرس مشاكلنا باعتبارها محصلة لمختلف القوى، نعمل على عزل هذه القوى عزلاً قاطعاً فنتناول اللغة وكأنها عنصر مفصول عن الدين، ونرى للسياسة كياناً منفصلاً عن قضايا الفنّ، ويخيل إلينا أن العلوم دائرة معارضة لدائرة الآداب، وتلوح لنا الشؤون الاقتصادية بعيدة عن شؤون الجمال والعواطف. وهكذا تنتهي بنا كل دراسة إلى زاوية ضيقة نصدر منها أحكاماً مصطنعة تزيدنا حيرة وارتباكاً.
والحق أننا نكاد ننسى أن حياتنا ليست في حقيقتها غير ترابط متين يشد هذه العناصر كلها في وحدة وثيقة، حتى تكاد كل ظاهرة أن تحتوي في عالمها الأصغر على صورة كاملة للظواهر الأخرى. إن بين مختلف العناصر التي تتألف منها حياة المجتمع علاقة تشبه قانون السبب والنتيجة، فكل عنصر إنما هو نتيجة للعناصر الأخرى وسبب لها أيضاً.
إن تشبيه المجتمع البشري بالكائن العضوي ليس تشبيهاً عاطلاً. وأحد أوجه الشبه أن أي نموّ في وظيفة من وظائف الجسم الاجتماعي لا بد أن يكون مصحوباً أو متبوعاً بنمو مماثل في الوظائف الأخرى. كما أن درجة التعقد في الوظيفة الواحدة يمكن أن يعد مظهراً دالاً على تعقد الوظائف الأخرى. وينشأ هذا عن تداخل الوظائف التي توشك أن تشبه الأواني المستطرقة التي تستوي فيها سطوح السوائل، فما تكاد إحدى الجهات تعلو حتى يتسرب العلو ويتوزع على الجهات الأخرى. وهكذا فإننا لا نبعد كثيراً عن الحقيقة عندما نحكم بأن ثورة في أساليب العمل يحدثها مصنع صغير للكراسي، لا بد أن تصحبها على وجه ما ثورة في نواحي الحياة الأخرى. وهذا لأن الثورة في مصنع الكراسي لا يمكن أن تكون قد نبتت نبوتاً سحرياً في لحظة من الزمن، وإنما هي نتيجة اجتماعية معقدة لعشرات من الأسباب التي لا بد أن تكون قد مست في تطورها جهات المجتمع الأخرى. هذا فضلاً عن تأثير هذه الثورة في مختلف المجالات التي تمسّها. وإذا ضربنا لهذه النقطة مثلاً نختاره من الفن، استطعنا أن نقول أن الفنان الذي يثور على القيم الباهتة في دائرة فنه ويحل محلها قيماً أخرى جديدة إنما هو في آن واحد مظهر لثورة تتهيأ في جهات أخرى من المجتمع، وعامل مؤثر لا بد يؤدي إلى ارتفاع المستوى في سائر النواحي. وذلك لأن من طبيعة المجتمع أن تتوازن فيه القوى كما تتوازن سطوح السوائل، فما تكاد جهة معيّنة فيه تتطور وتصعد في نموها حتى تتوتر الجهات الأخرى وتتصدع أسسها وتبدأ بالانفجار.
والنتيجة المباشرة لهذا الاتجاه التجزيئي هي ظاهرة (التضخيم) التي نلمسها في مختلف نواحي حياتنا. فنحن نمنح بعض الظواهر قيمة أعظم مما تستأهله إلى جانب الظواهر الأخرى، فنضخم أحد عناصر المجال تضخيماً شديداً لا نفطن إليه لأننا قد عزلنا هذا العنصر عن سائر العناصر. وخير مثال لهذا ما نراه اليوم من حدة الاتجاه إلى اعتبار السياسة هي الموضوع الوحيد الذي ينبغي أن يشغل ذهن المواطن العربي، حتى يكاد الفرد الاعتيادي يؤمن إيماناً قاطعاً بأن كل نشاط آخر غيرها هو ترف بالنسبة إليها. خاصة ما تعلق بشؤون اللغة والفن والجمال.
إن هذا الأسلوب في التقييم ينمّ عن إيماننا بامكان قيام المجتمع على ظاهرة واحدة فيه، بحيث تصبح هذه الظاهرة مقياساً نحكمه في الظواهر الأخرى. ونحن كلنا قد قابلنا نموذج الرجال الذين يرفضون الفن في احتقار لأنه لا يطعم خبزاً. وهم في الحق يذكروننا بالأسلوب الذي ناقش فيه فوستاف قيمة الشرف في بعض مسرحيات شكسبير. فقد وقف يفلسف الشرف على الأسلوب التالي: "أفي وسع الشرف أن يداوي ساقاً؟ كلا. أو يداً؟ كلا. إذن فما حاجتي إليه؟" وهذا مطابق تماماً للحجج التي يوردها معاصرونا رداً على كل نشاط لا يتعلق بشؤون الحياة المعاشية. فكما أن الشرف من وجهة نظر الجراحة عاطل من المعنى، كذلك يبدو الفن الذي لا يستطيع ان يساهم في الانتخابات ولا أن يعدل معاهدة. وإنما ينبع الخطأ في حالة فولستاف وحالتنا من التضخيم الذي نختار أن نصبه على جهة واحدة من جهات مجال واسع، بحيث تستحيل هذه الجهة مقياساً نحكمه في سائر الجهات، بدلاً من أن نعثر على المقياس الكبير الذي يتحكم في الجهات كلها. فالشرف والجراحة والشعر والسياسة كلها أشياء ضرورية في حياة المجتمع، ومن السذاجة أن نتخذ واحداً منها مقياساً لفائدة الآخر. وذلك لأن هنالك مقياساً واحداً يتحكم فيها كلها وهذا المقياس هو الإنسان.
2
إن المظهر الأول للتجزيئية في المجتمع العربي هو أنه ما زال في صميمه مجتمعاً محافظاً، على الرغم من كل ما اعتراه من تطور في المظاهر. فإن التطورات قد داهمته كما تدهم موجة جارفة، فانغمس فيها دون أن يغير اتجاهه الداخليّ. ومن ثم فإن النواة مازالت تحتفظ بشكلها على صورة نظم وقوانين. أو بكلمة أخرى إن الذي تغير هو الظروف فحسب، أما الأسس فمازالت هي الأسس التي عرفها أجدادنا منذ قرون طويلة.
والمحافظة مرتبتان، مرتبة يكون فيها الإنسان المحافظ مختاراً يحكّم حاجاته في موقفين فيختار أحدهما، ومرتبة أخرى واطئة تصبح فيها المحافظة إجبارية. فالمرتبة الأولى إيجابية وهي قد تكون صفة المجتمعات الفتية العاملة. أما المرتبة الثانية فهي ملازمة للمجتمع الهرم، وهي أشبه بالتكلس الذي يعتري شرايين رجل شيخ. أو لنقل أن المحافظة في هذه الحالة ضرب من الشيخوخة، وامتدادها عبر القرون يتضمن فصلاً تاماً بين ظروف أمة وقوانينها. وهو فعل لا يستند إلى حجة فكل وجهات النظر تدحضه.
فمن وجهة النظر البايولوجية يبدو أن المحافظة مخالفة لخط النموّ الذي تفضله الحياة الكاملة لأنها في حقيقتها نوع من السكون يعتري العقل الإنساني. إننا حين نقدس المقاييس التي انحدرت إلينا جاهزة، إنما نقرّ برغبتنا في ألا نعكر الراحة التي يتيحها لنا هذا التقديس. والحق أن التقديس يمثل بالاعتبار البايولوجي النقطة المنخفضة في موجة الحياة. لقد خلق الذهن الإنساني ليتجدد بالآراء الجديدة تجدداً أبدياً، وهذا التجدد ضروري لأنه ينميه ويمنحه المرونة وقابلية البقاء، ومن ثم فإن سكون المحافظة لا بد أن يكون مضراً به. إن السكون ينبغي أن يكون فاصلاً بين حركتين، وهذا المقياس البايولوجي. إنه كالنقطة المنخفضة في الموجة فائدتها أنها تهيئ لقمة جديدة. والموجة عندما تتريث في نقطة منخفضة إنما تجمع طاقتها للحركة التالية. وكذلك المحافظة فهي في الحقيقة فترة تجمّع يهدأ خلالها الذهن الإنسانيّ ليقفز القفزة التالية. فإذا طالت هذه المحافظة قروناً دلّ الأمر على أن المجتمع قد هرم. إن الموجة التي تبقى في نقطتها السفلى لم تعد موجة على الإطلاق.
وهكذا تصبح المحافظة تحدياً للحياة وإلحاداً بها، لأنها عندما تفرِض فكرة جامدة على حياة إنسانية متطورة تعمل قبل كل شيء على أن تشُلّ العقل وتسلمه إلى السكون. وهي لا تتوصل إلى هذا إلا بأن تفصل الإنسان الواحد إلى جزءين في أحدهما الاندفاعية الاجتماعية العمياء، وفي الآخر العقل المتقاعد الذي تراكم عليه الغبار فوق رفّ مهجور. وهكذا ينتهي بنا التقديس إلى أن يتجزأ الإنسان مع أنه في الأصل كلّ متماسك ينمو صاعداً في اتجاه قواه الفطرية كلها. وليس خافياً أن هذه التجربة التي يسببها المجتمع تدل على أن هذا المجتمع لم يعد كفؤاً لحماية الجماعة. فالمجتمع الذي لا يضمن تطبيق قوانينه العامة إلا باللجوء إلى تقسيم الإنسان الواحد إلى أجزاء مختلفة، هو حتماً مجتمع مختلّ.
والاعتراضات التي نحصل عليها من وجهة نظر التاريخ لا تقل صلابة. فالمحافظة في نظر التاريخ تتضمن الفصل بين النظم والزمن. وهذا مخالف للمفهوم التاريخي للقانون وهو مفهوم تطوري ينشأ عن الانسجام التام بين العوامل البيئية والقوانين المفترضة التي تناسب الظروف كلها لا بد أن تكون قوانين يتغلب عليها عنصر العمومية وتتعالى عن التفاصيل كتلك الأقفال التي تفتحها المفاتيح كلها. إنها قوانين غير تاريخية تتعلق في الفراغ بلا زمان ولا مكان. يضاف إلى هذا أن استمرار نظمنا القديمة على ملائمة حاجاتنا يدل في وقت واحد على عموميتها وعلى سذاجة حاجاتنا.
والحق يقال أن القوانين من وجهة النظر التاريخية إنما هي أفكار ذات ثلاثة أبعاد: بمعنى أنها تلائم مكاناً ما في زمان ما فحسب. ولاينشأ التاريخ القومي إلا من تطور هذه الأفكار ونموّها الدائم مع العصور، بحيث يمكن أن نقول على وجه ما إن التاريخ هو البعد الرابع للقانون. وهذا يجعل جمود القوانين على شكل معين استمراراً لوضع ذي ثلاثة أبعاد وهو ما لا يمكن قبوله تاريخياً.
أما وجهة النظر القانونية فهي تضع أيدينا على مكان الجرح، وتدلنا على سر الأزمة النفسية التي يعانيها الفرد العربي في هذه الفترة من حياته. إن هناك تعارضاً مستمراً وتصادماً لا ينتهي بين المجال المفترض أن الجهة النظرية من السلوك قد اكتملت واكتسبت عقوباتها في زمن، بينما يكتسب السلوك الواقع شكله من متطلبات زمن آخر لا علاقة له بالزمن النظري. أو لنقل أن العقوبات تنتمي إلى دائرة أخرى غير تلك التي تحدد السلوك.
إن دراسة موضوع العقوبات الاجتماعية لا بد أن تنتهي إلى تلك المنطقة الحساسة التي تعارفنا على تسميتها بالضمير. ونقصد بها مجموعة النواهي والزواجر المقبولة في مجتمع ما. والمجتمع يتناول أفراده منذ مولدهم فيغرس فيهم مبادئ ضميره بتفاصيلها، حتى إذا ارتكب الفرد عملاً مخلاَ وأخطأته العقوبة القانونية تناولته عقوبة أعماقه. فالضمير على هذا منطقة اجتماعية تكمن في أعماقنا، وهي منطقة مسوّرة لا تستطيع اقتحامها. إن المجتمع يقفلها بنفسه. وهذه الحصانة التي يملكها الضمير تجعله قوة مخيفة في وسعها أن تهدم الحياة وتبنيها. والأمر يتوقف على نوع محتوياته. ففي المجتمع الفتي الذي يستمد عقوباته من إمكانيات الظروف القائمة يصبح الضمير قوة خير تدفع بالأفراد إلى الحيوية والحماسة وغنى الروح. أما في المجتمع المتحلل فهو يصبح طاغية مستبداً يصب العذاب على الأفراد لأنه يستند إلى تفاصيل تعارض ظروف الحياة التي تتاح للأفراد. وهذه هي حالة مجتمعنا العربي المعاصر، فهو يمر بمرحلة يتعارض فيها الضمير مع الظروف القائمة. والفرد الذي يعيش في مثل هذا المجتمع يحتمل بالضرورة وخز ضميره دون ذنب، لأن الظروف التي تسوقه إلى ارتكاب العمل هي نفسها التي تحرض عليه ضميره. وهذه الحالة لا تقبل من وجهة نظر القانون، فالأصل في كل عقوبة أن تكون مستمدة من الظروف البيئية والطبيعة الإنسانية.
والحالة تثير اعتراضات مماثلة من وجهة نظر الاجتماع. وذلك لأن الغرض الأساسي من وجود المجتمع هو حماية الأفراد، وهذا الغرض يبدو مفقوداً في حالتنا هذه. إن المجتمع الذي يسلط على أفراده ضميراً أحمقاً مستبداً، إنما هو عدو للفرد بدلاً من أن يكون صديقاً له يعينه على إبراز مواهبه ويؤدي به إلى طريق الغبطة والعمل. فهو يتطلب منه أشياء لا يبيحها مندوبه السري: الضمير، ويحيط الأفراد بظروف تضطرهم إلى الإخلال بواجباتهم المفروضة ثم يعاقبهم على هذا الإخلال وفق القواعد القديمة، فكأنه في هذه الحالة يخونهم، كذلك الملك الطاغية الذي كان يسقي رجال حاشيته الخمر ثم يجلدهم لأنهم يترنحون.
إن المجتمع في هذه الحالة يستحيل إلى اثنين: واحد يملي الأعمال على الأفراد والثاني يصدر الأحكام والعقوبات. أو أنه ينقسم إلى أعمال تقف في جهة، وأحكام تصدر من جهة أخرى. ومعنى هذا أن شطراً منه هو الذي يرتكب الإخلال والشطر الثاني هو الذي يتلقى العقوبة. وكل هذا ينتهي حتماً إلى أن المجتمع قد تفكك وتخلى عن وظيفته الأساسية، فلم يعد كياناً موحداً تنمو عناصره كلها في اتجاه واحد، وإنما بات كل عنصر فيه يتجه إلى جهة خاصة في فوضى وارتباك.
ولا يقف عجز المجتمع عن حماية أفراده عند حدود السلبية وإنما يتعداها إلى عرقلة نموهم بالضجيج الذي يحدثه ضميره الهرم، ولذلك ينبغي ألا يتحول الضمير إلى قطعة جامدة عمياء تقبع في أعماقنا معتصمة بالظلام. إن الضمير ينبغي ألا يكون عنكبوتاً. وعلى المجتمع أن يعمل على تطوير محتوياته تحاشياً لثرثرته وإلا فهو يظل يصرخ في أعماقنا ويخلق لنا عشرات من المشاكل. فهو على أثرنا أبداً، لأنه ينبع من أعماقنا الاجتماعية. وهذه الأعماق ليست ملكاً لنا.
3
وإذا انتقلنا إلى ميدان الأخلاق صادفنا الاختلال نفسه، والأخلاق هي في الحق الجانب الفردي من القانون، ولذلك فنحن نجد هنا السمات العامة التي وجدناها هناك، من تجزيئية وتضخيم لظواهر معينة.
وأول ما نلحظه أن الأخلاق العربية تقيم هاوية سحيقة بين العقل والعاطفة. فالمجتمع العربي مازال محتفظاً بالميل القديم إلى اعتبار العواطف شيئاً مناقضاً للتفكير والتعقل، ولم يزل يعدّ أن كبت المشاعر مظهراً ملازماً للحكمة. إنه يعتقد أن بين العقل والاحساس حرباً لا نهاية لها. وإن الإنسان الذي يستحق الاعجاب هو الذي يسيطر على أحاسيسه ويخلو من العواطف.
والمثل الأخلاقي العربي الذي يجعل من الرقة ضعفاً مازال ملموساً في حياتنا العاطفية، حيث نجد الرجل المعاصر لم يزل يحتقر أن يذرف الدموع حتى في أدق الحالات. كما أنه على العموم يترفع عن الجهر بالحب ويعتبر هذا جانب لين في حياته ينبغي أن يطوى. وتبلغ هذه العقيدة درجتها القصوى كلما انحدرنا نحو الطبقات الشعبية العامة، فهناك سنجد النموذج المفضل للرجل نموذجاً قاسياً، حتى يكاد أغلب الرجال يفخرون بمقدرتهم على تعذيب قطة أو انتزاع عنق عصفور. وما هذا إلا لأن العاميّ يعد الرقة والحساسية والشفقة مظاهر نسائية ... وهو يحب أن يكون رجلاً.
إن هذا الفصل بين العاطفة والتفكير يرتكز في أساسه إلى النظرة القديمة التي كانت تزعم أن الإنسان مقسّم إلى أجزاء بعضها خيّر وبعضها شرير. وهذه النظرة لا تملك معنى من وجهة نظر علم الحياة، فالإنسان متماسك، وتقسيمه أمرٌ مستحيل علمياً. والحق أن للعواطف قيمة بايولوجية عظيمة في حياة الإنسان، ومن دونها تتوقف الحياة. وقد وجدت مشاعر الفرح والحزن والحب والمقت والقلق والشوق والطموح والغيرة لا لتكون قيوداً للإنسان، وإنما لتؤدي وظيفة فيزيولوجية ريئسية. وهذا يجعل مبدأ العقل المجرد مستحيلاً. إننا عاطفيون لأننا نحتاج إلى أن نكون عاطفيين. أما أن نحاول قتل عواطفنا فهو يؤدي حتماً إلى أن نضيق إمكانيات الإنسانية.
هذا فضلاً عن أن الحكم بالشر والنقص على جهات معينة من الإنسان، يفترض مقياساً خارجياً لا تعرفه البشرية. فحياتنا لا تقدم لنا ولو نموذجاً صغيراً لهذا العقل المثالي المجرّد الذي تتجه بنا أخلاقنا الوضعية إلى تقليده، لأننا في الحقيقة لا تعرف أية صورة أخرى غير صورة إنساننا الأرضي هذا. فهو الحقيقة الوحيدة التي نملكها، ولذلك ينبغي أن نتخذه نقطة نبدأ منها كل مقياس أخلاقي ندين فيه. فالإنسان قد وجد في الطبيعة قبل أن توجد آراؤنا الصغيرة فيه وفلسفتنا، إنه لتطاول منا أن نجلس على كراسينا المريحة في أيام الصحو والرخاء فنصدر عليه أحكاماً تبتر فيه هذه الجهة وتقص تلك وفق رغباتنا.
إن هذا المجتمع الذي يجزئ الإنسان الواحد إلى شرّ وخير إنما يعلن عن عجزه عن حماية أفراده. ومثله في هذا كمثل خياط مبتدئ. يصنع قفازاً ذا أربعة أصابع لكفّ إنسانية طبيعية، ثم يطلب بتر الإصبع الخامسة بدعوى أنه شرير لا فائدة له. ذلك أن هذا الخياط يصنع ظروفاً مبتذلة تجعل شيئاً رائعاً كالإصبع يبدو شراً ينبغي بتره. وهذا ما يصنع المجتمع العربي بالإنسان. فهو بدلاً من أن يتناوله ويصوغ له مقاييس تقدّر ميوله وإمكانياته الفطرية وتعينها على الانطلاق والحيوية...يصوغ مُثلاً ضيقة تخنق طاقته وتشلّها.
إننا نعتقد أن الإنسان هو معجزة الطبيعة الكبرى التي لم يكشف عنها الغطاء بعد وأن أية شريعة يؤدي بالطبيعة الإنسانية إلى الانكماش والضمور وتجعل القوى الروحية تتبدد وتضيع لا بد أن تكون شريعة صبيانية تلحد بالطبيعة المبدعة الحكيمة، وليس الشرّ والنقص إلا في قوانينا التي نريد أن نصحح بها أخطاء الطبيعة الكاملة.
أما المظهر الثاني للتجزيئية في ميدان الأخلاق، فهو أسلوبنا في النظر إلى قضايا الأخلاق، وهو أسلوب يستند إلى الاعتقاد بأن للأخلاق مقياساً ثابتاً لا تغيره العصور ولا البيئات، لأنه نهائي ولأنه غاية نفسه، وكأنه مبدأنا هو: "الأخلاق من أجل الأخلاق" بدلاً من: "الأخلاق من أجل الإنسان".
إن الحقيقة التي ينساها الأخلاقيون عندنا هي أن الإنسان ليس موضوعاً مجرداً، وإنما هو حادث بايولوجي. أو أنه ليس كتلة وإنما هو عملية. ومن ثم فإن كل ما يتعلق بهذا الإنسان ينبغي أن يكون متصفاً بالحركة وقابلية التطور. فالسكون نقطة لا تمر بها حياتنا، وإنما تنتهي إليها. إننا نسكن عندما نموت. وعلى هذا فإن مفهوم الأخلاق الإنسانية لا يمكن أن ينطوي على سكون وإنما يجدر به أن يكون تحركاً دائماً في مجال الحياة الواسع. والحركة الفاعلة يجب أن تكون هي الأساس في كل نظام أخلاقي بشري. لأن الحركة هي حاجة الحياة القصوى. ونحن إذا أقررنا بهذا، فسنرى فوراً أن الأخلاق التي يدين بها المجتمع العربي أخلاق سكونية سالبة تتخذ نقطة ارتكازها في المظهر لا في الفعل.
وخير دليل على السكونية في أخلاقنا احترامنا التقديسي لفضائل مثل العفة والنزاهة والإباء والصدق فهي كلها لو دققنا فضائل سالبة لا تنطوي على فعل وإنما تستند إلى امتناع.
فالعفة مثلاً ليست فعلاً وإنما هي امتناع عن فعل وكذلك النزاهة والصدق والصبر والإباء والأنفة وغيرها. إننا لا نحاول إطلاقاً أن ننكر المضمون الجميل لبعض هذه الصفات، إلا أننا ننكر أن تكون لها فائدة إيجابية للحياة. والمضمون الفلسفي للخير يجب أن يشمل أداء عمل يفيد الإنسانية ويضيف إلى جمال الحياة وخصوبة الأرض ويشق للنوع البشري طرقاً جديدة إلى الأمام. أما الامتناع فهو خلق سكوني، لا تنبع فائدته إلا من اعتبارات موضوعة لا تعترف بها الحياة.
إن إلحاحنا على الفائدة البايولوجية التي يجب أن تتوخاها كل أخلاق إنسانية يجعل النظرة العربية إلى الأخلاق نظرة غائية هدفها الأخلاق لا الإنسان. والمجتمع العربي يحتاج اليوم إلى أن يوسع دائرة اعتباراته، فيدخل الأخلاق الايجابية في دائرة الضرورات وينحي الأخلاق السكونية عن المركز. إن المودة والكرم والرحمة والإقدام والعمل والثبات واللطف صفات أجدر بالعناية والاحترام من الصفات السلبية التي ذكرناها. ومن المؤسف أن يمضي المجتمع في اعتبارها ضرباً من الترف الخلقي لا تدخل في المقاييس الأساسية. فإن في هذا تجزيئية تعزل الأخلاق عن الحياة، فتقيّم الفضائل والرذائل تقييماً يجعل الفرد يعتاض عن تحقيق الخيرتحقيقاً إيجابياً ويقنع نفسه بخيال الشرف السلبي الذي يظنه يغني عن كل صفة أخرى. ذلك أنه لايسرق ومن ثم فهو نزيه، وهو لا يكذب فهو إذن صادق، وهو لا يشكو فهو صبور، وهكذا يحصل الفرد العربي على التخلق دون أن يكلفه هذا جهداً. وهذا هو النقد الأكبر الذي نوجهه إلى نظامنا الأخلاقي، فهو نظام يفصل بين الأخلاق وموضوعها.
4
وإذا انتقلنا إلى موضوع المرأة صادفنا التجزيئية في مظاهر أكثر تنوعاً وتعدداً. فالموضوع كله قائم على تجزئة للمجتمع تقسمه إلى نساء ورجال. وقد جرت العادة على أن نتحدث عن مشاكلنا الأدبية والسياسية والاجتماعية مصنفة ونعزل من بينها مشكلة خاصة نسميها المرأة، وكأن المشاكل الأخرى هي مشاكل الرجال فحسب. وهكذا نرى الصحف والإذاعات تخصص زوايا مبتذلة صغيرة تتناول فيها الأشياء التي تفترض ألا شيء سواها يهم النساء كالأزياء وتسلية الضيوف والمجاملة وشؤون المنزل وغير ذلك مما لا تخلو منه حياة الإنسان دون أن يكون عنصراً تقوم عليه الحياة.
وقد أدت هذه التجزيئية إلى مشكلة تقسيم العمل بين الرجل والمرأة. فإنه تقسيم استندنا فيه إلى الجنس لا إلى الكفايات الطبيعية والميول، فما دامت المرأة امرأة فهي ملزمة بأن تقصر نشاطها على العمل المنزلي مهما كانت ملكاتها الفطرية واتجاهاتها. ولقد كان لهذا التقسيم نتائج عاطفية واجتماعية عميقة في سلوك المراة وأخلاقها، وذلك لسبب بسيط هو أن الأعمال المنزلية لا تستنفد من القوى العقلية والنفسية التي يملكها الإنسان إلا جزءاً يسيراً محدوداً، فهي تكاد لا تزيد على أن تكون نشاطاً يدوياً محضاً يمرّن جهات قليلة من وظائف الجسم الكثيرة المعقدة. ومن ثم فهو لا يستنفد من كل ما ركب في المرأة من طاقة إنسانية محتشدة. وهذا ليس تبذيراً لا يبرره شيء فحسب، وإنما هو أيضاً مصدر خطر على كيان المرأة بما يسببه لها من تفاوت في مستوياتها الوظيفية.
وتنتج عن هذه التجزئة الوظيفية ثلاث نتائج نلمسها واضحة في حياة المرأة العربية. وأول نتيجة أن جهة خاصة من المرأة تنمو بينما تتوقف الجهات الأخرى. ويبرر هذا على شكل ركود ملحوظ في القوى الذهنية والعاطفية...أما النشاط الذهني فنحن نتفق على أنه نادر بين نسائنا المعاصرات حى يكاد الرجل المتوسط يعدّه شذوذاً حين يظهر. وأما النشاط العاطفي فلعلنا لن نتفق حوله. فالرأي الشائع هو أن المرأة تملك عواطف غريزة مكتملة، إلا أنها لا تملك أفكاراً، وهذه العواطف في نظرهم تغني غناء كاملاً عن الذهن الذي لا تستعمله المرأة. وقد ساعد الفنانون على انتشار هذه الفكرة عندما صوروا الأمومة وحناياها وغير ذلك.
على أننا لو رجعنا إلى قواعد النمو العضوي لوجدنا أن من غير المقبول منطقياً أن تنمو جهة معينة في حياتنا الإنسانية دون الجهات الأخرى. والعاطفة ليست منفصلة عن الفكر لتنمو منعزلة عنه، وذلك لأنه يديرها كما يريد الجسم كله. ومعنى هذا أن المرأة إن كانت لا تملك ذهناً مرناً نامياً فلا مجال لأن تملك مشاعر متكاملة، فالتفكير والشعور كلاهما محصول اجتماعي فيزيولوجي ومن ثم فهما ينموان معاً، وحين يتوقف أحدهما ويشل يتعرض الآخر إلى التجربة نفسها.
والحق أن المرأة في حالتها الحاضرة لا تملك عواطف ناضجة، فهي مفلسة في الجهة الشعورية إفلاسها في الجهة العقلية. إن العاطفة ليست كمية ثابتة تمنحها الطبيعة للفرد وإنما هي كتلة تنتظر النمو والاتساع والنضج. إنها تكبر مع الإنسان وتخضع لنوع من التربية الدقيقة المتصلة. ولهذا نجد أن الإنسان المثقف يملك من العواطف أضعاف ما يملك الجاهل. لا بل إن رجل الشارع ليس مكتمل العواطف على الإطلاق، وإنما هو رجل عاطفي فحسب. ونقصد بالعاطفية هنا أنه يملك ما يملكه كل مخلوق حي من استجابات شعورية لمواقف معينة. وهو كثيراً ما يلوح عاطفياً بحكم العادة الجارية التي تحتم نوعاً من الاستجابة لنوع من المواقف. وهذا شيء غير العاطفة المكتملة بالمعنى الاجتماعي الواسع. فالاكتمال العاطفي حالة عالية معقدة من الانفعال يعرفها الناضجون فحسب. إنها نموّ روحي يجعل الإنسان يحس بعواطف غنية تجاه الأشياء فينفعل للجمال، ويتذوق الحب الرفيع، ويحس بالنفور من القبح والجور والتناقض، ويضحك من أعماق قلبه وقت الضحك، كما يبكي في حرارة في حالات الحزن، وتعتريه الحماسة والشوق والقلق المبهم وغير ذلك من الانفعالات التي هي مزية إنسانية تميز المثقف الناضج عن الجاهل الفج. فأين هذا الاكتمال الشعوري في حياة المرأة؟ كل ما هناك إنها شعورية بالمعنى الفظ الذي شرحناه، وهذا هو الموقف الذي تمليه عليها الظروف الاجتماعية.
ألا ينتهي بنا هذا إلا أننا ونحن نقصد أن نقصر المرأة على حياة الشعور قد جعلناها دون قصد تتوقف عن النمو الشعوري؟ وهكذا باتت ضيقة حتى في نطاق الأمومة التي نعلم كلنا أنها عند المراة الشرقية تستحيل إلى عائق يعرقل استقلال الأطفال العاطفي ويصيبهم باختلال نفسي مزمن، بدلاً من أن تكون ينبوع توجيه حنون وإرشاد مبدع.
إن هذا النقص في تربية المرأة النفسية ملموس في بعض المظاهر الأخلاقية التي تتصف بها ويظنها أكثر الناس طبيعة فيها. من ذلك مثلاً الشعور بالحسد، وهو ينشاً عن ضحالة عاطفية تشل قابلية الحماسة والاعجاب في الإنسان. وهذا لأن القدرة على الحماسة مزية يملكها الناضجون عاطفياً، وهي تحميهم من أن يحسدوا الآخرين. إن اعجابنا بالصفات الجميلة في الآخرين هو الذي يعصمنا من أن نحسدهم فإذا كنا لا نملك عواطف نصرفها في الاعجاب كان لابد أن نشعر بالحسد. والمعروف أن المرأة تتصف بالغرور، وربما كان هذا صحيحاً، فإن فجاجتها العاطفية تبرره. فالمغرور هو كذلك انسان لا يتحمس، ومن ثم فهو لا يستطيع إدراك مظاهر الجمال والاكتمال في الآخرين فيظن أنه أكمل الناس. والحق أن الغرور كالحسد في أنه مظهر من مظاهر النقص العاطفي.
ونحن نستطيع أن نعلل سائر الأخلاق التي تنسب إلى المرأة بمثل هذا. فالعناد والتردد والخوف وسوء الظن ليست كلها إلا نتاج لتوقف النمو النفسي. إن إدراكنا لهذه الفكرة ضروري إذا نحن أردنا أن نحل تأزم حياتنا الاجتماعية، وذلك لأنها تجعل الأخلاق محصولاً اجتماعياً تعمل فيه أسباب من الواقع، دون أن نلجأ إلى فكرة الطبيعة. ولن يبدأ الإصلاح إلا إذا نزعنا هذه (الجبرية) الأخلاقية وانتظرنا من المرأة أن تسلك السلوك الذي يليق بها.
والنتيجة الثانية لتوزيع العمل هي مانسميه بظاهرة التعويض. إن الينوع المتدفق حين يوضع في وجه تياره سدّ مانع يغير اتجاهه وينسرب إلى أرض جديدة. وهذا ما يحدث للمرأة عندما نقسرها على أن تبدد طاقاتها العقلية والنفسية نقسرها أيضاً على أن تبحث عن منفذ جديد يستوعب هذه التيارات المحبوسة التي لابد أن تتدفق.
لقد وجدت الطاقة في الجسم البشري لتنبجس لا لحبس، ومن ثم فهي حين تجد الباب مغلقاً تضطر الجسم إلى إحداث نشاط آخر يعوض الطاقة المشلولة، فيخلق اتجاهاً جديداً يبذل فيه جانباً من حيويته التي يضر خزنها بالجسم. ويبدو هذا التعويض في حياة المرأة على صور كثيرة وأبرزها الأناقة المسرفة. إن هذه الجهة المتضخمة من حياة المرأة لا يمكن أن تبرر في قوانين الحياة، لأنها تستند إلى تضخيم مصطنع لزاوية واحدة من زوايا الجسم الإنساني. فالملابس لا تتصل بالمنابع الرئيسة للحياة لأنها لا تزيد عن أن تكون نشاطاً صغيراً يستدعي مقداراً قليلاً من الجهد العضلي والعقلي والعاطفي.
إننا نجهل أن كثيراً من الناس يعتقدون أن الطبيعة الأنثوية تحتم على المرأة أن تعتني بملابسها هذه العناية المفرطة، لأن اللباس في رأيهم وسيلة جذب للجنس الثاني، ولو تأملنا قليلاً لتوصلنا إلى أن الطبيعة أحكم من أن تترك أمر الجذب الجنسي للملابسات الخارجية. فهي تجهز الإنسان بكل الجاذبية التي يحتاج إليها في حياته. إن الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يلبس ملابس...والقطة ليست محرومة من الجاذبية مع أنها لا تجعد شعرها ولا تحمل حقيبة ولا تذهب إلى الخياطة. ونحن نستنتج من هذا أن علاقة الأناقة بالجاذبية علاقة غير مباشرة، ومن ثم فالمرأة لا تستفيد كثيراً من أناقتها المسرفة إلا إذا استثنينا العامل التعويضي.
أما ثالث النتائج التي نشأت عن تقسيم العمل فهو أن المرأة قد فقدت ثقتها بقدرتها العقلية والنفسية نتيجة لاستمرارها على أداء الأعمال اليدوية البسيطة. ونحن لا ننسى أن هذه الأعمال التي خصت بها المرأة مازالت أعمالاً يحتقرها الرجل الشرقي ويأنف من تأديتها، ولو أردنا أن نكون نزيهين لاتفقنا على أنها أعمال تافهة، ومن ثم فإن اقتصار المرأة عليها قد أدى تدريجياً إلى ان تهبط قيمتها في عيني الرجل. ثم تعقد الموقف ففقدت ثقتها بنفسها.
والتاريخ يمدنا بأدلة تكفي لأن تجعلنا نميل إلى الاعتقاد بأن احتقار المرأة ليس أصيلاً في المجتمعات العاملة، وإنما هو مظهر انحلال في المجتمعات المتدهورة. وذلك لأن المجتمع الفتي الذي يعمل على بناء كيانه يضطر المرأة إلى أن تشتغل في الميادين كلها: في الحقل وفي المنزل والسوق وفي ساحة الحرب وهذا يمنحها قيمتها الطبيعية (.....) .
ومن ثم فنحن إذا أردنا نساءً مواطنات أكمل عواطف وأقلّ سلبية فلابد لنا أن ندرس موضوع العمل دراسة جدية لا يمازحها الهزل ولا السخرية. إن التوزيع الحالي يحدث تأزماً اجتماعياً مستمراً هذا فضلاً عن أن هناك أسباباً علمية تجعل التوزيع الحاليّ غير مقبول نظرياً.
فمن الوجهة البايولوجية يتضح لنا أن قسر المرأة على العمل المنزلي يضرّ بقواها الفيزيولوجية ضرراً مباشراً. وهذا لأن هذه الأعمال تستند إجمالاً إلى اليدين وحاسة التذوق دون سائر الحواس والأعضاء، فهي لا تنمي ذهناً تركيبياً ولا تتطلب مرونة عاطفية أو تكيفاً نفسياً. ومن ثم فهي، بهذا الاعتبار، ليست خير ما يمكن للجسم الإنساني. ونحن نلحّ على التنبيه إلى أن هذا ليس خسارة فحسب وإنما هو مضرّ. فالطبيعة لا تخلق إمكانيات يسهل على المجتمع أن يعطلها وفق حاجاته الشكلية. وكل طاقة ركبت فينا تتضمن حاجاتها إلى أن تعمل وتنمو وإلا أضرّت بالجسم. يضاف إلى هذا أن تنوع الحاجات الإنسانية يتضمن تنوع القدرات على العمل، ومادامت الطبيعة قد منحت قدرات فهي تحتاج إلى تمرين هذه القدرات. وليس أبغض إلى الحياة من التخصص الكامل الذي يخالف خط النموّ لأنه يضخم قيمة طاقة خاصة ويحدث عزلاً في الوظائف الجسمية. والحق أن مرض التجزيئية يتغلغل إلى أعماق أنفسنا فيصيبنا في صميم حياتنا العضوية.
أما من وجهة علم الاجتماع فإن الاعتراض يتخذ شكلاً آخر. فإذا كان المجتمع قد وجد لحماية الأفراد فكيف يصح أن تُقسر ملايين النساء اللواتي يرغبن في العمل خارج المنزل على العمل في داخله. إننا نكرر القول بأن المجتمع في هذه الحالة يخون أفراده ويتخلى عنهم. فإذا قال رجل الاجتماع المتوسط مجيباً على هذا الاعتراض بان المجتمع يعدّ قبول المرأة لهذا الوضع المزري تضحية نبيلة منها تحقق بها حفظ الأسرة من الانهيار، قلنا أن هذا الجواب الطيب يذكرنا بحكاية ذلك الرجل الذي عاد ذات ليلة إلى منزله وانهمك في البحث تحت المناضد ووراء الأبواب في جهد شديد. ثم ظهر انه يبحث عن مفتاحه، وأنه أضاع المفتاح في الطريق، وكان السبب في بحثه عنه في المنزل أن الطريق مظلم ولا سبيل إلى البحث فيه.
إن نقطة الارتكاز التي يستند إليها رجل الاجتماع المتوسط هي عين النقطة التي يرتكز إليها هذا الرجل، العلاقة واحدة بين إمكانيات المرأة وشكل الأسرة من جهة، وبين المفتاح الضائع ووجود الضياء من جهة أخرى. وليس يخفى أن البحث عن المفتاح ينبغي أن يرتكز إلى عامل المكان دون أن يعتبر الضياء، كما أن توزيع العمل في المجتمع ينبغي أن يرتكز إلى سعادة الأفراد دون أن يعتبر عوامل خارجية كشكل الأسرة.
والحل المعقول أن نعمل على إيجاد الضياء في المكان الذي ضاع فيه المفتاح لا أن نبحث عن المفتاح في المكان الذي يحتوي على ضياء. أي أن نعمل على إيجاد مجتمع لا تنهار فيه الأسرة إذا كانت المرأة محققة لطبيعتها، لا أن نقسر المرأة على قتل طبيعتها حرصاً على ألاّ تنهار الأسرة.
إن البحث عن المفتاح في الضياء أمرٌ مستحيل يتجاهل أن للبحث غاية، كما أن التضحية بالمرأة حرصاً على شكل الأسرة يتجاهل الغرض من الأسرة. وهذا لأن صاحب المفتاح الضائع وهو يبحث عنه في الضياء لن يعثر عليه على الإطلاق كما أن المجتمع الذي يضحي بالمرأة من أجل راحة الأسرة لن يصل إلى راحة الأسرة.
5
رأينا في الفصول السابقة ما أدت إليه التجزيئية من متاعب ومشاكل للفرد العربي. فقد أحدثت فصلاً قاطعاً بين الرجال الذين يملكون أفكاراً بلا عواطف، والنساء اللواتي يملكن عواطف بلا أفكار. وقد رأينا مدى نسياننا لغاية المجتمع الأساسية التي هي (الإنسان) حتى بتنا لا نبني المجتمع من أجل الإنسان وإنما نضحي بالإنسان من أجل شكل قائم من أشكال هذا المجتمع.
ومن ثم فإن أول حل نقترحه أن ننظر إلى الموضوع نظرة موحدة فلا نعتبر الأخلاق موضوعاً مثالياً وإنما نربطها ربطاً مباشراً بحاجاتنا الإنسانية ووظائف أجسامنا. ولا نجعل للشكل القائم للمجتمع قيمة مقدسة بحيث نضحي بالإنسان من أجله، فالإنسان هو القانون الذي ينبغي أن نلاحظه في بناء المجتمع والأخلاق. وبالتالي فإن علمي الأخلاق والاجتماع ليسا علمين نظريين يستمدان أسسهما من مصادر مثالية، وإنما ينبغي أن يمتزجا بعلم الحياة امتزاجاً تاماً.
إن المضمون الحرفي لحكمنا هذا يتضمن الدعوة إلى شكل جديد من أشكال المجتمع ينظم الأخلاق تنظيماً عملياً واقعياً مستمداً من إمكانياتنا الطبيعية. وقد تضعنا هذه الدعوة إزاء مشاكل محرجة، غير أن هذا الإحراج إنما ينشأ في ظل نظامنا الحالي فحسب، وهو نظام يستند في أساسه إلى اختلال كما يمكن أن يستند كرسي يصنعه نجار رديء إلى اعوجاج فادح في أحد قوائمه، بحيث لو أردنا إقامة ساق مستقيمة مكانها لانهار الكرسي كله. وهذا ناشئ عن أن تصميم الكرسي قد أخذ الاعوجاج بعين الاعتبار وعدل بقية القوائم بالنسبة إليه. إن هذه الحالة لا تجعلنا نحكم بأن الاعوجاج شرط أساسي في تصميم كل كرسي، فإن من الممكن أن نصنع كرسياً آخر تكون قوائمه كلها مستقيمة. ومن ثم فإن الانهيار إنما يقع في حالة الكرسي المغلوط التصميم فحسب، وهذه حالة تصبح فيها الاستقامة خطرة. إن الاستقامة لا تكون خطرة إلا في وضع غير مستقيم، شأنها في هذا شأن الخير الذي يلوح مخيفاً في وضعنا الحالي.
إننا نود في ختام هذا البحث أن نرفع ولو صوتاً واحداً يطالب بنظام اجتماعي مستقيم، لاينشأ فيه الانهيار عن غير عوامل الانحراف والشذوذ، نريد مجتمعاً نتنفس فيه الطاقة الإنسانية المبدعة وتخصب وتمرع، مجتمعاً يرتبط فيه القانون والأخلاق والعمل جميعاً بالحاجة البشرية، فهذا هو المجتمع الأفضل الذي ينبغي أن ننطلع إليه. وإذا كنا لا نأمل أن نبلغه سريعاً، فيكفي أن تشتعل في أعماقنا هذه الثقة العريضة الراسخة بأننا سائرون إليه ...
.. ولن يطول الانتظار ...

الآداب، س2، ع5، بيروت، أيار 1954.



توقيع نقوس المهدي



المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.




  مشاركة رقم : 9 (الرابط)  
قديم 06-23-2009, 07:08 PM
الصورة الرمزية ميسون الارياني


رقم العضوية : 542
تاريخ التسجيل : Oct 2008
المشاركات : 610
بمعدل : 0.91 يوميا

ميسون الارياني غير متصل عرض البوم صور ميسون الارياني



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : مختارات
افتراضي

يا الله
أستاذ نقوس المهدي
أتيه هكذا كل يوم
نازك هذه أشتاقها منذ زمن منذ طفولتي وأنا أحلم أني سأقابلها بباقة ورد لها ولميسون أيضا لكنها رحلت بقلبها الشفاف
اتمنى ان تكرمني بالمزيد من هذه اليوميات
لك فائق شكري

توقيع ميسون الارياني

" ولاتحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون، إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار. مهطعين مقنعي رؤوسهم، لايرتد إليهم طرفهم، وأفئدتهم هواء.".
صدق الله العظيم

مدونتي



  مشاركة رقم : 10 (الرابط)  
قديم 06-23-2009, 11:04 PM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 8,878
بمعدل : 13.59 يوميا

نقوس المهدي متصل الآن عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : مختارات
افتراضي

اقتباس : المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ميسون الارياني [ مشاهدة المشاركة ]
يا الله
أستاذ نقوس المهدي
أتيه هكذا كل يوم
نازك هذه أشتاقها منذ زمن منذ طفولتي وأنا أحلم أني سأقابلها بباقة ورد لها ولميسون أيضا لكنها رحلت بقلبها الشفاف
اتمنى ان تكرمني بالمزيد من هذه اليوميات
لك فائق شكري


تحية سلام لك اختي ميسون وشكرا على المرور
في ركن الرسائل هناك رسائل جميلة ومهمة لنازك تتحدث خلالها عن معالم العاراق 245 / 246 هذا الى جانب رسائلها الى ى غيسى الناعوري
ارجو ان تنال اعجابك

مع مزيد من التقدير والاحترام


توقيع نقوس المهدي



المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.




إضافة رد


مواقع النشر
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الملائكة لا تتحدث لغة الشياطين 3/4 عبدالله البقالي النثر الفني 0 12-06-2008 11:39 PM
الملائكة لا تتحدث لغة الشياطين 2/4 عبدالله البقالي النثر الفني 2 12-06-2008 10:30 AM
الملائكة لا تتحدث لغة الشياطين عبدالله البقالي النثر الفني 2 12-01-2008 06:39 PM
عاشق فلسطين .. حسين نازك .. أنا أول من لحن أغاني للثورة الفلسطينية .. عبود سلمان العلي العبيد الموسيقى 0 11-30-2008 08:33 PM

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الساعة الآن 11:12 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.7.4, Copyright ©2000 - 2010