إن لكل زمان أسئلته التي تحدده، وتساير مساره.. وكلنا شعب وأمة معنيون بالإجابة عن هذا السؤال. هل لنا الحق في الاختلاف؟
كيف نجيب، واغلبنا ركبه استنكار عريض لأسباب يعرض حالنا، و حقيقتنا. فهل نحن فعلا مسؤولون عن زماننا، ومؤتمنون عليه؟.
لا أظن ذلك، ونحن نسلب كل يومن سلبا منسقا. وفي هذا السلب تضيع قيمنا وتمحى.. وبالتالي يسلب حقنا في الاختلاف.. والكثير منا لأسباب أصبح يعتبرها هذا واقعا محققا، ناسيا أنه أصبح واجبا ينبغي العمل به في هذا الواقع المتحقق.
إن التعددية القيمية لها أثر كبير في حياة الأمة. بوجودها تطيب الحياة، وبفقدها تفسد. ولو أن القيم الأساسية تكون متعارضة ومتصادمة فيما بينها. لان العلاقة التي تنبني عليها هذه القيم تتصف بالتغاير والتباين. ألم يتكلم ماكس فيبر عن تعقيل العالم، وخروج الإنسان من عالم مسحور إلى عالم بصير؟... والذي ساده شرك القيم؟، حيث غير الإنسان آلهته المتعددة إلى قيم متعددة. ومن هنا تسيب العقل وازدهر التصادم.
ويشير الدكتور طه عبد الرحمن في كتابه( الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري، ص: 57): << إلى أن الصدام يختص باعتماد العنصر الثقافي وتقديمه على السياسة والاقتصاد>>، وهذا ما دفع ب( سامويل هانتجتون ) على القول ب( صدام الحضارات)، و<< اعتقاد الغرب الراسخ بشمولية ثقافته وحضارته>>، وهذا ناتج عن تفضيل الغرب لقيمه ومؤسساته وممارساته، مع اعتبار أن ثقافته تختلف عن الثقافات الأخرى ، لاتسامها بالأنوارية، والعقلانية، والحداثة. وهذا أدى إلى التطابق بين الثقافة والأخلاق، وبالتالي نتج عنه التطرق الثقافي.
هذا التطرف ينبني على أغلوطات تعتبر الآخر إنسانا قشا، حيث إن الخصم يحرف أدلة خصمه عن مواضعها، ويخرج بها إلى نعان فاسدة لا يلبث أن تقدسها الأمة وتؤلهها.
إن الاختلاف الفكري ظاهرة صحية، خاصة إذا كان هذا الاختلاف يمس المفاهيم، والأحكام والقيم الاعتقادية والخلقية، والمعرفية. ولكن عندما يتحول على اختلاف فكري صلب، يتحول إلى تعصب ن وتسلطن يتغيى الإقصاء الفكري، والمصادرة. فكيف نقبل بالآخر ، وباختلافه معنا؟..
لا يكون ذلك إلا إذا كان الاعتراف به كإنسان وكأمة وكقيمة، وكفكر.... بعيدا عن الاغترار والتوقح. وهذا الاعتراف يدفعنا إلى تحمل أفكار الآخر، على وجه الصواب. فنجعل أكثر مفاهيمه دالة ، وأكثر أحكامه صادقة وأكثر قيمة نافعة، كما يقول الدكتور طه عبد الرحمن.
فالمساواة بين الأنساق الفكرية المختلفة، تتجاوز كل تصادم... فينشأ عن ذلك التسامح ن والتساهل في المعاملة والحوار ن والاعتراف بالرأي ، والمجادلة بالتي هي أحسن.. فهل لنا بعد هذا الحق في الاختلاف؟..//..