حوار مع الشاعر المغربي الكبير محمد السرغيني ..
من أجل الشعر ازددت تشبثا بإنسانيتي
أجرى الحوار: عزالدين كطة
يعتبر الشاعر محمد السرغيني احد رواد القصيدة الحديثة بالمغرب، وصوتا شعريا استطاع أن يحافظ على خصوصيته في المشهد الشعري العربي، تتميز إبداعاته بعمق يجمع بين الفلسفي والجوهر الشعري، فقد دأب الشاعر على تطوير تجربته الشعرية منذ الخمسينيات من القرن الماضي، فمكنته ثقافته الموسوعية من إعطاء قصائده حمولة دلالية، لا تمنح ذاتها إلا لقارئ مثقف وملم بخبايا القصيدة الحديثة .
ولا يقتصر محمد السرغيني على كتابة الشعر، إذ له تجارب في النقد الأدبي والتشكيلي، والترجمة، بالإضافة إلى الرواية والمسرح.
في حوارنا هذا حاولنا أن نتفادى تكرار الأسئلة التي سبق أن أجاب عنها الشاعر في حوارات السابقة.
* بداية هل يمكن أن تحدثنا عن محمد السرغيني الإنسان، الشاعر، والمثقف؟
- لدي اعتقاد راسخ في أن يستحق كل إنسان إنسانيته وذلك بالتقرب من الكائنات الحية، سواء أكان ذلك عبر الأخلاق الهلينية بمفهومها الفلسفي أو عبر الأخلاق الدينية كما هي بالمفهوم الشرعي أو عبر الأخلاق العلمانية كما هي بالمفهوم اللائكي. المهم هو التقرب إلى الإنسانية بالإنسان، ويمكن القول أن كل هذه الأنواع من الأخلاق تلتقي في شيء واحد، هو التواضع الذي يشفي من كل العلل العضوية و العقد النفسية، فكلما تواضع الإنسان ازداد إحساسا بنبل أعماقه وإلحاحا على عكسها على غيره من البشر، وكلما ركبه الغرور والعنجهية استحال عليه أن يكتشف شفافية الإنسان فيه وفي غيره ممن يحيط به.
الشاعر قدره في الشعر، وخاصة حين يكون الشعر من أسبق اكتشافاته في حياته، حين تكون أوليات الشعر هي أول ما فتح حواسه الست على التقاطه في وقت مبكر تشكلت فيه هذه الحواس. ويرجع الفضل في ذلك إلى الأستاذ المرحوم محمد البلغيثي الذي بث فينا حب الشعر قراءة متأنية و إنشادا شعائريا وتذوقا عاليا. هذا الأستاذ هو الذي جعلني أربط مصيري بالشعر حتى لكأنه قدري الذي وجدت من اجله, يحضرني هنا ما يروى عن أحد الشعراء الفرنسيين حين سئل عن علاقته بالشعر، فكان جوابه هو: la poésie est ma raison d'être، من أجل الشعر ازددت تشبثا بإنسانيتي. و من أجله توصلت إلى طريقة ناجعة تمكنني من فهم أهم ما في العالم وهو الإنسان.
المثقف هو عاشق المعرفة الشاملة التي أنتجها الإنسان منذ أول علاقته بالأبجدية والدين والإيديولوجية واللائكية والتواصلية والعلمانية، ليس سهلا أن تجتمع هذه المعرفة كلها في واحد، ولكن من السهل على هذا الواحد أن يستفيد من رحابتها إن أحبها وسعى بجد إلى نيل نصيب منها يسمح به ذكاؤه وشغفه بالإطلاع على المجهول، الطريق الذي يفضي إلى تحقيق هذا الهدف هو تعلم اللغات ومحاولة الربط بين الإنسان و بين تطوره العقلي منذ بدء اكتشافه أسرار الكون إلى عيشه في عصر اكتشاف الفضاء ، أتفادى الحديث عن أنواع المثقف من موال لحاكم أو من متخذ موقفا صارما ضدا على الذين يضعون العراقيل في وجه تقدم الإنسان أو من العضوي أو من المتهافت أو من الرومانسي، تلك تقسيمات كلها تنحو نحو غاياته فقط و هي فعالة في هذا الصدد، ومع ذلك فهذه الأنواع جميعا تلتقي عند فضيلة المعرفة الشاسعة، فلا ثقافة بدون معرفة ولا معرفة بدون مثقف ، من السهل أيضا أن يستفيد الإنسان من رحابة هذه المعرفة إن كان ميله إلى الشعر غريزيا فيه، الشعر نافذة مشرعة يطل من خلالها الإنسان على أروع ما يستطاع أن يصل إلى إدراكه بواسطة العقل والوجدان، وهنا ألح على انه لا يمكن الفصل بين الشعر والعقل: الشعر يوجدن العقل والفلسفة تعقلنه.
* أنت تتقن مجموعة من اللغات كالإسبانية والفرنسية والانجليزية ؟
- لا أجرؤ على قول ذلك، فلا مناص من الإيضاح في هذا السبيل. اقرأ وأكتب وأتحدث بالفرنسية، اقرأ ولا اكتب بالإسبانية إلا لماما وأتحدث بها بصعوبة، أما الانجليزية فأقرأ وإذا تحدثت بها فبكثير من التلكؤ، يرجع الفضل في ذلك إلى شيئين اثنين: أولهما التصوف كمعرفة لا كممارسة، ذلك الذي فتح أمامي أبوابه بما كتب فيه وعنه بهذه اللغات، وثانيهما الشعر كعشق ابدي لا يفتأ يتعاظم كلما تقدم بي السن. حب الشعر جذبني إلى شعراء مثل «لوركا» وقد ترجمت تفعيليا له قصيدته في رثاء صديقه مصارع الثيران الذي قتله ثور صارعه على رمال الحلبة، كما قرأت لجيل السابع والعشرين أمثال «داماسو ألونسو» و«ألتولاغيري» بعد استشارة بعض الزملاء الإسبان حين اكتشفت أن ما يترجم لهذا الجيل إلى العربية جد سيء، ولذا أخذت أتعلم الاسبانية فدخلت إلى هذا الشعر من بابه القشتالية الواسعة، وها أنا الآن اقرأ بعض الشعراء الاسبان المعاصرين ، (Blas De Otero) العميق شاعر الشذريات. نفس الخطوة خطوتها مع الشعر الانجليزي الذي ترجمت تفعيليا منه قصيدة «أربعاء الرماد » لإليوت.. .
* وماذا عن محمد السرغيني الدكتور والاستاذ الجامعي ؟
> لو خيرت لانصرفت للشعر بصفة نهائية لأن مهمة التعليم في الابتدائي والثانوي والجامعي يحول الالتزام بها دون الاهتمام بالشعر وحقه الدرجة الأولى من الاهتمام والعكوف عليه. لولا ضغطا اجتماعيا كبيرا أرغمني على التعيش من حرفة التعليم لكنت خلوت إلى الشعر لا يشاركه فيّ غيره، رغم انغلاق الأبواب أمامي في مجتمع مغلق يكاد يرفضني منذورًا للشعر وللشعر لا غيره، مجتمع متقيد بدعوة أفلاطون التي أقصت الشعراء عن مدينته الفاضلة، مجتمع يبعد نساءه عن رجاله وبغير التحامهما لا يتحقق وجدان نبيل ولا استمرار لحياة الآدمي، مجتمع يحجب عنك نصفه الأنثوي بدافع الحفاظ على التقاليد،أتذكر أن أحد زملائي خلال المراهقة كان يتبادل أنخاب الحب على البعد مع فتاة لا يراها ولا تراه إلا من خلال كوة تطل عليه منها، يشبع وجدانه واستيهاماته ويقضي ليله في حلم وردي وأرق مستمر.
* كيف ينظر الشاعر محمد السرغيني إلى الشعر القديم ؟
> الشعر القديم بمختلف اللغات ركن أساسي فيها، يمدها بالحياة والآنية ويوطئ أمامها السبل لكي تتطور عبر راهنها وآتيها. هو الأب البيولوجي للشعر الراهن في مختلف اتجاهاته ومناحيه، هذا وإذا اعتقد الشعراء الشباب أن الشعر المعاصر وجد من دون أب فليس ذلك سوى تبرير لوجودهم في عالم يتلكأ في الاعتراف بهم،لقد اكتشف الحداثيون الفرنسيون أنهم لم يقتلوا أباهم البيولوجي إلا ادعاء حين رجعوا إلى أحضانه بعد انتهاء فترة المراهقة.
* وما رأيك في هؤلاء الذين قتلوا آباءهم ؟
> إن مقولة « قتل الأب » جاءت على لسان مجموعة من الفلاسفة الذين توهموا أن فكرهم لا يدين بصلة إلى القديم مع العلم أنهم لم يفعلوا شيئا غير أن ذيلوا ما قاله السابقون بغير قليل من المماحكة، هذه المقولة مستوردة من ثقافة عرفت صراعا بين تيارات بعضها يناقض البعض الآخر فوجدت في الاحتماء بالحداثي وبما بعد الحداثي وسيلة للتهرب من التراث. الذين قتلوا الأب سبق لهم أن تعلموا نفس أبجدية قدمائهم، نفس لغة استعملوها في إبداعهم. ليس التنكر سهلا لأربعة عشر قرن من الإبداع في سبيل فتح باب الاعتراف أمام إبداع لم يتحقق له اللازم من الكمال. لابد إذن من التوفر على حصافة الاعتراف ورهافة الذوق وهما كفيلتان بتحقيق عشق هذا الانجاز الهائل،إن هؤلاء الذين يريدون قطع الصلة بينهم وبين الماضي إنما يفعلون ذلك بدافع الخضوع إلى مراهقة عمرها قصير سرعان ما يرحل حين يبلغون سن الرشد.
* وماذا عن شعر التفعيلة ؟
> يصدق على شعر التفعيلة ما ذكرته من الخضوع لقانون يفرق بين الغث و المتوسط والسمين، فالسياب كتب قصائد رائعة مستوحاة من البيئة العراقية، كما كتب قصائد أخرى لا تخلو من التكلف رغم جمالية مضمونها (قصيدة «أنشودة المطر» تكاد تكون مستنسخة من قصيدة الشاعرة الانجليزية « إديث سيتويل ») الشعر التفعيلي هو الطريق أمام شعر عربي معاصر مال إليه كل الذين أرادوا التحرر من قيود تحول بينهم وبين اقتناص الدلالات المعاصرة وذلك عبر قصيدة النثر. (أفضل تسميتها بالقصيدة النثر سيرا على هدي المصطلح الفرنسي :le poème en prose). القصيدة العمودية والقصيدة التفعيلية والقصيدة النثر جميعها خاضعة للقانون الثلاثي الأبدي: الجودة والتوسط والرداءة، قصائد أنسي الحاج رائعة جامعة بين الذوق العربي قديمه وحديثه والذوق الغربي في صيغته الفرنسية قديمه وحديثه، على هذا إذن ليست المعضلة في اختلاف طرق كتابة الشعر بل هي في تملك ناصية الكتابة أيّا كان نوعها ،وهذه قاسم مشترك أعظم بين مختلف اتجاهات الكتابة. لذا فانا لست مع من يتعصب لنوع على نوع آخر، أنا مع الشعر الجيد وهو موجود في هذه جميعها،بل حتى في الآلة أو الفرشاة أو في غيرها من الأدوات شريطة تجاوز الأسلوب المباشر وإحلال اللامباشر محله ،لذلك لا أبالي بالنزاع الدائر حول الأشكال الشعرية ،مما يجعلني الآن أتمتع بقراءة الرائع من العمودي والتفعيلي والشذري وقصيدة «الهايكو». إنني أجد في هذه الأنواع غذائي الأرضي.
* كيف تفصل بين الشعر/ النثر والنثر ؟
> أعتبر أن الفصل بين الشعر والشعر/ النثر ظالم لأنه يفرض قانونا قديما عرف به الشعر منذ القديم وهو أنه « الكلام الموزون المقفى «، مع أن للشعر والنثر في نفس الآن إيقاعين شكليا وداخليا. أما النثر العادي فهو كاللغة المحكية يستهدف التواصل بين باث ومتلق في مسائل بعيدة عن لغة الشعر قد تكون تلقين معرفة أو جدلاً أو حوارًا يتعلق بأمر ما. من المؤكد أننا لم نعد نستعمل هذه الموازنة ،فلا أحد في استطاعته أن يحد الفصل بينهما والحال أن مراميهما واحدة، هي تقريب تجاوز التعبير المباشر بالاحتكام إلى اللامباشر عبر أنواع المجاز التي لا تفتأ تتناسل ما ازدادت اللغة المشعرنة كثافة وانزياحا عن المتوارث.
* ألا يجعل ذلك هذا الشعر عرضة للاستسهال؟
> كل شيء معرض للاستسهال كيفما كان أمره. فقد تعرض الشعر العمودي للاستسهال قديما على أيدي كتبة غير موهوبين كما تعرض التفعيلي والشعر/النثر إليه من لدن أناس توهموا أن كتابته سهلة فخاضوا غمارها بمزيد من الإلحاح والتهرب من المسؤولية. كان فعل العقاد جائرا حين أحال قصائد صلاح عبد الصبور على لجنة النثر. وكان رد فعل الأصمعي معقولا حين أدان ما عرضه عليه رجل متشاعر ظن أنه من الفحول. الاستسهال موجود ما وجد الأدعياء ومعدوم ما وجد الموهوبون.
* كيف تنظر إلى حضور المعنى أو غيابة في قصيدة النثر ؟
> إنه لظلم توظيف المفهوم القديم للمعنى ذلك المفهوم المقدس القائم على عناصر محسوسة تابعة إلى المعقلن من الأشياء والمدركات. لقد تم اكتشاف اللاشعور أو اللاوعي أو العقل الباطن بحيث تمكنت المعاني معه من الخروج من دائرة المحسوس إلى فضاء المحدوس والأرحب، مما ساعد على اكتشاف مجموعة من طرق الكتابة لم تكن مألوفة عند الناس. السوريالية ومسرح العبث وانتشار الأساليب المتعددة في التشكيل كالوحشية والتكعيبية والتجريد بمدارسه المتنوعة. المعنى كما هو مرتبط بالعقل المحسوس هو كذلك مرتبط باللامحسوس أي المحدوس بالقوة الباطنية، هو كذلك الذي يتجاوز المرئي إلى اللامرئي اتكاء على قوة نفوذ الخيال.
* بماذا تفسر الغموض في قصيدة النثر العربية ؟
> الغموض في هذه القصيدة نسبي، لا أتحدث عمن ينتهج سبيل الغموض متفصدا من أجل إبهار القارئ لأنه لا طائل من ورائه، بل أتحدث عن غموض عضوي تستدعيه طبيعة الصورة الشعرية، إنه غموض لا يكون كذلك إلا بالنسبة إلى قارئ غير قادر على فهم الغوامض وتعمقها، قارئ لا يملك مساحة معرفية شاملة تسمح لأفقه التخييلي المحدود بالامتداد والتحليل والتأويل، في حين أن القارئ الممارس للقراءة الفاعلة للشعر ممن يمتلك المعرفة اللازمة لا يبدو له غامضا ما يعتبره غموضا.القضية رهن باتساع الأفق المعرفي والقدرة على الاستبطان.
* ألا ترى أن بعض الشعراء يعتمدون على بناء الصورة أكثر من الدلالة؟
> الصورة دلالة حاسمة بالمركب والمعنى السريع المباشر دلالة بالبسيط. لذا فلا وجود لصورة بدون دلالة إلا أن تكون مجانية، فلا ضير في اجتماعهما معا في القصيدة الواحدة، كما لا ضير في تغلب إحداهما على الأخرى ما دام ذلك لا يضر بالمسار الدلالي العام للقصيدة.
* أحيانا يتحول الغموض إلى ألغاز ؟
> يتطلب اللغز وسيلة لحل معمياته، بينما يطرح الغموض مشكلة الفهم فقط،وعليه،فالغموض المتكلف لا يعتبر لأنه ضد الفعل الشعري، أما الغموض العضوي النابع من الصورة الشعرية فهو قابل للفهم كلما تعرض للقراءة المتبصرة الواعية.
* ألا ترى معي أن بنية الصورة في الشعر المعاصر مشكلة على منوال الشعر الغربي وخاصة منه الشعر الفرنسي ؟
> لا مفر من التأثر بالموجات الغربية لأن الثقافة المعاصرة لم تبق كما كانت فردانية متقوقعة في مكان معين ،بل أصبحت كليانية. كل ما في الأمر أن الاستفادة من الشعر الغربي تختلف حسب توظيفها وحسب قابليات الشخص الذي يتبناها. عندما تنقل الصورة نقلا مباشرا من لغتها فهذا دال على عدم فهمها وإما على أنها تمنعت عن القولبة عند نقلها إلى ثقافة أخرى. ولعل السبب في ذلك هو الترجمة السريعة أو المخطئة، أعطيك مثالا حيا، أنا الآن بصدد قراءة كتاب صادر عن سلسلة عالم المعرفة الكويتية عنوانه هو « سارتر وكامو» أؤكد لك أنني لم أستطع الاستمرار في قراءته بسبب ركاكة ترجمته.
* هل من الضروري أن اقتفاء أثر الأدب الغربي وتطبيق معاييره على الشعر العربي، ألا يعد ذلك تجنيا على خصوصية اللغة العربية ؟
> أصبحت الثقافة اليوم مشاعة بين البشر عن طريق العولمة ووسائل المواصلات السريعة، لدرجة أنه أصبح في إمكان الإنسان معرفة ما يقع في الأصقاع البعيدة عنه في نفس لحظة وقوعه. يكتب الشعراء العرب الآن على طريقة ما هو رائج في الغرب وفي غير الغرب، شعر «الهايكو» الياباني مثلا حين يشعرنون معيشهم اليومي في قالب قصائد مشذرة. ومنذ القديم وقع التلاقح بين الثقافات وفعل إحداها في الأخرى، بل حتى في القريب منا. («غيوم ابولينير» Guillaume Apollinaire مقطوعة بالفرنسية على بحر الرجز في أحد دواوينه)
{ نعيش في عصر تراجعت فيه القيم وسيطرت عليه المادة بكل ثقلها، ترى هل بقي للشاعر دور في هذا العصر ؟
> أعتقد أن التشكيك في قدرة الشاعر على المساهمة في الممارسة الحية للإنسان، لا معنى له، والدليل على ذلك أن مادية الاتحاد السوفياتي السابق لم تستطع إقصاء الشعر عن مجالات الحياة، ولذلك أسباب ،منها أن الشعر في هذه الفترة لعب دور المرهم الشافي من أعراض الباثولوجيا التي تمخضت عنها سيادة الرأي الواحد على غيره، ومنها أيضا تضافر الفنون كلها في هذه الفترة على الاهتمام بالوجدان الفردي حيث ازدهر في روسيا التشكيل التجريدي و العودة إلى الموسيقى الأوركيسترالية الشرقية.ولم يقتصر الأمر على روسيا وحدها بل إنه في هذه الفترة عرفت أميريكا اتجاهات تجريبية في الشعر (الشعر الميكانيكي) وفي الموسيقى والرواية والمسرح والتشكيل مما يسير على خط مناقض لماديّة إيديولوجية الدولة أو ثقافة الاستهلاك.
* هناك من يقول أن الشعر رسالة ؟
> الحقيقة أن جميع ما يقوم به الإنسان يحمل في طياته رسالة ما تعبر عن حاجته الماسة إلى التطور والتجدد في مضمار المعرفة العامة الشاملة المتعلقة بمعاشه وممارسة اجتماعيته، هذا التعبير يتخذ من التجريب المستمر قاعدة انطلاقه، الفنون المختلفة واستيعاب الثقافات الواردة عليه و استخدامها في إثراء ما عنده من أجل تعميمه على الآخرين. (استفادت الحضارة الغربية المعاصرة من الثقافات البدائية الإفريقية، كما استفادت سابقا عبر العرب من الثقافة الهلينية). لكن أنا من جملة الذين يرفضون أن تكون للشعر رسالة إيديولوجية وهي لا تخدم غير الرأي الواحد رغم أنها تبشر بالتعايش مع الفكر النقيض. الشعر للإنسان والإنسان شِيَّعٌ ونحل تتعايش بشكل أو بآخر على الأرض مهد الحضارات.
* إلى أي حد يستطيع الشعر تغيير وضع الحروب والممارسات الوحشية التي نراها اليوم؟
> في الفترة التي ازدهرت فيها الوجودية السارترية ظهر كتاب « que peut la littérature « « ماذا يستطيع الأدب أن يفعله « انتهى إلى أن الأدب شعرا ونثرا لا يستطيع التأثير المباشر في الأحداث إن أمكنه القيام بالفعل التحريضي، وبالفعل فقد نجح في هذا التحريض على قيام الثورة الفرنسية. ومن الطبيعي أن عملية التحريض قامت بسهولة في الماضي فهي الآن إن تمت فبصعوبة وبطء شديدين نظرا لتطور أسلوب المواجهة وركود طرق التحريض الشفوي أو المكتوب أو المرئي. أصبح الإنسان ميالا إلى المادية في أوحش مظاهرها أي في جوانبها الهدامة لا البناءة. أصبح الإغراء بسيِّآتِها طاغيا على الميل العقلاني لحسناتها. وإذا كان «ديوجانيس» استقر في هيكل عربة وسقراط رضي بالسكن في بيت ضيق، لم يمتلئ بالأصدقاء الخلّص على ضيقه،ماذا يمكن أن يفعلاه اليوم لو طال بهما العمر؟ لابد من وضع المشكل والبحث عن الطرق الكفيلة بتحقيق التوازن بين المادّي و اللاماديّ.
* ما هو سبب العزوف عن القراءة في نظركم وخاصة قراءة الشعر ؟
> منذ أن وجد الشعر وهو فن نخبوي، لا بد في قراءته من استعداد داخلي وخارجي ضبط اللغة التي يقترن بها، وامتلاك الذائقة التي تكتشف بها جماليته، كما أن كتابته تتطلب فوق هذا الاستعداد ميلا صوفيا إليه وإلى مبدعيه والمشتغلين بتقريبه إلى جميع الأوساط أيا كانت مقدرتها الاستيعابية. إنني أعتبر القارئ المعاصر مظلوما لأنه انهزم أمام هذه الحضارة الرقمية التي فرضت عليه الاهتمام بالالكتروني والمعلوماتي بدل أن توجهه بمكتشفاتها إلى مزيد من التعمق في فهم الجميل وتوثيق الاتصال به. وهنا تقع المسؤولية على كل الذين يشجعون الجوانب الشكلية من الرقمي و يتغاضون عن الجوهري فيه. وهنا أيضا تتساوى هذه المسؤولية عند المتقدّم أو النامي أو المتخلف ما دامت مناهج المعرفة الآن تنحو نحو التخصص الدقيق وتهمل الثقافي المشارك الموسوعيّ المتعلّق بجميع حقول المعرفة. كان ابن سينا فيلسوفا وطبيبا شاعرا، و»سيلين» طبيبا وروائيا ترك بصماته واضحة على التاريخ العام للكتابة السردية. والذي يزيد من تعقيد المشكل هو أن هناك تقصير في وسائل إشاعة التثقيف تلك التي تنتج القارئ النموذجي. دُُور العرض السينيمائيّ والمسرحيّ تغلق واحدة تلو الأخرى وخاصة في بلد مثل بلدنا ، ودور نشر المعرفة يستفزّها التجاريّ فلا تلتفت إلى المعرفي إلاّ عند الضرورة. اللحظة المعاصرة يصدق عليها قول «جان بودريار » : «إن الواقع مات وحلت محله الصورة »، الصورة التي بلغت من الفنيّة مبلغا جد واسع. هذه كلها مثبّطات من شأنها أن يصبح معها القارئ أو المتذوق للفنون عملة نادرة، فهل نتمنى ظهور زمن يسمح لنا بمباشرة التصحيح من اجل العودة إلى سابق عهدنا كمتذوقين للفنون إبداعا واستهلاكا قرائيّاً أن يأتي وقت نباشر فيه عملية التصحيح لنعود إلى ما كنا عليه سابقا لاستهلاك الفنون وتذوقها.
* هل حقا مات زمن الشعر وبرز زمن الرواية ؟
> من المؤكد أن الرواية اليوم واسعة الانتشار، لكن انتشارها على حساب انحسار الشعر مغالطة، إذ أن الشعر لايزال إلى الآن محافظا على مكانته الطبيعية وهي تجميل الكينونة لصالح الإنسان، وهنا أتحدث عن الكلي la poésie cosmique. أرى أن العديد من كتاب الرواية في العالم أجمع لا يصح لك منهم إلا فئة قليلة، ولو أن الفن الروائي انتقل من الخرافيّ إلى تبصير الإنسان بنفس المهمّة التي يقوم بها الشعر،لما وجدت روائيين رائعين مثل « بروست» و »دوستيوفسكي»و « تولستوي».. و»غبرييل غارسيا ماركيز» (فقط في روايته « مئة عام من العزلة »)، كثير من هؤلاء الروائيين أتوا إلى الرواية من الشعر.هنا سنضع سؤالا: هل الإقبال على الرواية سبب في نجاحها؟ إن الإقبال هذا ليس مقياسا ناجعا، ذلك أن سببه دغدغة إحساس القارئ بالخرافي والغريب والمثير، وهذه نزوات عابرة، مقياس النجاح هو مقدرة الرواية على خلخلة الراكد من الفهم والتذوق وإقدامها على اقتراح بديل مستقبليّ. كتابنا الفرانكفونيون تملقوا للقارئ الفرنسي بما يسمّى Exotisme باستثناء خير الدين وكاتب ياسين. أما نجيب محفوظ فقد أحببنا فيه اجتماعيّته المحايدة المسقطة على الحالات السلبية في مصر قديما وحديثا.
* ما رأي الشاعر محمد السرغيني في الالتزام في الشعر العربي المعاصر ؟
> ينبغي التمييز بين نوعين من الالتزام، ماركسي، ووجودي. الماركسي ضيق جدا لأنه يطالب المبدع شاعرا أو روائيا، موسيقيا أو مسرحيا، رساما أو نحاتا بالتزامه التعبير عن قضايا المجتمع الذي ينتمي إليه، وغالبا ما يتعلق هذا الالتزام بتصوير الصراع الطبقي بين الإقطاع وصغار الملاكين والعملة في البلدان المتصنعة أو النامية أو المتخلفة، إما الوجوديّ منه فدلالته أوسع حين يذهب إلى اقتصاره على الشعر وحده دون بقية وجوه الإبداع الفني، وهو يعني التزام الشاعر بالتعبير عن القيم الأساسية للوجودية المنحصرة في قضية الحرية. وقد راج النوعان معا في العالم العربيّ بعد نشوب ثورات ضدّ المستعمر أو ضد الحاكم الوطنيّ المستبد في البلاد المستقلّة. حركة الشعر العربيّ المعاصر منها ما سار على هدي شعراء اشتراكيين عالميّين من حجم «ناظم حكمت» و «بابلو نيرودا» و«إيرنيستو كاردينال» كعبد الوهاب البياتي، أو على طريقة موجة الشعراء المواكبين لازدهار السارترية في فرنسا على الخصوص كأغلب الشعراء المبشرين بقيم العروبية كأحمد حجازي. لم يستطع الالتزام بنوعيه الصمود طويلا أمام المد الزاحف الذي كان وراءه في العالم الغربيّ تلك الثورة العارمة التي استهدفت قيام حركة شعرية جديدة نشرت ظلالها على العالم العربي، حيث تقهقر التفعيليّ لصالح النثري، وكان ذلك انسجاما مع التمخضات الغربيّة السريعة التي لا تفتأ تتناسل و تتكاثر.هكذا وفي وقت وجيز رأينا الشاعر الاشتراكي السابق كيف تحول إلى شاعر ميتافيزيقي مغرق في الاستبطان الذاتي، على صورة ما حدث في فرنسا مع «لوي أرغون» الذي بدأ شيوعيّا وانتهى سورياليا.
* ما هو موقف الشاعر من صراع الحضارات
> نشأت الحضارة العربية الإسلامية على أنقاض حضارتين فارسية ورومانية، وعرفت ثلاث حقب هي الأموية والعباسيّة والعثمانيّة، ونشأت معرفيا على أنقاض الفكر الهيلليني، وكانت في كلّ ذلك قويّة بحيث فرضت قيمها على ثلثي العالم تقريبا. بعد ذلك دخلت هذه الحضارة في فترة محاق طويل أدى بها إلى السقوط بين أحضان الاستعمار الغربي أولا، ثم في مرحلة الاستعمار اللامباشر ثانيا، ثمّ بعد ذلك في مرحلة ما سميّ بصراع الحضارات ثالثا، وامتازت المراحل الثلاث بتكريس التخلّف ومحو الهويّة والدعوة إلى تبنّي قيّم مستوحاة من علمانيّة الحضارة الرقمية السائدة. لذلك أعتقد أن الصراع الدائر الآن ليس صراع حضارات بل صراعا دائريا بين متخلّف مغلوب على أمره ومتقدّم قوته في إضعاف خصمه. أما تنظيرات «فوكو ياما» تلك التي تهدف إلى تبرير التجاوزات اللاإنسانية التي يقترفها الغالب في حق المغلوب بناءً على أسس فلسفية لا تستنكف الاعتماد على رأيي هايدغر وهيجل. الانتفاضات التي تندلع هنا وهناك في العالم ليست غير إشعار برفض مقولات الغالب، غير رغبة في تذكير هذا الغالب بأحقيّة عيش المغلوب بالطريقة التي تلائم تطّلعاته، فهيّ إذن انتفاضات سمّوه إرهابا رغم أنها مقتصرة على العالم الثالث فقط بل تشمل المستضعفين في أميركا نفسها. ( الانتفاضات المتكررة لزنوج «هارلم»)
* سؤال أخير: ما رأيك في توظيف التراث المغربي في الشعر، وهل يمكن فعلا توظيفه؟
> ضروريّ توظيف التراث المغربيّ في وجوه الإبداع كلّها، ذلك أن من شأن هذا التوظيف إضفاء نكهة خاصة على هذا الإبداع هي وحدها التي تشكّل فرادته وتميزه عن غيره، وليس هذا وقفا على الشعر وحده بل يسري على جميع مناحي الإبداع. هذا ويجب تحديد هذا التراث حسب ما يلائمه من الإبداع: اللغويّ منه التصوير الفوتوغرافيّ، والمهرجانيّ منه لربط التاريخ القديم بالمعاصر. كلّ هذا مشروط بحسن التوظيف ودقة الاختيار ومراعاة النسبة والمناسبة في جعله مندمجا إندماجا عضويا في الإبداع وغير مقحم بتكلّف في نسيج الأعراف والتقاليد التي تمسّ حياة المغاربة وتمّيزها عن غيرها.
بغير هذه الشروط يصبح توظيف التراث عشوائيّا ناشزا لا يستفيد معه الفعل الإبداعي شيئاً بالنسبة إلى يعجبني توظيف التراث المغربي في الشعر، إذا أحسن توظيفه، وتم اختيار ما يناسب فيه لموضوع النص وإعطاءه بعدا إما رمزيا أو دلاليا إلخ. (مثلا بعض الأمثال والحكم) ليصبح جزءا عضويا من النص نفسه، أما إذا تم توظيفه بشكل عشوائي فسيكون نشازا.
جريدة الاتحاد الاشتراكي (المغرب)