3- صدمة المفاجاة وتأثيرها في قصة ( تربية وروث) للقاص مصطفى طاهري
تمثل قصة ( تربية وروث) للأديب المغربي مصطفى طاهري، واحدة من القصص التي تعطينا صورة فنية بديعة.... تتجلى من خلالها قدرة القاص سي مصطفى طاهري على خلق عمل قصصي جيد، ذي فنية ، وتقنية، وحنكة... حامل لأحداث قصصية لا تخلو من واقعية... وملامح ساخرة ترشح سخرية، وانتقادا لاذعا، يكشف من خلالها عن دخيلة المجتمع المغربي/ العربي، وما يدور في دواليبه السياسية من مفارقات، وسخريات، وتحولات.
تنفتح القصة عن فعل ، ونزعة نفسية، ينبني عليهما التحول العام الذي تدفع به أحداث القصة إلى التصعيد له، والرفع من دراميته.
إن الفرح كسلوك إنساني، نفسي، يبين الحالة التي كانت عليها الشخصية المحورية، وهو وزير التربية الوطنية، والذي جمع كل الصفات العلمية، والمهنية في لقبه. فهو وزير للتربية الوطنية/ التعليم، والتربية غير النظامية، ومحو الأمية، والتعليم العالي، والبحث العلمي، وتكوين الأطر.. كل هذه الألقاب ، والتسميات يربطها سي مصطفى طاهري بسخرية لاذعة بحال الدولة... أي نتاج هذه الوزارات كلها مجموعة في هذا المنصب الوزاري..والذي ينم عن عدم الاختصاص، والتطفل، تعبر عن حالها جملة ( في دولة الفصاحة والنصاعة).. وهي جملة في دلالاتها تبين عكس الأوصاف/ الألقاب السابقة، واتباع سياسة الترقيع، والضم،وتوزيع الحقائب الوزارية حسب المزاجية،والحزبية.
هذه الحالة النفسية التي يفتتح بها الكاتب قصته، والتي تبين الحالة التي تعيشها هذه الشخصية/ الوزير في لحظة امتطائه الطائرة المتوجهة إلى الصين، تبين صدمة الواقع المؤثرة عليها، والدهشة التي تعيشها، وحالة الانبهار التي وقعت فيها الشخصية جراء التمثيلية التي سيقوم بها في بلد أسيوي.
ومن خلال مجريات القصة، نتبين مدى السخرية التي يربطها الكاتب بهذه المهمة.. وهذا يطرح سؤالا عريضا: هل هذا الوزير سيمثل بلده في هذه الدولة الأسيوية/ الصين، بحكم منصبه السياسي، والعلمي؟ أم ماذا؟.
في قناعات الوزير الداخلية، نستشف أنه لا ينظر إلى هذه الرحلة في جانبها العلمي، والسياسي والتربوي. إنما هي تحقيق لنزوة قديمة... وحلم تحول إلى أمنية. وهي زيارة هذا البلد الأسيوي في يوم من الأيام، وقد تأتى له ذلك.. فهو يروم من رحلته/ الزيارة المجانية، الاستمتاع بجمال هذا البلد، والتجول في مدنه وشوارعه، وتذوق الجمال الصيني بكل اطمئنان ، ومجانا، وشراء الهدايا الكثيرة على حساب ميزانية الوزارة.
إذن ، فهذه الرحلة تخلو من الجانب العلمي والتربوي.. وهذا نستشف منه انتفاء المصلحة العامة، وبروز المصلحة الخاصة.. كما تبين انتفاء الروح الوطنية، وتعالي الروح الانتهازية. وبالتالي القصة في مضمونها تطرح سؤالا: هل المناصب السامية، السياسية هي لخدمة أغراض الدولة العليا، أم خدمة للأغراض الشخصية الخاصة؟.هل يراعى اختيار الرجل المناسب في المكان المناسب حسب مؤهلاته العلمية، ونضجه السياسي؟.
لكن الجملة القصصية ( ورن هاتفه المحمول)، تشكل نقطة التحول في مسار الحكي، وفي تغيير وجهة الحدث. إذ تقوم هذه الجملة بعملية التبئيرfocalisation.
فجملة ( رن هاتفه المحمول) تقوم بعملية التحول... التحول في وضع كان المتلقي قد وقف على إشاراته. وهذا يدفع به إلى التساؤل : ماذا وقع؟.
إن عملية المفاجأة زادت من التشويق، والسرعة في معرفة الأمر، والوقوف على محتوى هذه المكالمة الهاتفية، ومضمونها.
وهنا يبدأ الحدث القصصي بالانعطاف نحو وجهة جديدة حين تفاجأ الشخصية/ الوزير عند نزولها بمطار شنغهاي، بتعديل زلزل كل حساباته، وكل تخطيطاته السابقة.
شرود يشرخ نفسيته وتفكيره.. لكن، لا يلبث أن يهدأ روعه، ويعود إليه هدوؤه... إنه تغيير اضطراري، نتج عنه تغيير في المهام ، والنتائج. فتغيير حكومي طارئ ينتج عنه تغيير في الوظيفة والتسمية، والرحلة، والوجهة، والمهمة.
وهذا التغيير، والذي تعبر عنه جملة ( هنا تعديل حكومي) أورده الكاتب مقرونا ولو ضمنيا بإيحاء له دلالات كبرى. فعند رنين الهاتف، الحالة النفسية في أوج هدوئها وفرحها. ولكن ما إن مست كلمة ( تعديل) طبلة أذن الوزير، حتى اهتزت أوتار نفسيته، واضطرب توازنه النفسي، لأنه يعرف ماذا تعني كلمة ( تعديل) في دواليب السياسة. إنه تأثير الخبر Impact de l’information على نفسية الشخصية، وما يتبع هذا التأثير من ردود الفعل.
وصدى هذا التأثير في لحظة وجيزة جدا، هو عبارة عن رؤى متتابعة ، سريعة.. عبارة عن أفكار سوداء، تعن في الذهن في لمحة بصر بشتى التساؤلات: هل مسني التعديل الحكومي؟.
هنا في لحظة تلقي الخبر في جملته الاولى، يجعل الشخصية تحس بالتضاؤل.. وأن الزهو الذي كان فيه وهو ينزل المطار قد تبدد، وتناقص.. وأن قامته المديدة قد قصرت، وتقزمت.
وهذا الحدث رغم بساطته شكل عقدة القصة.... وزادت من حدة الموقف الدرامي، وعملت على تصعيده. وبالتالي شوقت المتلقي إلى البحث عن معرفة محتوى هذه المكالمة، وعماذا أسفر هذا التغيير الحكومي...
إن هذه المكالمة تخبر الشخصية/ الوزير بتغيير مهمته، ومسؤولياته الوزارية. وبالتالي تغيير وجهته. فقد تحول إلى وزير لوزارة الفلاحة والبحث الزراعي، والتنمية القروية، والصيد البحري..
وعندما نقارن الوزارتين كتسمية، نجد أن التعيين الجديد مساو للتعيين القديم، بما أن الوزارتين معا يجعلانه يحمل ألقابا كثيرة، وتحافظ على امتيازاته الخاصة.
كما أن الامتيازات التي كان منصبه يمتعه بها ، بقيت، ولم تتغير.. الرحلات والتنقلات كذلك. لا شيء تغير إلا الوجهة، والتسمية، وهدفية الرحلة. ولو أن الهدف لم يتغير بدرجة كبيرة. وهو المشاركة في ندوة علمية، الأولى حول ( التربية المبكرة للأطفال على الابتكار)، والثانية حول ( أهمية روث البهائم).
لكن الذي تغير، والذي نستشفه من السياق العام للأحداث، هو الامتيازات الشخصية، والخاصة من الرحلة.
ففي الرحلة الأولى كانت الشخصية/ الوزير ينتظر منها تحقيق حلم سابق، وتحقيق نزوة قديمة، ثم التعرف على بلد أسيوي كان يحلم به، والتسوق من أسواقه.
أما المهمة الثانية، فهي جاءت عارضة، وغير منتظرةà l’improvise... ويعرف أنها لن تفيده في شيء، لأنها ليست في مستوى الوجهة الأولى.
وحتى لا تطول دهشة المتلقي، ويطول تساؤله، وبحثه، يطلعنا الكاتب على محتوى المكالمة، والمهمة الجديدة في إطار التعيين الجديد.
إن الشخصية/ الوزير في لحظة قصيرة جدا، يقارن بين المهمتين... ويوازن بين نتائجهما، أي استفادته الخاصة.
إن الكاتب، وبفنية عالية يدفعنا كمتلقين إلى القيام بعملية وضع وزير التربية في تناظر مع وزير الفلاحة، للوقوف على الوضع الجديد، ومقارنته بالوضع القديم.. واستنتاج العلاقة بينهما، وبين مصالحه الخاصة.
هذا الموقف، يعبر عنه الشخصية/ الوزير من خلال إحساساته، ورد فعله، وسلوكه بعد سماعه المكالمة. وقد جاءت الجملة التالية: << تنفس الصعداء>> قوية، ومعبرة عن حالة نفسية.
لقد صور لنا الكاتب سي مصطفى طاهري الشخصية/ الوزير تصويرا سيكولوجيا. عانت في لحظة صراعا، وأزمة نفسية.... نتج عنها لحظة انطفاء، وكمون، ولحظة انبثاق، وتفتح جديد، وانفراج.
وهذا الانفراج جاء بعد عملية ( تنفس الصعداء)... وقد ظهر في تبريراته، وتعليله..
وهذا التبرير هو نوع من البحث عن الاتزان النفسي.. ونوع من العمل على إزالة الخلخلة النفسية التي أحس بها عند سماعه بكلمة ( التعديل الحكومي)..
وهذه التبريرات عبرت عنها الجملة التالية:<< ابتسم وقال: من غبار السبورات إلى أعالي البحار.. من الصين إلى الخرطوم، والعاطي مازال سيعطي.. وتابع سيره، يشعر كأنه جبل يمشي على الأرض>>.
لكن تحدث مفاجأة ثانية... وهو رنين الهاتف ثانية.. فيتكرر الموقف.. ولكن وقع المفاجأة هذه المرة كان كبيرا...لأنه سينتج عنه نهاية حلم قديم ، لن يتحقق.
هذا الرنين جاءه يخبر خروجه من التشكيلة الحكومية الجديدة، وهنا الصدمة الكبرى.
من خلال هذا الحدث الذي قدمناه، نجد أن الكاتب سي مصطفى طاهري يبني قصته( تربية وروث) على تيمات متعددة: الحلم/ الإخفاق/الدهشة/المفاجأة/السخرية/الصورة الهلامية.
إن الشخصية / الوزير أزعجته رنة الهاتف المحمول. لأنها تحمل وجها جديدا للحقيقة الواقعية، الذي عرض له فجأة من خلال استيقاظه المفاجئ بعد سماعه خبر خروجه من التشكيلة الحكومية الجديدة. وهذا ما يسميه كافكا ب ( النقطة الأرخميدية) خارج العالم ( تيودور زيولكوفسكي، أبعاد الرواية الحديثة، ترجمة، د, إحسان عباس/ بكر عباس، المؤسسة العربية للدراسات والنشر،بيروت، لبنان، ط1، 1994،ص: 63) . حيث تصبح الحقيقة الواقعية إشكالية يصعب تصديقها.
لذا يأخذ خبر خروجه من التعديل الحكمي مأخذ الجد والتسليم، أم لا؟ هنا وقفت القصة. لتترك للمتلقي فرصة التمثل والتأويل، وافتراض السناريوهات.
إن القصة في مقطعيها ( رن هاتفه المحمول)، و( رن الهاتف من جديد)، ترسخ مبدأ الإفاقة كما يسميها كافكا.. وهي اللحظة التي تلي صدمة المفاجأة والأثرle choc de l’impact.
وهذه الإفاقة نستشف من خلالها الحالة التي أصبحت عليها الشخصية/ الوزير، حيث أننا نجدها رغم التحولات الطارئة، يبقى داخل عالمها. لكن الذي تغير هو وجهة نظرها الداخلية، والتي عبر عنها قوله:<<بعد تنفسه الصعداء>>.
إننا نستشف كذلك من هذه الإفاقة، أن لهذه الشخصية رغبة في الخروج عنها بحكم منصبها السياسي. كما أن هذه الإفاقة في طرحها كمبدأ داخل البناء القصصي، تجعلنا كمتلقين، نجد ها في البناء السردي، وفي متنه الخطابي،تشكل توترا قائما بين زمانية الوجود كإنسان. شخص، ووزير/ منصب، وممثل دولة/ المشاركة في الندوة، ولا زمانية الموقف، والمتغير حسب كل رنة هاتفية.
هذا كله يجعل الحدث القصصي مؤثرا للتطابق بين المواقف والحالات.
فهناك تطابق بين المهمتين، والوزارتين، والمنصبين، والاعتبار السياسي، والرحلتين. ولكن بالمقابل، هناك عدم تطابق في الاستفادة من الرحلتين.
إن الأديب سي مصطفى طاهري، يضمر في نصه القصصي نقطة هامة جدا..... وهي أن الارتباط بقدرية الموقف، رهين بتقلبات طرفية، ومزاجية، وسياسية. الشيء الذي جعل من صورة الشخصية/ الوزير في قصة ( تربية وروث) صورة متقلبة، ومهتزة، ومتلونة. وهذا التقلب المرعب، والمثير ينطوي على ما يسمى ب ( شلل الحالة/ الموقف). ليس فيه شيء سوى تكرار ممل، ومميت.
فتغير المناصب ينتج عنه تكرار المهمة،وتكرار الصورة والحالة، والموقف.. وبالتالي تتحول الشخصية/ الوزير إلى سنجاب على طاحونة دوس، يتحرك ولكن دون أن يتقدم إلى الأمام. وهذه التكرارات ولدها، ويولدها منصباه الوزيريان.
من هذا التحول الذي يبني عليه سي مصطفى طاهري قصته، نستشف المسحة الكافكاوية التي يغلف بها كاتبنا خطابه القصصي. الشيء الذي يدفع بالحبكة إلى التطور العضوي.
فهذا التحول لا يمس فيزيولوجية ذات الشخصية/ الوزير. وإنما يمس جانبها السيكولوجي أيضا... حيث يحولها من الفرح إلى الحزن إلى الفرح. ومن حالة الانبساط إلى الانكماش. ومن حالة الفرح على الترح،ومن حالة الفهم والإدراك إلى حالة اللافهم، واللاإدراك. ولو أن الجانب السيكولوجي له تبعات فيزيزلوجية.
إن الأديب مصطفى طاهري، متمكن من آلياته القصصية.. وقد تغيى عرض حدثه القصصي بأسلوب فني( الأسلوب الحر غير المباشر)، مع اعتماد القص بضمير الغائب.. وهذا أعطى للقصة بعدها الفني، والواقعي...
ومن هنا نقول : بأننا أمام قاص متمكن من آلياته القصصية، خبر فن الحكي، والكتابة، وأبدع فيهما...
4- واقعية الحكي في قصة( أشياء اخرى) لسعاد بن اخي:
التعديل الأخير تم بواسطة عبد الفتاح المسودي ; 06-15-2009 الساعة 01:21 PM.
تجربة رائدة كما عودتنا أستاذنا محمد داني،
ستكون الورقات بالتأكيد مقدمات منهجية عند كل توقف قرائي أو نقدي،
يهم الأسماء المقاربة.
كل التقدير لجهد كم في تطوير الخطاب التفاعلي بمنتدانا مطر.
شكرا لك استاذي سي محمد المهدي السقال.. فانا لا ألقى منك إلا التشجيع الدائم والسند الذي يدفعني قدما إلى الامام.. اتمنىان اكون عند حسن ظنك استاذي سي محمد المهدي السقال
أخوكم: محمد
اخي الدائم محمد داني
اسمتعت بهذه الدراسة واردت ان اشكرك كما تستحق لما تبديه من اهتمام للانتاج الادبي وما توليه من متابعة تجاوزت حدود الوطن الرسمي الى شساعة الوطن الابداعي
أهلا بالأديبة التونسية راضية الشهيبي بيننا.. والله سعدت بوجودك هنا ن وبمروك بكلماتك الجميلة... والمشجعة
بك كل الشكر وكل التقدير أستاذتي راضية
شكرا لك استاذي سي محمد المهدي السقال.. فانا لا ألقى منك إلا التشجيع الدائم والسند الذي يدفعني قدما إلى الامام.. اتمنىان اكون عند حسن ظنك استاذي سي محمد المهدي السقال
أخوكم: محمد
لا يسعني أخي العزيز سي محمد داني الا أن أقول لك ان قلمي عاجز كل العجز عن التعبير لك عن
امتناني العميق على كل هذا الاهتمام الكبير والكبير جدا الذي أوليته لهذا النص ، وانه والله لمفخرة
كبيرة لي أن يحضى بهذه القراءة الأكاديمية ...
وهذا الاهتمام سواء بهذا النص أوبنصوص أخرى ، انما يدل على نبلك وقلبك الكبير وقامتك السامقة ...
بارك الله فيك أخي و في مجهوداتك الجبارة التي تبذلها بكل صدق وصبر ومحبة ، والتي لاتروم من
ورائها أيها العزيز البهي
الا التشجيع وخدمة الخطاب النقدي في هذا الفضاء الابداعي الجميل /بيتنا مطر ، مطر الخير ...
أعرف أخي أنني لم أوفك حقك بهذه الكلمات مما تستحقه من تقدير واحترام ومحبة ...
ولكن أعذرني فكلماتي كما قلت عاجزة عن التعبير ...
وتقبل محبتي الخالصة ودمت لأخيك بهيا سامقا ...