بقلم الكاتب: إحسان الملائكة
يوم ممطر لم تشرق فيه الشمس عند الظهر راحت السماء تمطر بغزارة واستمرار حتى الساعة الخامسة عصراً حيث اشرقت الشمس فلونت الغيوم باحمرار عميق فاتن. ليلاً اشتغلت مع جون كيتس. لحظت ان له ولعاً غريباً بالالفاظ المبتكرة، واحسبه مثلي قد كان في اول حياته الشعرية لفظياً جداً، قرأت بعد ذلك سيرته بقلم "لورد هاوتون" وهي سيرة ملذة، وتهمني فيها رسائل كيتس التي اجد فيها كثيراً من افكاري، كما اجد في حياته صورة ثابتة من حياتي! لكني لا اريد ان اموت مثله. بعد ذلك كتبت رسالة الى الصديقة ديزي الامير.
21/12/1949
حاولت، ليلاً، الكتابة في "مأساة الحياة" فأضفت اليها ابياتاً قالت احسان عنها: انها جميلة
من المعهد استعرت كتاباً ملخصاً عن "الف ليلة وليلة"، رغبة مني في العثور على اقصوصة شعرية الموضوع، اكتب حولها مسرحية إن امكن، فراعني ان الكتاب لا يقل قذارة عن النسخة العربية! ان هؤلاء القدماء كانوا لا يفهمون من الحب الا العلاقة الجنسية الغليظة.
22/12/1949
هجوم جديد في احدى الصحف على ديوان شظايا ورماد، وانا رغم ثقتي بنفسي ومعرفتي بقيمة شاعريتي انزعج لهذه المهاجمات وقد عزمت منذ اليوم على ألا أقرأ ما يكتب عني في بغداد، فها انا منذ شهرين اتلقى سيلاً من الشتائم في الصحف العراقية، حتى لم اعد احتمل أأنا حجر؟! انا شاعرة بمواهبي الشعرية رغم كل شيء... لا لا!! سوف أتم رسالتي فانا ما زلت في اول الطريق لقد دفعت حياتي ثمناً للشعر، فلأكمل اغنيتي قبل ان اغادر الوجود الم اهجر لهو الحياة ومتع الشباب كلها قانعة بزاوية من زوايا الفكر تكفي لأن ارسل منها نشيدي، لا!! ها انا ذي مملوءة شعراً.
ويا صديقتي نازك! دعيني اهمس في سمعك.. الا تعلمين ان طريق المجد محفوف بالاشواك؟ أيمكن ان يمر شظايا ورماد دون ان يحدث دوياً؟! هيا خففي من توترك وانظري الى المستقبل، واحذري الاصغاء الى هذر "الفضلاء" فهم يلعنون كل فضيلة كما يقول نيتشه.
23/12/1949
أمس شاهدت في السينما شريط (قاعة كارنيغي) وسمعنا خلال الفيلم مقاطع من السمفونية الخامسة لبيتهوفن والسينما الخامسة لتشايكوفسكي، وكثيراً من الحان شويان وشومان، وسان سانس، وشومرت ورحمانينون وسواهم، وقد بكيت وانا اصغي الى موسيقى سان سانس. ما اروع الموسيقى! لقد بعثت هذه الالحان في دمي الحياة.
عصراً أمطرت السماء الا انني ذهبت الى المعهد الثقافي، ودخلت المكتبة مبللةً، وبعد استراحة قصيرة سرت الى البيانو ورحت انقر بأصابعي افتتاحية السمفونية السادسة الحزينة لتشايكوفسكي، وقد احسست لها وقعاً غريباً وقطرات المطر تضرب الزجاج خارج البناية، فجأة دخل مدرسنا الاستاذ ستيورات واقترب منا، وسلّم علينا.
بعد الدرس الاول نزلنا الى المكتبة، انا واحسان ورأينا الاستاذ ستيورات واقفاً يشرب الشاي، فذهبت احسان اليه، تسأله عن كلمة اغريقية، فسألها اين عثرت على هذه الكلمة؟ وكنتُ واقفة على مبعدة، فتقدمت اليها وقلت (في التوراة) فاعتذر وقال انه لا يعرف الاغريقية جيداً.
بعد ذلك سألني: اتكتبين النثر ايضاً؟ فقلتُ له: انني استعد لمستقبل في النثر، واعتقد انه يحتاج الى ثقافة عميقة اكثر من الشعر، ومضيتُ انقل اليه مهاجمات النقاد في بغداد لديواني شظايا ورماد فابتسم وقال: لكن هذه المهاجمات العلنية تعني الشهرة لكٍ.
ثم اردف "وبما يتهمونك؟" طبعاً كنا هو وانا نتحدث بالانجليزية وانا اترجم الحوار هنا الى العربية.
اجبت: مثلاً يزعمون انني اقلد ت.س. اليوت مع انني لم اقرأ اليوت الا بعد طبع شظايا ورماد، وبعد اتهامهم لي بتقليده!!
قال: يجب الا تشعري بالمرارة من النقد الجارح، جون كيتس لم ينل الشهرة الا بعد هجمات النقاد على شعره في المجلات الانجليزية. ان القدح افضل للمبدع من المدح بالتأكيد الم يُتهم شيللي وكيتس دبايرون بالتقليد، وبأن كلاً منهم يقلد الآخر وما الى ذلك؟ مع اننا الان نميز تماماً بين شخصياتهم واساليبهم ولا نشعر بوجود تشابه او تطابق بين اشعارهم، فلكل من اولئك المبدعين اسلوبه الخاص المتميز. ولما اخبرته ان اكثر كتاب تلك المقالات عني، ليسوا من النقاد الذين يُعتد بآرائهم، قال: "قد يكونون مغرضين او حاسدين او انهم لا يصدقون ان تكون بينهم شاعرة مبدعة مثلك، تذكري هذا دائماً.
الواقع ان كلام الاستاذ ستيورات بثّ الشجاعة في نفسي، خصوصاً قوله "ان المهاجمات تعني أن شعري يُقرأ باهتمام، ويثير في نفس القراء صدىً عميقاً.
بعد ذلك تشعب الحديث، ومضى الاستاذ يبدي اراءه بالشعراء قال ان لغة "روبرت بروك" ضعيفة وفي شعره عيوب، ولما سألته عن ادجار الن بو، قال ان شعره ضحل على الرغم من جمال اسلوبه.
ومن الذين يُعجب بشعرهم: الشاعر الاميركي "والت ويتمان"، وان كان احياناً يبالغ في عرض عواطفه، ومن الشعراء المعاصرين الذين يعجب بهم: الشاعر الانجليزي "ييتس" yeats اما ت. س. اليوت فيراه بارداً جامد العاطفة وعقلياً، ويكره نقولات ابليوت الذكية من النصوص الاغريقية والالمانية وغيرهما لا سيما في مطولته: "الارض الخراب" واتفق معي على الاعجاب بالفيلسوف نيشتة، لا سيما بكتابه "هكذا تكلم زرادشت".
تحدث الاستاذ ستيورات ايضاً عن نفسه قال انه نشر ديوان شعر في العشرين من عمره، لكنه ندم فيما بعد على ذلك، وانه يكتب الان رواية سيطبعها في اميركا لاحقاً.
27/12/1949
في مجلة الرسالة قرأت قصيدة عنوانها "قلب يتعذب" لفدوى طوقان، وقد كتبت عليها "هدية الى صديقتي الشاعرة الرقيقة نازك الملائكة" لفدوى طوقان قصائد جميلة في كثير من الاحيان وفي حياتها وحدة وانسجام ظاهران ومن اجلها احيي شاعريتها وأحبها.
31/12/1949
آخر ايام عام 1949 وها هو ينطوي ويودعنا الا يستاهل مني قصيدة؟ يا لي من جامدة.
عصراً حضرت لرؤيتي عائلة فلسطينية لا أعرف اسماء افرادها ومعها فتاة اسمها "سميرة عزام" قالوا عنها انها اديبة، وما كاد رب العائلة يجلس بعد مصافحتي حتى قال لي "ينبغي للانسان ان لا يحد تفكيره بناحية واحدة، فهذا يضرّهُ كشاعر" سألته مندهشة "تعنيني؟ اية ناحية تقصد؟" وجاء جوابه: "التشاؤم" قلت له: "انا لست متشائمة"
ما اضخم هذه الاسطورة التي "يعرفها" عني كل انسان في العراق وخارجه انا مشهورة الان ولا يقوى انسان على تغيير فكرة الجمهور عني يا لهم مضحكين! لو علموا اية فتاة متمردة تختفي وراء تشاؤمي المزعوم.
الحلقة الثانية
الاحد 1/1/1950
اول ايام السنة الجديدة. ولا اشعر برغبة في تسجيل حياتي هنا مع انني متفائلة وأُحسُ أن السنة تحمل لي سعادة من نوع ما.. كل ما صنعته اليوم انني اشتريت كتباً من المكتبة العصرية سجلتُ أسماءها في المفكرة، ولا اظنني سأجد وقتاً حتى لألقاء نظرة عليها حالياً. المهم عندي هو شراء الكتب.. أليست هذه رغبة عمياء؟!
ليلاً.. كتبتُ قصيدة وجهتها الى عام 1950 منها:
يا عام لا تقرب مساكننا فنحن هنا طيوفْ
من عالم الاشباح ينكرنا البشرْ
ويفر منا الليل والماضي ويجهلنا القدرْ
ونعيشُ أشباحاً تطوفْ
نحن الذين نسيرُ لا ذكرى لنا
لا حلم لا أشواق تصرخ لا منى
نحن العراةُ من الشعور ذوو الشفاه الباهتة
الهاربون من الزمان الى العدم
الجاهلون أسى الندوم
1/2/1950
استيقظت في العاشرة صباحاً، وفي رأسي صداع، وتذكرت بمرارة انني كتبت امس قصيدة جديدة، فقرأتها وشعرت انها جميلة الى حد ما، فيما بعد انقبض صدري وعاودتني الافكار القلقة حول شاعريتي من يعلم أي صراع يدور في نفسي؟ وهؤلاء الذين يكتبون عني عشرات المقالات، ماذا يقولون لو عرفوا؟ من يدريهم بالسبب الذي جعل "شظايا" يصبح "رماداً" كيف يعلمون الآلام التي عانيتها خلال كتابة هذا الديوان؟
3/1/1950
ابرز حوادث اليوم محاضرة القيتها في الصف الرابع "أ" عن سبب كآبة الشعراء العراقيين المعاصرين، وقد رددتُها الى الخيبة في نتائج الحرب العالمية الثانية، واختلال النظم السياسية في العراق، وشبهتها بحالة الشباب الاوروبي في اوائل القرن التاسع عشر.
كانت التلميذات في حالة استمتاع كبير، واقتناع بما اقول..
في الليل اتصلت تلفونياً بأميرة نور الدين، بعد ان كلمتني هي عصراً طالبةً قصائد لي او لوالدتي مما نشر في هذا الشهر.
وأنبأتني انها كتبت عن "شظايا ورماد" مقالاً ألقته في محطة "اذاعة الشرق الادنى" في الشهر الماضي، وقالت فيه ما معناه ان الديوان قوبل مقابلتين في بغداد، واتفق الكل على انني فيه شاعرة مجددة، الا ان البعض رأى في هذا التجديد جمالاً مطلقاً، ورفعني الى مرتبة عالية من الشاعرية، والبعض الاخر رأى انني قد خرجت عن المقاييس كلياً، حتى لم يعد يربطني بالشعر العربي رابط!
ولما سألتها عن رأيها هي في "شظايا ورماد" قالت: (اعجبتني قصائد معينة هي التي لم تخرجي فيها على حدود اوزاننا، الا انني لم استسغ الاخرى، فانا ولا اكتمل كلاسيكية في كل شيء واحرص على التقديم) ويظهر من كلامها انها لا ترى في "شظايا ورماد" تجديداً غير تجديد الاوزان والقوافي!! مع ان هذا التجديد الاخير كان اهون ما أحدثت في الديوان في رأيي وان كانت هذه النقطة قد ضاعت في غمار مهاجمة تجديد الاوزان، فلم يهاجمني من اجلها احد!!
5/1/1950
ما اسعدني اليوم!! أكاد أطير.. واود لو كانت ايامي كلها لا اقل سعادة من هذا.
غادرت المدرسة مبكرة وهذا من صفات يوم الخميس الذي احبه.
وفي البيت اندغمت ساعتين في قراءة كتاب (هولدرلن لستيفان زفايك ما اروع هذا الكتاب وما اروع مؤلفه! كلاهما يفتنني ويلهمني، ويسرني أنني احيا معهما الان.
كان "هولدرلن" يؤمن بالحماسة، ويراها اروع الحالات النفسية التي يمر بها البشر، حتى انه يقول "تموت الالهة حين يموت الالهام" والالهام عنده حالة عليا من حالات الحماسة اما الشقاء فهو فقدان الحماسة اذ ذاك يعود الحالم المحلق الى رتابة الواقع البشري، ويصبح عرضة للالم والشيخوخة والمرض.
ويتحدث زفايكك عن خيبة "هولدرلن" في "كوته" و"شيلر" اللذين كانا اذ ذاك في شيخوختهما، وقد فقدا المقدرة على الحماسة في هذا الباب لمست تجاربي الخاصة احياناً يبدو لي التشابه بيني وبين الشعراء والادباء، الذي عاشوا منذ عشرات السنين، في بلاد بعيدة تختلف عن بلادي كثيراً الى درجة لا تصدق فنحن كلنا نشعر شعوراً واحداً، ونمر بالظروف نفسها، ونعاني تجارب الشباب والسذاجة وذاتها، ثم نتعلم ببطء ما تعلمه السابقون ونموت.
في الساعة الثالثة شعرت بالشعر يتدافع في روحي فأحضرت قصيدتي المطلولة "مأساة الحياة" ورحت اكملها وقد استقر عزمي اخيراً على انني يجب ان امضي في كتابة نسخة جديدة منها لا علاقة لها بالقديمة الا بالخطوط العريضة اما الشعر والصور والافكار فكلها جديدة.
وفي سكون الغرفة ودفئها وانعزالها عادت اليَّ شاعريتي الهاربة وملأتني يقيناً بانني ما زلت نازك الملائكة التي كتبت "عاشقة الليل" و"شظايا ورماد" واحدثت بهما ذلك الدوي، فكتبت ما يزيد على ثلاثين بيتاً بعثت الجمر في رمادي أيقنت ان شاعريتي قد اتسعت وتعمقت خلال الفترة الماضية، ووثقت من ان سبب ركودي فراغ حياتي من العواطف التي اعتدت ان استمد منها موضوعات قصائدي القصيرة، وهذا هو الدليل الاكيد.. ها انا انطلق حال وجود موضوع اتحدث فيه القصيدة تتحدث الان عن الحرب وشرورها، وانسخ الان بضعة مقاطع مما كتبت اليوم:
والشفاه العذراء اطبقها الموت على لحن حبها المبتور
والجباه لتي ذوت قبل ان يلمسها اصبع الهوى المسحور
والخدود التي تعير مغبت الشمس الوانها وتسقي الشروقا
غار فيها جرحُ التراب عميقاً وذوت قبل ان تذوق رحيقا
انا اعجبُ للشاعرية ما هي؟ وكيف استطيع ان اتبدع الجمال حين اكتب شعراً، بينما يعز علي ربعه وانا أنثر؟ لماذا؟ لماذا؟ لكن لماذا أسأل؟ هذا "ستيفان زفايكك" ينصح الا يقرأ الشاعر كتب الفلسفة قراءة عميقة، فما يلوح للشاعر شعراً صافياً قد يتحول تحت ضغط اصابع الفلسفة الباردة الى واقع ملموس له اسبابه ونتائجه وهذا اخطر اعداء الشاعرية المتفجرة.
في الليل كنت في حالة نشوة، وقد عاودني الشعور بانني شاعرة مبدعة، خاصة بعد ان قالت احسان "تعيش بيننا في هذا البيت مخلوقة عبقرية ونحن لا نشعر.." هذه مبالغة طبعاً، الا ان شيئاً في نفسي يجعلني اصدق جزءً منها بعد تجريده من التورم!
بعد ذلك قرأت الفصول المتعلقة بهولدرلن وزفايكك في كتاب "العبقرية والموت" لعبد الرحمن بدوي.
6/1/1950
صباحاً ذهبت مع احسان الى السينما وشاهدنا شريط "منزل الغرباء" تمثيل "سوزان هيوارد"، و"ادوارد.ج روبنسون" ثم ذهبنا الى السوق واشتريت بنطلوناً جاهزاً ازرق اللون، وشعرت بسعادة اعرفها كلما حققت نزوة من نزواتي، وانا اعلم انها نزوة تافهة احياناً الا انني اراها هي الشعر في حياتي، ولذلك احترمها.
7/1/1950
بعد الظهر واصلت الكتابة في مأساة الحياة، ولا اظنني ساسميها بهذا الاسم، فهذا اسم ملحمة كتبتها سنة 1945 ولا معنى لتكراره.. والارجح ان خطة القصيدة نفسها ستحيد عن الاصل.
وخلال الكتابة لاحظت الحالة الانفعالية التي تعتريني في مثل هذه الحالات الشعرية، وقلما انتبهت اليها من قبل.. القلب اذ ذاك يضطرب ويضرب بقوة غريبة، وكأنه يؤدي طاقة مضاعفة، واليد ترتعش بعصبية، والشفتان تتحركان في رجفة لا ارادية، والعينان تغيمان فلا تريان ما امامهما، وانما تبصران شيئاً وراءهما، ان استمرار هذه الحالة يقتل صاحبها ولذلك اتهرب دائماً منها واجد المهرب غالباً في التخيلات المريحة.
انني اتطور واحس اندفاع ديوان جديد في حياتي بعد الفترة التي كتبت خلالها "شظايا ورماد" والاحظ حساً لفظياً جديداً يدخل الى حياتي ويلهمني تعابير سحرية غريبة من امثال "صوت السكون" و"لغز الجمال" و"تراث الذهول" و"السنين الصفر" الخ الا ان الاهم من التعابير ذلك الامتزاج الغريب بين الحواس في ذهني حتى اكاد ابلغ مرحلة الرمزية العميقة وهذا نموذج: من اغان مرت باعمدة الابهاء غرقى بالدفء والاحلام ناعمات تغوص في رجعها الاهات سكرى الخطوط والانغام ان احساسي بان الاغاني دافئة حالمة ناعمة ذات خطوط ملساء صافية غريب على شعري، وانا ارقب موكبه مبهورة مفتونة كيف يحدث هذا داخل النفس؟ ما الشاعر؟ ما الشاعرية؟ ما القوة التي تبدع هذا التغير؟ انني امجد هذا الجزء الشاعر في نفسي، لانه من عالم اسمى مني واطهر، واشعر بسعادة مجنونة لا تعادلها سعادة، سعادة اليقظة بعد نوم سنة كاملة لم اكتب خلالها قصيدة واحدة مندفعة. الان قد بدات حياتي الشعرية، الان احني رأسي لمقولة "نيشة" العظيم "ايها الانسان.. تفوق على ذاتك"
تلقيت اليوم رسالة رقيقة من روز غريب تقول فيها انها معجبة بشخصيتي الى جانب اعجابها بشاعريتي، وان مقالها عن "شظايا ورماد" كان قاصراً، لانها كانت تعلم ان سينشر في مجلة سطحية كصوت المرأة، وان ديواني يستحق دراسة اعمق ثم قالت ان انتاجها الادبي لا يرضيها لانها لا تستطيع ان تتفرغ للادب كلياً.
9/1/1950
صباحاً كتبت مقالاً بالانجليزية عنوانه "قصائد كيتس القصيرة والطويلة" وبينت رأيي فيها واشتغلت به ساعتين كاملتين، وبذلك اضعت فرصة اتمام "مأساة الحياة" عصراً ذهبت الى المعهد الثقافي كيتس قد جمدت شاعريته في اواخر عام 1819 وهذا يعزيني ويشجعني على فهم خمودي خلال السنة الفائتة التي احمد السماء على انها انتهت.
11/1/1950
كيف تنسج الحياة احداثها؟ انني كلما حدقت في سجل امامي عجبت من اندماج الاحداث السعيدة والمؤلمة معاً في نوع من الانسجام وانما نميل الى عزل العناصر السعيدة عن العناصر الباكية، واعتبارها منفصلة بفترات زمانية كبيرة ولذلك يحدث حين اراجع مذكراتي ان الاحظ ان الحادث الشقي الفلاني قد حدث خلال اسبوع واحد مع الحادث السعيد الفلاني، فاستغرب ان تحتمل الحياة تناقضاً كهذا ولا اصدقه، واكاد اشك في صحة السجل لولا انني انا التي كتبته.
عصراً في طريقي الى المعهد الثقافي بسيارة الامانة شغلت نفسي باستظهار قصيدة كيتس "الى الاناء الاغريقي"
في المعهد اعاد الينا المستر ستيورات اوراق الامتحان اليومي السابق. وقد كانت درجتي على السؤال الاول 9/10 وعلى السؤال الثالث 10/10 ممتاز، وهذا السؤال يتعملق بسبب خوف كيتس من التفكير، لانه يؤدي الى الكآبة، وقد قرأ الاستاذ اجابتي على طلبة الصف.
في البيت ليلاً.. ترجمت قصيدتي "يُحكى ان حفارين" الى الانجليزية.
12/1/1950
بعد الظهر ذهبنا الى السينما لمشاهدة شريط "ذهب مع الريح" وخرجت منه مبهورة، الفلم عمل بديع وفيه فصول انسانية رائعة كناظر الاف الجرحى، وجثث القتلى والحرائق المخيفة، والجوع، والتشرد..
18/1/1950
في دار الاذاعة اللاسلكية القيت مختارات من القسم الاول من ملحمة "مأساة الحياة" وهو يقع في مائة بيت (هذه هي الصورة الجديدة من الملحمة وقد كتبتها سنة 1948) وقد نال القائي للقصيدة اعجاب اهلي الشديد وعلقت احسان قائلة "لقد كتب تلقين القصيدة بصوت راكز عميق يوحي الى السامع بثقتك المطلقة بنفسك وبشعرك" وعند دخولي البيت تلقاني اهلي بتصفيق حاد!
25/1/1950
اكاد انتهي من اعداد اسئلة امتحان نصف السنة لتلميذاتي في دار المعلمات الابتدائية "هند محمد علي" تلميذتي الذكية قد نسخت لي كل مقال كُتب عن "عاشقة الليل" و"شظايا ورماد" طيلة حياتي الادبية، نسخاً منظماً حسب التواريخ يا لها من فتاة كريمة.
في مكتبة المعهد الثقافي البريطاني جلست مع الشاعرة "فطينة النائب" والرسامة البريطانية "مس بياتريس يلين" وعدد من الفتيات ورحنا نستمع الى تسجيل لقصائد "شكيسبير" و"جون كيتس" بصوت ممثلة انجليزية عجوز، وكان القاؤها متكلفاً ثم استعضنا عنها بصوت "مس بلين" الجميل، والقائها العذب، وتلاها المستر ديزموند ستيورات، فالقى قصيدة لشيكسبير والتفتت "مس بلين" فقالت للمستر ستيورات: (تجلس الى يميني الان شاعرتان.. افليس مؤسفاً الا نسمع شعرهما؟) وقد قرأت ستة مقاطع من مرثية "توماس كري" ثم قرأتُ قصيدتي "ثورة على الشمس".
26/1/1950
اكتب هذا تحت اشعة الشمس البديعة التي ارتفع حبي لها الى نشوة سحرية هذا العام ان اشعتها تدغدغ روحي واحس كان وسادة ناعمة تلفني، والدفء يتغلغل في احلامي ويغلف عروقي وكم انا سعيدة اليوم بالشمس وبالشعر ان روحي ممتلئة بالشعر والجمال والانغام.
احد اسباب سعادتي اليوم انني اكتشفت شاعراً استطيع ان اشرب قصائده لقد وجدت "محمد الهمشري" اول مرة واعجبت كيف كنتُ عمياء عنه، وهو اعظم عبقرية شعرية عربية في القرن العشرين؟ ومنذ اسبوع كتبتُ الى الشاعرة فدوى طوقان، اسألها لماذا مات هذا العبقري، واي فجر كان ينتظر الشعر العربي على يديه؟! في الصف الاول من دار المعلمات الابتدائية قرأت مختارات من قصائده: "التاريخة الذابلة" و"تأملات في حياة شاعر" و"اليمامة" و"شاطيء الاعراف" ما اشد حساسية هذا الشاعر الذي لم يغز الادب العربي بمثله! وكنتُ وانا اقرأ قصائده، ارتشف كل بيت متأثرة بروعتها، مما جعلني أجيدُ الالقاء الى حد اثر في التلميذات تأثيراً كبيراً حتى دمعت اعينهن حباً له، وقلن لي انه اروع شعر سمعته طيلة حياتهن، وقالت احداهن "ان القاءك يملأ شعر الهمشري معاني سحرية واظنك لو قرأت اتفه الشعر لجعلته يبدو إلهيا!"
يبدو لي الهمشري شبيهاً بشاعري المحبوب جون كيتس اود لو كنت حرة بحث اكتب قصيدة الآن، فانا في حالة غير اعتيادية، إلا ان زيارة صديقتنا فوزية" تقص جناحي، هذه المسكينة التي فقدت اختها فجاة منذ شهر قد لقيت مني الاهمال، مما يجعلني افضل الذهاب الى رؤيتها حالاً. وقد ذهبنا اليها عصراً وبقينا معها ساعتين. وهي ما زالت في شبه ذهول. وقد حاولنا ان نصرف ذهنها عن التفكير في وفاة اختها بالحديث عن تفاصيل الحياة اليومية، وعن اساتذة الكليات، وعن طه حسين الخ
في البيت اتممتُ المقال الذي كتبته عن قصيدة "اهواء" لبدر السياب. ثم قرأتُ قليلاً ونمت.
28/1/1950
تبلغ احياناً السعادة بي قمتها العليا فاحس الحياة منسجمة رائعة، واعجب لنفسي كيف اعمى عن هذا النبع من السعادة في سائر الايام؟ وقد كان اليوم من هذه الايام فطفحت الساعات بعسل مسكر، وكدت اذوب رقة وترفاً واطمئناناً!
غادرت المدرسة بعد الدرس الاول برخصة خاصة، وكان البرد قارصا، والسواقي متجمدة وما كدتُ ابلغ البيت حتى حملت كتبي وصعدت الى السطح على نية القراءة، الا انني حملتُ معي، احتياطاً النسخة الخطية من "مأساة الحياة" وديوان كيتس، وكتاباً عن حياة كيتس ودفتر مذكراتي هذا واستلقيت على السرير في الشمس التي أدفاتني رغم برودة الرياح اللاسعة، وسرعان ما دب الدفء المترف في جسمي، وعدت احسٌّ الاشعة توسدني وتلامس جبيني) وانبعثت في ذهني قصيدة سميتها "اغنية شتائية" اهديتها الى الشمس، ولم اكتب هذه القصيدة مرة واحدة، وانما عشتها طيلة خمس ساعات كاملة لم اغادر فيها مكاني الا عندما جعتُ جوعاً شديداً فارسلت اليِّ والدتي غداء مكوناً من الحساء والكباب والبيض والبطاطة المقلية.. وفي الثالثة بعد الظهر ارسلت اليَّ والدتي الصبي الخادم "شكر الله" تطلب اليَّ النزول لان الموقد قد برد.
هبطت السلم قفزاً، شاعرة بأنني قد كتبتُ قصيدة من اروع شعري، وان يقظة جديدة قد اذن فجرها في حياتي الادبية. ولذلك سمحتُ لنفسي بان اضيع النهار بعد ذلك في لا شيء فلم ازد على الكلام والضحك، وكنت طيلة النهار في شبه طفولة!
وحضرت احسان مساء، فما كادت تراني حتى قالت: (مالك اليوم؟ لقد تغير فيك شيء) فردت عليها
أمي: (لقد احرقت وجهها في الشمس طيلة النهار) ولما قرأت احسان القصيدة احبتها جداً وقالت: (هذه قصيدة مبتكرة في شعرك لقد تطورت فجأة تطوراً صاعقاً، انك لاول مرة في حياتك قد تحررت من (الكآبة) وكتبت قصيدة مرحة تحب الجمال حباً ايجابياً ان القصيدة كلها اغنية لجمال الشمس، وفيها حياة من نوع غريب على ادبنا العربي) ثم طلبت مني ان انشر القصيدة.
لقد ادركت احسان مفتاح القصيدة بهذه العبارات القليلة ادراكاً كلياً على ان القصيدة لم تتم بعد، وتنقصها الان المقاطع الاخيرة، ولذلك سأرجئ الكلام حولها.
1/2/1950
لم يكن هذا يوماً ناجحاً واشعر انني قد اضعتُ وقتي اشتغلت قليلاً في قصيدة "هايبريون" لجون كيتس، وكتبتُ مقالاً تحليلياً لقصيدتي "الخيط المشدود في شجرة السرد" باللغة الانجليزية لالقائه في جمعية الادب بكلية الاداب، واظنني سأختصره، وسأختصره، وساختار للقراءة قصائدي: "ذكريات" و"الافعوان" و"صراع".
في الليل اضفتُ صفحتين الى سيرة حياتي آه.. انني احتاج الى غرفة خاصة هادئة ومريحة وفكرة مرور الزمن تضايقني.
2/2/1950
انا سعيدة واود ان اعيش طويلاً على الاقل ريثما اكتب ديوان شعر جديد مرتعش بحب الحياة وعشق الجمال وبفرحة كبيرة بالوجود والذي يبعث في دمي الحياة امران مندغمان، يصعب عليَّ التفريق بينهما، احدهما شعور الغبطة الذي يملأ نفسي، والاخر استيقاظ حماستي وشاعريتي، ولا ادري من الذي يُسبب الاخر، الغبطة تثير حماستي وشاعريتي؟ ام الشاعرية تثير الغبطة وتهزها من مهدها المسحور؟
في الليل رأيت وجه القمر يطل عليَّ من النافذة، فتركتُ كتبي حالاً واطفأت الضوء، ورحت اراقبه وهو يعبر نافذتي ببطء شديد، كانت غصون شجرة الكنار العارية تتخلل ضوءه وتبدد ساحرة الجمال وبدا القمر شبيهاً بثمرة كبيرة براقة معلقة في الشجرة تذكرت "شجرة القمر" والقصيدة التي قراتها حولها في "ضهور الشوبر" في الصيف المنصرم وافتتنتُ بها.
ما اروع القمر! ان نفسي ممتلئة بشعر غير متجسد وينبغي لي ان ابحث عن صورة لفظية لهذه القصائد الصامتة في اعماقي.
ان روحي تلتهب بحرارتها كما تلتهب ارض بركانية تكفنها الثلوج عصر اليوم حمل أبي اليَّ جريدة وقال "اقرئي هذا المقال لعل فيه ما يهمك" واشار الى مقال فيها بعنوان "شعر وشعراء" للكاتب محمود العبطة، والجريدة هي "الانقاذ"عدد السبت الماضي.
الكاتب حمل حملة شديدة على من يسمون انفسهم شعراء اليوم، وفي نهاية المقال ورد ما يلي: (ولا احاول ان اصف كل الشعراء العراقيين بالتقليد والجمود حاشا لله، ففي العراق من الشعراء من نفاخر بهم الاقطار العربية مثل الرصافي والزهاوي والجواهري ونازك الملائكة والسياب وبلند الحيدري، لكن هذه الحفنة الممتازة لم تنبغ ولم تتدفق الا بعد ان حطمت القيود وابعدت الشكليات فاجرت دماء جديدة في الشعر العراقي، وابقت اشلاء المقلدين من المدرسة القديمة تنتظر ساعتها الاخيرة)
وفي مكان اخر من الجريدة ورد الخبر التالي: (في نية الشاعرة الاستاذة نازك الملائكة اصدار مجموعة شعرية جديدة، ولا شك ان ديوانها الثالث سيحدث نفس الحركة التي احدثها ديواناها الاولان: عاشقة الليل، وشظايا ورماد)
والواقع انني لا املك الان أي ديوان جديد) فالديوان ليس مجموعة قصائد فحسب، وانما هو في اعتقادي، وحدة كاملة تضم قصائد فترة معينة من حياة الشاعر، وتوحدها فلسفة شعرية واحدة واتجاه عاطفي واحد. وقد كان ايسر في نجاح "عاشقة الليل" انه ديوان موحد منسجم تسيطر عليه قصة حب واحدة وروح رومانسية واحدة قوامها حب الليل والكآبة وحرارة العواطف وسذاجة الحس واما "شظايا ورماد" فهو صورة لفترة فلسفية من حياتي، بدأتُ فيها بالتفكير لاول مرة. فاحسست افكاري، وفكرتُ احاسيسي، وكانت تسيطر عليه ايضاً قصة حب واحدة غير الاولى، وهي تختلف عنها كل الاختلاف، واما الديوان غير الاولى، وهي تختلف عنها كل الاختلاف واما الديوان الثالث فمن يدري كيف سيكون؟! من المؤكد انه لم يكون كئيباً ولا حزيناً، وانما سيكون لاول مرة في حياتي ديواناً هادئاً ووديعاً، تتجلى فيه غبطة الروح الفرحة بالحياة، الباحثة عن الجمال، فهذا هو اتجاهي الآن.