
06-18-2009, 02:23 AM
|
|
|
كاتب الموضوع :
نقوس المهدي
المنتدى :
مختارات
تابع ...
24 ـ منظر طبيعيّ 4
أرى خَللَ الرمادِ وميضَ نارٍ...
كأنّ سحابَ آذارٍ رخامُ المدافيءِ، والغروبَ الجمرُ. كان المساءُ
يُطِلُّ منسحباً قليلاً، ومنتظِراً...
أُحِبُّكِ!
أين أمضي؟
لقد هبطَ المساءُ الآنَ. طيرٌ وحيدٌ يختفي في كستناءِ الحصانِ
وفي البعيدِ أرى مياهَ البُحيرةِ كالرصاصِ...
أرى خيولاً تكادُ تغيبُ...
والغسقُ العميمُ استقَرَّ.
الليلُ أطبَقَ.
أين أمضي؟
لندن 9 / 3 / 2007
25 ـ منظرٌ غير طبيعيّ
هوائيُّ التلفزيونِ
وصحنُ استقبالِ العالَمِ والعِلْمِ
يُطِلاّنِ عليّ من الأعلى...
... ... ... ... ... ... ... ...
أنا في الغرفةِ
نافذتي واسعةٌ، والأستارُ تشِفُّ.
المطرُ الناعمُ، غيرُ المَرئيّ، يُبَدِّلُ ألوانَ القرميدِ ونبْتِ البيتِ
وأوراقِ الماغنوليا اللامعةِ،
المطرُ الناعمُ، مثل هوائيّ التلفزيونِ
يُطِلُّ عليّ من الأعلى...
ويحاولُ أن يجعلَني فرداً في مملكةٍ لعناصرَ لا أفهمُها...
... ... ... ... ... ... ... ...
أنا في الغرفةِ
أوراقي نائمةٌ، والجفنُ يرِفُّ.
هوائيُّ التلفزيونِ
سيأخذُ أهلَ الحَيّ جميعاً، وبلا مزمارٍ، نحو قرارِ النهرِ،
*
ولكني في الغرفةِ
أوراقي تتنفّسُ، والزانُ المتطامنُ في البستانِ يَرِفّ...
لندن 3 / 4 / 2007
26 ـ محاولة نظرٍ
كلما لاحتْ من البُعدِ البحيراتُ
رأيتُ الماءَ مخْضَرّاً، ومُزْرَقّاً،
رصاصاً مرّةً، أُخرى حليباً
واستلمتُ الصُّبحَ في صُرّةِ أوراقٍ
كلما لاحتْ من البُعدِ البحيراتُ
رأيتُ الماءَ مخْضَرّاً، ومُزْرَقّاً،
رصاصاً مرّةً، أُخرى حليباً
واستلمتُ الصُّبحَ في صُرّةِ أوراقٍ
وفي خيطِ لِحاءٍ يربطُ النافذةَ البيضاءَ بالماءِ البعيدِ.
الشمسُ قد تنتظرُ
السنجابُ قد ينتظرُ
اللحظةُ قد تنتظرُ
المرأةُ
والثعلبُ
لكنّ افترارَ الماءِ في تلك البحيراتِ التي تلمعُ
لا ينتظرُ
الماءُ في الشمسِ
وهذي الشمسُ في الماءِ
وآلافُ الخيوطِ ابتدأتْ تَغْزِلُ للماءِ ثياباً
لم أعُدْ أعرفُ لونَ الماءِ.
مَن يعرفُ لونَ الماءِ غيرَ الماءِ؟
مَن يعرفُ، حقّاً، أن يُسَمِّيْ؟
لندن 26 / 2 / 2007
27 ـ القاهرة 1
لم يَدُرْ في خاطرِ القاهرةِ الليلُ الذي نعرفُهُ...
إنّ سماءً أُثقِلَتْ بالنَّفَسِ الساخنِ آناءَ النهارِ
استسلمتْ لِلّيلِ كي تنسى قليلاً وطأةَ الأرضِ،
وكي تشربَ نوراً مُسْكِراً يحملُنا حتى الصباحِ الباردِ...
القاهرةُ
البيتُ الذي لم ينقسمْ بيتَينِ
والغصنُ الذي لم ينقصِفْ فَرعَينِ
والعَينُ التي تَنْعَمُ في بحبوحةِ الجَفنَينِ...
والقاهرةُ
المعنى الذي ظلَّ يُطِلُّ:
الوردُ والمِسْكُ
وغصنُ البانِ والشوكُ...
وتلكَ النعمةُ السابغةُ:
البسمةُ والنيلُ!
... ... ... ... ... ... ... ...
ونأتي القاهرةْ
مثلَ ما نأتي إلى جَدَّتِنا بعد طوافٍ خائبٍ
أيتُها الجَدّةُ:
كم أرهَقَنا العالَمُ!
يا أيتها الجَدّةُ:
ضُمِّينا إلى أحفادِكِ المنتظِرين...
لندن 27 / 2 / 2007
28 ـ القاهرة 2
ربما شاغلتْنا الجسورُ التي حملتْ عرباتِ الملوكِ عن النهرِ. أعمقَ كالرملِ
ينسربُ النهرُ، يبلغُ واحاتِ مصرَ البعيدةَ، حيث التواريخُ مكتوبةٌ باللغاتِ
التي تتناسى تواريخَها. النهرُ يدخلُ في وجنةِ الطفلِ طَمْياً وخِصباً، ويدخلُ
في نَهدَي البنتِ. يدخلُ من عتْبةِ البيتِ. مصرُ المعابدِ حيثُ التماسيحُ آلهةٌ
والملوكُ ينامون في الغُرَفِ المُذْهَباتِ وفي مَرْكَبِ الشمسِ. مصرُ التي لم تجدْ
ما تُسَمّى بهِ غيرَ مصرَ. انتبذْنا من الليلِ رُكناً قريباً من البحرِ. كانت
تماثيلُ من مرمرٍ غابرٍ تتراءى وترحل في الموجِ. كانت شفاهٌ تسيلْ.
لندن 27 / 2 / 2007
29 ـ القاهرة 3
حانة ستيلاّ
لم تكن حانةً.
ربما قبل قرنينِ كانت.
ورُبّتَما وُجِدَتْ قبلَ أنْ تُعصَرَ الخمرُ.
أعني كأن موائدَها
رُكِّبَتْ من ضلوعِ سفائنَ غارقةٍ من زمانِ البطالسةِ.
الضوءُ يدخل كالمتردِّدِ.
لا شمس َ
في مصرَ.
كان الزجاجُ القديمُ ثخيناً بفعلِ الترابِ الثخينِ.
الزوايا محدّدةٌ لذويها.
زوايا
السجونِ التي تتعتّقُ فيها الجواربُ.
ماذا؟
القبارصةُ ارتحلوا منذ قرنٍ،
ولكنهم يسكنون
القناني التي احتفظت باسمِهِم:
إنه القبرصيُّ. الشرابُ الذي يترنّحُ بين العَمى والبروقِ.
ولكنها الحانةُ
الحانةُ الحقُّ...
فيها انتظرْنا الزمانَ الجديدَ،
وفيها شهِدنا معاركَنا،
والقصائدَ تولَدُ مُشْرَبةً بالتمرُّدِ.
كنّا إذا ما ترنّحَ منتصفُ الليلِ، نرفعُ سقفَ الأغاني.
سيأتي إلينا المُغَنّونَ من كل فَج
عميقٍ.
ويأتي إلينا السقاةُ وقد أصبحوا الشاربِينَ.
بلادٌ مؤقّتةٌ بين منتصفِ الليلِ والصبحِ.
لا بارَ في الحانةِ.
البارُ يشبهُ أولى المتاريسِ.
حصنٌ حصينٌ له حارسٌ واحدٌ.
لن يمرَّ الهواةُ...
إذاً، فلنكنْ مثلَ من دخلوا حانةً.
ولنكنْ مثلَ مَن لم يرَوا حانةً.
نحن في البرزخِ.
الصبحُ جاءْ.
لندن 27 / 2 / 2007
30 ـ القاهرة 4
مقهى البستان
لا أعرفُ مَن سمّى هذا المقهى، "البستانَ"
ولا أدري سبباً...
أعرفُ أن المقهى يحتلُّ تقاطُعَ دربَينِ ذَوَي وِرشاتٍ للميكانيك
وأكشاكٍ تَعرِضُ أضغاثاً متناثرةً بين السجّاد وأجهزةِ الهاتفِِ
والخبزِ البلديّ،
وأعرفُ أن الفحمَ هو اللونُ هنا في هذي الزاوية الدكناءِ من العالَمِ...
أعرفُ هذا، وأُسائِلُ نفسي: مَن سمّى البلقعَ بستاناً؟
مَن جاءَ بما يفترضُ البستانُ: زهوراً، شجراً، وطيوراً، وإلخ...؟
الأشياءُ هنا متداعيةٌ
حتى لم يَعُد المرءُ ليأمنَ كرسيّا.
والشايُ هنا أسودُ كالفحمِ
إذاً أين البستانُ؟
... ... ... ... ... ... ... ...
أقولُ لكم: إن "البستان" هو الحُلمُ الأوّلُ بالبستان!
لندن 28 / 2 / 2007
31 ـ القاهرة 5
ستكونُ لي بيتاً
تلُفُّ رداءَها القطنَ المهفهفَ حولَ أضلاعي الرميمِ:
ألم تجيءْ لتنامَ؟
كم طوّفتَ في الآفاقِ حتى لم تَعُدْ تدري بأيّ سقيفةٍ انتَ!
البلادُ وسيعةٌ أبداً
وضيّقةٌ
وأنتَ تدورُ
كالخذروفِ أنتَ تدورُ
ترمي حبْلَكَ امرأةٌ إلى امرأةٍ إلى امرأةٍ
وأنتَ تدورُ
فلْتهدأْ!
أقِمْ حيثُ النواقيسُ الغريقةُ في مياه النهرِ
حيثُ الصبحُ شمسٌ
حيثُ اللوتُسُ الأبديُّ تمضَغُهُ الجواميسُ؛
اقترِبْ مني
ولا تجفَلْ
ألم تشعرْ بأن ردائيَ القطنَ المهفهَفَ حولَكَ؟
الأبقارُ في الوادي
وأنت على جلاجلِها تنام
لندن 28 / 2 / 2007
32 ـ القاهرة 7
النادي اليوناني
في حمّامِ النادي تسمع موسيقى اليونانيينَ
وفي الصالةِ تسمعُ أغنيةَ المصريينَ...
وفي الصالة تنعقدُ الأبخرةُ:
الأنفاسُ
دخانُ سجائرَ
سيجارٌ كوبيٌّ
حتى لكأنّ الدنيا تطفو في الغيمةِ... أولَ أيامِ الخَلْقِ.
وفي الصالةِ دمدمةٌ
في الصالةِ غمغمةٌ
في الصالةِ همهمةٌ
في الصالةِ لا تسمعُ حتى صوتَكَ...
في الصالةِ تنسى أنك في الصالةِ
تنسى أنكَ في النادي اليونانيّ!
لندن 1 / 3 / 2007
33 ـ القاهرة 6
"الدرب الأصفر"
حجرٌ قديمٌ يرتدي أبهى ملابسِهِ.
المساءُ يجيءُ مرتطِماً بأبخرةٍ، ومرشوشاً على الدربِ،
المقاهي في الرصيفِ
وأهلُها في الشارعِ:
التَّبِغُ المعسّلُ. شايُها. والفولُ أخضرَ يُثْقِلُ العرباتِ
تنتظرُ البناتُ الليلَ كي يُبْدِينَ ما يُخْفِينَ...
أطلبُ قهوةً سوداءَ.
يسألُني فتى المقهى:
أظُنُّكَ لستَ من مصرَ؟
الكلامُ يطولُ...
أطلبُ قهوةً أخرى، وأُصغي للفتى.
كان المساءُ يُقِيْمُ حفلتَه التي لن تنتهي إلاّ مع الصّبحِ.
الأغاني سوف تبدأُ...
ربّما من سحْبةٍ تُفْضي إلى دربٍ عجيبٍ...
قد يكون هناكَ
خلفَ ستارةِ المقهى!
لندن 28 / 2 / 2007
34 ـ عند شاطيء البحيرة
سأمضي في المساءِ إلى غصونِ البحيراتِ التي عَرِيَتْ، لَعَلِّي أرى بين الغصونِ
الريشَ... حتماً سَيُبقي الطيرُ لي خيطاً رهيفاً ألوذُ بهِ إذا التاثَتْ دَوانٍ علَيَّ، فلم
أجِدْ إلاّ حفيفاً أكادُ لهُ أُجَنُّ... أليسَ عندي سوى هذا الحفيفِ؟ أكانَ حُلْماً إذاً
ذاكَ السبيلُ؟ أكانَ وهماً؟ أَمِ الصَّقرُ الفَتِيُّ نأى بعيداً وخلَّفَ لي بقايا الريشِ ذَرْقاً
ونَفْنَفةً؟ أُحِسُّ الريحَ تدنو وتلمُسُ جبهتي: هدَأَ المساءُ الخَفِيُّ... اهدأْ! لَعَلّكَ
سوفَ تلقى عميقاً في مياهِ الليلِ صقراً يَرِفُّ! اهدأْ! وضَعْ تحتَ القميصِ الأناملَ...
هل تُحِسُّ رفيفَ صقرٍ؟
لندن 7 / 3 / 2007
35 ـ سعادةٌ
سعيدٌ في الصباحِ أنا...
الغيومُ الخفيفاتُ احْتَنَيْنَ علَيَّ، إني أسيرُ مظلّلاً بالغيمِ...
شَعري تَمَوَّجَ،
والقميصُ به نثارٌ من الطَلِّ
الحمامةُ سوف تأتي إليَّ بعودِها الريّانِ...
ضَوعٌ تَحَدَّرَ من سياجِ الآسِ.
كانت فتاتي هيّأتْ لي خبزةً...
يا رفيقي
هل نكونُ معاً؟
أنمضي سراعاً في الصباحِ إلى قطارٍ به راياتُنا الحمراءُ
تعلو ورشّاشاتُنا
والدينامِيتُ المُعبّأُ في صناديقِ الندى؟
مَن يُنادي:
من يجيءُ معي؟
... ... ... ... ... ... ... ...
أُنادي
رفاقي...
مَن يجيءُ معي؟
أُنادي...
لندن 9 / 3 / 2007
36 ـ حريرٌ ساخنٌ
مَرِّغْ عينيكَ وجبهتَكَ...
ادخُلْ في طيّاتِ حريرٍ لم تنسجْه يدانِ
وأدخِلْ هُدبَيكَ الجنّةَ.
أنتَ اللائبُ
واللاعبُ
أنتَ المتمرِّغُ في عشبِ الليلِ
المتحدِّرُ في السيلِ
وأنتَ المنجرِفُ، الضائعُ، في أمواجِ حريرٍ لا تهدأُ...
أنت، الآنَ، تحسُّ بأن رطوبتَها الساخنةَ التصقتْ بكَ.
أنت، تحسُّ بأنّ حريراً دبِقاً أوشكَ أن يجعلَ جسمَكَ نوراً وحريراً.
هل تتأكّدُ؟
هل تشعرُ أنكَ ناءٍ، تتفصّدُ؟...
هل تشعرُ أنكَ ناءٍ وسعيدٌ؟
ما أجملَها!
ما أجملَها من طيّاتِ حريرٍ نسجتْهُ، ورائحةَ الخمرِ القرويّ، يدانِ
إذاً، بَدَنان...
لندن 13 / 3 / 2007
37 ـ الأنفوشي
"منطقة شعبية من شاطيء الإسكندرية"
شِباكُ الصيّادينَ تجِفُّ على بضعةِ أطوافٍ وقواربِ صيدٍ
والقلعةُ تدخلُ في المشهدِ...
ثَمَّ سِقالاتٌ عند المسجدِ،
ثَمّتَ إعلانٌ عن موقعِ غوصٍ لسفائنِ نابوليون َ.
وأكوازُ الذُّرةِ المشويةِ تأتي ببيوتِ الفلاّحينَ إلى الشاطيءِ.
تأتي بقُرى الدّلتا.
لن يصلَ الكورنيشُ هنا...
الفتياتُ المصريّاتُ (بناتُ البلدِ) احْتَطْنَ بما يكفي.
الفتياتُ المصرياتُ منحْنَ الشاطيءَ حريّتَهُنَّ
منحْنَ الشاطيءَ حُريّتَهُ...
هذا الشاطيءُ للناسِ
فلا سوّاحَ هنا،
لا قوّادينَ هنا...
... ... ... ... ... ... ... ...
شمسُ المتوسطِ ناعمةٌ
وشِباكُ الصيّادينَ تجِفُّ...
لندن 10 / 3 / 2007
38 ـ العودة إلى البارِ الإيرلنديّ
كان البارُ الإيرلنديّ، وأعني حانةَ فيتزجيرالدَ
انتقلَ الليلةَ من دَبْلِن
كي يفتحَ ذاتَ البابِ الضيّقِ في لندن...
لي أن أحسَبَ كلَّ الأمرِ هُراءً
أو معجزةً؛
قُلْ ما شئتَ
ولكنّ البارَ هنا بالفعلِ:
مقاعدُهُ الخشبُ
العَتْمةُ في العُمْقِ
وأسماءُ زبائنِهِ
والزهرةُ تَنبتُ في رغوةِ بيرتِهِ السوداءِ
كأنّ كتابَ خيالٍ عِلْمِيٍّ أدخلَني مختبَراً
وكأني في أرضِ عجائبَ...
... ... ... ... ... ... ... ...
هل كان البارُ الإيرلنديُّ، هوَ، البارَ الإيرلنديَّ؟
أكنتُ الجالسَ حقّاً عند البابِ؟
وهل كان زبائنُهُ أشخاصاً بشراً؟
ومقاعدُهُ الخشبُ؟
هل كانت خشباً أمْ محضَ ضَبابٍ؟
هل كانت تلك الجدرانُ الملأى بالإعلاناتِ حوائطَ من قرميدٍ
أم كانت ورقاً في الريحِ؟
وتلك المرأةُ ذاتُ الثوبِ الأسودِ...
أهيَ الساحرةُ؟
*
الضوءُ الباهتُ يَبْهُتُ أكثرَ عندَ أريكةِ مالكةِ البارِ
ومن زاويةٍ لم أعهَدْها جاءَ الكلبُ الألمانيُّ الراعي بعصا،
من زاويةٍ أخرى جاءتْ فاختةٌ...
ثم أتى رجلٌ يحملُ أفعى تلتفُّ على يُسراهُ.
العَتْمةُ تشتدُّ
ومالكةُ البارِ تردِّدُ أغنيةً لقراصنةٍ غرقوا في مرجانِ الكاريبيّ...
العَتْمةُ تشتدُّ
الألوانُ تغيمُ
وعيناي تغيمانِ.
... ... ... ... ... ... ... ...
البحرُ بعيد.
لندن 28 / 3 / 2007
39 ـ كنيسة سان جون وود St. John's Wood Church
أوّلَ نيسانَ
دخلتُ كنيسةَ سان جون وُود...
زهورُ حديقتها تتألّقُ تحت أشعةِ شمسٍ فاترةٍ
ومَماشيها تتداخلُ والعشبَ النضِرَ،
الأطفالُ يدورون على أحذيةٍ ذاتِ دواليبَ مخبّأةٍ
وخدودُ الفتياتِ تدورُ مع الشمسِ كعَبّادِ الشمسِ...
وفي أوّلِ نيسانَ
دخلتُ كنيسةَ سان جون وود:
فلسطينياتٌ يتحدّثْنَ بأصواتٍ خافتةٍ
(خائفةٍ؟)
عن دِير ياسين...
قساوسةٌ يستمعون إلى القرآنِ
وأطفالٌ لا يبكون.
كنيسةُ سان جون وود تُشَيِّدُ دير ياسينَ عميقاً في الأرغُنِ.
... ... ... ... ... ... ... ...
في الثاني من نيسان
كان فلسطينيٌّ آخَرُ ينتظر الصَّلْبَ...
لندن 2 / 4 / 2007
40 ـ جزيرة وايت
The Isle of Wight
في نُزْلٍ ذي غرُفاتٍ خمسٍ كانت تملكه فكتوريا الملكةْ
(الملكة فكتوريا المولودة في العام 1819 تربّعت على العرش البريطاني
أطول فترة في تاريخ هذا العرش، من 1837 حتى وفاتها في العام 1901.
اقترنَ عهدُها بالتصنيع، والتوسّع الاستعماري. كانت تقضي بعض عطلاتها
مع زوجها الأمير ألبرت في جزيرة وايت، هذه الجزيرة التي رأيتُها للمرة
الأولى يوم الأربعاء، الرابع من نيسان "أبريل" 2007)
سأردِّدُ ثانيةً، كالتلميذِ المجتهدِ:
في نُزْلٍ ذي غُرُفاتٍ خمسٍ كانت تملكُهُ فكتوريا الملِكةْ
غنّيتُ، وصاحبتي، أغنيةَ السعداءِ...
لماذا أُنكِرُ أني كنتُ سعيداً؟
ولماذا أُنكِرُ أني كنتُ وصاحبتي، زوجينِ، تماماً مَلَكِيَّينِ
كـ:
ألبرت وفكتوريا؟
ألأنّ كلاباً مُتَدَيِّنةً تستذئبُ في بغداد َ لتَحكمَها،
ولأنّ حماراً هَرِماً، لاثَ عمامتَه سوداءَ، ليَنْهَقَ في النجفِ؟
الصبحُ بَهِيٌّ
والشمسُ مواتِية، تنسجُ بالألوانِ جزيرةَ وايتْ،
وتمنحُ طيرَ التّدْرُجِ ريشَ الجنّةِ
تمنح خَدَّي صاحبتي ألَقَ الجنّةِ
تمنحُ كأسَ نبيذي لونَ الخَدَّينِ...
أقولُ: سعيداً كنتُ
وسوف أظلُّ سعيداً
ما دُمتُ أُريحُ الرأسَ على ريشٍ أبيضَ،
ما دُمتُ أوزِّعُ خبزي اليوميّ على طيرِ البستانِ
ووَزِّ البرْكةِ...
ما دمتُ أحاولُ أن أعرفَ سرَّ جزيرةِ وايتْ!
لندن 6 / 4 / 2007
41 ـ الصبّارُ في الحديقة المنزلية
يباغتُني الصبّارُ...
في كل نظرةٍ وملتمَسٍ ألقاهُ صُلْباً و لامعاً!
... ... ... ... ... ... ... ...
ويُقْلِقُني الصبّارُ...
أهجِسُ أنني ضعيفٌ وقد أنبَتُّهُ في حديقتي قويّاً كأكوازِ الصنوبرِ
ربما تَعاورَهُ ثلجُ الشمالِ
وربما تناوَبَهُ القَرُّ المُشِتُّ
وربما أمَضَّ بهِ بولُ الكلابِ
وربّما تناستْهُ مَن تهوى الزهورَ
وربما...
ولكنه الصبّارُ
صُلْباً ولامعاً يظلُّ
ومرأىً للحديقةِ
ملعباً وملتجَأً للعنكبوتِ
وقطرةً مخبّأةً للنحلِ،
بيتاً مقدّسا...
لندن 10 / 4 / 2007
42 ـ صباحَ السبتِ
جاؤوا، السبتَ، صباحاً
جاؤوا في حافلةٍ شبهِ مصفّحةٍ
جاؤوا بمناشيرَ مُدَوِّيةٍ، وبآلاتٍ، وحبالٍ
جاؤوا سبعةَ عُمّالٍ
جاؤوا سبعةَ أغْوالٍ
جاؤوا ثمِلينَ وقد حملوا عُلَبَ البيرةِ كالأزهار
جاؤوا بملابسَ خُضْرٍ شِبْهِ مُمَوَّهةٍ،
ووجوهٍ حُمرٍ
ونِعالٍ سُود
جاؤوا...
... ... ... ... ... ... ... ...
لم تستسلِمْ تلكَ السّرْوَةُ
لم يستسلمْ نقّارُ الخشبِ
السنجابُ
الطيرُ الأسوَدُ
لم تستسلم حتى الدّعْسوقةُ
(كانتْ جذلى بربيعٍ أوّلَ)
كان عليهِم أن يرتكبوا بترَ الأعضاءِ
وتمزيقَ الأحشاءِ
وتشريدَ السنجابِ
ونقّارِ الخشبِ
النملةِ، والطيرِ الأسودِ، والدعسوقةِ...
كان عليهم أن يحتفلوا بالقتلِ، صباحَ السبت.
لندن 21 / 4 / 2007
43 ـ في الطائرة بين نيويورك ولندن
* هل كنتما تتحدّثانِ معاً، بالفارسيّةِ؟
(كانت امرأةٌ مع مَن بدتْ لي أنها ابنتُها جِواري في المَمَرّ)
* أكنتما تتحدّثانِ معاً، بالفارسيةِ؟
تهمسُ لي: نَعَمْ.
وتُشِيحُ عني.
ثم تبحثُ في ذراع المقعدِ المكتظّ بالأزرارِ عن زرِّ الإضاءةِ.
قلتُ: إن الضوءَ ثَمّتَ.
انتبهتْ، ونبّهتِ الأناملَ، ثم راحتْ تقرأُ الأزياءَ.
(لا شكراً، ولا...!)
... ... ... ... ... ... ... ...
صمتتْ.
وقالتْ مَن بدتْ لي أنها ابنتُها:
"نَعَم".
وبكل لُطْفِ الفارسيةِ...
ثَمَّ ذبذبةٌ تُحَرِّكُ في الهواء الساكنِ، النبضَ.
الحديقةُ تلكَ... في أرباضِ شيرازَ
الجداولُ
والنبيذُ الأحمرُ الحلوُ...
القصائدُ تلكَ... والأفيونُ.
قالتْ مَن بدتْ لي أنها ابنتُها:
"نَعَم"...
*
هل كنتُ في نيويورك؟
لندن 4 / 5 / 2007
44 ـ بْرايتِنْ تحت المطر
Brighton under the rain
السماءُ التي لا تُرى
السماءُ التي لم تكنْ مثل هذا الحليبِ المُشَرَّبِ باللوزِ
تلك السماءُ التي قد فقدْنا أخيراً، كأنْ لم تكنْ قبلُ أيُّ سماءٍ
سماويّةٍ...
كيفَ يمكنُ أن ندَّعيها ولو لحظةً؟
كيفَ يمكنُ أن نفصلَ البحرَ عنها
وأن نَدَّعي أن في شاطيءِ البحرِ بحراً
وأنّ عليهِ سماءً؟
... ... ... ... ... ... ... ...
ضبابٌ على السِيفِ أبيضُ
حتى النوارسُ تَنقَضُّ في هيأةٍ من هُلامٍ.
مناقيرُها، وحدَها، صورةُ النورسِ الأبديّةُ...
والخبزُ فِرشاتُنا.
والفنادقُ تلكَ التي تتلاشى وقد أعلنَتْ أنها الكونُ
تسكنُ هذا البياضَ
وتمضي بهذا البياضِ إلى أن تكِلَّ العيونُ...
*
المساءَ انتهَينا
ـ وقد أنقذتْنا الأغاني ـ
إلى أننا داخلانِ إلى الغرفةِ...
بْرايتِنُ الآنَ أرختْ شراشفَها البِيضَ
أرختْ علينا شراشفَها البِيضَ
أرختْ علينا الجناح ْ.
لندن 10 / 5 / 2007
45 ـ الصمْتُ
لم تسمعْ موسيقى حتى الآن
(الساعة عاشرةٌ صبحاً)
لا المذياعُ
ولا القُرصُ المُدْمَجُ
لا الهاتفُ
حتى الهارمونيكا الألمانيةُ لم تلمُسْ شفتَيكَ...
وأشجارُ الدُّلْبِ انصرفَتْ عنها الريحُ إلى جهةٍ أخرى.
والساحةُ مقفرةٌ
والأغصانُ، وقد كانت مزهرةً دوماً بالطيرِ الصادحِ، قد عَرِيَتْ.
مطرٌ كان يَنِثُّ رذاذاً
مطرٌ ليس يُرى
مطرٌ ليس له صوتٌ...
وهوائيُّ التلفزيونِ، قبالةَ شُبّاككَ، يوشكُ أن ينحلَّ فيدخلَ في الغيمِ
(الساعةُ عاشرةٌ صبحاً)
لَكأنكَ، منذ الآن، تحاولُ أن تغمضَ عينيكَ
تحاولُ أن تدخلَ في نبعِ بياضٍ لَدِنٍ...
... ... ... ... ... ... ... ...
لكنّ أزيزاً كأزيزِ النحلِ الأمازونيّ تَدافَعَ في رأسكَ
كان أزيزاً حملتْهُ فَراشاتُ الأنديزِ إلى رأسِكَ
ناياتِ رُعاةِ القرغيزِ
أزيزَ الجُندُبِ
زاراً في جبلِ النُّوبانِ
وصَلْياتِ رصاصٍ في البصرة!
لندن 13 / 5 / 2007
46 ـ وَضُوءٌ
أمشي تحت المطرِ
القطَراتُ تسيلُ على قبّعَتي الجِلْدِ السوداءِ
وتلمُسُ وجهي بأناملَ باردةٍ...
كان شميمُ لُبانٍ وبَخورٍ يأتي من جهةِ الصفصافِ
بُحَيرةُ نيسانَ
دُخانُ المركبِ يعلو في الجوّ المثقَلِ نعسانَ
وئيداً
يتلوّى،
وأنا أمشي تحتَ المطرِ
الماءُ يُغَلْغِلُ أسراراً وخرائطَ من ورقٍ بُنِّيٍّ تحت قميصي القُطنِ.
الماءُ يُسَوِّرُني...
... ... ... ... ... ... ... ...
لن أفتحَ في وجه الماءِ مِظَلّةْ!
لندن 15 / 5 / 2007
47 ـ مُراقَبَةٌ
كان الرجل الأعمى يجلس في ركنِ الحانةِ
تحتَ جهازِ التلفزيونِ تماماً.
للرجلِ الأعمى وجهٌ نضِرٌ
ويدانِ، كباطنِ كفِّ القطةِ، ناعمتانِ
وكان أنيقاً في مَلْبسِهِ، شأنَ الفنانين الفقراءِ.
الرجلُ الأعمى كان يدير أصابعَه اللدْنةَ كي يمسكَ كأسَ البيرةِ محترَماً
وخبيراً،
ثم يعيدُ الكأسَ إلى موضعِهِ فوقَ مُرَبَّعِ بيرةِ Foster's
والحانةُ قد شرعتْ تصخبُ
والظُّهْرُ، هنا، رطبٌ ولذيذٌ...
والرجلُ الأعمى تحت جهاز التلفزيون تماماً ينصتُ للأخبارِ:
فريقٌ إيرلنديٌّ ضدّ فريقٍ اسكتلنديٍّ...
وفريقٌ... وإلخ...
كان اثنان من الروّادِ يقولانِ كلاماً عن مانشستَر.
هبَّ الرجل الأعمى، كالملدوغِ، يصيحُ:
سيخسرُ!
حتماً يخسرُ!
لم يسمعْه الرجلانِ...
فقد فتحا بابَ الحانةِ، متّجهَينِ إلى الشارعِ
لكنّ الرجل الأعمى ظلَّ يصيحُ:
سيخسرُ!
حتماً يخسر!
*
لم يضحكْ أحدٌ.
لم يسمعْ أحدٌ.
لكنّ الرجل الأعمى كان سعيداً.
كان يدير أصابعَهُ اللدْنةَ كي يمسكَ كأسَ البيرةِ
مرتشفاً، كالطفلِ، سعادتَهُ!
لندن 17 / 5 / 2007
48 ـ ثلاثةُ أيّامٍ
اليوم الأول
ربما كنتُ أنفِضُ عن هدْبيَ الثلجَ.
كان البياضُ العميمُ يساوي السماواتِ والأرضَ.
والنبْتَ والخَبْتَ.
ما كنتُ أقدِرُ أن أتمَيّزَ فارعةَ الدُّلْبِ عن دوحةِ الكستناءِ.
الطريقُ التي كنتُ أعرفُ لم تعُدِ اليومَ تلكَ الطريقَ.
المدى الأبيضُ امتدَّ وامتَدَّ حتى
توارتْ تضاريسُ قريتِنا.
قيلَ إن الثعالبَ قد تظهر الآنَ،
إن قطيعَ الذئابِ على عَتْبةِ
البابِ.
أرهفْتُ سمعيَ: وووووووووووو.
وأرهفتُ سمعيَ: ووووووووووو.
سوف أُوقِدُ ناري إذا عسْعَسَ الليلُ.
بابي حديدٌ.
وفُوَّهةُ البندقيةِ حِصْني الحصين.
اليوم الثاني
لم يَجِئْنا قطيعُ الذئابِ.
الرجالُ يقولون إن الذئابَ التي أتْخَمَتْها خرافُ المراعي
ستذهب نحو الكهوفِ القريبةِ.
قد تسألينَ: وأيّانَ تأتي إلينا؟
أقولُ لكِ الحَقَّ: إني
أراها هنا الآنَ.
إني أراها هنا تخْمِشُ البابَ.
هل تسمعين صريرَ المخالبِ فوقَ الحديد؟
وقضقضةَ العُصْلِ...
تلكَ النيوبَ التي سوف تنهشُ طفلاً لنا، أوّلاً،
قبلَ أن تغتذي
لحمَنا المُرَّ؟
لا تسألي، واهدأي.
هَيِّئي الخبزَ والماءَ والتينَ.
أغطيةَ الصوفِ.
صفَّ الرصاصِ. الضِّمادَ.
الذئابُ التي تخمشُ البابَ لن تدخلَ البيتَ.
حتى لو استعرَتْ بالجنون.
اليوم الثالث
أيُّ طَرْقٍ على البابِ؟
أعرفُ أنّ المخالبَ تخمشُ...
لكنني أسمعُ الطَّرْقَ يشتدُّ، حتى كأنّ المطارقَ تنهالُ.
أسمعُ ما يجعلُ
القلبَ يرجِفُ.
هذا هديرُ الرجالِ الأُلى استذأبوا، لا عواءُ الذئابِ.
اقفِزي أنتِ يا امرأتي، عبرَ
سورِ الحديقةِ، ولْتأخُذي معكِ الطفلَ.
باقٍ أنا. أتحصَّنُ بالنفسِ لا بالنفيسِ. فإنْ خُلِعَ البابُ
أو هُدِمَ البيتُ صرتُ الجدارَ الأخيرَ...
اذهَبي، أنتِ والطفلَ،
ولْتُبْلِغي كلَّ أهلِ القرى أنني في الكمين...
لندن 19 / 5 / 2007
49 ـ البازنِينُو The Dragonfly
يجيءُ مع الصيفِ، في أوّلِ الصيفِ،
مثل الفُجاءاتِ
في عالَمٍ ألِفَ الشمسَ غائمةً،
والجداولَ نائمةً،
والحياةَ احتضاراً طويلاً.
يجيءُ، وليس له غير أجنحةٍ كالمرايا الشفيفاتِ.
أجنحةٍ كفصولِ الطبيعةِ، أربعةٍ.
غير أنّ المرايا تشِفُّ إلى أن ترى النورَ
في عُمقِها البَضِّ يغدو خطوطاً من الوهمِ.
في الجدولِ، الماءُ منزلِقٌ.
والشجَيراتُ تلعبُ، مقلوبةً فيهِ.
هَفّةُ حُلْمٍ...
ويندفعُ البازنينو على الماءِ.
ليس على الماءِ.
ينزلقُ البازنينو على الماءِ.
ليس على الماءِ.
صار الهواءُ هو الماء.
والماءُ صارَ
هواءً.
ويندفعُ البازنينو، فتَرجِفُ تلكَ الشجيراتُ مقلوبةً.
ثّمَّ أجنحةٌ، كفصولِ الطبيعةِ، أربعةٌ،
تجعلُ الكونَ مرتعشاً.
تجعلُ الكونَ ما لم يكُنْ أبداً.
إنه البازنينو على اللوحةِ الهندسيةِ،
أزرقَ،
أبيضَ،
رؤيا زجاجٍ مَسيلٍ تطيرُ مع الريحِ.
والبازنينو
مع الريحِ،
أقوى من النّسرِ، أسرعَ.
والبازنينو له الحُلمُ وَكْنٌ.
سيصحبنا البازنينو إلى أن نريحَ رؤؤساً مُدَوَّخةً
فوق ريشِ المخدّةِ.
إذّاكَ يأتي لنا البازنينو،
فيأخذنا نحو نجمٍ بعيدٍ،
ويتركُنا في نديفٍ شفيفٍ ننام!
*
ليس للبازنينو كلام...
ليس للبازنينو مقامٌ، ولا منزلٌ.
ليس للبازنينو من الوزنِ ما تملكُ الريشةُ...
البازنينو هو المنتهى
حين تنعتقُ الروحُ من كل هذا الزِّحام...
لندن 24 / 5 / 2007
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* البازنينو بالدارجة العراقية الجنوبية، وهو اليعسوب.
50 ـ أغنيةُ صيّادِ السمك
يا صيّادَ السمكِ
صِدْ لي... ذهبيّةْ!
*
مع الفجرِ يصحو، ليُنصِتَ...
كانت سماءٌ خريفيّةٌ، وأوائلُ صيفٍ.
وكانت تحاورُهُ بالطيورِ، الصنوبرةُ.
الدُّلْبُ يبدو كئيباً. وفي المُرْتَبى
(جهةَ الشرقِ) بُرجُ الكنيسةِ.
في الغربِ كان مَمَرٌّ الحصا ينتهي
عند مقبرةِ الحملةِ الأستراليةِ. الجُنْدُ
يطوونَ تحت الترابِ النديِّ الخنادقَ والدمَ.
والأمّهاتُ اللواتي ارتحلْنَ يجِئْنَ
إذا عسعسَ الليلُ.
لم تولَد الساحةُ القرويةُ بَعْدُ.
السماءُ خريفيّةٌ.
*
يا صيّادَ السمكِ
صِدْ لي... ذهبيّةْ!
*
وهل ينثرُ، الآنَ، عُدَّتَهُ؟
ليس بينَ يديهِ الكثيرُ:
قميصُ ذوي الحطبِ الأستراليّ. خيطٌ طويلٌ دقيقٌ.
وصنّارةٌ. ربما شبهُ طَوّافةٍ تهجسُ النبضَ.
عينانِ لَمّاحَتانِ. وأُذنانِ
تعتبرانِ التقاسيمَ.
ليس لديه الكثيرُ،
ولكنه عارفٌ أبداً أن في القاعِ ما يُرتجى.
عارفٌ أنه كلّما أطلقَ الخيطَ قَرَّبَ ما يرتجي.
عارفٌ أنه عاجزٌ. أنه دونَ
معجزةٍ.
عَرَقٌ يتفصّدُ.
كانت أصابعُهُ تتوتّرُ مبلولةً.
يتوتّرُ خيطٌ رهيف.
*
يا صيّادَ السمكِ
صِدْ لي... ذهبيّةْ!
*
لماذا يرى الماءَ في غيرِ صورتِهِ؟
كان خيطٌ له حَدُّ موسى يشُقُّ الطحالبَ نصفَينِ...
يَفْرُقُ بينَ
الذي قد نراه، وذاكَ الذي لا نراهُ.
وكان على صفحة الماءِ مضطرَبٌ من
فقاقيعَ. والنورُ تلكَ الفقاقيعُ:
حمراءُ، خضراءُ، زرقاءُ، صفراءُ. دنيا.
بنفسجةٌ. قرمزٌ.
أيُّ رِعشةِ رؤيا! وأيُّ ارتباكٍ!
وفي البغتةِ البِكْرِ تلمحُ
ما يخطِفُ البصرَ...
الماءُ ينشَقُّ عن ذهبٍ!
*
يا صيّادَ السمكِ
صِدْ لي... ذهبيّةْ!
لندن 7 / 6 / 2007
51 ـ طبيعةٌ
أمشي إلى آخِرِ البستانِ
يَتبَعُني:
دُلْبٌ
وزانٌ نُحاسيٌّ
صنوبرةٌ...
ونخلةُ الهمَلايا القزْمةُ ارتعشتْ
وكَستناءَ الحصانِ.
الريحُ هادئةٌ
والغيمُ دانٍ.
كأنّ الضَّوعَ يَقْطُرُ...
لكنْ ليس من مطرٍ حتى الدقيقةِ هذي
ليس من مطرٍ.
لكنّ رائحةً سِرِّيّةً نجَمَتْ في بغْتةٍ:
قطرةٌ أُولى
فثالثةٌ...
... ... ... ... ... ... ... ...
وفي قميصِكِ ظلَّ الطَّلُُّ ينهمرُ.
لندن 13 / 6 / 2007
52 ـ مساءُ البُحيرةِ
أمسِ
عندَ البحيرةِ...
كان المطرْ
دافئاً
ناعماً
مثل ملمسِ جِلْدِكِ بعد السباحةِ في البحرِ
(أذكرُ بوّابةَ المتوسِّطِ.)
فكّرتُ فيكِ قليلاً
وأقسمتُ فوراً:
لأَستعْجِلَنَّ القطارَ المسائيَّ!
لكنني، مثلَ ما تعرفين، كسولٌ...
نسِيتُ القطارَ
وفكّرتُ فيكِ كثيراً،
وأدنَيتُ وجهيَ من صفحةِ الماءِ
أرقَبُ كيف تعودُ مياهُ السماءِ إلى بيتِها...
كيف يولَدُ هذا المساء.
لندن 13 / 6 / 2007
53 ـ إحساسٌ غامضٌ
أستيقظُ في الليلِ، على ما لا أعرفُ كيف أسَمِّيهِ؛
بطيئاً
مقروراً
أستيقظُ...
لا صوتَ لأُرهِفَ سمعاً!
كان الليلُ حقيقياً
وثقيلاً،
حتى أشباحُ الأشجارِ زَواها الليلُ فما عادتْ أشباحاً.
لكني أهجسُ...
أهجِسُ أن هنالكَ شيئاًما
ريشةَ فاختةٍ
خطفةَ سنجابٍ
أو حُلما.
كان هواءٌ مختلفٌ في الغرفةِ...
هل بدأَ المطرُ الأوّلُ في طرَفِ الغابةِ؟
هل هبطتْ أُولى القطراتِ على أعشاشِ البطِّ البَرّيّ؟
وهل تشربُ أغصانُ الماغنوليا ما مَلأ الأزهارَ الآنَ؟
الليلُ يهدهدُني
يُدخِلُني في ما لا أعرفُ كيف أُسَمِّيهِ
ويتركني
لأنامْ...
لندن 15 / 6 / 2007
54 ـ كلامُ الفتى البريء
يتوهّمُ القرّاصَ نعناعاً،
ويدخلُ في محيطِ الغابةِ السوداءِ، أجردَ
ليس يحملُ غيرَ مَلْبسِهِ:
قميصِ القُطنِ
والنعلِ الذي حفرتْهُ أشواكُ الطريقِ...
وكان يقولُ إن سُلالةَ الأشجارِ واحدةٌ
وإنّ الماءَ يمنحُها صفاتِ الماءِ
أنْ تحلو
وأن تعلو...
وكان يرى السماءَ بِمَلْمَسِ الأعشابِ
والمرجانَ في لونِ الحصا
واللوزَ في اللبلابِ...
كان يقول إذا ادّنَى منه السحابُ كما روى أسلافُهُ الشعراءُ:
دانٍ
مُسِفٌّ فُوَيقَ الأرضِ هَيدَبُهُ
يكادُ يدفعُهُ مَنْ قامَ بالراحِ!
... ... ... ... ... ... ... ...
يتوهّمُ القرّاصَ نعناعاً...
لندن 5 / 7 / 2007
55 ـ تدريبٌ آخَر...
هل ترى الشجرةْ؟
بلبلٌ تحت كلِ وُريقةْ!
هل ترى الشجرةْ؟
... ... ... ... ... ... ... ...
أنت تضغط وجهكَ لِصقَ الزجاج إلى أن ترى دمكَ النزرَ ينفُرُ
أنت تحسُّ بلسعةِ ضوءٍ إلى أن تظنّ بعينيكَ بلّورتَينِ
وأنت الذي تغتلي
إذ تحاولُ أن تعتلي مُرتَبىً في التلالِ القصيّةِ
حيث الظِّباء سماويّةُ اللونِ.
لا تبتئسْ!
هل ترى الشجرةْ؟
بلبلٌ تحت كلِ وُرَيقةْ!
... ... ... ... ... ... ... ...
لن يكون المساء
مثلَ ما أنتَ
أو مثل ما تتوقّعُ...
سوف تكون النجومُ القريباتُ اكثرَ
والكونُ أصغرَ.
لن تضغطَ الوجهَ لِصقَ الزجاجِ إلى أن ترى دمَكَ النزرَ يَنفُرُ...
لن تحرِقَ البصرَ المتفاوِتَ في بؤرةٍ...
... ... ... ... ... ... ... ...
هل ترى الشجرةْ؟
لندن 8 / 7 / 2007
56 ـ أُمُّ قَصْر
سنُطْلِقُ من "أُمِّ قَصْرٍ" حمائمَنا
في خليجِ النوارسِ والطائراتِ المُغِيرةِ
نُطْلِقُها في خليجِ البوارجِ
والعارِ
والناقةِ الذهبيّةِ
... ... ... ... ... ... ... ...
لم يبقَ بَحّارةٌ:
قُتِلوا،
أو توارَوا خِفافاً بسعفِ نخيلِ القرى...
غيرَ أنّا سنُطْلِقُ من "أُمِّ قَصْرٍ" حمائمَنا
مثلَ ما انطلَقَ العيدُ
يومَ ركزْنا الرماحَ، وقُلْنا لهولٍ ألَمَّ بنا: يا هَلا!
نحن لن نُسْلِمَ المنزلا...
نحن نحفرُ في كلِ نسمةِ بحرٍ خنادقَنا والمقاهي العجيبةَ
نحفرُ في الماءِ أسماءَنا
ثم نأوي إلى جنّةٍ في القرار...
لندن 11 / 7 / 2007
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* أم قصر، ميناء بحريّ عراقيّ، قاومَ جنوده في 2003 مقاومةً مجيدةً.
57 ـ نبيذ سانت إيمِليون Saint Emilion Wine
ربّما ظنّني الناسُ بطرانَ:
ما سانتْ إيمليون؟
أنت الشقِيُّ الفقيرُ المُوَكَّلُ بالبصرةِ...
اخجَلْ قليلاً!
أهذا الذي جئتَ تحكي لنا، بعد كلِّ المذابحِ؟
عن سانتْ إيمِليون؟
حقاً، إذاً... أنت تسكنُ حاناتِ لندنَ!
*
صبراً!
ألم تعرفوا الجنرالَ الفرنسيَّ روجكوف؟
Rougecoff
كان في البصرةِ...
الجنرالُ الفرنسيّ روجكوف قد جاءنا من نخيلِ السماوةِ!
(أحكي عن الـ 91...)
كي يقطعَ الخبزَ والماءَ عن قَطَعاتٍ عراقيةٍ بين خَورِ الزبيرِ وسفوانَ...
والجنرالُ الفرنسيُّ روجكوف كان يحبُّ النبيذَ
وكانت له في المساءِ زجاجتُهُ:
سانتْ إيمليون...
*
أمّا أنا... الحارسُ الأبديُّ المُوَكَّلُ بالبصرةِ النخلِ
فالليلُ لي
ليلُ هذا السبيلِ العجيبِ
السبيلِ الذي ينجلي
في زجاجِ القناديلِ
في قطرةٍ من نبيذ...
*
على كاتب السطور أن يتدخّل الآن. ليس لأن النصّ اكتمل
بل لأنّ النصّ يبدو كأنه اكتمل. سيفرح أحدهُم ويقول:
ألم أُخبرْكم أن سعدي يوسف يقع في فخِّ اعتياداتِه؟
كاتبُ السطور يقول: الأمرُ حقٌّ. لكن سعدي يوسف
حذِرٌ أيضاً. بمعنى أن بمقدوره إنقاذَ سُمعتِهِ في اللحظةِ
الأخيرة.
*
هكذا سوف أسألُ نفسي:
وما شأنُ هذا النبيذِ الفرنسيّ؟ أقصدُ: ما أنا والأمر؟ إنْ كان
روجكوف يشربُه فلْيَكُنْ! ليس أمراً عجيباً...
نعودُ إلى أولِ القصةِ:
الشاعرُ احتاجَ أن يتدرّبَ. جاءَ النبيذُ. وجاءَ مع الكأسِ روجكوف.
جاءت إلى الغرفةِ الحربُ والبصرةُ...
الشاعرُ، الآنَ، يختنقُ.
الشاعرُ الآنَ يلهثُ: أينَ الهواء؟
*
كاتبُ السطور ِ يتدخّل ثانيةً:
هذا اليومَ، ذهبَ سعدي يوسف إلى أسواق تيسكو
TESCO
اشترى زجاجتي نبيذ سانت إيمليون بنصف السعر
Half price
(مصادفةٌ مَحضٌ)
وعاد إلى منزله بالضواحي ينتظرُ المساء.
*
عليه أن يحتفل بالرابع عشر من تمّوز...
لندن 13 / 7 / 2007
58 ـ صيفٌ بريطانيٌّ
بدأتْ قطَراتٌ صغارٌ تُلألِيءُ لوحَ الزجاجِ
وفي الجوِّ رائحةٌ من ترابٍ وماءٍ،
وثَمّتَ رعدٌ بعيدٌ...
أرى النملَ يبني متاريسَهُ في شقوقِ المَمَرِّ.
الحديقةُ هامدةٌ
لا الطيورُ تطيرُ
ولا الورَقُ الغضُّ يهتَزُّ.
آخِرُ بُقعةِ صحوٍ تلاشتْ مع الغيمِ.
رعدٌ قريبٌ...
وفي لحظةٍ
سوف يأتي المطرْ!
لندن 15 / 7 / 2007
59 ـ فِعْلُ حُبٍّ
أنتِ
مثلي
تودِّينَ ألاّ يطولَ الكلامْ.
تدخلينَ السريرَ
بأُبّهةِ الملكاتِ القديماتِ
فارعةً،
ثمّ ترمينَ تاجَكِ
كي يغمرَ الذهبُ، الشرشفَ الناصعَ.
الطيرُ يفتحُ منقارَهُ.
... ... ... ... ... ... ... ...
قطرةٌ من ندى
ويلينُ الرّخامْ!
لندن 19 / 7 / 2007
60 ـ الجارُ
الجنديّ المتقاعدُ
(شِبْهُ المُقعَدِ)
يجلسُ كلَّ صباحٍ، في كرسيّ تَمَدُّدِهِ
خارجَ بابِ البيتِ،
لكي يستافَ قليلاً ضوعَ البستانِ
ويَنْعَمَ بالشمسِ...
وكانت زوجتُهُ تجلسُ أيضاً لِتُقَلِّبَ أياماً
ومجلاّتٍ
وقوائمَ...
*
كان الجنديّ المتقاعدُ
(شِبْهُ المُقْعَدِ)
يُغْمِضُ عينيهِ قليلاً،
ليغادرَ هذا الكرسيّ
وهذا البيتَ
وزوجتَهُ أيضاً...
لِيُخَوِّضَ في غاباتِ الهندِ الصينيّةِ
في حقلِ الألغامِ.
*
اللُغْمُ التالي، منفجرٌ حتماً
في أحدِ الأيام....
لندن 19 / 7 / 2007
ثَبْتُ القصائدِِ
1 ـ هجران
2 ـ هديةٌ صباحيّة
3 ـ في البحر الكاريبيّ، في يوم ٍما
4 ـ وقتٌ ثقيل
5 ـ شهادةُ جنسيةٍ
6 ـ رياحُ الأطلسيّ
7 ـ الجحيم
8 ـ في أصيل غائم
9 ـ نهر الدانوب
10 ـ الشيوعي الأخير يقرأ أشعاراً في كندا
11 ـ مسرحُ دُمى
12 ـ مرحباً
13 ـ بعد عاصفةٍ مطرية
14 ـ قصيدة أخرى عن "باب سليمان"
15 ـ سأحاول ألاّ أقول شيئاً
16 ـ قصيدة مبتلّة
17 ـ في المهبّ
18 ـ الصورة الفوتوغرافية
19 ـ الحديقة السريّة
20 ـ اللقاء البعيد
21 ـ منظر 1
22 ـ منظر طبيعيّ 2
23 ـ منظر طبيعي 3
24 ـ منظر طبيعي 4
25 ـ منظر غير طبيعيّ
26 ـ محاولة نظرٍ
27 ـ القاهرة 1
28 ـ القاهرة 2
29 ـ القاهرة 3
30 ـ القاهرة 4
31 ـ القاهرة 5
32 ـ القاهرة 7
33 ـ القاهرة 6
34 ـ عند شاطئ البحيرة
35 ـ سعادة
36 ـ حريرٌ ساخنٌ
37 ـ الأنفوشي
38 ـ العودة إلى البار الإيرلندي
39 ـ كنيسة سان جون وود
40 ـ جزيرة وايت
41 ـ الصبّار في الحديقة المنزلية
42 ـ صباح السبت
43 ـ في الطائرة بين نيويورك ولندن
44 ـ برايتِن تحت المطر
45 ـ الصمت
46 ـ وَضوء
47 ـ مراقَبة
48 ـ ثلاثة أيام
49 ـ البازنينو
50 ـ أغنية صياد السمك
51 ـ طبيعة
52 ـ مساء البحيرة
53 ـ إحساسٌ غامض
54 ـ كلام الفتى البريء
55 ـ تدريبٌ آخر
56 ـ أمّ قَصر
57 ـ نبيذ سانت إيميليون
58 ـ صيفٌ بريطانيّ
59 ـ فِعْلُ حُبّ
60 ـ الجار
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ كٌتِبَتْ قصائدٌ الديوان بين الثاني عشر من تشرين ثان 2006 والأول من أيلول 2007 في لندن ونيويورك.
|
|
|
|
|