أنت غير مسجل في منتدى مطر . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا
آخر 10 مشاركات
محمد عز الدين التازي - المذكرات (الكاتـب : نقوس المهدي - مشاركات : 18 - )           »          فطام (الكاتـب : عبدالله البقالي - مشاركات : 18 - )           »          "لماذ؟ " شعر: محمد علي الهاني(تونس)/ ترجمة... (الكاتـب : محمد علي الهاني - آخر مشاركة : مازن كريم - مشاركات : 20 - )           »          قلب من ورق;... (الكاتـب : سناء شرقاوي - مشاركات : 12 - )           »          هات نكتة ! (الكاتـب : سعاد بني أخي - آخر مشاركة : حسين الدمرداش محمد العدل - مشاركات : 674 - )           »          حبٌّ مبقور على الأرض (الكاتـب : محمد العياشي - آخر مشاركة : مازن كريم - مشاركات : 12 - )           »          مساء العطر يامطر (الكاتـب : عبدالناصر الشريف - آخر مشاركة : حسين الدمرداش محمد العدل - مشاركات : 1855 - )           »          حق مشروع (الكاتـب : بن بخثة مريم - آخر مشاركة : سعاد بني أخي - مشاركات : 8 - )           »          اللي مشالو غزالو- أحمد جبران (الكاتـب : عبد الغني الراقي - آخر مشاركة : عوني نورالدين - مشاركات : 1 - )           »          اهداء خاص للصديق، حكيم مطر :حسن بواريق (الكاتـب : سليمى السرايري - آخر مشاركة : حسن بواريق - مشاركات : 9 - )


العودة   منتدى مطر العودة امتدادات العودة مختارات

إضافة رد
   
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  مشاركة رقم : 1 (الرابط)  
قديم 06-15-2009, 02:10 PM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 6,034
بمعدل : 12.62 يوميا

نقوس المهدي متصل الآن عرض البوم صور نقوس المهدي



المنتدى : مختارات
افتراضي علي احمد سعيد إسبر - ادونيس : نصوص مختارة


علي أحمد سعيد إسبر - ادونيس - شاعر القرن


لا وقت في بلادنا للوقت - أدونيس


- 1 –
تتقدم الأرجل أحياناً، فيما تتأخر الرؤوس.
كيف يقدر جسمٌ أن يوفق بين رأسهِ الثقيل وقدمه الخفيفة؟

- 2 –
«الرياءُ» ممحاةٌ تمحو «الرأي».

- 3 –
«الحاجة» طلبٌ لا ينتهي. كيف نحدّد ما لا ينتهي؟
وفي نشوء بعض الحاجات «أسرارٌ» يتعذر فهمها، وإن كانت «مكشوفةً».
لماذا الحاجةُ، مثلاً، الى «القتل»؟ سواءُ انبثقت من داخل «القاتل»، أو أُمليت عليه من خارج؟ خصوصاً أنها تبدو اليوم في العالم كله، وبخاصةٍ في العالم العربي الإسلامي كأنها ملحّةٌ و «محييةٌ» كمثل الحاجة الى الحب والعِلم، أو كمثل الحاجة الى الخبز والماء.
هل الإنسانُ «لغةٌ في القتلِ» – أعني هل هو «حاجةٌ بيانيةٌ للقتل»؟

- 4 –
سلطةٌ لا «ترى» إلا من يُعارضها.
ماذا ترى، إذاً؟
وقبل ذلك، هل تعرف سلطةٌ كهذه أن ترى؟

- 5 –
«مقهى الزوزو» في جبلة:
الشاطئ هنا اصغاءٌ متواصل الى كلام البحر.
غير أن البحر لا يقول إلا نفسه.
ومع ذلك يعبر الموجُ هنا بكامل جسده: فهو، في آنٍ، شاعرٌ وموسيقي، راقصٌ ومغنٍ، مهندسٌ ونحات. ما أبهج الجلوس في أحضان هذا الشاطئ.
لكن، ما أشدّ الالتباس الذي يغمره. انه التباسٌ يبدو فيه كأن الشيء هو الذي يُغيّر الإنسان. ويُغيره الى درجةٍ يبدو فيها الشيء، أحياناً، كأنه هو نفسه الإنسان.

- 6 –
من أين لبعضهم هذه «القدرة»:
لا يرى نفسه إلا «كاملاً».
في حضرة مثل هؤلاء، لا تقدر إلاّ أن تصرخ:
ما أجملكَ أيها «النقصُ»، وما أكملك.

- 7 –
التاريخ العربيّ، اليوم، كلامٌ يتعفّنُ في قفصٍ اسمه «المجد».
ركامٌ.
رواية مسلسلة، بليدة وخانقة.
هكذا، كلَّ صباحٍ،
يترك لك الليلُ، عند وسادتك، طبقاً فارغاً اسمه النهار.

- 8 –
حقاً، عندنا نحن العرب:
لا وقت للوقت.

- 9 –
«حصين البحر»، البلدة التي تنتمي الى جغرافية الإبداع الذي أسس له سعد الله ونّوس وحيدر حيدر، ويتابع هذا التأسيس أصدقاؤهما الكثيرون، شهادة عالية تنضاف الى شهاداتٍ سبقتها (جبلة، ومرمريتا، وتلك القرية – القصيدة التي «ابتكرها» الشاعر الصديق الراحل محمد عمران، وجُسّدت في مهرجان السنديان) -.
أقول هذه كلها شهاداتٌٌ على أن الفن، شعراً وغناءً، تصويراً وموسيقى ونحتاً، يقاوم تشيّؤ الإنسان، سواء تمثّل هذا التشيّؤ في التمذهب، سياسياً ودينياً، أو في الخضوع لآلة التقنية. ذلك أنه تحررٌ من كل نشاطٍ نفعي، أدائّي. وهو، الى ذلك، طاقة استبصارٍ ونقدٍ لا تنطفئ. بينما «العقلُ» قابلٌ لأن يُروَّض، ويُحول الى أداةٍ للقبول والرضوخ والتسويغ، تماهياً مع «فن» التسلطِ والهيمنة.
التحية لمنظمي الملتقى الفني الأول في «حصين البحر»، ولجميع الفنانين الذين شاركوا فيه. والتحية لأهل هذه البلدة الذين فتحوا قلوبهم وبيوتهم لهذا الملتقى، كأن الفنّ، بالنسبة اليهم بصيرةٌ لا يكتمل البصر إلا بها. فأن نُبصرَ حقاً هو كذلك أن نستبصر.

- 10 –
قضبانٌ حديديةٌ رفيعة تنتظمُ في شكلٍ اسطواني: انها شبكته. صغيرة، ويكاد قعرها أن يطفو على وجه الماء. وضعَ في القُعر خبزاً أعاد عجنه بماء البحر. طعمٌ – طعامٌ لسمكٍ يتوقع، كما يبدو، أن يكون عشاءً له ولأصحابه. قوّة الخبز بطحالب التقطها عن وجه الصخر.
أكمل تجهيز الشبكة. تأكد من استعدادها لاستضافة الأسماك المسافرة الجائعة. حملها على دولابٍ من المطّاط، وأخذ يُدحرجُها أمامه، سائراً بها الى أحضان البحر. اختار مكاناً قريباً الى الشاطئ. غاصَ. وجّد المكان الملائم، فاستودعه الشبكة. طفَا ثانيةً، فيما كان الدولاب يتأرجح بين يدي الموج. أخذ الدولاب وخرج الى الشاطئ هادئاً كما لو أنه يُصغي الى صمتِ القضبان الحديدية الناحلة.
كانت طيورٌ صغيرة ورمادية اللون (أهي دُوريّ البحر؟) قد اغتنمت فرصة نزوله الى الماء، تلتقط فُتات الخبز، وها هي تفِرّ خوفاً منه، عندما رأته خارجاً.
يجلس الآن مع رفيقه، منتظراً ضيوف الشبكة.
كان الموج يتابع قفزه بين الصخور، لابساً ثياباً شفافةً من الزبّد، مُلتحفاً هواء البحر. بعيداً، كانت كُتلٌ من الزّبد تتدحرج على سطح الموج في أشكال قواربَ وأجسامٍ وأشلاء.
مضت فترةٌ، كنت في أثنائها أتابع التغيّر في وجه النارجيلة في مقهى حسان، في تلك الزاوية الفقيرة من كورنيش بيروت، فيما أتابع التغيّر في وجه البحر.
نزل الصيّاد ثانيةً الى الماء يستكشفُ الشبكة. يغوصُ. يطفو. أخرج الشبكة حاملةً ضيوفَها الأسرى. كان العدد قليلاً، غير أنه كان كافياً لإقامة وليمةٍ صغيرة.
أسماكٌ صغيرة ترقد هادئةً على الصخر.
ترفّق، أيّها الصخر.
من جــديدٍ، يكرّر الصياد تجهيز الشبكة.
من جديدٍ، يفتح البحر ذراعيه حتى لأولئك الذين ينهبون أعماقه. يأخذ الآن صَنّارته الحمراء الطويلة. يُهيئ الطعم ويلقيها الى البحر. ينتظر. يأمل. لا شيء.
لا صراع. لا قلق. المجهول هنا ليس عدوّاً. انه صديقٌ مُحتمل.
نورسٌ أمامه يترنّح وحيداً.
للأفق قدمان طويلتان يبللهما الزبد.
يغيّر الصيّاد مكانه.
تلتقط صنارته سمكةً صغيرةً لا تكادُ تصلحُ لكي تكون لقمةً لنورسٍ جائع، تائه.
غرُبت الشّمس.
غَرُبَ جمر النّارجيلة.
كلّ شيءٍ يغيبُ في الموج.


عن جريدة الحياة في 21/8/2008


توقيع نقوس المهدي


ومن لا يكرم نفسه لا يكرم



  مشاركة رقم : 2 (الرابط)  
قديم 06-15-2009, 02:16 PM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 6,034
بمعدل : 12.62 يوميا

نقوس المهدي متصل الآن عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : مختارات
افتراضي

عطر عُشاق ماتوا - أدونيس


1 - اقرأ - لا تقرأ إلا ما يُولِّد فيكَ شهوة الكتابة.

2 - جاء جسدها، غاب جسدها: بعض أعضائه شاهِدٌ لي، وبعضها شاهِدٌ عليّ.

3 - لبعض الآلهة في تقاليد شعوبٍ قديمة، أشكالٌ وأقنعةٌ حيوانية: أكان ذلك تعبيراً عن الوحدة مع الغيب، أم عن الوحدة مع الواقع؟ ولماذا يبدو فنانو تلك الشعوب كأنهم لم يكونوا يبتكرون إلا ما يخافون منه؟

4 - الأب ذلك الجَذْرُ الذي لا جَذْرَ له.

5 - تلبس الحداد؟ على اللغة العربية؟ على العروبة؟ على العرب؟ الأسود، في كل حال، يليق بهذا الزمن.

6 - ليس ما قُلته هو الذي يُحاصرك، بل هو ما لم تقله. قُلْهُ، لنرى ما يكون. ولماذا تختبئ الآن مما سيكشف عنك غداً؟

7 - متى تتجرَّأ على نَبْش العبث في ذلك القَبر الذي حفره الحب؟

8 - تنطوي حياته على أشياء كثيرة اعتقلها في داخله، وحال بينها وبين الحرية. منذ فترة، أخذ يُحرّرها تباعاً. اليوم، ندم على تحرير بعضها. مثلاً، ندم على تحرير معرفته بأشخاص كان يعدّهم أصدقاء.

9 - هوذا شخص لا يعمل على تحرير غيره، إلاّ هرباً أو خوفاً من العمل على تحرير نفسه.

10 - بقدر ما تزداد معرفة بالحياة، تشعر أن الحياة تزداد صعوبة وغموضاً: ما هذا السر الذي يُخيل للإنسان أن المعرفة نوع آخر من الجهل؟

11 - للزمان، هنا - في الحياة العربية، ميلٌ جارفٌ الى أن يُصبح مكاناً.

12 - ألَيْس هنالك حظٌّ لذلك النَّرد الغامض الذي يقرأ الحظوظ ويوزّعها؟

13 - لا يتوقف عن التفكير في الموت، لغاية واحدة: أن يُجدِّد الكلام على الحياة.

14 -قُل دائماً: لا. ربما لا تليق كلمة نعم، إلا بذلك الزائر الأخير: الموت.

15 - ليس للجماعات معنى، إلا بوصفها أفراداً.

16 - منذ أخذَ يعتزل الناس، بدأ يشعر أنه أكثر قرباً إليهم، وأعمق معرفة بهم.

17 - يُهاجمه السفر في عُقر دمه، وتهاجمه العودة في عُقر خطواته.

18 - لا يتحدث إلا عن التحول، ولا يمارس إلا الثبات: ليكن مخلصاً، على الأقل. لتلك الكلمة التي لا تُفارق شفتيه.

19 - غالباً، يُتيح سوءُ التفاهم تعميق الفَهْم لكل ما هو سيِّئ.

20 - يُعلن نفسه قائداً، ولا يستطيع أن يمشي إلا بخطوات الأشخاص الذين يقودهم.

21 - شاعرٌ لا يَقْتاتُ إلا بغبار الكراهية: هكذا، قَلَّما يُرى إلا ماشياً، حاملاً لسانه بين قديمه.

22 - كان ينبغي أن يموت في نهايات القرن العشرين. أو هكذا كان يأمل. ألهذا يشعر، اليوم، أنه ليس مُقيماً في القرن الحادي والعشرين، وأنه ليس موجوداً فيه، إلا بوصفه مُهاجراً؟

23 - عندما يمر وقتٌ طويلٌ لا يكتب فيه قصيدة، يطغى عليه الشعور بأنه مُسافر أضناه التعب، ويكاد أن يموت ظمأً.

24 - كلما دخل سريره لكي ينام، يطيبُ له أن يُردِّد في نفسه لنفسه: الحبُّ جسدُ الضوء والجنس عِرْقٌ في الليل.

25 - الإنسان قصبةٌ فريدةٌ وعالية لكتابة الأرض، فبأية غفلة يتحوّل الى مجرد حِبرٍ في محابر الغيب؟

26 - اطرح أسئلتك، وابحث عن الأجوبة في كل مكان، إلا في الكتب.

27 - الطفل الذي فيَّ مأخوذٌ أبداً بالتمرّد على الشيخ الذي هو أنا. وثمة، أيضاً، مشكلة: يعتقد هذا الطفل أن العالم لا يزال مثله، في المرحلة الأولى من طفولته.

28 - عالمٌ - يبدو له، هذه اللحظة، كأنه عربة تجرّها أحصنة الكآبة، عربة مليئة بعطر عشاق ماتوا.

29 - أمس، ابتكر قنديلاً، وهو، اليوم، يغارُ من ضوئه.

30 -رفّ من النوارس يتّكئُ على رؤوس الأمواج: هل يكتب رسالة الى الشاطئ؟

عن جريدة الحياة


توقيع نقوس المهدي


ومن لا يكرم نفسه لا يكرم



  مشاركة رقم : 3 (الرابط)  
قديم 06-15-2009, 02:21 PM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 6,034
بمعدل : 12.62 يوميا

نقوس المهدي متصل الآن عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : مختارات
افتراضي

جماليّة التحوّل - أدونيس


ما المعنى العميق الأساسيّ لحياة العربيّ، اليوم، في بدايات القرن الحادي والعشرين؟ جوابي، شخصيّاً، هو: تحويل التاريخ – أعني صُنعهُ في أفق التحولات الكونية.

ما تكونُ اللغة الفنيّة العربية في هذا الأفق؟ جوابي، شخصيّاً، هو: لغةٌ تحوّلت هي نفسها لكي تكون قادرةً على التّحويل. سأسمّي جمالية هذه اللغة جماليّة التحوّل.

التأسيس لهذه الجماليّة يقتضي، بدئيّاً، نقدَ الراهن السائد، ثقافياً وجماليّاً، لا في ما يتصل بالذات العربية، وحدها، بل في ما يتّصل كذلك بالآخر – علاقةً وسلطةً، معرفةً وكتابةً.

وهو يقتضي تِبعاً لذلك أن نُحدثَ قطيعةً مع كل ما يعرقلُ سيرنا في اتجاه التحوّل، أيّاً كان، سواء في مجال الأفكار والمعتقدات، أو في مجال الذوق والقيمة والكتابة. وربما كان علينا، في أثناء ذلك، أن نُبطِلَ ما يعدّه بعضهم قاعدةً لا تبطل، وأن نتجاوزَ أعرافاً وتقاليدَ ينظر اليها بعضهم الآخر، بوصفها مُسلَّماتٍ يقينيّةً لا تُمس.

إن تُخومَ الكتابةِ المتحوَلةِ المحوِّلة، لغةً وجماليةً، هي التخوَم القُصوى.
طبيعي، إذاً، أن يصطدمَ التأسيسَ لجمالية التحوّل بما هو سائدٌ مُستقر. يتمثّل هذا السائد المستقر في العلاقة بين المبدع، وهو هنا الشاعر، وما اصطلحَ على تسميتهِ بـ «الجمهور» من حيث أنه مستودعٌ لقيم التراث، وحارسٌ لها. ولئن شبهنا التراث بنهرٍ ينبعُ من الماضي ويتدفق نحو المستقبل، فإن انسانَ هذا الجمهور لا يرى من هذا النهر إلا الينبوع الذي يعتقد أنه يتبجّس منه. لا يرى المجرى، وما حوله، وتغيّرات الأرض والناس حول هذا المجرى. لا يرى أن هذا النهر انفصل، في جريانه، عن ينبوعه. صارت له، عِبر حركة الجريان ينابيعُ كثيرة، لم يعد نبعهُ الأوّل إلا واحداً بينها، جزءاً من كلٍ، ونوراً بين أنوار. والإلحاحُ على أنه النورُ الأوحد، أو النبع الأوحد، سيؤدّي به الى أن يُصبحَ مُجرّد شمعةٍ في ليل التاريخ المليء بآلاف القناديل الساطعة الآتية من جميع الأنحاء.

والحقّ أن حركة الماء الأول في هذا النهر هي نفسها تغيّرت. تغيّر كذلك الضوء الذي رافقها. فقد هذا النهر ماءَه الأوّل، بوصفه تحديداً ماءً أوّل، ودخلَ جارياً في لا نهايةٍ من الماء الذي يتدفّق من جميع الجهات. كان ماؤه في نبعه محدوداً، وفي جريانهِ عِبر التاريخ والأرض، أصبح غيرَ محدود. لم يعد هذا النهر، اليوم، بوصفه تراثاً، مُجرد رمزٍ للامحدود، وانما أصبح الى ذلك، يكتنزُ هو نفسُه هذا اللامحدود – يحمله، ويدلُّ عليه.

«الجمهورُ»، بالمعنى الذي أشرتُ اليه، كمٌ اجتماعيٌّ – ثقافيّ، وهو، بوصفه كذلك، القاعدةُ التي ينهض عليها النظام السياسيّ. وعلى هذا المستوى، وفي ضوء العلاقة الكينونية بين «الجمهور» و «النظام السياسي»، يمكن أن نقول عن «الجمهور» بأنه التجسيدُ البشري للنسقية النظريّة، أو المذهبية – النمطيّة. والنسقية – النمطية، أو السَّستمة، لكي نتشبّه بأسلافنا القُدامى في تعريبِ المصطلحات الفلسفيّة والعلميّة، إنما هي نظامٌ للتشويه: للتوكيد على بعض المظاهر أو الصفات، ولمحو أو إلغاء بعضها الآخر. وهي، إذاً، نقيض كاملٌ للذاتية والفرادة، أي للحريّة. وهي، تِبعاً لذلك، عدوّةٌ للبحث، والتساؤل، للتنوّع والتعدّد، للانفتاح والمغامرة، للتجريب والاستقصاء. انها انغلاق الفكر على نفسه. وانغلاق الشخص على معتقده. وانغلاقُ النظام على آليته. هكذا يكونُ دورُ السَّستمةِ أن تجعلكَ تؤمن، لا أن تجعلك تفكر. إنها هي الأخرى، نهيٌ وأمرٌ، طغيانٌ كامل. وهي إذاً دعوةٌ وعملٌ للثباتِ، ثقافةً وسياسةً. وطبيعي، إذاً، أن تتناقض، مبدئياً، مع التحوّل وجماليّة التحوّل.
بين جمالية التحوّل وجماليّة الثبات، يختار «الجمهورُ»، إذاً، هذه الثانية. وهي ما ينحازُ اليها ويختارها أهل السلطة. ذلك أن في الثابت ما يُطمئن، لأنه معروفٌ ومحدود، وفي المتحوّل ما يُقلق لأنه ليس محدوداً، وغيرُ معروف.

علينا هنا أن نتذكّر أنّ الكتابة العربية الفنيّة، وزناًَ ونثراً، كانت في التاريخ الثقافي العربي، طاقةً تحويليةً كبيرة، في إطارها وضمن حدودها. ولم تكن كذلك إلا لأنها هي نفسها تحوّلت، لغةً ومقاربةً للأشياء. نذكر، تمثيلاً لا حصراً، أبا نواس وأبا تمّام والنفري والمعرّي.

كانت كتابة التحوّل هنا تصدرُ عن ذاتٍ تحوّلت وفكرٍ تحوّل. غير أن النمطيّة – النسقيّة أو السَّستمة كانت من الهيمنة والطغيان على درجةٍ عاليةٍ بحيث أن هذه الكتابة لا تُفهم حتى الآن عند «الجمهور» ومؤسسات النظام السياسي، في سياق جمالية التحول، وانما تُفهمُ، على العكس، في سياق جماليّة الثبات. وتلك هي معضلة الكتابة الشعرية الحديثة. فلا يفهم جمالية التحوّل ولا يتذوقها إلا الشخصُ الذي تحوّل هو نفسه، من داخل، رؤيةً وفكراً وتذوّقاً. ولم يتحوّل «الجمهور» العربيّ، على هذا الصعيد الفنّي الخالص، لأسبابٍ تتصل جَذرياً، كما يبدو لي، بطبيعة السّلطة الإسلامية في نشأة الخلافة. فقد تأسست الخلافة، لا بوصف الإسلام تجربةً إنسانيةً روحيّة، حرّة ومتعددة، بل بوصفه نظاماً سياسيّاً سلطويّاً واحداً، شاملاً، وكُليّاً.

وإذا أدركنا أن اللّغة في أساسها ليست سهلةً، أو ليست تواصليّةً كالموسيقى والغناء، مثلاً، فإننا نُدرك معنى ثبات «الجمهور» على الثقافة التقليديّة المعروفة، المرتبطة عضويّاً بالنظام السياسي. نُدرك بالتالي سرَّ نفوره عندما يواجه كتابةً لا تأتلفُ مع قيم هذه الثقافة ومعاييرها الجماليّة.

والواقع أن المقارنة بين هذين القُطبين: المحدود الثابت، واللاّمحدود المتحوّل، لا تنحصر هُنا في انطباقها على نوعين من رؤية العالم، ونوعين من الكتابة الشعريّة، وإنما تنطبقُ كذلك على الفكر نفسه، والمصير نفسه، أفراداً وجماعاتٍ وشعوباً.

هناك، في هذا السياق، سؤالٌ لا بدّ من طرحه، أصوغه كما يلي: ما الحقيقة، أو ما نظام الحقيقة، اليوم، في الثقافة العربية السائدة؟ والجواب هو أَنّه نظامٌ يرتبط أساسياً بالدين الذي يرتبط أساسيّاً بالسياسة. وهو، إذاً، نظام تفسير وفقاً لقواعد موروثة معيّنة، وهو، بوصفه كذلك، نظامُ هيمنةٍ وسُلطة.

هكذا تتحول الحقيقة الى قانونٍ أو شرعٍ؟ وهذا ما يحول بينها وبين أن تُصبح عالماً داخليّاً، ذاتياً. ولا تكون الحقيقةُ حقيقةً بكامل المعنى إلاّ إذا صارت جزءاً حميماً من العالم الشخصيّ الحميم. أُضيف أن الإنسانَ في علاقته بالواقع، تُحرّكه طاقاتٌ لا شعوريّة وخلاّقة، تتيح له أن يخلقَ باستمرارٍ، وفي معزلٍ عن العالم الموروث، أشكالاً حياتيّة جديدةً، وأن يبتكرَ باستمرارٍ أنواعاً جديدةً من العلاقات مع الأشياء، وأن يطرحَ أسئلةً لم تُطرح من قبل – على كلّ شيء. هنا، وفي هذا المركَّب الحيويّ، المعقّد، تنشأ حقائِقُ أخرى، نبدو إذا أهملناها، كأننا نهمل الحياة نفسها، والإنسانَ نفسه.

إن في علاقة «الجمهور» بالحقيقة ما يذكّر بما يقوله ديكارت: «معرفة الحقيقة هي كصحّة النفس: عندما نمتلكها لا نعودُ نفكّر فيها». فهذا «الجمهور» فقدَ التفكيرَ في الحقيقة، منذ اعتقد أنّه امتلكها، مرةً واحدةً والى الأبد. غير أن فقدانَ التفكير في الحقيقة ونظامِها، إنما هو فقدانٌ للتفكير. بل إنه يؤدّي الى الاعتقاد بأن هناكَ تناقُضاً بين الفكر والحقيقة.
يتجلّى لنا، في ضوء ما سبق، أنّ «الجمهور» لا يأخذ من الشاعر إلاّ ما يعرفه مُباشرةً، أو ما يعرفه مُسبقاً، ويكون الشّاعر، هُنا، مُذكِّراً، أو يقوم بدور المذكِّر.

لكن، ما الإبداع؟ وأودّ هنا أن أكرّر جواب نيتشه: الإبداعُ إنجاب. إنه تجسيدٌ لصورة المبدع في مادّةٍ أخرى هي هنا مادة الكتابة. فالإنسانُ يُبدع ليؤكّدَ أنه يستبق: يشعرُ ما لا يشعرُ غيرُه، ويعلمُ ما لا يعلمُ غيرهُ. وهذا هو تحديد الشاعر، في المأثور النقدي العربي. ذلك أن الفعل «شعر» يعني، لغةً، كما جاء في معجم «لسان العرب»، عَلِمَ، وفَطِنَ، وعقَلَ.
وإذا أشرنا الى أنّ المشاعر تعني الحواسَّ، فإننا نرى أن المحسوس والمعقول، في الحدس الشعري العربيّ، وحدةٌ لا تتجزأ، وأنهما يلتقيان وينصهران، طبيعيّاً، في كلمة «شِعر».

عندما نترجم ذلك الى اللغة الجمالية نقول: إن الشِّعر، في الحدس العربيّ الأصليّ، يُعنى بما ليس معروفاً شائِعاً، أي بالمجهول. ونقول، استناداً الى ذلك، إن بلوغ المجهول أو الكشفَ عنه يقتضي من الشاعر أن يعبّر بطرقٍ غير معروفةٍ، يبتكرها هُو.

ولننظر الآن، اعتباراً واستبصاراً، كيف أن النسقيّة – النمطيَّة، أو السستمة المرتبطة بالنسقية السياسية، نظاماً ومؤسسات، - كيف أنها كانت على درجةٍ كبيرة من الهيمنة والقوّة بحيث عكست تماماً ما قالت به اللغة العربيّة، وما أكده الحدس الشعري العربيّ. فقد صار الشاعر يُحدَّدُ اليوم بأنّه الشخص الذي لا يجوزُ أن يشعر إلا ما يشعره غيره، ولا أن يعلمَ إلا ما يعلمه غيره. وصارَ فعل «شعر» نقيضاً لفعل «عَقَلَ»، أي نقيضاً لنفسه.

وتلك هي ظاهرةٌ ذات دلالاتٍ خطيرةٍ، متنوعة، يجب أن تدرسَ على حدة، وعلى أكثر من مُستوى.

يكتب الشاعر فينقل ما يكتبهُ من حيز الذات الى فضاءِ الواقع. تصبح كتابته مرئيّةً، كأنها مكان آخر له في بيت الواقع. وإذا فهمنا الواقعَ صيرورةً، فإنه يكون شخصياً، وما يكتبه الشاعر يدخل في الصيرورة. وهذا يعني أن الشّاعر ليس مجرد كائنٍ لذاته، وانما هو كائنٌ لغيره كذلك. فهو موجودُ، أوليّاً، خارج ذاته. لكن المسألةَ هي: كيف؟

أما قراءة ما يكتبهُ، فمسألةٌ ثانية. يمكن القراءة أن تقتل الكتابة، ويمكن أن تُعطيها حياةً إلى ما لا نهاية. ذلك يتوقف على مستوى القارئ والقراءة، وقبل ذلك على مستوى الكتابة.

ليس الشعر، إذاً، وفقاً لجمالية التحول ترجمةً لفكرةٍ أو لواقع. الشعر هو نفسه الفكرُ، وهو نفسه الواقع. وهو، بوصفه كذلك، محركٌ وليس ناقِلاً.
هكذا لا يتجلّى الفكر في القصيدة بوصفه موقفاً أو اتجاهاً إيديولوجياً، أو حِكَماً، أو آراءَ، وإنما يتجلّى بوصفه شُحنةً، أو طاقةً، أو بوصفه ضوءاً. الغناء نفسه في القصيدة ليس غطاءً للفكرة، بل سريرٌ لها. الفكرة في القصيدة توترٌ في اللغة، واشعاعٌ في الكلمات، وما حولها، وما وراءها.
ولئن كان للقصيدة معنى، فإن بداية هذا المعنى هي في استعصاء هذه القصيدة على الفهم في قراءتها الأولى. غياب هذا الاستعصاء شكلٌ من أشكال غياب الشعريّة أو الجمالية، أو هو دليلٌ على عاديتها وابتذاليتها.
هل يواصل القارئ قراءة هذه القصيدة الى أن يفهمها؟ إذا كان الجواب إيجاباً فهذا يعني أنّه قارئ حقيقي للشعر، وصديقٌ له. وإذا كان سلباً، فذلك يعني أنه قارئ لا يحتاج عمقياً للشعر، وأن الشعر هو كذلك لا يحتاج اليه.

في كل حالٍ، واحتراماً للمعرفة وللفن، لا يحق للقارئ أن يفترضَ استيعابَ قصيدةٍ من قراءةٍ أولى أنفق فيها من وقتهِ عشر دقائق أو عشرين دقيقة، وأمضى الشاعر في كتابتهما وقتاً طويلاً، أسابيعَ أو شهوراً، وضمّنها خلاصةً عن بعض حدوسه، وعن رؤيته للعالم والإنسانِ والأشياء. وقبل كل شيء، لا يحق لأي قارئ أن ينطلق في قراءته الشعر أو الفكر من يقينه أنه قادرٌ على فهم كل شيءٍ فهماً مباشراً، كاملاً وكليّاً. فمثل هذا القارئ لا يحتاج الى قراءة أي شيء.

إن جمالية التحوّل انقلابٌ في الكتابة يستند الى انقلابٍ في الرُّؤية، وفي الفهم، في التذوق، وفي التقويم.

هوذا أنا أمامكم الآن بوصفكم حشداً، جزءاً من «الجمهور» بالمعنى الذي تحدثت عنه. لكل فرد بينكم كيانٌ قائمٌ بذاته. وما ن أحدٍ بينكم يحلمُ كما يحلم الآخر. وما من أحدٍ يحبّ كما يحبّ غيره. وما من أحد يتألّم أو يبتهج كمثل غيره. الحميمُ خاصٌ ويستحيل أن يكون مشترَكاً.

إذا كتبتُ لكم جميعاً كأنكم شخصٌ واحدٌ، أو جماعةٌ واحدة، فأنا أختزلكم، وأمحو خصوصية كل منكم – أعني خصوصية الشعريّة. لا أكتبُ لكم، بوصفكم وحدةً، إلا المشترك العام بينكم. وهو، إجمالاً، سياسي وطنيّ تحرري. لا أقول إن هذا ليس مهماً في ذاته، بل أقول إنه ثقافي عامر، معروفٌ، ومشترك، ولا أقدم فيه إلاّ ما تعرفونه مُسبقاً. ومعنى ذلك أن شعري هنا لن يكون إلا وسيلةً لنقل أفكاركم المشتركة، لن يكون إلا إناءً. وهذا بالضبط ما يُلغي شعريّته.

مهمتي، إذاً، بوصفي شاعراً أن أعمّق تجربةً، لا أن أنقل رسالةً لكم تكتبونها أنتم. مهمتي أن أخلقَ مناخاً للحميم، الخصوصي، المتفرّد. وكما أنني أكتب لكي أزداد فهماً لنفسي وللعالم، فإن القارئ يزداد هو الآخر، في تقاطعه مع كتابتي، فهماً لنفسه وللعالم. لا أنقلُ له ما يعرفه، وإنما أقذف به الى جانبي في مجهول العالم. وتلك هي البداية في التأسيس لجمالية التحول.


* نص محاضرة ألقيت في مسقط، في 7 شباط (فبراير) 2009، ضمن البرنامج الثقافي لمهرجان مسقط ‏2009‏‏

عن جريدة الحياة


توقيع نقوس المهدي


ومن لا يكرم نفسه لا يكرم



  مشاركة رقم : 4 (الرابط)  
قديم 06-20-2009, 08:52 PM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 6,034
بمعدل : 12.62 يوميا

نقوس المهدي متصل الآن عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : مختارات
افتراضي

أدونيـــــــــــــــس

جَذْرُ السَّوْسَن
(قصيدة جديدة)





بيره مَه كرون

الجبلُ الشَّيخ في السُّليمانيّة يلبس عباءةً من الظلّ والضّوء ويلوّح للفرات.
أنظر إليه في ماء يتدفّق من جرار غيمٍ
ينزلق فوقه على سلالم من حبالٍ بيضاء.
أنظر إليه وأقرأ ذروات الأفق.
إن كنتَ صديقاً، فسوف يسبقُكَ منادياً: يا أخي.
هوذا يربّتُ على كَتِفَيْ أرضٍ تنبسطُ أمامي، وكلّ مكانٍ فيها عُرسٌ للجسد.
قلتُ له: أحبّ شيخوختي، غيرَ أنّني أشتهي الآن أن أعود طفلاً، أتعلّم كيف ألعب حقّاً مع الثلج والغيم.
وقلتُ لنفسي: أتخيّل، إذاً، خيمةً آخذ إليها قوافلي كلّها من الشعر والحبّ والصداقة، وأصطحبُ أشياءَ لا أسمّيها لكي تظلّ أسراراً أبعثرها في القرى والمدائن، حيث يرغبُ المعنى.
كنتُ قد استيقظتُ بين قافلةٍ من فراشاتٍ تلتهم رحيقَ الحقول. واستيقظَتِ الكلماتُ كمثلِ عاشقاتٍ فَكَكْنَ أزرارَهنّ: في هذه الكلمة يختبئ وادٍ، في تلك مَجْثَمٌ لكواسرِ الجبال. وتكمن في بعضهنّ أعشاشٌ لغرائب الأجنحة.
وكانت كلّ لحظةٍ إبريقاً لماء الشهوة.
مراراً، أخطأتُ في الأحلاف التي كنتُ أعقدها مع الهواء. وكان الهواءُ يخفّفُ عنّي هذا الخطأ، قائلاً عن نفسه: أحتاجُ إلى التشرّد والضياع لكي أُحْسِنَ الحبّ.
ألهذا أحبّ غالباً ما لا أعرفه؟ ألهذا أُسَرُّ، غالباً، عندما أسمع يقظةَ الجنون تسخر من وسادة العقل؟ ألهذا تكون، غالباً، ريشةُ السؤال عبئاً على عروش اليقين؟
لكن، ألَن تستسلمَ، أخيراً، إلى الحِبْر،
أيّها الشّرِسُ الشّفيعُ، أيها المستحيل؟


ii - عُمَري خاور

باكراً، كما ينهض الفجرُ من سريره، ويخرج لابساً معطفَ الشمس، ذهبْنا إلى حَلَبْجة. رافقتنا ذِكرى مرْشوشةٌ بسائلٍ كيماويّ، كنتُ أنظرُ إليها تلتهبُ في ذاكرة الحقول. رافَقَنا سحابٌ يتقطّع، ينفصلُ يتّصلُ، ويهبط كأنّه شهيقُ الرّياح وزفيرها.
وقلنا للهباء الذي تحمله ريحُ الجنوب: رجاءً، أَرْجئ هبوبَك.
الطريقُ بيوتٌ كمثل تضاريسَ في عَضَل المادّة. رأيتُ الطبيعة تغسلُ في هذه البيوت نهديْها وقدميها. رأيتها تتّكئ على العتبة. تُسدِلُ شعرَها الطّويلَ وتسلّم على أبنائها الغادين الرائحين.
الطّريقُ أطفالٌ يُزنّرون الشجرَ بأحلامهم.
الطريقُ جراحٌ نازفةٌ في هياكل التّراب.
الطريقُ صمتٌ تتقوّسُ فوقَه خاصرةُ الفضاء.
فجأةً حلبجة: عُمَري خاوَر -
سمعتُ الصورةَ. رأيتُ الأصوات.
وخِفْيَةً، كان الحجرُ يبكي.
وفي مسافةٍ تنكمِشُ في برعم زهرةٍ، بدت الشمسُ كمثلِ تجويفٍ أحمرَ في جسد النّهار.
وكانت الحقول أَسرّةً تنطرح عليها سلالمُ العذابِ، صعوداً إلى مجرّات الله.
عُمَري خاوَر -
رعدٌ في الحِسّ والمخيّلة، في الحدسِ والتّنفّس والنُّطق. هَولٌ يتمدّد على التراب
في أشكالٍ ومجسّمات يرتعش فيها الفلَك، ويتبلبل المعنى.
كيف يُمَسمَرُ الإنسان على دريئةٍ اسمها القتل؟
كيف تكون الجمجمة شعاراً للوطن؟
المعنى؟ من يقدر، من يعرف أن ينفخ في صُور المعنى؟
واختلط الموتُ بالحياة والتبس كلٌّ منهما عليّ. ورأيت الموتَ يدخل في تحوّلاتٍ
التبست هي كذلك عليّ -
موتٌ يقاتل الموت. موتٌ قمرٌ وشمسٌ في فراشٍ واحد. موتٌ ثقبٌ في جسم الموت. موتٌ يقظةٌ في الموت. موتٌ رئةٌ للحياة. موتٌ عيدٌ للموت. موتٌ قبور أطفال وقبور أنفال. موتٌ نردٌ. موتٌ دمية. موتٌ خريطة للمدارات. موتٌ حقلٌ وزرعٌ وحصاد. موتٌ ينبوعٌ في جبلّة الرمل. موت سلّمٌ للموت. موتٌ شاطئٌ. موتٌ شراعٌ ومرساة. موتٌ فرسٌ فارس. موتٌ سخريةٌ. موتٌ عناقٌ. موتٌ جالسٌ بين يدي طفل. موتٌ يستحمّ في بحيرة الدمع. موتٌ أسيرٌ آسرٌ، قتيلٌ قاتل. موتٌ فأسٌ وقيثار. موتٌ يرقص مذبوحاً. موتٌ يغنّي بالكردية، ويتذكّر بالعربية. موتٌ بغداد وإربيل في جبّةٍ واحدة.
من قال هناك مَهدٌ للحياد، والأشياءُ هامدةٌ فيه؟ الأشياء سواء كانت غباراً أو قمراً، وردةً أو سرّةً، أو كانت أفراحاً أو تباريحَ، تنام وتستيقظ في فراش البصر، وتحت غطاء البصيرة.
هكذا لا تنام حلبجةُ وإن خَيّلتِ النوم. دائماً شطرٌ منها يعانق أواخر الليل، وشطرٌ يعانق أوائلَ السّحَر. دائماً تطلع منها شمسٌ، وينشقّ فيها قمر. دائماً، ترافقها جوقةُ أشعّةٍ مما فوق النسيان، ومما بعد الحاسّة.
حَلَبْجةُ حقلُ موتٍ مسكونٌ بمحراثٍ اسمُه الحياة.
- كانت الكواكب تسير نحو أوجها، في عربةٍ تجرّها خيول الهواء. وكان الشجر يمسح الحزن عن وجهه بمناديلَ زرقٍ بيضٍ، فيما تتحوّل البراعم إلى أقلام تكتب المراثي لأطفالٍ احترقوا. آثرتُ ألاّ أفتحَ خزانة الأيام الملأى برسائل كتبتها نساء ذوّبتهنّ آلة الكيمياء.
- سياجُ الرمز حول المقبرة الجماعيّة يتفجّر صوراً
تنحني نجمة لكي تكتب اسمها على قبر امرأة.
تَغلغلْ أيها الشعر في تخاريم المكان،
تقلّب أيها الفكرُ في خفاياه.
ترك الموتُ أوراقه في دُرْج الزمن وائتمن عليها الريح.
أغلقت المقبرةُ دارها وأخذت تقرأ رسالة كنتُ كتبتها إليها.
- قبورٌ نُقش عليها: «يستطيع القصف الكيميائيّ أن يقتل كلّ شيءٍ إلاّ الحبّ».
- ماذا تقدر حلبجة أن تفعل من أجل بشرٍ يحملون أفكاراً بلا مناخٍ، ولا أبجديةَ لها؟
أفكارٌ تنخسف كمثل قصورٍ تهرّأت، والراياتُ خِرَقٌ لتنظيف الدبّابات والمدافع والطائرات. وها هي الشعوبُ اقتتالٌ، والقبائلُ أرزٌّ يُنثَر في المعسكرات. وليس في الأفق إلاّ سيولٌ من اللهب تتفجّر من أتون المذاهب.
وكلّ جمالٍ ملعون.
إنّه الحاضر يرنّ كمثل أجراسٍ ممّا قبلَ النّحاس.
إنه العصر تشنّجٌ لا يلد إلاّ الطُّغاةَ والغُلاةَ والشّتات.
صحيحٌ أنّ الريحَ تهبّ قويّةً، لكن يبدو كأنّها تهبّ دون أن تلامسَ أيّ شيء.
تعبر فوقنا، تعبر فينا، لا تصادف إلاّ الرمادَ والغبار. كأننا اللاشيء في يد الشيء.
وماذا تقدر حلبجة أن تقول لأولئك الذين يقولون:
يكفي لكي تغيّرَ العالمَ،
أن تغيّر ثوبك؟
- يقول عمري خاور: لا يكفي أن يكون لك شكل الإنسان، لكي تكونَ إنساناً.
- قولي داليا، كيف حدث أنّ قمر حلبجة اختبأ مرّةً بين نهدَي امرأةٍ كانت تُحتَضَر
مديرةً وجهها إلى قبّة الكون؟
كيف حدث أنّ الأشياء كلّها كانت تبكي كمثل الأطفال؟
داليا، لا بدّ للمرأة من أن تبتكر اسماً آخر لما يُقال له الواقع، ولما يقال له الوهم.
لا بدّ من أن تصنع سفناً ومراكبَ للحبّ تطلقها دون ربابنةٍ ودون أشرعةٍ في أمواج الحبر واللون.
- كيف أخرج من حلبجة؟
كان الشجر الذي احترق يصنع من رماده بيتاً للعشب.
في كلّ غصنٍ في كلّ شجرة،
شفتان تقرآن، وعينان تبكيان.
ورأيت الأبجدية الكرديّة تتطاير من الأنقاض والأشلاء، حرفاً حرفاً،
وصورةً صورةً،
كمثل ذرّاتٍ من غبارِ الطّلْع.
كلاّ لا تقدر القصيدة أن تقف على الورق لكي تحيي حلبجة.
لتقفْ إذن على جبين العالم.


iii - الأمن الأحمر

أبجدية التاريخ مرايا مكسّرة:
قطع زجاج تستغيث -
أطلبوا من العذاب أن يهدهد الطفولة،
أطلبوا من العطر أن يرسم خرائط الورد في أجسام النساء،
أطلبوا من العين أن تتوسّل النهار لكي يكتب تاريخ الليل.
وانظروا - في كلّ زاويةٍ من الأمن الأحمر
سؤالٌ ينعصر العراقُ بين أسنانه.
ممرٌّ رواقٌ تحيط بك، فيما تعبره، قطعُ زجاجٍ - مرايا بعدد الكُردِ الذين أنفلهُمُ
الطغيان:
مئةٌ واثنتان وثمانون ألف قطعة.
في سقفه تتلألأ خمسة آلافٍ من المصابيح بعدد القتلى الذين خلّفهم القصف الكيماويّ.
لم تعد بناية الأمن الأحمر، بفعل هذا الرّواق، مجرّد كهوفٍ تغصّ بأجسامٍ عُلّقت أو صُلِبَت أو مُزّقت. تحوّلت - صارت عملاً فنّيّاً لتمجيد الإنسان، ومنارةً لأخلاق العمل والنّضال.
كان الرواق ممرّاً مفتوحاً على العذاب، وصار اليوم، بفعل الفنّ، رواقاً مفتوحاً على الحريّة. وكلّ ما كان رمزاً للموت أصبح رمزاً للحياة: أدوات التعذيب، زنازينه، مكبِّرات الصوت، أجهزة التَّسجيل الصوتي التي تبثّ أصوات الأطفال والنساء والشيوخ، المدافع والرشاشات، إضافةً إلى هدير الطائرات.
وقال مهندس الرواق: لم يكتمل التسجيل بعد. وسوف توضع في الزوايا تماثيل وهياكل تقول: هوذا الطغيان والبطش، هوذا الدمار والعذاب. هكذا، تدخل الآن إلى بناية الأمن الأحمر، كأنك تدخل إلى بيت للفنّ.
- الكرديّ مبعثرٌ في الآخر (أذلك انتصارٌ أم انكسارٌ؟) سواء كان التاريخ هو الذي يبعثره، أو كانت القوميات والعصبيات والخرائط والسياسات.
- الكرديّ آخرُ لذواتٍ متعددة - عربية، تركية، فارسيّة (أذلك امتلاءٌ أم فراغ؟) كلٌّ منها تحاول أن تنفيه.
لكن أليس نفي الآخر نفياً للذات؟ أليس هذا النفي شكلاً آخر للموت؟
- لكن، ها هو التاريخُ - معموراً بالحبّ والعمل، يغيّر صورة المكان.


iv - ملكندي

ملْكِندي - تَنْبَعِث اصواتٌ من لا مكانٍ من الأمكنة كلّها. خرافُ رعاةٍ يقيمون في الظنّ، تغزل بصوفها الملوَّنِ الأبواب والواجهات. لا إشارة غيرُ قمرٍ لا يُرى، مع أنه يُشير ويتمتم.
خطواتٌ تأتي وتذهب على البلاط والترابِ تُفْلِتُ عُنوةً من براثن الحكمة العتيقة. وبين برج العذراء وبرج السرطان يوزّع الفلك أوراق الحظّ.
كلّ شيء يتدثّر بهباء مشحون بكهرباء اللحظة. أطفالٌ يعرفون كيف يعجنون الطائرات الكيماويّة بغبار أقدامهم، وكيف يرفعون رايات الصخب الذي يرفع راية اللعب. الطعام المفضّل هو دهن الزمن، والزمن مربوطٌ بخيوط تتدلّى من النسيج الأزرق السماويّ.
تكسر الشمس كرسيّها المتنقّل وتسير حافية القدمين. وكلّ شيء يركب قطاره متّجهاً إلى المحطّة الأخيرة: الليل.
ملكندي - أشباحٌ من حلب، أطيافٌ من دمشق كمثل شواهد لقبورٍ تتحرك في الفضاء.
والحركة ابنٌ ينتهي وأبٌ لا نهاية له. وثمّة عطرٌ يرشح من قوارير يباركها إسلام الفقراء. ترى نفسك هنا، وترى ظلالاً لها تلقيها غيوم الوسوسة. وغالباً يغريك جذبٌ سرّيٌّ لكي تحرّك يديك محاولاً أن تلامس طيفاً، أو تمسك بأكمام شبح. وتشعر كأنك الغابر والحاضر في ثوب واحد.
قيصريّة النّقيبِ القِبابُ الأبواب القناطر بساتين ألوان وخطوط. وليست الشوارعُ رجاءً ولا دعاءً. الشوارعُ أعيادٌ للمادّة تأخذك من زقاق إلى آخر، مصغياً إلى جسمك تتحرّك فيه أغصانُ غابةٍ اسمها الغبطة. عطّارون، ساحة الشيخ محمود أو ساحة السراي. كتبٌ يتصدّرها هيغل ونيتشه. وفيما تسأل عن النشر وحقوقه وحريّاته، يتغيّر المشهد: نساءٌ ينتثرن وردةً وردةً.
لكلّ نجمةٍ جدائلُ تتدلّى من حبلٍ غير مرئيّ. للأخت الكبرى، الشمس، خفٌّ أبيض صنعته يدٌ كردية، وبنطالُ جينز صنعته يدٌ أخرى. إجلس أيها الوقت على مقعدٍ، حجريّ أو خشبيّ، أو اجلس على بساطٍ صوفيٍّ أحمر. شهوةٌ هناك في حانوت مستطيلٍ تطوّق بأهدابها وردة الجنس. من حانوت آخرَ مدوّرٍ، تخرج روائح قرفةٍ ويانسون وأنواعٍ أخرى من البهارات والرياحين. سوقٌ تخفق فيها الأقدام كأنها تعجن طينة الأزمنة. صورٌ فوتوغرافية تتلألأ، أو تومئ، أو ترقص. جرائد ومجلات تملأ فراغاً يظلّ فارغاً. السماء مظلاّتٌ مثقوبة، والهواء يتأوّه على طيورٍ قُصَّت أجنحتها. أصواتٌ تبتلعها حناجر الممرّات.
إنها الحياة اليوميّة تحتضن جراحها، تكوّن دروبها وتعيد التكوين. ماءٌ عابسٌ يغيب في ماءٍ ضاحك. خطواتٌ تعثّرت تنبعث في خطواتٍ تثبت وتتقدّم. إنها شهوة الحياة تستوي على عرشها. لا نعم في المطلق، لا كلاّ. يمكن الكلامُ أن يكونَ جرحاً. يمكن الجرح أن يكون أفقاً. ضع رأسك على صدر الشمس. إنها الأبدية في هيئة سروالٍ فضفاض.


v - مقهى الشعب،

( عمر شريف محمد)
يستقبلك صاحب المقهى. مرحّباً كأنه يفتح صدره لاستقبال أحبّائه.
النرد، الدومينو، مثقفون، كتّاب، شعراء، فنّانون، صحافيّون، إعلاميّون، قرّاء.
أوركسترا واحدة وإن اختلفت اللغات.
قيثارٌ بأصواتٍ متعدّدة تتموّج بين المقاعد وفناجين الشاي.
على كلّ مقعد ذاكرةٌ تركت حزنها في العراء، في صدر شجرة أو في عنق يمامة.
يبدو الأمل خيّاطاً يفتق الليل ويرتق النهار. ويبدو الزمن صورةً تتململ منتظرةً معناها
لكي تنطبق عليه.
المقهى أكثر مما هو. مسرحٌ - اسمٌ آخر لفضاء آخر، تنحدر فيه على أدراج الذاكرة
صورٌ للشعراء الكُرد -
بابا طاهر الهمداني، الملاّ أحمد الجزيري، أحمد خاني، ملاّ خضر نامي، سالم، مولوي، الحاج قادر الكويي، مَحوي، بيره مرد حمدي، أحمد مختار، فائق بيكه س، نوري الشيخ صالح، عبدالله كوران، وآخرون ليس شيركو بيكه س آخرهم، فيهم وبهم تتفجر كوامن الطبيعة الكردستانية. فيهم وبهم يُقرَأ الكون بعين الجمال والرغبة والحبّ، أو يُرسَم بحبر الأنفاس.
وتذكّرنا كتّاباً يتحدّثون عن الثقافة كمن يسبحون في الكتب، ويقرأون في الماء.
وكنّا نمزج بين الظلّ والضوء: أيّهما الخبز، أيّهما الملح - فيما نتقاسم الرغيف الأخير الذي كان يخرج آنذاك من تنّور الأمل.
كان الدّخان كمثل شرطيّ يطارد الهواء. وكنت أتغلغل سرّاً في ذلك المقهى الخفيّ داخل المقهى -
رأيت كيف تزرقّ الركب ركوعاً على حصيرة الدقائق،
وكيف تُخرِجُ السماء عناكبها باسم المستقبل، في روايةٍ لبعضهم، لكي تبني بيوتها على وجه الحاضر.
وسمعت من يقول: ينبغي أن نبتكر سماواتٍ أخرى خارج السماء.
أعطنا شاياً يا محمّد وليكن شعبيّاً.
أخرج من المقهى. امرأةٌ عابرة، رجلٌ عابر:
جسمها مليءٌ بالعيون،
جسمه مليء بالطبيعة.
- هل الفراغ توهّمٌ؟ أليست لفظة الفراغ هي نفسها فارغة؟ أحسستُ كأنّ المقهى يطرح عليّ هذين السؤالين. وأجبت في نفسي:
- لا تعَيُّنَ لما لا تراه العين.
- كوابيس جنودٍ وكيمياء ترجّ تقاطيع المقهى.
- يمزج المقهى بين سلطة العمل وفتنة الكسل:
ألهذا لا ينام الكسل
إلاّ في أحضان عملٍ آخر؟
- يقول المقهى:
«أنا المدينة الباحثة عن نفسها أبداً،
وأنا فيها اللغة التي تلهو، لكي لا تلغو».
- إبريق الغيب في المقهى
ينكسر مسكوباً في شاي الواقع.
في المقهى/
وضعنا الموت في قفص، وأطلقنا طيور الحياة.
وقال صوتٌ مفرد:
إن كانت نوافذ المقهى ماكرةً،
فلأنّ الهواء يحتفي دائماً بتنصيب نفسه ملكاً عليها.
*
تلك اللحظة،
دخل التاريخ في الشاي. دخل في ماء الطبيعة، بعد أن كان قد دخل في ماء الحبّ.
تلك اللحظة،
كان التاريخ يتمرّد على عباءة القبيلة، ويحاول أن يصير بيتاً عالياً في مدينة الكون.
تلك اللحظة،
عقد التاريخ حلفه مع الفنّ،
وأخذ يبتكر الأجنحة.


vi – عينكاوا

أزمنةٌ أنظمةٌ شعوبٌ تاريخ أوراق إباداتٌ جيوشٌ
أنهارُ حكمةٍ مضايق برازخ أمثالٌ مواعظ رسومٌ
تماثيلُ هياكل قبابٌ مرايا صروحٌ شواهد
جراحٌ جسورٌ ملحٌ - دمٌ غرفُ قتلٍ تتنقّل بين شرايين التاريخ
كهوفٌ سُمّيت كواكبَ مزامير حدودٌ هِجراتٌ طرقٌ مدائن
منابر خطب أسوارٌ ذاكرة
وما ذلك الأفق الذي يعرجُ
- كأنه لا يزال يتنفّس السراب؟
- هذا كلّه
أجزاء وفواصلُ من مقدّماتٍ
عليكَ أن تتذكّرها فيما تتقدّم نحو عينكاوا.
كنت رأيتُ في أربيل، القلعة - المتحف، كيف تخلق اليد الكرديّة داخل المتحف مُتحَفاً آخرَ لجمالٍ برّيٍّ باهر، بسطاً وثياباً وعباءاتٍ وأشياءَ أخرى فريدة كثيرة ومتنوّعة. وكنت رأيت حديقة سامي عبدالرحمن الذي قتله العنف.
سلّمت فيها على تمثال الجواهريّ، وعلى نحّاته المهاجر سليم عبدالله. سلّمت كذلك على تمثال الشاعرة المؤرّخة مستورة أردلان.
متحفان - واحد في الهواء الطّلق،
وآخرُ حميمٌ،
يتعانقان في بهاءٍ باذخ.
التقيت في عينكاوا أهل الكنيسة وأهل الكتابة - سرياناً كلدانيين وآشوريين. وزرت مركزاً للصابئة المندائيّة.
أدهشني، خصوصاً، فيهم جميعاً أنهم لا يعيشون، لا يفكّرون، لا يكتبون، كما لو أنّ شيئاً لم يكن قبلهم. على العكس:
ما مضى،
ما هو حاضر،
ما سيأتي
وحدةٌ تتلألأ في وجوههم،
وفي كلامهم وفي حضورهم.
إربيل - عينكاوا:
الاختلاف المؤتلف -
السماء غيبٌ للحلم المشتَرَك،
والأرض بيتٌ ومدينة للعقل والعمل،
للجميع دون تمييز.
وخطر لي أن أتساءل: ماذا حدث، ماذا يحدث؟
هل التاريخ رجلٌ نائم، لم يمت، غير أنه لم يعد قادراً أن يستيقظ؟
أم هو امرأةٌ آسرةٌ،
لم يعد يعرف الفجرُ نفسُه أن يتحرّر من أسرها؟
حيّيتُ مار أفرام، وكنت قرأت أحيقارَ في قوله لابن أخته نادِن:
«خيرٌ لك أن يضربكَ الحكيمُ عصيّاً كثيرة، من أن يدهنَك الجاهلُ
بالطّيب».
«إذا وقف الماء دون أرض، أو طار العصفورُ دون جناح، أو ابيضّ الغراب كالثلج، فحينذاك يصير الجاهل حكيماً».
«لا تُطلق الكلمة من فمك حتى تروزها في قلبك، فخيرٌ للرجل أن يعثر في قلبه، من أن يعثرَ في لسانه».
- لماذا بدأت الذاكرة هي نفسها تعلّم القتل؟
لماذا أخذت الذاكرة هي نفسها تمارس القتل؟
- أيّامٌ تحوّم فينا وحولنا
كأنها طيورٌ عمياء.
- أفكارٌ -
جراحٌ عميقةٌ في رأس اللغة.
- بلادٌ كمثل خاتمٍ
في إصبع السماء.
- أفواهٌ مغلقةٌ بسلاسل ليست إلاّ كلمات.
- المطلقُ مسمارٌ ناتئٌ في جبين النسبيّ.
- لماذا تُغلق أيها المرئيّ،
أبوابَك في وجه أخيك اللامرئيّ؟
- ماذا يؤكّد لك أيتها اللغة، أنه لم يعد في ينابيع المعرفة
ماءٌ يكفي لكي يطفئ نيران الجهل؟
- يوماً ستثأر الكلمات من كتّابٍ
حمّلوها أفكاراً لا تليق بالأبجدية.
خرجنا من عينكاوا، ترافقنا موسيقى طالعةٌ من قدّاساتٍ يقودها مار أفرام. قال قدّاس:
يحدث أن تحبّ الوردةُ يداً قدّمت لها الماء،
يحدث أن يقطع الإنسان يداً قدّمت له وردة.
لكن يحدث أيضاً أن يتمرّد الباب على العتبة لكي يستقبل ضيفه الهواء.
وقال قدّاس:
إذا قدرتَ أن تتفيّأ ظلّ الفراشات،
فذلك يعني أنّك قادرٌ أن تطير بأجنحتها.
وسأل قدّاس:
ما اسم هذه الشرارة التي تخرج الآن من تلك الغيمة العربية،
وهل البرق أبٌ لها أو نسيب؟
شرارة تذكّر بذلك المساء عندما غسلت حوّاء نهديها
بضوء هلال في يومه الأوّل.


vii – مثاقفة

- من أين لك القدرة المتواصلة على الكتابة في واقع يلتهم القدرة حتى على التخيّل؟
- أكتب كما لو أنني أمحو عتَباتٍ، وأقتلع أبواباً.
- نعرف أنك تنفر من المكان في هذا الواقع. كيف تسوّغ مأواك فيه؟
- أقيم فيه كأنّي الصاعقة التي ترجّه أبداً.
- قل لنا إذاً أين يطوف عقلك؟
- في الأطراف القصوى، في لُجَج ما يختمر ويتكوّن، بعيداً عمّا يسود ويهيمن.
- وما المكان الذي يُسمّى الوطن؟
- كما يقول الفيلسوف الفرنسي عمانويل ليفيناس:
«الإنسان أكثر قداسةً من الأرض ولو أنها مقدّسة. أمام الهجوم على الإنسان، تبدو هذه الأرض حجارةً وخشباً».
- هل العالم مادّة اسمها الخطأ؟
- حتى لو كان ذلك صحيحاً، فمن الممكن تصحيح هذا العالم بالإنسان ـ هذا الكائن الذي هو نفسه معجون بهذه المادة، وليس هو نفسه إلاّ حفنة من التراب.
في الإنسان سرٌّ فريد هو أنه أبعد من حدود جسمه، وأعلى مما ينجبل منه هذا الجسم، خلافاً للشيء المحدود بما هو، وضمن ما هو. بهذا السرّ يصنع الإنسان نفسه، ويصنع الحضارة، ويغيّر العالم.
- إن كانت له كواكب ومدارات،
فلأنها تنحدر من سلالة جراحه.
- لفرحه عبقريةٌ خاصّة
لا تبتكر، غالباً، إلاّ الحزن.
- البيت يتهدّم -
يحاول غباره أن ينجوَ
طائراً على جناحَي فراشة.
- الحلم في الشعر ماءٌ
وفي الفكر وردةٌ.
- يصعد على سلّم الرّؤيا محفوفاً بالعتمة،
ويهبط مغموراً بالضوء.
- باب اللاشيء
مفتوحٌ دائماً على كلّ شيء.
- سأله الضوء:
«هل تسمع صراخي
عندما أخرج من رحم الشمس؟».
- الذاكرة كتابٌ مفتوح،
إقرأه إن كنت فرِحاً
وأغلِقْه إن كنت حزيناً.
- قال لأقفاله: أنت المحيطات،
وقال لأمواجها: خذي المفاتيح.
- يكتب كمن يزرع وردةً، لغاية واحدة:
أن يلبّي رغبة العطر.


viii – أنوثة

كان إيقاع قدميه - عَنَيتُ التاريخ، يعلو هانئاً حول صخَب فتياتٍ وفتيانٍ يقتحمون محيطات الرغبة.
زهوٌ آخر أن تفتحَ الأنوثة الكرديّة بيتها لأختها العربيّة، ولأختها السريانيّة ولأختها الصابئيّة المندائيّة.
زهوٌ آخر أن تتلاقى أطراف الأنوثة في العراق كما لو أنها بيتٌ لإيلافِ التعدّديّة العراقيّة، ضمّي إليكِ، إذاً، أيتها الأنوثة جسدَ الفجر، وقولي له أن يرسمَ وجهَك على ذهبِ الوقت.
مثلك أفكر في حياةٍ تؤاخي بين السماء والسرّة، وتجعل من الأرض سريراً للحبّ.
مثلك أقف على شرفة الكون حيث يضطرب القمر تحت أهدابك العاشقة، مثلك، أرى كيف ينسكب الزمن في موسيقى الدمع الذي لا يزال ينسكب حزناً على شقاء العالم، وأرى كيف ترسمين للمستقبل شرفاتٍ تتعانق فيها أطراف الأرض.
وسواءٌ أيتها الأنوثة الكرديّة، فقدت حبيبَك في كهوف الأمن الأحمر، أو في حقول حلبجة أو في قمم الجبال فأنت الوردة التي يتنشّقها الشعراء والعشّاق، وأنتِ الجراحُ التي يتسلّحون بها لمحوِ آلات القتْل.
وكنت رأيتُ في الجامعة قناديلَ ليست إلاّ وجوه فتياتٍ رأيت فيها ما يجمع تقاليدَ الماضي في حقائب تُقذَفُ إلى الفراغ حيث لا مكان إلاّ للفراغ والريح ولذلك الهباء الذكوريّ: ضلع آدم.


ix - عصف

ثمّة بشرٌ لا يزالون يقتلون البشرَ بدرهمٍ يسندُ عمودَ السماء، أو بسيفٍ يطيلُ قامةَ العرش. غيرَ أنهم يفعلون ما يفعلون كأنهم يحرقون الكهرباء بالقشّ، والرّعدَ بالريشة.
أو كأنّهم ينتزعون من قميص الليل أزراره الكوكبية فيما يُطلقون الرصاص على النجمة التي سمّاها الفلَكيّ العربيّ الزُّهرة.
وها هو الاحتمال كمثل ريحٍ عاصفةٍ تزعزع بيتَ الواقع، وتوشك أن تهدمه. من يقدر أن يتنبّأ بنيّة الرّيح؟ من يعرف ماذا تُضمر العاصفة؟
وتلك هي بيضة الزمن مضغوطةٌ دائماً بين الأصابع
ولا مفرّ من أن تنكسر: ما في البيضة غيرُ الإرادة -
الهباءُ للهباء،
والجَذرُ للجَذر
هنا وهنالك
في خطواتٍ على حبل العمل - ممدوداً
فوق هاوية التاريخ.
مَنِ الصديقُ في هذا العَصْفِ الذي يهزّ الخرائط؟
الصحراء واقعٌ، وليست الصخور ألفاظاً، وها هي الأيامُ رياحٌ تتلاقح.
المشهدُ حبرٌ لكلّ افتراضٍ ولكلّ احتمال، -
الهدهدُ ثائرٌ على سيّده،
وليست البومة الحكيمة عمياء.
بَنَتِ العواصفُ منازلَ هدّمتها. كتب الجسدُ نصوصاً مزّقها
وما هذه اللهجاتُ التي تهرول في شفاه الأيام جامحةً بين ثالوث المتوسّط المحيط الهادئ المحيط الأطلسيّ؟
الغسقُ يمجّد براءة الفصول. الفصول تتعثَّر بأشلائها فيما تمجّد براءة الشمس.
صقيع أفكارٍ يتغلغل في خطوات الشوارع. العابرون جراحٌ والزمن شظايا زجاجٍ والعالم سيلّوفان.
ربّما يحقّ لي أن أصغي إلى الأنوثة الكرديّة:
«كلاّ لن أفارقَ الأنوثةَ العربيّة في بغداد، ولن أحتضنَ إلا الضوء وصداقة الضوء».
ربّما يحقّ لي أن أفكر وأرفض أن تكون لي أفكارٌ خواتمُ
ربّما يحقّ لي أن تظلّ أفكاريَ امتحاناً لنفسي وللحياة والواقع.
لكن،
ينهض في مشاع البرازخ تورّمٌ يكسر فرجارَ النّظر ويهجم جالساً على بَرْدَعةِ حصانٍ ذرّيّ. تورّمٌ يتكدّس في طويّة العالم.
خذني إليكَ يا جذرَ السَّوسن، واسطعْ في خلاياي.
اللاّنهاية تستيقظُ في تَداخلٍ ضوئيٍّ مع الأنوثة، وتستبطن جسدي.
أعطني أيّها الصلصالُ، يا ترابَنا الحيَّ، أن أُبَسْتِنَ المسافات،
وأن أخالطَ عنّابَ السّرائر.
الحضورُ فيك فاتحة البصَر،
والغيبُ نرجسُ البصيرة.


x - نيلوفر

بين 14 و24 نيسان (أبريل) 2009
كان لي داخل الليل في السليمانية وإربيلَ ليلٌ آخر، ليلٌ كان يسبقني
دائماً -
يقفز من سريري ويخرج من النافذة
لكي يُمسكَ بزنّار الشمس،
وهي تنهض من سريرها.
كان لي ضوءُ قمَرٍ خفيٍّ يتيح لي أن أقرأ ما كان يكتبه النيلوفر في بحيرةِ الظنِّ، وأن أقرأ كلّ شيء حتّى تجاعيد العشب.
وعندما كان الأفق أمامي يرقص احتفاءً بالنباتاتِ وأريجِها الضائع في الحقول، كان هذا القمر يظهر لي بغمّازتين وشامةٍ على خدّه الأيسر. إنه القمر الذي يعلّم فتنةَ الكشف.
هكذا كنت أتذكّر كيف كانت تمتزج الطبيعة والأرض - الأمّ والسماء نفسها بلغةٍ أمٍّ تتمرّد بها الأنوثة على ضلع آدمَ لكي تتساوى بآدمَ نفسه، ولكي تدعو من جديدٍ نوحاً من أجل أن يعيدَ النظر في هندسة فُلْكِه، وفي وحْلِ طوفانه.
وكانت الكلمات الأولى التي تخرج من شفاه الأشجار والينابيع تتسلّق الجبالَ لكي تتنشّقَ الهواءَ الأوّل قبل وصولها إليّ. وكانت للبشر الذين التقيتهم وجوهٌ يمتزج بعضها بضوءٍ كأنّه الدّمع، ويمتزج بعضها بشررٍ كأنه يتطاير من جمر التاريخ.
وكان يُخَيَّل إليّ أنّ ثمّة صوتاً يسألني:
أنتَ، أيّها المترحّلُ، العارفُ لؤلؤَ المسافات،
أنت أيّها العابر الذي يستمسك بعروة الرّيح،
قلْ لي من أين جِئتَ، ومن تكون؟
الوقتُ إناءٌ ينضح بتاريخٍ يلتهم نفسه، بأشباحٍ لها قرونٌ من الرّمل
وأقدامٌ من الرّيح.
الوقتُ قصَبٌ يعطي سكّرَه للذرَّة، وجذورَه للغيوم.
وقتٌ -
قمَرٌ وشمسٌ في قَرنَي ثورٍ اسود.
كيف يتغيّر الوقت؟
علّقتُ نجمةً على رأسِ نخلةٍ تحيّةً لوردةٍ تسكن في أبديّة العطر.
وسوف أحاول أن أتدبّر أمري، في ما تبقّى:
أعلنت حرباً لا تنتهي بين اللانهاية واللانهائي.
نعم، أيتها اللانهاية،
سأقيم القطيعة مع بشرٍ تتقطّع حبالُ أصواتهم بين شفتَي
تاريخٍ كاذب،
ولن أخلقَ على صورتكِ إلاّ شيئاً واحداً:
الشّعر.
هكذا يُخَيَّل إليّ الآن، كأنني أتحوّل إلى جبلٍ تارةً، وتارةً إلى بحيرة.
وفيما يبكي صفصافُ الذاكرة حول الأنقاض، تهدر حولي، في كلّ مكان،مياهُ الولادات.

(السّليمانيّة - أربيل - باريس، 14 - 30 نيسان 2009)


توقيع نقوس المهدي


ومن لا يكرم نفسه لا يكرم



  مشاركة رقم : 5 (الرابط)  
قديم 06-26-2009, 11:52 PM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 6,034
بمعدل : 12.62 يوميا

نقوس المهدي متصل الآن عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : مختارات
افتراضي

أَرْغَانا سبينوزا





-1-

أغادير، - كانت الشمس تنزل من عربتها على شاطئ الأطلسي. قلت لرأسي: إذاً، حررني منك، وأتركني الى جسدي. كان المحيط يفتح كتاب أهوائه، واضعاً خده على الرمل. كان الرمل نسيجاً من خيوط ذهب له عمر التاريخ. ولم يكن الموج كلاماً. كان موسيقى. وبدا المساء كمثل صيّاد يتهيّأ لكي يرمي شبكته. وبدت السماء امرأة تنحني لكي تمسك بأطرافها. رأيت زرقة المحيط في ثوبٍ ليليّ تكتب قصائد لا عناوين لها. وسمعتُ الموج يُوشوِش مخيّلتي:

«صيّاد من أغاديرَ،
سأل الحوتَ عن يونس.
أنْكَر أن يكون ابتلَعَه:
لم تره عينايَ، فكيف يراه جَوْفي؟
تساءَلَ الحوت».

وفيما كنت أسمع، كان يُشبّه لي: ليس في أغادير غير فينيقيا.

-2-

أغادير: سياحةٌ باذخة. كلّ سائح واجهة شفافةٌ لغرب أخضر. كلّ سائحةٍ حبّة بَرَكة.

مع ذلك، بدت لي السياحة قيداً، فيما كان السائح يبدو شُعاعاً. دواءٌ داءٌ؟ رُبّما سأبقى طويلاً لكي أعرف أن أُصالح بين هذين القطبين.

سائحون – لغاتٌ أخرى تتلاطمُ في حنجرة أغادير. كنت، فيما أستكشفها مثلهم، أكثرَ مَيْلاً الى أماكن تتيحُ لي أن أقول: الجدارُ فيها غيمةٌ، والغبارُ فِضّة الريح.

-3-

سيارات الأجرة مسرحُ إيماءات: الإضاءة أشعّة شمسٍ كمثل ألسنةٍ طويلةٍ من الجمر. مثّلْ حبك، أيها الهواء. حرّض قدميّ على السير في القصبة – القلعة. هنا، تنهض المدينة الى زُلزِلَت، قبوراًَ، أكداساً من الحجارة كأنها إشاراتُ مرورٍ الى جنائِنَ تتدلّى من سَقْف الذاكرة.

كلّ حَجرٍ طيْرٌ. والرمادُ أفقٌ آخر.

وتلك هي الشمس – الأمّ. شمسٌ تسْكَرُ بجسدها. قَلّما تنامُ إلاّ في حضن إعلانٍ ضخْمٍ يُمَوْمِئُ العلاقة بين مدائن الجسَدِ ومحيطاتِ الرّغبة.

هُزّي إليكِ، يا سيّدة الفضاء، بجذع أغادير. أنتِ النيّرة، فمن أين لكِ هذه الريّبة التي تَلْتِهمُ عينيكِ؟

-4-

تَنْغَرِسُ أغاديرُ في خاصرة الأطلسيّ، وليس في جُبّتِها غيرُ الأجنحة. لخطواتِها أثارٌ لا تنطبعُ إلاّ على لَوح الضّوء. هكذا أتأكّد أنّ أجملَ الطُّرقِ إليها هي تلك التي لا تُرى إلاّ بعين القلب.

مرّةً. في الشارع، رأيت نجماًَ يتسكّع محدودباًَ في غابة الليل. مرّةً، قلتُ لزهرة شبه ذابلةٍ، أمام الفندق، تتّكئ على عمودٍ إسمنتيّ: ماذا تفعلين هنا؟ غيرَ أنّها لم تُجب. كانت تقرأ كتاب الماء. ومرّةً، حاولت أن أنقشَ اسمي على وجه مُحيطها. حطّ على كتفيَ اليُمنى هدهدٌ أرسلته بلقيس. نعم، بلقيس، لا غيرُها. وكانت تُومئ لي خيامٌ تَنزَلِق على بطن السماء ليست إلاّ شُهُباً.

-5-

رَمْلٌ مُبلّلٌ بدمع التاريخ، يسيل على خدّ المحيط. كانت يده ترسمُ طيوراً تقبل من جهةِ الصحراء. كانت يَدُ الصحراء ترسم طيوراً تجيء من جهاتِ المحيط: الزّبَد حِبْرٌ أبيض، والفضاء لوحةٌ لا تكتمل.

في اللوحة قوافل تترصّدُ لكي تقبضَ على الهواء. فيها حمحمة خيولٍ، وفيها بخورٌ وتمائِمُ لأرغانا سبينوزا، ولهذه حكومةٌ تترأسُّها الشمسُ وقطعان الماعِز.

-6-

قلت للمحيط: لستَ إلاّ ذكورةً طاووسيّةً. وها أنذا أوقظُ فيكَ أنوثةَ المادّة.

موسيقى أصدافٍ. تلال رَمْلٍ يرقصُ مُتسلّقاً على جبال الشمس. سرطاناتٌ تتعانق. سلاحِفُ تتكوكَب. أمواجٌ تلتهِمها الأسرّةٌ التي ترقدُ فيها. وما ذلك الحلزونُ الأخضر الذي نسيَ أن يُخبئ قَرنيه العاليين؟ فاجأتْهُ قبْضة الشاطئ وأسلمتْهُ الى اللّجّ.

- «مثلما تأخذُ قبضةُ الحاضر حلزون السياسة وتُسلمه الى زبد الواقع»، قالت صديقةٌ، وأسْتحضِرُ هذا القولَ، تحيّةً لها.

وقلت. تسألني الصديقة نفسها:

- «النار في كلّ صَوْبٍ. أين، إذاً، سَمَندلاتُ الحريّة، تلك التي تحوّل النار الى ماء؟»

-7-

زَغَبٌ، ولا أجنحة. صيّادون، ولا شِباك. هل عليّ، إذاً، كمثل غيري، أن أختم حياتي كما بدأتُها: أغرسُ في رأسي قرون الأبجدية، وأناطح الورق؟

-8-

أرغانا سبينوزا، - ذوقوا زيتها. من يذقْهُ يتحوّل الى بستانٍ أحمر، ويسمع في كلّ غُصنٍ تغريداً: «إن شئتَ أن تعرف المرأة حقّاً، تذوّق جسدَها. الجسد عِطرُ الرّوح. الجسدُ الفاتِحة والخاتمة».

-9-

رَقْصٌ، والفضاء حلبة الرقّص:

قُمْ، أيّها المحيطُ،
وارقص بقدميْ أغادير.

-10-

1- ذهبت الى أغادير (7 شباط 2007) بدعوةٍ من المركز الثقافي الفرنسي مع الصديق الشاعر الفرنسي أندريه فيلتير، للمشاركة في احتفال خاصّ بذكرى الصديق الراحل، الكاتب الشاعر جاك لاكاريير.

2- أقيم لي لقاء مع الطلاب في كلية الآداب، بجامعة أغادير. شعرت هذه المرة، أن المناخ السياسي – الثقافي تغيّر عمّا كان عليه سابقاً، في أوساط الطلبة. فهم الآن، يطرحون أسئلة تذكّر بالغليان الإيديولوجي في جامعات المشرق العربي، في سبعينات القرن المنصرم. نزعة إسلاموية، نزعة أمازيغية، تنضافان بقوة الى لوحة النزعات القديمة. غير أنني لاحظتُ أن ثمّة شيئاً من القبول الضمني بين هذه النزعات جميعها، بضرورة الاعتراف بالتنوع، والتعددية، وإذاً، بالعلاقات والحوارات الديموقراطية مما كنّا نفتقده في المشرق العربي.

3- «أرغانا سبينوزا» هو الاسم «العلمي» لشجرة الأرغانييه (Arganier) أو شجرة اللون البربري، كما يعرّبها «المنهل». وتتميز هذه الشجرة بأنها لا تنبت في أيّ بلد في العالم إلاّ في المغرب العربي، وفي مناطقه الجنوبية، وحدها. يستخرج من ثمار هذه الشجرة زيت يعرف بخصائصه الصحية الكثيرة، والمتنوعة. وأغادير من المدن التي تُشتهر بها.

-------------------------------
المصدر : الحياة



توقيع نقوس المهدي


ومن لا يكرم نفسه لا يكرم



  مشاركة رقم : 6 (الرابط)  
قديم 06-30-2009, 10:48 PM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 6,034
بمعدل : 12.62 يوميا

نقوس المهدي متصل الآن عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : مختارات
افتراضي

شذرات لكي أغالب اليأس
ادونيس





حدود


يقول بعضهم: هناك في الكتابة حدود لا يجوز اختراقها. أو هناك «ثوابت» لا يجوز المساس بها.
ومعنى ذلك أن على الكتابة العربية، فكراً وأدباً، أن تظل دائماً داخل هذه الحدود.
لكن، هل تقدر مثل هذه الكتابة أن تقدم للقارئ إلا مزيداً من البعد عن الحقيقة، وعن الواقع؟
وهل يمكن الكتابة المطوّقة بمثل هذه الحدود أن تكون عظيمة؟ أو أن تضيف شيئاً جديداً؟
و «تحديد» الكتابة أو «أسرُها» – ألن يكون أسراً للغة، وأسراً للإنسان؟

*

إفراط

الإفراط في فرض اتجاه فكري على المجتمع لا يؤدي إلا الى الإفراط في التمرد عليه.
والأفكار التي تُفرض بالقوة، وتعمم بالقوة، لا تكون موضوع إيمان، بالنسبة الى معظم العاملين في حقول الفكر والأدب بقدر ما تكون موضوع خوف
هكذا تُهيمن شكلياً، وسطحياً. وتفقد فاعليتها ومعناها. الأفكار الخلاقة الفعالة هي التي تولد حرة، ويستجيب لها الناس بحرية، من دون ترغيب ومن دون ترهيب.

*

ابتذال

الأفكار الشائعة، المبتذلة، تبــــدو فـــي الظاهـــر كلية الحضور، غير أنها في الحقيقة كلية الغياب.
الأمثلة في الحياة العربية كثيرة جداً. نرتطم بها أينما توجهنا.

*

فروقات

هناك فرقٌ أساسيٌ بين العمل النهضوي العربي في القرن التاسع عشر، والعمل النهضوي (الثوري) في النصف الثاني من القرن العشرين. يتمثل هذا الفرق في أن الأول كان يدور، بعامة، على تحرير اللغة، العلامة الأولى على الهوية، مما يمتلكها، وممن يمتلكها بوصفها «إرثاً» خاصاً. بينما دار الثاني ويدور، على العكس، حول تملكها بوصفها «مُلكاً» خاصاً.
ولقد استحوذ النظام السياسي العربي في هذا العمل الثاني على كل ما هو خارج اللغة، فيما يُصارع لكي يستحوذ على اللغة نفسها – فلا شيء، اليوم، خارج سلطة هذا النظام إلا اللغة، جزئياً.
هنا تكمن أهمية اللغة الفنية، الشعرية خصوصاً، في وجهها التجريبي. ففي هذا الوجه ما يجعل اللغة متحركة، حرة، عصية على التملك، سواء كان سياسياً أو ايديولوجياً.
ويؤسفني أن أقول إن هذه اللغة شبه غائبة.

*

صحيح أننا لا نجد في الذائقة العربية السائدة، فكراً وأدباً وفناً، ما ينفتح على طاقات التجريب، أو يشجعها، ذلك أن التجريب يُضمر «المغامرة» و «الاضطراب، و «الخطر». فهو «حربٌ» باللغة على سُبات الأشياء والأفكار، تزعزعها، مخرجة إياها من مدارها «الهادئ»، «اليقيني». وهو كذلك» حربٌ» داخل اللغة نفسها. وهذه الذائقة تميل، على العكس، الى الهدوء، والطمأنينة، والتعقل. إنها ذائقة «حدود» ثابتة، و «قواعد» راسخة.
ألهذا لا نجد في العالم، اليوم، ثقافة موقنة، واثقة، كمثل الثقافة العربية؟
وهي ظاهرة ليست، في أية حالٍ، علامة قوة أو صحة.

*

سلطان الزمن

لا سلطان للزمن إلا على اسمه.
لا سلطان للزمن إلا على النوم.
كلا، لن أروّض رغباتي. سأقتحم هذه الأعالي، حتى لو كان إيكاروس وأشلاؤه طريقي إليها.
إنها الصخرة لا تزال صُلبة، وفي أوجها.
إنه سيزيف لا يزال يُدحرج موته الكريم.
ضُميني إليه، أيتها الكرة المنوَّرة، يا أحشائي.

*

امرأة

قلبها سابح في الفضاء، وقلبه مركبٌ جانح.
نطفةٌ من محيطها تكفي لكي تكون شراعاً آخر. هيّا، أيها المركب، انطلق.

*

قارئ/ قراءة

هل تُريد، حقاً، أيها القارئ، أن تنتهي القصيدة بين شفتيك فُقاعة في كأس، أو قشة في بحيرة؟ إذاً، أحتاج الى ما يفصل بين وجهك وبيني – سماء للنزهة، مثلاً، أو جنة – خزانة لثياب حواء الداخلية. وداعاً، مع انني لا أعرف أين أتجه (الأصل يجهل الأصل، فمن أين للظل أن يعرف الظل؟).
لكن، أعرف تماماً طريقي.

*

لا وحدة، إن كانت مجرد وسادة للواحد.

*

هل تثق، حقاً، أيها الحقل، بالغيم؟
هل تثق، حقاً، أيها الغيمُ، بالبحر؟

*

في الليل، في أثناء نومي، لم أتوقف عن القتال مع حية آدم. لا لكي أقتلها، بل لكي أقنعها أنها حيةٌ وليست امرأة.
لكن، لماذا لا أحاول أن ألهو معها، مرة ثانية، على الضفة الثانية من نهر المعنى؟

*

ثمة صراخٌ له وجه الموج.
وجِّه شفتيك وعينيك الى الأمام والأعلى، أيها الكوكب. تذكّر أورفيوس.

*

أصغيت إليك، أيها الغبار، وأُصغي. أضم صوتي الى صوتك وأهتف. نعم، تقدر حُفنة من الغبار أن تتمرد على قبضة الكون.

*

امرأة – عندما أنظر إليها،
تُقاتل يُسراي يُمناي،
وتغار عينيّ من عيني.




توقيع نقوس المهدي


ومن لا يكرم نفسه لا يكرم



  مشاركة رقم : 7 (الرابط)  
قديم 10-08-2009, 04:26 PM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 6,034
بمعدل : 12.62 يوميا

نقوس المهدي متصل الآن عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : مختارات
افتراضي

أدونيس
حجابٌ على الرأس أم حجابٌ على العقل؟


لمناسبة المشكلة المتواصلة التي تثيرها مسألة الحجاب في فرنسا، بخاصة، وفي البلدان الغربيّة، بعامّة.

- 1 -
مهما تعددت الآراء التي تَتّصل بظاهرة فرض الحجاب على المرأة المسلمة، فمن الممكن أن يقال عنها إنّها جميعاً مجرّدُ تأويلاتٍ. وهي، بوصفها كذلك، لا تُلْزِمُ أحداً غيرَ أصحابها. فليس هناك نَصٌّ قاطعٌ يفرض الحجابَ وفقاً لما يُريد الأصوليون الدينيون. هناك تفسيرٌ لبعض المأثورات. لكن، هل يصحّ، دينيّاً، أن يرتفعَ تَفسيرُ المأثور الى مرتبة التشريع أو القانون؟
في كلّ حالٍ، تبقى مسألةُ الحجابِ خِلافيّةً. فبأيّ حَقٍّ أو بأية سلطةٍ يفرض بعضهم تأويله الخاصّ على النّاس كلّهم، ويُجيز لنفسه أحياناً أن يستخدم العُنفَ من أجل ذلك، لا ضدّ المرأة وحدَها، وإنما كذلك ضدّ الأشخاص الذين يخالفونه الرأي، وضدّ المجتمع كلّه؟
ولئن كانت مسألة الحجاب قديمةً داخل المجتمعات الإسلامية التي هي، إجمالاً، مجتمعات غير مدنيّة، ويمكن لذلك تفهّم صعوبتها وتعقّدها، فإنّ موقف الأصوليّة الإسلاميّة في المجتمعات الغربيّة المدنيّة يثير مشكلاتٍ تُسيء الى المسلمين الذين يعيشون فيها، بوصفهم أفراداً، وتُسيء على نحو خاصٍ الى الإسلام ذاته، بوصفه رؤية للإنسان والعالم، للذات والآخر. فمن أبسط المبادئ أن يعرف المسلمون المهاجرون، خصوصاً أولئك الذين اكتسبوا جنسيات البلدان التي يعيشون فيها، كيف يقيمون حدّاً فاصلاً بين الخاصّ والعام، بين المعتقَد الشخصي، والقيم الاجتماعية المشتركة. إذ لا بُدّ لجميع المواطنين من أن يخضعوا لهذه الأخيرة، خصوصاً لمؤسساتها المدنيّة والتربوية. لا بُدّ من أن يعرف المسلمون الذين يتمسكون بالحجاب أن تمسّكهم هذا يعني أنهم لا يحترمون مشاعر الناس الذين يعيشون معهم في وطنٍ واحدٍ، ولا يؤمنون بقيمهم، وأنهم ينتهكون أصول حياتهم، ويسخرون من قوانينهم التي ناضلوا طويلاً من أجل إرسائها، ويرفضون المبادئ الديموقراطية الجمهورية في البلاد التي تحتضنهم، وتوفّر لهم العملَ والحرية.
إن عليهم أن يدركوا أن مثل هذا التمسك يتخطّى الانتهاكَ الى نوعٍ من السلوك يُتيح لكثيرٍ من الغربيين أن يروا فيه شَكْلاً آخرَ مِن أشكالِ "الغزو".

- 2 -
هناك زَعْمٌ بأنّ المرأة المسلمة في الغرب هي التي تختار الحجاب، وهي التي تضعه بملء حريتها. وهو زعمٌ يحتاج الى كثيرٍ من النقاش ليست هذه الزاوية مكاناً له. لكن عندما نرى في باريس، على سبيل المثال، فتياتٍ صغيراتٍ بعضهنّ لا تتجاوز الرابعة من عمرها، فهل يمكن أن نقول إنهنّ يضعن الحجاب بملء الحريّة؟ وما تكون حريّة طفلةٍ في مثل هذه السنّ؟
ولماذا لا يرى المسلمون الأصوليون المهاجرون في انفتاحِ بلدان هجرتهم غيرَ الوسائل التي يستخدمونَها لإعلان انغلاقهم وعزلتهم، وهجرتهم داخل الهجرة؟ إنهم موجودون في هذه البلدان بفضل انفتاحها ذاته. لهذا، عندما يفصحون عن معتقداتهم أو يمارسونها بالحجاب حيناً، وباللحية حيناً آخر، أو بهما معاً، فإنهم يعتدون على الإسلام أولاً، لأنهم يقزّمونه في هذه الشكلية السطحية، ويعرضونه على العالم في شعارٍ أو رمْزٍ يجعل منه مجرّدَ طقسٍ شَكْليّ. أهكذا ينبغي على المسلمين أن يقدّموا في هذا القرن الإسلام - هو الذي كان منذ قرونٍ عديدة، رمزاً للإبداع وللإشعاع؟ أفلا يعقلون أنهم في سلوكهم هذا "يحجبون" الإسلامَ نفسه، وأنهم "يُغَطّون وجهه"، وأنهم بذلك "يشوهونه" و"يخنقونه"؟
ثمّ إنّ هؤلاء الذين ينادون بفرض الحجاب، يمثلون أقليّةً بين المسلمين في الغرب، وبين المسلمين في العالم العربي كذلك. ولو وضع الحجابُ موضع اختيارٍ ديموقراطيّ لسقَطَ سقوطاً كاملاً. وبدلاً من أن تحترم هذه الأقليّة المسلمة في الغرب، الديموقراطية ومبادئها، تحاول على العكس أن تتنكّر لها، وأن تفرض رأيها بالقوة لا على المسلمين وحدهم، وإنّما على الديموقراطية نفسها. وهو موقفٌ لا أعرف كيف يمكن تسويفه أو الدفاع عنه، أو كيف يمكن أن يخدم الإسلام، أو أن يكون تعبيراً صحيحاً عنه.
إنه موقفٌ يفرض على من يدرسه بموضوعية ودقة أن ينظر الى أصحابه - لا بوصفهم متدينين أو رجال دين، وإنما بوصفهم سياسيين عاملين في السياسة. والحق أنّ جميع الوقائع تُشير الى أن هذه الأقلية إنما هي أقليةٌ سياسية، وعلى المسلمين والغَرْبيين أن يتعاملوا معهم، لا بوصفهم ممثلين للدين، وإنما بوصفهم مجرّد حزبٍ سياسيّ.

- 3 -
الجامع هو، وحده، المكان الذي يتميّز فيه المسلم، مفصحاً عن "هويته" الدينية، في الغرب، (وهذا ما ينبغي أن يكون في البلدان العربية كذلك). هو المكان الوحيد الذي يمارس فيه حقوقه الدينية كاملة. كل ممارسة خارجه، اجتماعية أو عامة، إنما هي عدوانٌ على القيم المشتركة. المؤسَّسة، وبخاصة التربوية، المدرسة والجامعة، مكانٌ مدنيٌّ عامٌّ ومشترك. مكان لقاء. مكانٌ مفتوحٌ للناس جميعاً. مكانٌ يجب أن تزولَ فيه العلامات الدينية الخاصة، الفارقة، أياً كانت. نضيف الى المؤسسة: الشارع، المقهى، المنتديات، دور السينما، القاعات العامة للمحاضرات والمؤتمرات. فظهور العلامات الدينية الفارقة في مثل هذه الأمكنة خَرْقٌ لمعناها والغاية منها. خَرْقٌ للانتماء الواحد، أو "الهوية" الواحدة المشتركة. رمزٌ لإرادة الانفصال. لرفض الاندماج. توكيدٌ على الهوية الخاصة المغايرة، داخل الهوية العامّة الموحِّدة. وفي هذا ما يُمثّل تحدّياً للشعور العام، وللذوق العام، وللثقافة العامة، وللأخلاقية العامة.
ثم إنّ التوكيد المظهري على الخاصّ في قَلْب العام، إنما هو نوعٌ من المَسْرحة أو العَرْض لا يليقُ بالدين. في أساس التجربة الدينية قيامها على الحميمية، على نوعٍ من الخفاء، على البساطة، وعلى الخَفَرِ والصّمتِ والانزواء، بعيداً من "المظاهر" بأشكالها جميعاً.
وإذا كان بعضهم يحتجّ بأن المرأة المسلمة تضع الحجاب، باسم حق الحرية الدينية، فإن هذا الحق محفوظٌ ومحترمٌ ما دام خاصاً، ويُمارَسُ في الإطار الخاص. أمّا إذا تجاوز ذلك، فإنه ينقلب الى تجاوزٍ - الى شَكْلٍ اعتدائيّ على الآخر، يتمثّل في عدم احترام آرائهِ وأفكاره ومشاعره. إضافةً الى الاستهتار بالمبادئ والقوانين العامّة المدنيّة، وبالجهود والتضحيات الكبرى التي قُدّمت مِن أجل تحقيقها.

- 4 -
عندما أمرَ بعض الخلفاء في العصر العباسيِ أن يضعَ غير المسلمين علاماتٍ فارقة لتمييزهم عن المسلمين، كان ذلك موضع استهجانٍ، عدا أنّه كان علامةً على التراجع والجمود. هكذا سُرعان ما أبطلته حركيّة المجتمع آنذاك. وإنه لمن الغرابة التي يتعذّر فهمها أن يُصِرّ بعض المسلمين في الغرب بأن يضعوا، بوصفهم مسلمين، علاماتٍ فارقة تميزهم عن أبناء المجتمع الذي يعيشون فيه. إنّ في هذا الإصرار إهانةً لتاريخهم، وحكماً عليه، وعلى ثقافتهم، وعلى حضورهم في العالم، حتّى ليبدوا للمتأمّل أن الحجابَ ليس مجرّد خَرْقٍ لقانون الآخر وثقافته، وإنما هو، قبل ذلك، امتهانٌ للذات، وشكلٌ آخر من الحياة - لكن في أحضان الموت.

- 5 -
أخلص الى القول بإيجازٍ إن التأويلَ الديني الذي يقول بفرض الحجاب على المرأة المسلمة التي تعيش في بلدٍ علمانيّ يفصل بين الدين والسياسة، ويساوي بين الرجل والمرأة، حقوقاً وواجبات، إنما يكشف عن عَقْلٍ لا يحجب المرأة وحدَها، وإنما يحجب كذلك الإنسان والمجتمع والحياة. ويحجبُ العقل. إنه تأويلٌ يمنح الحقَّ لكثيرين في الغرب أن يروا فيه عملاً لتقويض الأسس التي أرساها نضال الغرب في سبيل الحرية والعدالة والمساواة. وأن يروا فيه مطالبةً بإلغاء دور المرأة في الحياة العامة، الاجتماعية والثقافية والسياسية، مما يتناقض كلياً مع مبادئ الحياة المدنية في أوروبا والغرب.
إنه، الى ذلك، تأويلٌ يَعْملُ، في التحليل الأخير، على تحويل الإنسان والدين معاً، الى مجرد أدواتٍ في خدمة آلةٍ سلطوية يُديرها طغيانٌ أعمى.

(عن الحياة).


توقيع نقوس المهدي


ومن لا يكرم نفسه لا يكرم



إضافة رد


مواقع النشر
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
عبدالمنعم رمضان : نصوص مختارة نقوس المهدي مختارات 5 11-13-2009 02:32 AM
عبد الكريم العامري قصائد مختارة نقوس المهدي مختارات 0 06-10-2009 10:17 PM
عبد المقصود عبد الكريم : قصائد مختارة نقوس المهدي مختارات 0 05-30-2009 10:54 AM
خذ الكتاب بقوة - كتب وروايات مختارة نقوس المهدي المكتبة 40 05-19-2009 07:48 AM
ادونيس في امسية شعرية بالسليمانية - خاص بصرياثا نقوس المهدي أخبار ثقافية 0 04-18-2009 10:54 PM

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الساعة الآن 10:07 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.7.4, Copyright ©2000 - 2010