أنت غير مسجل في منتدى مطر . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا
آخر 10 مشاركات
غيرة (الكاتـب : فاطمة الحسن - آخر مشاركة : نعيمة قصباوي - مشاركات : 4 - )           »          تفاحة أخرى (الكاتـب : علال فري - مشاركات : 15 - )           »          المحارة (الكاتـب : نشأت حداد - آخر مشاركة : سعاد بني أخي - مشاركات : 2 - )           »          شمس (الكاتـب : مبروك السالمي - آخر مشاركة : حسين الدمرداش محمد العدل - مشاركات : 8 - )           »          من رموشها يتغذى المدى (الكاتـب : نعيمة زايد - مشاركات : 0 - )           »          أميـــن الــــزاوي (الكاتـب : نقوس المهدي - مشاركات : 17 - )           »          عزاء خاص (الكاتـب : حسين الدمرداش محمد العدل - مشاركات : 26 - )           »          Antonin Artaud أنطونان ارتو (الكاتـب : نقوس المهدي - مشاركات : 1 - )           »          زعمت (الكاتـب : حسن_العلوي - آخر مشاركة : عبد اللطيف الهدار - مشاركات : 3 - )           »          اغتــيال حلم (الكاتـب : سعاد العلس - آخر مشاركة : نعيمة زايد - مشاركات : 15 - )


العودة   منتدى مطر العودة امتدادات العودة مختارات

إضافة رد
   
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  مشاركة رقم : 1 (الرابط)  
قديم 06-18-2009, 02:16 AM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 6,094
بمعدل : 12.69 يوميا

نقوس المهدي متصل الآن عرض البوم صور نقوس المهدي



المنتدى : مختارات
افتراضي سعدي يوسف : اغنية صياد السمك ( ديوان )

أغنيةُ صيّادِ السّمَكِ
(ديوان)
سعدي يوسف



تقدم (الكلمة) هنا أحدث دواوين الشاعر العراقي الكبير حيث يواصل فيه تجربته الشعرية الخصبة، ويخوض عبره مجموعة من التجارب الفنية والنصية الجديدة التي تثري الشعر وتغني رؤاه....اقرأ المزيد




1 ـ هِجرانٌ
اهدأ الآنَ...
عطلةُ أسبوعِكَ ابتدأتْ،
أمْ تُراها انتهتْ؟
فالفتاةُ التي أنتَ أدرى بما في سراويلِها،
قرّرتْ، دونما نزَقٍ، أن تغادرَكَ...
اختطفتْ شالَها الصوفَ
والهاتفَ "الفودافونَ" الذي طالما صوّرتْكَ بهِ
في مقاهي الشمالِ، وليلِ الفنادقِ،
ـ كانت حقيبتُها الخَيشُ خارجَ غرفةِ نومِكَ ـ
ثمّ اختفتْ تهبطُ السلّمَ الأخضرَ...
انطبَقَ البابُ؛
فاهدأْ قليلاً
ولا ترتبكْ...
لا تقُلْ إن عطلةَ أسبوعِك
التحقتْ بالعراقِ وإنْ كنتَ في لندنٍ؛
لا تقُلْ للفتاةِ التي غادرَتْكَ: الوداع
(المغادِرُ ليسَ المُهاجِرَ)
فاهدأْ...
وأنصِتْ إلى دوحةِ الجوزِ في مَوْهِنِ الليلِ...
أنصِتْ
أتسمعُ تلكَ التهاليلَ؟
ذاكَ المغَنّي الذي يصلُ النجمَ بالنجمِ؟
تلكَ الرياحَ الخفيفةََ؟
قُمْ وافتح البابَ...
قُلْ: مرحباً!
وانتظِرْ مَن يجيءُ؛
انتظرْ مَن تجيءْ...
لندن 12 / 11 / 2006



2 ـ هديّةٌ صباحيّة
لصبّاغي جزمةِ جورج بوش، وَلِيِّ النجفِ الذِّمِّيّ
ولأحفادِ لصوصِ الحربِ
وأبناءِ الإقطاعيينَ العربِ الأغرابِ؛
لِمافيا التهريبِ
وزهرةِ لورداتِ الحربِ
وأبناءِ الإقطاعيينَ الكُرْدِ الأغرابِ؛
لرجالِ الدين المُخْتَرَمين،
ولخرِّيجي كلّياتِ الجاسوسيةِ في واشنطنَ
أو لندنَ
أو بودابستَ...
لأحزابٍ تشربُ نفطاً أخضرَ
للكتّابِ المأجورينَ بدولارٍ للصفحةِ
للوزراءِ الأوباشِ
لزبانية التزويرِ، ونجّاري كرسيّ النائبِ
للنسوةِ ممّنْ أدْمَنَّ معاشرةَ النسوةِ أو ضبّاطِ المارينز
لِحُسينيّاتِ الطلقةِ، واحدةً، بمؤخّرةِ الرأس،
لمساجدِ قطْعِ الرأسِ...
لكُمْ
لي
للناسِ جميعاً في كوكبنا الأرضيّ؛
أقولُ:
ليأخُذْ كلٌّ منكم، هذا الصُّبحَ، هديّتَهُ...
رأساً، في طبَقٍ مضفورٍ من حيّاتِ جهنّمَ.
*
أيُّ عراقٍ هذا؟
أيُّ عراقٍ جاء َ بهِ السُّفَهاءُ الخَوَنةْ
ورجالُ الدين المُخْتَرَمون؟
أيُّ عراقٍ جاءَ بهِ أردأُ مَن سكَنَ البيتَ الأبيضَ؟
أيُّ عراقٍ يخذلُهُ، في الغابةِ، حتى الله!
لندن 6 / 11 / 2006



3 ـ في البحر الكاريبيّ، في يوم ٍما
في البحر الكاريبيّ...
بين جامايكا، وهاييتي، وبَربادوسَ،
وفي قَمْرةِ قُرصانِ الملِكِ
الْتَمَّ ثلاثةُ أوباشٍ:
أوّلُهم قرصانُ الملِكِ الإسباني فيليب الثاني
(أميرالٌ في الأسطول الملكيّ)
ثانيهم قرصانُ إليزابَث الأولى، فرانسِسْ دْرَيك
ثالثُهم قرصانٌ أبحرَ من مرسيليا... ذئبَ بِحارٍ حرّاً؛
... ... ... ... ... ... ... ...
بَسَطَ الأميرالُ خرائطَهُ
(أسودُ في بدْلةِ ليلٍ بيضاءَ موشّاةٍ ذهباً أبعَدَ أقداحَ الخمرِ)
قالَ الأميرالُ: البحرُ الكاريبيّ بُحَيرتُنا،
ذهباً
وعبيداً
وثماراً...
لكنّ سفائننا، أحياناً تتصادمُ.
ليست كلُ رياحِ الكاريبيّ مواتيةً،
ولا كلُّ قباطنةِ
السفُنِ اللائي تُبحرُ عبرَ موانيءِ هذا البحرِ مسيحيينَ تُقاةً.
أنتم ملاّحونَ
كما أنا ملاّحٌ.
فلْنتفاهَمْ!
أوَ ليس الخيرُ لنا أن نتقاسمَ؟
أعني: هل يمكنُ أن
نقتسمَ البحرَ؟
لفيليبَ الثُّلثُ.
لإليزابَثَ ثُلْثٌ.
والثلثُ الباقي لحُثالةِ أوروبا...
*
قال له فْرانسِسْ دْرَيك:
حسناً!
لكنْ كيف نسمِّي البحرَ ثلاثةَ أسماءٍ؟
كيفَ يَبِيْنُ مكلأُّ هذا، ومُكَلأُّ ذاكَ؟
ومَن سوف يُهيِّيءُ للبحّارةِ خمراً ونساءً؟
مَن سيُمَسِّدُنا، ويُقَبِّلُ أرجُلَنا قَبْلَ
الأيدي؟
مَن سوف يُجَنِّدُ حمّالينَ ونخّاسينَ لنا؟
هل سنُسمِّي الأقسام؟
*
كان الأميرالُ أعَدَّ لكل سؤالٍ عِدّتََه.
قالَ: القسمُ الأولُ سوف يسمّى كُورديولان،
أي مِن كُوردِيالِتي Cordiality
والقسمُ الثاني سيُسَمّى سنِيستان،
أي مِن Sun & Stance. وقفة الشمس.
أمّا القسمُ الثالثُ فالأفضلُ أن يدْعى شِيئستان،
أي مِن Shy & Stance
والمعنى: وقفةُ الخجل.
(التأويلُ باللغة العربية من المخطوطِ الأصلِِ قام به، مشكوراً، الشاعرُ
العراقيّ المقيمُ في لندن، سعدي يوسف).
*
أخرجَ أوّلُهم خاتمَهُ.
أخرجَ ثانيهم خاتمَه.
أخرجَ ثالثُهم خاتمَهُ.
خُتِمَ الأمرُ:
لقد قسموا البحرَ ثلاثةَ أقسامٍ.
والعبدُ الأسودُ في بدلتِه البيضاءِ الذهبيةِ عاد ليملأ أقداحاً ذهباً...
*
كان الليلُ الكاريبيُّ مليئاً بالأقمارِ
وبالأسماكِ الفضّةِ
والقيثاراتِ
وكانت قَمْرةُ قرصانِ فيليب الثاني الخضراءُ متعتَعةً.
*
نامَ ثلاثتُهم في الفجرِ...
*
لم يعرفْ حتى البحّارةُ كيف جرى الأمرُ...
البحرُ الكاريبيُّ تلاشى مثل سرابٍ،
وسفينتُهمُ تتقلّبُ، سادرةً، هائجةً، نحو مثلّث برمودا...
لندن 9 / 10 / 2006


4 ـ وقتٌ ثقيلٌ
كلُ شيءٍ يهدأُ الآنَ
أغاني الجازِ في المذياعِ
والأشجارُ في الدّغْلِ القريبِ
السَّمكُ الفضّةُ في القاعِ،
وتلك المرأةُ/ القطّةُ في الهاتفِ...
هل يأتي مساءُ الأحدِ الباهتُ، والهاديءُ حتى الموتِ، بالبوقِ؟
هل القرميدُ في السقفِ، هو الصّنجُ الذي ينتظرُ الضربةَ؟
أَمْ أنّ نسيجَ العنكبوتِ المرْسُ والمرسى؟
هواءٌ ناشفٌ يدخلُ بين البابِ والممشى
ومن لاجهةٍ يَخفُقُ طيرٌ...
نغمةٌ واحدةٌ تهبطُ.
نجمٌ واحدٌ.
لندن 23 / 9 / 2006


5 ـ شهادةُ جنسيّةٍ
في العراق، يتعيّن على الفردِ، كي يُثْبِتَ انتسابَه إلى بلدِهِ،
استصدارُ وثيقتينِ: الأولى تدعى الجنسية، وتتضمّن معلوماتٍ
عن مكان الولادةِ وتاريخِها... إلخ. أمّا الثانية فتُدْعى شهادة
الجنسية، وهي لازمةٌ للقبول في الجامعة، والوظيف العمومي،
والانتساب إلى الجيش والشرطة والأمن، وتتضمّن معلوماتٍ عن
أصل العائلة، وعمّا إذا كانت من التبعية العثمانية أو الإيرانية.


عربيٌّ من العراقِ...
أنا: البصرةُ، بيتي ونخلتي. وأنا النهرُ الذي سُمِّيَ باسمي
ورملةُ اللهِ دربي وخيمتي. الأثَلُ الشاحبُ سقفي وملعبي،
وخليجُ اللآليءِ ـ الوعد لي. والبحرُ لي. والسماءُ دوماً سمائي.
*
عربيٌّ من العراقِ...
أنا: البصرةُ، بيتي ونخلتي. وأنا النهرُ الذي سُمِّيَ باسمي
ورملةُ اللهِ دربي وخيمتي. الأثَلُ الشاحبُ سقفي وملعبي،
وخليجُ اللآليءِ ـ الوعد لي. والبحرُ لي. والسماءُ دوماً سمائي.
*
عربيٌّ من العراقِ...
أنا: الكوفةُ، ما خُطَّ في العروبةِ خَطٌّ قبلَها. والعواصمُ الألفُ
ما كانت سوى من كِنانتِها. بيتُ عليٍّ، والمسجدُ الجامعُ،
والنهرُ. هل تخَطَّينا الكتابةَ؟ الحرفُ كوفيٌّ، وقرآنُنا وصيٌّ عليها.
*
عربيٌّ من العراقِ...
أنا: المَوصلُ، خيلٌ وخُضرةٌ. كان سيفُ الدولةِ الأميرَ، وكانت حلبٌ
أُختَها. السفائنُ في النهرِ. المُغَنّونَ في الضفافِ. هنا صاحبُ البريد
أبو تمّامٍ. المرمرُ الصقيلُ هي الموصلُ، والأهلُ، والنضالُ الطويلُ.
*
عربيٌّ من العراقِ...
أنا: هذا الفراتُ، الذي يوحِّدُ أهلاً، وبلاداً، وأُمّةً. كلُّ كفٍّ من مائهِ
موعدٌ في جنّةِ الخُلْدِ. يا صبايا الفراتِ، صبراً! لكُنَّ النهرُ والفخرُ...
سوف يأتي زمانٌ للتهاليلِ. نحن نُقْسِمُ بالنهرِ، وباللهِ، والسوادِ الأصيلِ.
*
عربيٌّ من العراقِ...
أنا: بغدادُ، موصوفةً بما ليس في الوصفِ. الكتابُ العصيُّ. والجنّةُ.
الدربُ المؤدِّي إلى الدروبِ. أتاها كلَّ عصرٍ برابرةٌ. لكنّها أحكمتِ
الأنشوطةَ.
العزيزةُ بغدادُ.
والأسيرةُ بغدادُ،
والأميرةُ بغدادُ...
والجدارُ الأخيرُ.
لندن 20 / 9 / 2006


6 ـ رياح الأطلسيّ
تأتي رياحُ الأطلسيّ وقد جلبْنَ الماءَ
محمولاً بآلافِ الصهاريجِ التي صُبِغَتْ بلونِ الغيمِ...
ثمّتَ سِربُ طيرٍ جاءَ من إفريقيا
ومصائدٌ للأرنبِ البرّيِّ؛
ثمّتَ غفلةٌ،
وسعادةٌ ليستْ تبِيْنُ
ومَوطِيءٌ في مَسْلَكِ الأحراشِ للسّارينَ في الليلِ...
الرياحُ وئيدةٌ
حتى كأنّ الغيمَ يَثْقُلُ فوقَ داري
ثم يدخلُ في الحديقةِ...
كانت الأزهارُ (جيرانيوم) تلمُسهُ، وتشربُ ماءَه العذْبَ،
العناكبُ لا تزال تُقِيمُ، واثقةً، مصائدَها
وتَكْمُنُ...
والرياحُ وئيدةٌ
ماذا سيَحْدُثُ لو أخذتُ عصايَ، بعد دقيقةٍ،
وهجرتُ ما أنا فيهِ
منطلقاً إلى ما لستُ أدري؟
كلُ ما في الكونِ يرتحلُ:
الكواكبُ، والأفاعي، والثعالبُ، والضفادعُ، والزرازيرُ
الذئابُ، ودودةُ الأرضِ، الخنافسُ، والجذورُ، وزهرةُ
الخشخاشِ، والموتى، وأوراقُ الخريفِ، وبذرةُ التفّاحِ
إني الآنَ أخطو خطوتي الأولى
الرياحُ وئيدةٌ
وعصاي تمضي بي إلى ما لستُ أدري...
لندن 30 / 9 / 2006


7 ـ الجحيم
تجلسُ امرأةٌ في المسافةِ ما بين مطبخِها الأمريكيّ
والكهفِ حيثُ السريرُ الذي قُدَّ من خشبِ الوردِ.
تجلسُ دُمْيةُ قُطنٍ على مقعدِ المَدرسةْ.
يجلسُ الكاتبُ المشترى في حذاءِ المحاسِبِ.
يجلسُ كلبُ الأميرةِ مستمتعاً بالطنين الذي يتدفّقُ من شاشةِ التلفزيونِ.
يجلسُ جنديُّ روما على الرمحِ في ساحةٍ.
يجلسُ القردُ، وهو يَلُوْثُ العمامةَ، في مَعْبدٍ.
يجلسُ العاطلون عن العملِ، الآنَ، في مَرْكَبٍ للعبيدِ...
وفي البحرِ يخْفت ضوءُ المنارات ِ.
يجلسُ طيرُ الفينيقِ على السيخِ في حفلةٍ للشواءِ المغوليِّ.
تجلسُ سيِّدةُ الهورِ
في طلْعِ بُرْديّةٍ يابسةْ...
يجلسُ الماءُ، محتدِماً، في هشيمِ القصب ْ...
لندن 11 / 8 / 2006


8 ـ في أصيلٍ غائمٍ
يَسّاقَطُ دَوحُ البلّوطِ ثماراً ناشفةً
لامعةً
مثلَ رصاصِ مسدّسِ ماغنوم...
العشبُ طريٌّ
وعلى المسْربِ آثارُ خيولٍ متخَمةٍ،
والأشجارُ اللائي صرنَ سفائنَ في بحريّةِ هنري الخامسِ
*
خلّفْن َ بناتٍ يَحْفُفْنَ بيَ الآنَ:
كاثدرائياتٍ
وخياماً هائلةً لبرابرةٍ يشوونَ خنازيرَ البرِّ، سكارى
ومجرّاتٍ خُضراً...
... ... ... ... ... ... ... ...
كنتُ على مفترَقٍ لثلاثِ دروبٍ؛
الأولى: تأخذني نحو البحرِ.
الثانيةُ: اتّجهتْ نحو الجبلِ.
الثالثةُ: انطمستْ أيُّ علاماتٍ فيها...
... ... ... ... ... ... ... ...
قلتُ: "ليَ الثالثةُ المطموسةُ"...
*
نهرٌ يتدفّقُ فوق الأشجارِ
عموديّاً
فتَئِنُّ الأشجارُ
وتنقصفُ الأشجارُ
وتنتثرُ الأشجارُ على الدربِ الريفيّةِ
عائمةً في موجٍ من بَرَدٍ منحدرٍ،
كان الرعدُ يدمدمُ
والبرقُ الصاعقُ يحملُ كلَّ الغابةِ في مشعلِهِ...
ثمّتَ كوخُ الحطّابينَ
يكاد يطيرُ مع الأغصانِ المتدافعةِ،
الريحُ غدتْ جسداً من ماءٍ ولحاءٍ
مكنسةً تجرفُ هذا المشهدَ
نحوَ الوديانِ المرسومةِ في كتبِ الطّوفانِ...
*
الكوخُ تلألأَ...
أدخلُ مرتبكاً
مرتعشاً؛
سوف أقيمُ هنا
في بيت العاصفةِ...
... ... ... ... ... ... ... ...
الكونُ تنَفّسَ في زاويةِ الكوخِ
الكونُ يسير...
لندن 16 / 8 / 2006
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* هنري الخامس: ملك انجلترا بين 1413 ـ 1422، قطع غابات انجلترا ليبني اسطوله. مات بحمّى المعسكرات.



9 ـ نهر الدانوب
سيكون المساءُ مديداً على ضفةِ النهرِ...
مَن قال إنّا سنشعلُ نيراننا في رؤوسِ الجبالِ؟
القلاعُ صليبيّةٌ
من مَقالِعِ أرباضِ لِنْتس (Linz)
إلى القدسِ.
كان الملوكُ ورُهبانُهُم يسبقون المياهَ إلى حفلةِ القتلِ
حيثُ البلادُ البعيدةُ تطوي مآذنَها بانتظار البرابرةِ...
الشمسُ تلمع فوق الدروعِ
وفي تاجِ ريتشارد قلبِ الأسد ْ....
... ... ... ... ... ... ... ...
والمساءُ مديدٌ على ضفةِ النهرِ:
هل آنَ أن نستريحَ؟
الكرومُ مُعَرِّشةٌ، جوسقاً في الضفافِ
ومصطبةً في السفوحِ...
الكرومُ مُعَرِّشةٌ في النبيذ الجديدِ،
الكرومُ معرِّشةٌ في مقاهي القرى، وخدودِ البناتِ؛
*
العشيّةَ كنّا ضيوفاً على ابنةِ مزرعةٍ للكرومِ...
أتاحتْ لنا غرفةً
في السماءِ التي شرعتْ تدلهِمُّ،
العشيةَ كنا لَصيقَي حرارةِ أوردةٍ أُتْرِعَتْ بالنبيذِ؛
السريرانِ نهرٌ يموجُ.
*
ابتدأنا لكي نتّقي أننا بالغانِ النهايةَ.
كانت حقولُ العناقيدِ مثقلةً بالرطوبةِ والعسلِ،
الطيرُ، عند الصباحِ المبكِّرِ، سوف يفيق من السُّكْرِ
كي ينقرَ الخمرَ ثانيةً من عناقيدها...
*
النهرُ يجري سريعاً،
ومثل الجيوش القديمةِ، يرتاح عند المَعابرِ، حيث القلاعُ
وأديِرةُ المتَرَهِّبةِ الضامرينَ؛
النهارُ لهُ
والمساءُ لِما في الأساطيرِ...
للغرفِ المتضوِّعِ تَنُّوبُها كالبَخورِ،
المساءُ لمَملكةٍ لا تدور عليها الدوائرُ...
مَملكةٍ من جذور.
لندن 12 / 9 / 2006


10 ـ الشيوعيّ الأخير يقرأ أشعاراً في كندا
"كان من المنطق أن تندرجَ هذه القصيدةُ
في ديوان (الشيوعيّ الأخير يدخل الجنّة)
لكنّ الرحلة الكندية كانت أوسعَ وأبعدَ".



ضاقت به الدنيا،
ولكنْ لم يَضِقْ، هذا الشيوعيُّ الأخيرُ، بها...
وكان يقولُ: للأشجارِ موعدُها، وإنْ طالَ الخريفُ سنينَ أو دهراً!
وكان يقولُ أيضاً: خمسَ مرّاتٍ تَلَوتُ الشِّعرَ في وطني، لأبتديءَ الرحيلَ...
وكانَ...
لكني سمعتُ بأنه قد كان في كندا
لأسبوعَينِ؛
ماذا كان يفعلُ؟
ليس في كندا، شيوعيون بالمعنى القديمِ،
وليس في فانكوفرَ امرأةٌ معيّنةٌ ليسبقَ ظِلَّها أنّى مضتْ...
بل ليس في "الروكي" نخيلٌ، كي يقولَ اشتقتُ للشجرِ المقدّسِ؛
قلتُ: خيرٌ أن أُسائلَ أصدقاءَ لهُ...
أجابوني: لقد كان الشيوعيُّ الأخيرُ، هنا، نقولُ الحقَّ...
بل إنّا سهرنا ليلةً في مطعمٍ معهُ. وقد
كنا نغَنِّي، والنبيذُ القبرصيّ يشعشعُ الأقداحَ والوجَناتِ.
ماذا؟ نحن في فانكوفرَ الخضراءِ
لا بغداد...
لكنّ الشيوعيّ الأخيرَ مضى!
إلى أينَ؟
اشترى، صبحاً، بطاقتَه، إلى عَبّارةٍ تمضي به،
هُوناً، إلى جُزُرِ المحيطِ الهاديءِ...
*
الأيامُ، في أيّامنا، عجَبٌ!
وأقرأُ في رسالته الأخيرةِ:
أيها المسجونُ في أوهامكَ السوداءِ، والكتبِ
التي ليست بلون قميصِكَ!
اسمعْني... ولا تقطعْ عليَّ سرابَ أسفاري.
لقد هبطتْ بيَ العَبارةُ البيضاءُ
عند جزيرةٍ بالباسِفيكِ... أقولُ: فِكتوريا!
فيندفعُ الشميمُ، وتخرجُ الخلجانُ
سابحةً. ستأتي عندنا الحيتانُ فجراً، أو أسُودُ البحرِ.
لا تتعجّل الأنباءَ....
فِكتوريا هي الأمُّ العجيبةُ، جَدّةُ الهنديّ والملهوفِ،
والأنثى المقدّسةُ. الطواطمُ
عندها حرسٌ، وروحُ الدبِّ. والأسماكُ هائلةً تَقافَزُ بينَ كفَّيها.
... ... ... ... ... ... ... ...
وماذا كنتُ أفعلُ في الجزيرةِ؟
أنت تعرفني. تماماً.
كنتُ، مثلَ نضالِ أمسِ، أُحَرِّضُ الطلاّبَ...
كيفَ؟
قرأتُ من أشعارِ سعدي يوسف...
البَحّار، صاروخ توماهوك، إعصار كاترينا،
وقتلى في بلاد الرافدَينِ.
ولحيةُ القدّيس والْت وِيتمان. أشجار البحيرات العميقةِ.
والبارات عندَ
إجازةِ الجنديّ. تبدو بغتةً عَوّامةٌ في النيلِ.
يبدو النخلُ أزرقَ في البعيدِ.
النسوةُ الغرثى يَلُبْنَ. عُواؤنا؟ أمْ أنها تلك القطاراتُ
التي تمضي إلى
ليلِ المَدافنِ في الصحارى...
أيها الجنديّ دَعْ بلدي، ودعْني في الجحيمِِ.
قرأتُ من أشعارِ سعدي يوسف...
الأمرُ الغريبُ: كأنّ هذا الشاعرَ الضِلِّيلَ يعرفُني، ويعرفُ ما أريدُ....
كأنه أنا!
لستُ أفهمُ ما أقول...
لندن 31 / 10 / 2006



11 ـ مسرح دُمى Puppet Theater
الفتاةُ التي ستُغَنِّي قصائدَها بلسانِ العصافيرِ
تصعد ُ درْجاتِها الستَّ
عاقدةً، من حريرٍ رخيصٍ، ستارةَ مسرحِها
وهي تضحكُ...
ناولتُها طرَفَ الخيطِ. كانت تمازحُني: أنتَ تعبدُ ساقَيَّ!
أضحكُ...
في مدخل الخيمةِ، العلبةُ الخشبيةُ حيث العصافيرُ تنتظرُ الآنَ
لحظةَ ميلادِها من ركامِ مناقيرَ غرثى
وأجنحةٍ متكسِّرةٍ، وغصونٍ ستُصبَغُ. في العلبة الخشبيةِ
تاجٌ من الورقِ المُذْهَبِ.
المَلِكُ الوغْدُ
ينتظرُ الإصبعَ. الشمسُ ترخي شآبيبَها.
والحديقةُ تصغي إلى النبضِ في صيحةِ الطفلِ. ها أنتذا
واقفٌ، حاجباً،
والمسَرّاتُ والأغنياتُ وشَرشَحةُ التاجِ تبدأُ في لحظةٍ.
والفتاةُ التي صعدتْ، تستريحُ.
سوف يأتي الصغارُ إلى العَرضِ...
لكنهم سيعودون منه إلى العالَمِ الفظِّ
حيث الملوكُ ملوكٌ
وحيثُ الفتاةُ التي تُنطِقُ الطيرَ تسكنُ بيتَ العراء...
لندن 24 / 9 / 2006



12 ـ مرحباً!
مرحباً!
كيف جئتَ إليّ؟
وكيف اهتديتَ إلى مَكْمَني (منزلي) في الضواحي القصيّةِ
حيثُ التلالُ التي تشبه الغيمَ، تُخفي المنازلَ والناسَ؟ حيثُ
البحيراتُ تُنْبِتُ أشجارَها وهي مقلوبةٌ في المساءِ المبَكِّرِ،
حيثُ الطيورُ تُحَدِّثُني (مثل ما في الأساطيرِ). حيثُ الأغاني
كلامْ...
مرحباً!
بَعُدَ العهدُ والودُّ. حتى المِهَفّةُ من سعفةِ البيتِ
(تلك التي قد أتيتَ بها لتُصالِحني) فقدتْ في الطريقِ
الطويلِ الروائحَ والنقشَ. أرجوكَ ألاّ تحاولَ... لكنك الآنَ تَطرقُ
بابي. المساءُ هنا موحشٌ. والرياحُ من الأطلسيّ.
وما عادَ يملأُ هذي السماءَ الثقيلةَ
إلاّ الغمام ْ...
مرحباً!
لا رياحينَ عنديَ أفرشُها في طريقِكَ. لا ناقةٌ لي ولا جَمَلٌ.
فادخُلِ الآنَ. أبوابُ بيتيَ مفتوحةٌ دائماً. ثمّتَ الخبزُ والماءُ
والدفءُ. لكنني أتوسَّلُ: إنْ أنا أغمضتُ عينيَّ دَعْني...
ونَمْ أنتَ!
أرجوكَ، دعني وشأني، ولا تَدخل الحُلْمَ.
أرجوكَ
دعْني أنام...



13 ـ بعد عاصفةٍ مطريّة
الآنَ غيومٌ بيضٌ، تعْبُرُ، هادئةً، تحتَ سماءٍ زرقاءَ.
وأشجارُ الزانِ مُعَرّاةٌ
والعشبُ الأخضرُ يَخْضَرُّ عميقاً...
والساحةُ تُقْفِرُ.
من أعلى السورِ الخشبِ انحدرَ السنجابُ
وحطَّ العصفورُ على السورِ
الشمسُ تكادُ تَبِيْنُ
وفي البُعدِ
ومن خلَلِ الأغصانِ العاريةِ التمعَ الماءُ
(بُحيرةُ صيّادي الأسماكِ)
الساحةُ ما زالت تُقْفِرُ
لم يأتِ العمّالُ إلى مشروعِ المبنى
(لا عطلةَ هذا اليومَ)
ولا خيطَ دخانٍ يعلو بين مداخنِ هذا الحيِّ.
انتصفَ اليومُ:
رعاةٌ مجهولونَ يجوسونَ الغاباتِ بلا سببٍ،
ويجيئونَ إلى الحانةِ ظُهراً،
بسراويلٍ لم يُحْكَمْ شَدُّ مَساحِبِها
ووجوهِ صغارٍ مرتبكينْ...
لندن 24 / 11 / 2006


14 ـ قصيدةٌ أخرى عن "باب سُليمان"
أ "بابَ سُلَيمانٍ" رأيتَ، أَم الرؤى مُشعشَعةٌ؟
أَمْ أنّ ما كانَ لم يكُنْ؟
تقولُ: رأيتُ الجسرَ...
كانت حمامةٌ تقولُ لأخرى: التّوتُ في الماءِ.
والجسرُ عابرٌ مع النهرِ.
والوَزُّ العراقيُّ عابرٌ.
أتلكَ سماءٌ أَمْ مرايا؟
ألَم أكُنْ
ألوذُ بها إنْ ضاقت الأرضُ؟
أيُّها السبيلُ الذي يُسْمى، ويا أيّها الفتى
الغنيُّ بصُنّاراتهِ،
الخيطُ واهنٌ... أتعْقِدُهُ؟
هل تَبلغُ الفجرَ مرّةً
بـ "بابِ سُلَيمانٍ"؟
خفيفاً،
مُضَوّعاً بِطَلْعٍ،
ومحمولاً على الغيمِ.
ربّما ستأخذُ من حوريّةِ النهرِ خُصلةً.
وقد تنتهي في القاعِ.
ما أجملَ
الفتى، خفيفاً... خفيفاً، هابطاً في المياهِ،
لا يرى سوى خُصلةِ الحوريّةِ.
الماءُ دافيءٌ
وثَمَّ غناءٌ...
لاـ لَـ لاـ لا
لَـ لاـ لَـ لا...
و"بابُ سليمانٍ" هو الجسرُ
أولُ الندى
وآخِرُهُ
والسدْرةُ التي لها الثمارُ الفراديسُ...
المآبُ المقدّسُ...
لندن 28 / 11 / 2006
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* باب سليمان: جسرٌ تاريخيّ في أبي الخصيب جنوبيّ البصرة، تعرّضَ مؤخراً إلى قصفٍ بالهاونات.



15 ـ سأحاوِلُ ألاّ أقولَ شيئاً
كانت غيومُ الصُّبحِ باردةً، مخلخَلةً
وكان الماءُ يصعدُ من حشيشِ المَرْجِ نحوَ الغيمِ،
ثَمَّتَ ترتعي الخيلُ
المَراكبُ في القناةِ
وفي المَراكبِ كان شايُ الصُّبحِ خيطاً من دخانٍ في المَداخنِ؛
لا طيورَ هُنا.
غرابٌ كان يَنقرُ، باحتدامٍ، جُثّةَ السنجابِ.
والورقُ الذي قد كانَ حتى أمسِ بُنِّيّاً على وجه الحديقةِ، صارَ يَسْوَدُّ.
النوافذُ رُقِّطَتْ بِنَثِيرِ بلّورٍ.
أيأتي الثلجُ؟
سوف يدورُ في دفءِ القناني
في جذورِ الكَرْمِ
والليلِ
النبيذُ
لندن 11 / 12 / 2006


16 ـ قصيدةٌ مبتلّةٌ
لثلاثةِ أيامٍ، وثلاثِ ليالٍ، ظلَّ المطرُ الصامتُ
يدخلُ في الجِلْدِ، ويسري في الدمِ،
حتى ابتلَّ إطارُ الألمنيومِ وأوشكتِ الصورةُ
ـ مجرىً جبليٌّ أن تغرقَ. كان العشبُ يميلُ
ويَخفُقُ، كان يسيلُ. الغرفةُ باردةٌ. لا صوتَ
ولا امرأةٌ. والغرفةُ باردةٌ تَلتفُّ بزُرقتِها وتنامُ.
السجّادةُ تُنْبِتُ أزهارَ البوشْناقِ الواسعةَ. الضوءُ
الذّرِّيُّ يرشُّ على الأزهارِ غباراً ذهباً. تَسّاقَطُ
أوراقٌ بيضٌ من سقفِ الغرفةِ. والريحُ تدقُّ
على الشبّاكِ. المطرُ الصامتُ ينطقُ. ماءٌ في
المرآةِ، وماءٌ سِرّيٌّ في العينينْ.
لندن 9 / 1 / 2007


17 ـ في المَهَبّ
ربما انقصفتْ دوحةُ الجوزِ في لحظةٍ
ربّما انْهَدَّ سورُ البنايةِ
أو ربّما غرقَ المرْكبُ الضيِّقُ؛
القنواتُ التي طالَ ما أغرقَتْها طحالبُها، الصيفَ
تَعْبرُ، هذا الصباحَ، مَمَرَّ المُشاةِ
الرياحُ من الأطلسيّ
الرياحُ شماليةٌ
والرياحُ جنوبيةٌ
والرياحُ لها أن تكونَ الرياحَ،
لها أن تُزعزعَ
أن تُفزِعَ
... ... ... ... ... ... ... ...
النبتةُ المنزليةُ منسيّةٌ،
بينما تتخاطفُ ألسِنةُ البرقِ في دوحةِ الكستناءْ.
لندن 11 / 1 / 2007


18 ـ الصورةُ الفوتوغرافيّةُ
صورتُكَ:
الخصلة فاحمةٌ، مُسْدَلةٌ فوقَ جبينِكَ
والعينانِ الواسعتانِ،
قميصُكَ ذاكَ المفتوحُ لِريحِ الصيفِ
وسروالُكَ غيرُ المَكْوِيّ
وصورتُكَ:
الخُصلةُ ثلجٌ
والعينانِ هما الواسعتانِ،
لكنّ قميصَكَ لم يَعُد المفتوحَ
(قميصُكَ كَنْزةُ صوفٍ مغلقةٌ سوداءُ)
وسروالَكَ أمسى مَكْويّاً كالمسْطرةِ
... ... ... ... ... ... ... ...
انتبِه الآنَ
ولا تُطْبِقْ جَفنَيكَ
وصَوِّرْ نفسَكَ
صَوِّرْها
وتَصَوَّرْها
قبلَ مغيبِ الشمس!
لندن 17 / 1 / 2007


19 ـ الحديقةُ السرِّيّةُ
ثَمَّ طاولةٌ في الحديقةِ خضراءُ
طاولةٌ ثُبِّتَتْ بعمودٍ حديدٍ إلى الأرضِ،
طاولةٌ سَوَّرتْها الكراسِيُّ
واحتقرتْها الطيورُ
الحديقةُ موقوفةٌ لِلّذينَ انتهَوا من غرامِ الحدائقِ،
موقوفةٌ لِلّذينَ استراحوا إلى الغُرُفاتِ الخَفِيّةِ
(حيثُ المشانقُ)
موقوفةٌ للعَماءِ
الحديقةُ خضراءُ
ثَمَّتَ طاولةٌ في الحديقةِ خضراءُ
والشمسُ، مثل الكراسيّ، خضراءُ
والجالسون: وُجوهُهُمو المستديرةُ خضراءُ.
... ... ... ... ... ... ... ...
في بَغْتةٍ،
وبلا أن تُحِسَّ الوطاويطُ، أو دوحةُ الكستناءِ وسُكّانُها
هبّت العاصفةْ
رفعتْ كلَّ ما في الحديقةِ
بل كلَّ مَن في الحديقةِ
نحو المَزابلِ في آخرِ القريةِ
... ... ... ... ... ... ... ...
الآنَ، تلهو السناجيبُ في الريحِ، مثلَ الطيور!
لندن 18 / 1 / 2007


20 ـ اللقاءُ البعيدُ
الشتاءُ الذي كان ينْصِبُ خيمتَهُ الثلجَ
دانيةً في الحديقةِ
هذا الشتاءُ الذي يوقِدُ الآنَ مصباحَهُ
باحثاً عن جليسٍ يُسامِرُهُ
سوف يأتي إليّ
سوف يسألُني عن مياهٍ تناءتْ
وأخرى تناهَتْ،
ويسألُني عن قميصٍ من الصوفِ كنتُ ارتديتُ
قميصٍ لبَحّارةِ الباسيفيكِ الشماليّ
... ... ... ... ... ... ... ...
... ... ... ... ... ... ... ...
... ... ... ... ... ... ... ...
كان الشتاءُ يُمازِحُني:
كيف لا تُوقِدُ النارَ؟
كيفَ انتهيتَ إلى هذه الحالِ؟
أنتَ الذي كنتَ تمضي بنارِكَ حتى رؤوسِ الجبالِ
اكتفَيتَ بأنْ تتلمّسَ نبضَكَ!
أو تخدعَ الكلماتِ، تقول لها: النارُ في الثلجِ
والثلجُ في النارِ
أمسَيتَ لا تستحي
أنتَ تحسَبُ ألعابَكَ اليدويّةَ تُغْنِي عن الوِقْفةِ الحَقِّ؟
يا صاحبي
وجليسَ الليالي الطويلاتِ
كُنْ لي رفيقاً
ودَعْنا نَعُدْ نحو نارِ المتاريسِ
لن نعرفَ البرْدَ
هل تتذكّرُ "قَصْرَ الشتاء"؟
لندن 19 / 1 / 2007


21 ـ مَنْظرٌ 1
مطرٌ ضبابيٌّ،
وفي البُعْدِ: التلالُ خفيضةٌ
زرقاءُ،
والأشجارُ تفقدُ في المساءِ مَعالِمَ الأغصانِ
ثمّ تكونُ غيماً أزرقاً
فوقَ التلالِ
الليلُ يأتي صامتاً، متخفِّياً تحت الضّبابِ الناضحِ،
القطُّ الوحيدُ يموءُ
والمطرُ الضبابيُّ استوى، في غفلةٍ، مطراً؛
... ... ... ... ... ... ... ...
ستنبثقُ البحيرةُ فجأةً
في الدّغْل!
لندن 30 / 12 / 2006




22 ـ منظرٌ طبيعيٌّ 2
حِبالُ السّراخِسِ
تلكَ التي تتسوّرُ بيتي، تَعَرّتْ طويلاً
وكادتْ تفارِقُ نُعْمى الجذوعِ
إلى مَلْعَبِ الريحِ
بين الغصونِ المُعَرّاةِ ألمَحُ ماءَ البحيرةِ يلمعُ مثلَ الرصاصِ الكَشِيطِ،
البحيرةُ قانعةٌ
ومُقَنّعةٌ بالهدوءِ.
البحيرةُ ساكنةٌ
ومُسَكّنةٌ في أواخرِ هذا الشتاءِ الذي ضاقَ بالمطرِ الجَهْمِ ذي القطراتِ الكبيرةِ.
أفتحُ في الفجرِ نافذتي
(أنا أعني: أُزيحُ الستائرَ)
أنظرُ
الكونُ أبيضُ
رَطْبٌ
ومنكمشٌ
باردٌ، وبعيدٌ
كأنّ البحيرةَ لم تكنِ البتّةَ!
الكَفَنُ اللاحِبُ/ الثوبُ أهْدَلَ/ هذا الضَّبابُ المُحِيطُ/
السفينةُ/ غارُ القراصنةِ/ الذئبُ أغبرَ/ صوتُ الغريقِ/
الثعالبُ مسلوخةً/ حَجَرُ الخنجرِ الأوّلِ/ القطنُ في
منخرِ المَيْتِ/ فِطْرُ السُّمومِ/ الحليبُ الذي خثّرتْهُ
الأفاعي/ الدمُ المَحْضُ قبلَ احمرارٍ/ جلود الثعابينِ
مَنزوعةَ اللونِ في الصّهَدِ/ الورقُ الأوّلُ/ السُّلُّ
تلكَ البحيرةُ لم تكنِ البَتّةَ!
؟
الآنَ أفعلُ ما أفعلُ
الآنَ أدفعُ سيّارتي، مسرعَ النّبضِ
مندفعاً
في الطريقِ الضَّباب
لندن 21 / 1 / 2007




23 ـ منظرٌ طبيعيٌّ 3
السقفُ الرمادُ
الممتدُّ طويلاً ومتخشباً فوق المبنى الذي هجره أهلُه منذ عامٍ
السقفُ الرمادُ
المصنوعُ من مادّةٍ سامّةٍ استغنى عنها البنّاؤون منذ أعوامٍ
السقفُ الرمادُ
الذي لا يأوي إليه الطيرُ
السقفُ الرمادُ
ذو المداخنِ النظيفة مثل هاوناتٍ خفيفةٍ في حربٍ سرّيّةٍ
السقفُ الرمادُ
ذو الألوانِ الغميقةِ المتدرجةِ في عتمتِها مع ساعات النهار والليل
السقفُ الرمادُ
الذي لا يستظلُّ به بشرٌ أو شيءٌ
السقفُ الرمادُ
يكمن مثل عنكبوتٍ خرافيٍّ ليمتصّ اللونَ من أعالي الشجر
السقفُ الرمادُ
يتوحّدُ والهشيمَ في أغنيةِ المطرِ الباردِ...
... ... ... ... ... ... ... ...
لا أحدَ هنا يقولُ: صباح الخير.
لندن 23 / 2 / 2007





توقيع نقوس المهدي


ومن لا يكرم نفسه لا يكرم



التعديل الأخير تم بواسطة نقوس المهدي ; 06-18-2009 الساعة 02:26 AM. السبب: سعدي يوسف : اغنية صياد السمك ( ديوان )

  مشاركة رقم : 2 (الرابط)  
قديم 06-18-2009, 02:23 AM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 6,094
بمعدل : 12.69 يوميا

نقوس المهدي متصل الآن عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : مختارات
افتراضي

تابع ...




24 ـ منظر طبيعيّ 4
أرى خَللَ الرمادِ وميضَ نارٍ...
كأنّ سحابَ آذارٍ رخامُ المدافيءِ، والغروبَ الجمرُ. كان المساءُ
يُطِلُّ منسحباً قليلاً، ومنتظِراً...
أُحِبُّكِ!
أين أمضي؟
لقد هبطَ المساءُ الآنَ. طيرٌ وحيدٌ يختفي في كستناءِ الحصانِ
وفي البعيدِ أرى مياهَ البُحيرةِ كالرصاصِ...
أرى خيولاً تكادُ تغيبُ...
والغسقُ العميمُ استقَرَّ.
الليلُ أطبَقَ.
أين أمضي؟

لندن 9 / 3 / 2007



25 ـ منظرٌ غير طبيعيّ
هوائيُّ التلفزيونِ
وصحنُ استقبالِ العالَمِ والعِلْمِ
يُطِلاّنِ عليّ من الأعلى...
... ... ... ... ... ... ... ...
أنا في الغرفةِ
نافذتي واسعةٌ، والأستارُ تشِفُّ.
المطرُ الناعمُ، غيرُ المَرئيّ، يُبَدِّلُ ألوانَ القرميدِ ونبْتِ البيتِ
وأوراقِ الماغنوليا اللامعةِ،
المطرُ الناعمُ، مثل هوائيّ التلفزيونِ
يُطِلُّ عليّ من الأعلى...
ويحاولُ أن يجعلَني فرداً في مملكةٍ لعناصرَ لا أفهمُها...
... ... ... ... ... ... ... ...
أنا في الغرفةِ
أوراقي نائمةٌ، والجفنُ يرِفُّ.
هوائيُّ التلفزيونِ
سيأخذُ أهلَ الحَيّ جميعاً، وبلا مزمارٍ، نحو قرارِ النهرِ،
*
ولكني في الغرفةِ
أوراقي تتنفّسُ، والزانُ المتطامنُ في البستانِ يَرِفّ...

لندن 3 / 4 / 2007



26 ـ محاولة نظرٍ
كلما لاحتْ من البُعدِ البحيراتُ
رأيتُ الماءَ مخْضَرّاً، ومُزْرَقّاً،
رصاصاً مرّةً، أُخرى حليباً
واستلمتُ الصُّبحَ في صُرّةِ أوراقٍ

كلما لاحتْ من البُعدِ البحيراتُ
رأيتُ الماءَ مخْضَرّاً، ومُزْرَقّاً،
رصاصاً مرّةً، أُخرى حليباً
واستلمتُ الصُّبحَ في صُرّةِ أوراقٍ
وفي خيطِ لِحاءٍ يربطُ النافذةَ البيضاءَ بالماءِ البعيدِ.
الشمسُ قد تنتظرُ
السنجابُ قد ينتظرُ
اللحظةُ قد تنتظرُ
المرأةُ
والثعلبُ
لكنّ افترارَ الماءِ في تلك البحيراتِ التي تلمعُ
لا ينتظرُ
الماءُ في الشمسِ
وهذي الشمسُ في الماءِ
وآلافُ الخيوطِ ابتدأتْ تَغْزِلُ للماءِ ثياباً
لم أعُدْ أعرفُ لونَ الماءِ.
مَن يعرفُ لونَ الماءِ غيرَ الماءِ؟
مَن يعرفُ، حقّاً، أن يُسَمِّيْ؟

لندن 26 / 2 / 2007



27 ـ القاهرة 1
لم يَدُرْ في خاطرِ القاهرةِ الليلُ الذي نعرفُهُ...
إنّ سماءً أُثقِلَتْ بالنَّفَسِ الساخنِ آناءَ النهارِ
استسلمتْ لِلّيلِ كي تنسى قليلاً وطأةَ الأرضِ،
وكي تشربَ نوراً مُسْكِراً يحملُنا حتى الصباحِ الباردِ...
القاهرةُ
البيتُ الذي لم ينقسمْ بيتَينِ
والغصنُ الذي لم ينقصِفْ فَرعَينِ
والعَينُ التي تَنْعَمُ في بحبوحةِ الجَفنَينِ...
والقاهرةُ
المعنى الذي ظلَّ يُطِلُّ:
الوردُ والمِسْكُ
وغصنُ البانِ والشوكُ...
وتلكَ النعمةُ السابغةُ:
البسمةُ والنيلُ!
... ... ... ... ... ... ... ...
ونأتي القاهرةْ
مثلَ ما نأتي إلى جَدَّتِنا بعد طوافٍ خائبٍ
أيتُها الجَدّةُ:
كم أرهَقَنا العالَمُ!

يا أيتها الجَدّةُ:
ضُمِّينا إلى أحفادِكِ المنتظِرين...

لندن 27 / 2 / 2007



28 ـ القاهرة 2
ربما شاغلتْنا الجسورُ التي حملتْ عرباتِ الملوكِ عن النهرِ. أعمقَ كالرملِ
ينسربُ النهرُ، يبلغُ واحاتِ مصرَ البعيدةَ، حيث التواريخُ مكتوبةٌ باللغاتِ
التي تتناسى تواريخَها. النهرُ يدخلُ في وجنةِ الطفلِ طَمْياً وخِصباً، ويدخلُ
في نَهدَي البنتِ. يدخلُ من عتْبةِ البيتِ. مصرُ المعابدِ حيثُ التماسيحُ آلهةٌ
والملوكُ ينامون في الغُرَفِ المُذْهَباتِ وفي مَرْكَبِ الشمسِ. مصرُ التي لم تجدْ
ما تُسَمّى بهِ غيرَ مصرَ. انتبذْنا من الليلِ رُكناً قريباً من البحرِ. كانت
تماثيلُ من مرمرٍ غابرٍ تتراءى وترحل في الموجِ. كانت شفاهٌ تسيلْ.

لندن 27 / 2 / 2007



29 ـ القاهرة 3
حانة ستيلاّ
لم تكن حانةً.
ربما قبل قرنينِ كانت.
ورُبّتَما وُجِدَتْ قبلَ أنْ تُعصَرَ الخمرُ.
أعني كأن موائدَها
رُكِّبَتْ من ضلوعِ سفائنَ غارقةٍ من زمانِ البطالسةِ.
الضوءُ يدخل كالمتردِّدِ.
لا شمس َ
في مصرَ.
كان الزجاجُ القديمُ ثخيناً بفعلِ الترابِ الثخينِ.
الزوايا محدّدةٌ لذويها.
زوايا
السجونِ التي تتعتّقُ فيها الجواربُ.
ماذا؟
القبارصةُ ارتحلوا منذ قرنٍ،
ولكنهم يسكنون
القناني التي احتفظت باسمِهِم:

إنه القبرصيُّ. الشرابُ الذي يترنّحُ بين العَمى والبروقِ.
ولكنها الحانةُ
الحانةُ الحقُّ...
فيها انتظرْنا الزمانَ الجديدَ،
وفيها شهِدنا معاركَنا،
والقصائدَ تولَدُ مُشْرَبةً بالتمرُّدِ.

كنّا إذا ما ترنّحَ منتصفُ الليلِ، نرفعُ سقفَ الأغاني.
سيأتي إلينا المُغَنّونَ من كل فَج
عميقٍ.
ويأتي إلينا السقاةُ وقد أصبحوا الشاربِينَ.
بلادٌ مؤقّتةٌ بين منتصفِ الليلِ والصبحِ.
لا بارَ في الحانةِ.

البارُ يشبهُ أولى المتاريسِ.
حصنٌ حصينٌ له حارسٌ واحدٌ.
لن يمرَّ الهواةُ...
إذاً، فلنكنْ مثلَ من دخلوا حانةً.
ولنكنْ مثلَ مَن لم يرَوا حانةً.
نحن في البرزخِ.
الصبحُ جاءْ.

لندن 27 / 2 / 2007



30 ـ القاهرة 4
مقهى البستان
لا أعرفُ مَن سمّى هذا المقهى، "البستانَ"
ولا أدري سبباً...
أعرفُ أن المقهى يحتلُّ تقاطُعَ دربَينِ ذَوَي وِرشاتٍ للميكانيك
وأكشاكٍ تَعرِضُ أضغاثاً متناثرةً بين السجّاد وأجهزةِ الهاتفِِ
والخبزِ البلديّ،
وأعرفُ أن الفحمَ هو اللونُ هنا في هذي الزاوية الدكناءِ من العالَمِ...
أعرفُ هذا، وأُسائِلُ نفسي: مَن سمّى البلقعَ بستاناً؟
مَن جاءَ بما يفترضُ البستانُ: زهوراً، شجراً، وطيوراً، وإلخ...؟
الأشياءُ هنا متداعيةٌ
حتى لم يَعُد المرءُ ليأمنَ كرسيّا.
والشايُ هنا أسودُ كالفحمِ
إذاً أين البستانُ؟
... ... ... ... ... ... ... ...
أقولُ لكم: إن "البستان" هو الحُلمُ الأوّلُ بالبستان!

لندن 28 / 2 / 2007



31 ـ القاهرة 5
ستكونُ لي بيتاً
تلُفُّ رداءَها القطنَ المهفهفَ حولَ أضلاعي الرميمِ:
ألم تجيءْ لتنامَ؟
كم طوّفتَ في الآفاقِ حتى لم تَعُدْ تدري بأيّ سقيفةٍ انتَ!
البلادُ وسيعةٌ أبداً
وضيّقةٌ
وأنتَ تدورُ
كالخذروفِ أنتَ تدورُ
ترمي حبْلَكَ امرأةٌ إلى امرأةٍ إلى امرأةٍ
وأنتَ تدورُ
فلْتهدأْ!
أقِمْ حيثُ النواقيسُ الغريقةُ في مياه النهرِ
حيثُ الصبحُ شمسٌ
حيثُ اللوتُسُ الأبديُّ تمضَغُهُ الجواميسُ؛
اقترِبْ مني
ولا تجفَلْ
ألم تشعرْ بأن ردائيَ القطنَ المهفهَفَ حولَكَ؟
الأبقارُ في الوادي
وأنت على جلاجلِها تنام

لندن 28 / 2 / 2007



32 ـ القاهرة 7
النادي اليوناني
في حمّامِ النادي تسمع موسيقى اليونانيينَ
وفي الصالةِ تسمعُ أغنيةَ المصريينَ...
وفي الصالة تنعقدُ الأبخرةُ:
الأنفاسُ
دخانُ سجائرَ
سيجارٌ كوبيٌّ
حتى لكأنّ الدنيا تطفو في الغيمةِ... أولَ أيامِ الخَلْقِ.
وفي الصالةِ دمدمةٌ
في الصالةِ غمغمةٌ
في الصالةِ همهمةٌ
في الصالةِ لا تسمعُ حتى صوتَكَ...
في الصالةِ تنسى أنك في الصالةِ
تنسى أنكَ في النادي اليونانيّ!

لندن 1 / 3 / 2007



33 ـ القاهرة 6
"الدرب الأصفر"
حجرٌ قديمٌ يرتدي أبهى ملابسِهِ.
المساءُ يجيءُ مرتطِماً بأبخرةٍ، ومرشوشاً على الدربِ،
المقاهي في الرصيفِ
وأهلُها في الشارعِ:
التَّبِغُ المعسّلُ. شايُها. والفولُ أخضرَ يُثْقِلُ العرباتِ
تنتظرُ البناتُ الليلَ كي يُبْدِينَ ما يُخْفِينَ...
أطلبُ قهوةً سوداءَ.
يسألُني فتى المقهى:
أظُنُّكَ لستَ من مصرَ؟
الكلامُ يطولُ...
أطلبُ قهوةً أخرى، وأُصغي للفتى.
كان المساءُ يُقِيْمُ حفلتَه التي لن تنتهي إلاّ مع الصّبحِ.
الأغاني سوف تبدأُ...
ربّما من سحْبةٍ تُفْضي إلى دربٍ عجيبٍ...
قد يكون هناكَ
خلفَ ستارةِ المقهى!

لندن 28 / 2 / 2007



34 ـ عند شاطيء البحيرة
سأمضي في المساءِ إلى غصونِ البحيراتِ التي عَرِيَتْ، لَعَلِّي أرى بين الغصونِ
الريشَ... حتماً سَيُبقي الطيرُ لي خيطاً رهيفاً ألوذُ بهِ إذا التاثَتْ دَوانٍ علَيَّ، فلم
أجِدْ إلاّ حفيفاً أكادُ لهُ أُجَنُّ... أليسَ عندي سوى هذا الحفيفِ؟ أكانَ حُلْماً إذاً
ذاكَ السبيلُ؟ أكانَ وهماً؟ أَمِ الصَّقرُ الفَتِيُّ نأى بعيداً وخلَّفَ لي بقايا الريشِ ذَرْقاً
ونَفْنَفةً؟ أُحِسُّ الريحَ تدنو وتلمُسُ جبهتي: هدَأَ المساءُ الخَفِيُّ... اهدأْ! لَعَلّكَ
سوفَ تلقى عميقاً في مياهِ الليلِ صقراً يَرِفُّ! اهدأْ! وضَعْ تحتَ القميصِ الأناملَ...
هل تُحِسُّ رفيفَ صقرٍ؟

لندن 7 / 3 / 2007



35 ـ سعادةٌ
سعيدٌ في الصباحِ أنا...
الغيومُ الخفيفاتُ احْتَنَيْنَ علَيَّ، إني أسيرُ مظلّلاً بالغيمِ...
شَعري تَمَوَّجَ،
والقميصُ به نثارٌ من الطَلِّ
الحمامةُ سوف تأتي إليَّ بعودِها الريّانِ...
ضَوعٌ تَحَدَّرَ من سياجِ الآسِ.
كانت فتاتي هيّأتْ لي خبزةً...
يا رفيقي
هل نكونُ معاً؟
أنمضي سراعاً في الصباحِ إلى قطارٍ به راياتُنا الحمراءُ
تعلو ورشّاشاتُنا
والدينامِيتُ المُعبّأُ في صناديقِ الندى؟
مَن يُنادي:
من يجيءُ معي؟
... ... ... ... ... ... ... ...
أُنادي
رفاقي...
مَن يجيءُ معي؟
أُنادي...

لندن 9 / 3 / 2007


36 ـ حريرٌ ساخنٌ
مَرِّغْ عينيكَ وجبهتَكَ...
ادخُلْ في طيّاتِ حريرٍ لم تنسجْه يدانِ
وأدخِلْ هُدبَيكَ الجنّةَ.
أنتَ اللائبُ
واللاعبُ
أنتَ المتمرِّغُ في عشبِ الليلِ
المتحدِّرُ في السيلِ
وأنتَ المنجرِفُ، الضائعُ، في أمواجِ حريرٍ لا تهدأُ...
أنت، الآنَ، تحسُّ بأن رطوبتَها الساخنةَ التصقتْ بكَ.
أنت، تحسُّ بأنّ حريراً دبِقاً أوشكَ أن يجعلَ جسمَكَ نوراً وحريراً.
هل تتأكّدُ؟
هل تشعرُ أنكَ ناءٍ، تتفصّدُ؟...
هل تشعرُ أنكَ ناءٍ وسعيدٌ؟
ما أجملَها!
ما أجملَها من طيّاتِ حريرٍ نسجتْهُ، ورائحةَ الخمرِ القرويّ، يدانِ
إذاً، بَدَنان...

لندن 13 / 3 / 2007



37 ـ الأنفوشي
"منطقة شعبية من شاطيء الإسكندرية"

شِباكُ الصيّادينَ تجِفُّ على بضعةِ أطوافٍ وقواربِ صيدٍ
والقلعةُ تدخلُ في المشهدِ...
ثَمَّ سِقالاتٌ عند المسجدِ،
ثَمّتَ إعلانٌ عن موقعِ غوصٍ لسفائنِ نابوليون َ.
وأكوازُ الذُّرةِ المشويةِ تأتي ببيوتِ الفلاّحينَ إلى الشاطيءِ.
تأتي بقُرى الدّلتا.
لن يصلَ الكورنيشُ هنا...
الفتياتُ المصريّاتُ (بناتُ البلدِ) احْتَطْنَ بما يكفي.
الفتياتُ المصرياتُ منحْنَ الشاطيءَ حريّتَهُنَّ
منحْنَ الشاطيءَ حُريّتَهُ...
هذا الشاطيءُ للناسِ
فلا سوّاحَ هنا،
لا قوّادينَ هنا...
... ... ... ... ... ... ... ...
شمسُ المتوسطِ ناعمةٌ
وشِباكُ الصيّادينَ تجِفُّ...

لندن 10 / 3 / 2007



38 ـ العودة إلى البارِ الإيرلنديّ
كان البارُ الإيرلنديّ، وأعني حانةَ فيتزجيرالدَ
انتقلَ الليلةَ من دَبْلِن
كي يفتحَ ذاتَ البابِ الضيّقِ في لندن...
لي أن أحسَبَ كلَّ الأمرِ هُراءً
أو معجزةً؛
قُلْ ما شئتَ
ولكنّ البارَ هنا بالفعلِ:
مقاعدُهُ الخشبُ
العَتْمةُ في العُمْقِ
وأسماءُ زبائنِهِ
والزهرةُ تَنبتُ في رغوةِ بيرتِهِ السوداءِ
كأنّ كتابَ خيالٍ عِلْمِيٍّ أدخلَني مختبَراً
وكأني في أرضِ عجائبَ...
... ... ... ... ... ... ... ...
هل كان البارُ الإيرلنديُّ، هوَ، البارَ الإيرلنديَّ؟
أكنتُ الجالسَ حقّاً عند البابِ؟
وهل كان زبائنُهُ أشخاصاً بشراً؟
ومقاعدُهُ الخشبُ؟
هل كانت خشباً أمْ محضَ ضَبابٍ؟
هل كانت تلك الجدرانُ الملأى بالإعلاناتِ حوائطَ من قرميدٍ
أم كانت ورقاً في الريحِ؟
وتلك المرأةُ ذاتُ الثوبِ الأسودِ...
أهيَ الساحرةُ؟
*
الضوءُ الباهتُ يَبْهُتُ أكثرَ عندَ أريكةِ مالكةِ البارِ
ومن زاويةٍ لم أعهَدْها جاءَ الكلبُ الألمانيُّ الراعي بعصا،
من زاويةٍ أخرى جاءتْ فاختةٌ...
ثم أتى رجلٌ يحملُ أفعى تلتفُّ على يُسراهُ.
العَتْمةُ تشتدُّ
ومالكةُ البارِ تردِّدُ أغنيةً لقراصنةٍ غرقوا في مرجانِ الكاريبيّ...
العَتْمةُ تشتدُّ
الألوانُ تغيمُ
وعيناي تغيمانِ.
... ... ... ... ... ... ... ...
البحرُ بعيد.

لندن 28 / 3 / 2007



39 ـ كنيسة سان جون وود St. John's Wood Church
أوّلَ نيسانَ
دخلتُ كنيسةَ سان جون وُود...
زهورُ حديقتها تتألّقُ تحت أشعةِ شمسٍ فاترةٍ
ومَماشيها تتداخلُ والعشبَ النضِرَ،
الأطفالُ يدورون على أحذيةٍ ذاتِ دواليبَ مخبّأةٍ
وخدودُ الفتياتِ تدورُ مع الشمسِ كعَبّادِ الشمسِ...
وفي أوّلِ نيسانَ
دخلتُ كنيسةَ سان جون وود:
فلسطينياتٌ يتحدّثْنَ بأصواتٍ خافتةٍ
(خائفةٍ؟)
عن دِير ياسين...
قساوسةٌ يستمعون إلى القرآنِ
وأطفالٌ لا يبكون.
كنيسةُ سان جون وود تُشَيِّدُ دير ياسينَ عميقاً في الأرغُنِ.
... ... ... ... ... ... ... ...
في الثاني من نيسان
كان فلسطينيٌّ آخَرُ ينتظر الصَّلْبَ...

لندن 2 / 4 / 2007



40 ـ جزيرة وايت
The Isle of Wight
في نُزْلٍ ذي غرُفاتٍ خمسٍ كانت تملكه فكتوريا الملكةْ
(الملكة فكتوريا المولودة في العام 1819 تربّعت على العرش البريطاني
أطول فترة في تاريخ هذا العرش، من 1837 حتى وفاتها في العام 1901.
اقترنَ عهدُها بالتصنيع، والتوسّع الاستعماري. كانت تقضي بعض عطلاتها
مع زوجها الأمير ألبرت في جزيرة وايت، هذه الجزيرة التي رأيتُها للمرة
الأولى يوم الأربعاء، الرابع من نيسان "أبريل" 2007)
سأردِّدُ ثانيةً، كالتلميذِ المجتهدِ:
في نُزْلٍ ذي غُرُفاتٍ خمسٍ كانت تملكُهُ فكتوريا الملِكةْ
غنّيتُ، وصاحبتي، أغنيةَ السعداءِ...
لماذا أُنكِرُ أني كنتُ سعيداً؟
ولماذا أُنكِرُ أني كنتُ وصاحبتي، زوجينِ، تماماً مَلَكِيَّينِ
كـ:
ألبرت وفكتوريا؟
ألأنّ كلاباً مُتَدَيِّنةً تستذئبُ في بغداد َ لتَحكمَها،
ولأنّ حماراً هَرِماً، لاثَ عمامتَه سوداءَ، ليَنْهَقَ في النجفِ؟
الصبحُ بَهِيٌّ
والشمسُ مواتِية، تنسجُ بالألوانِ جزيرةَ وايتْ،
وتمنحُ طيرَ التّدْرُجِ ريشَ الجنّةِ
تمنح خَدَّي صاحبتي ألَقَ الجنّةِ
تمنحُ كأسَ نبيذي لونَ الخَدَّينِ...
أقولُ: سعيداً كنتُ
وسوف أظلُّ سعيداً
ما دُمتُ أُريحُ الرأسَ على ريشٍ أبيضَ،
ما دُمتُ أوزِّعُ خبزي اليوميّ على طيرِ البستانِ
ووَزِّ البرْكةِ...
ما دمتُ أحاولُ أن أعرفَ سرَّ جزيرةِ وايتْ!

لندن 6 / 4 / 2007



41 ـ الصبّارُ في الحديقة المنزلية
يباغتُني الصبّارُ...
في كل نظرةٍ وملتمَسٍ ألقاهُ صُلْباً و لامعاً!
... ... ... ... ... ... ... ...
ويُقْلِقُني الصبّارُ...
أهجِسُ أنني ضعيفٌ وقد أنبَتُّهُ في حديقتي قويّاً كأكوازِ الصنوبرِ
ربما تَعاورَهُ ثلجُ الشمالِ
وربما تناوَبَهُ القَرُّ المُشِتُّ
وربما أمَضَّ بهِ بولُ الكلابِ
وربّما تناستْهُ مَن تهوى الزهورَ
وربما...
ولكنه الصبّارُ
صُلْباً ولامعاً يظلُّ
ومرأىً للحديقةِ
ملعباً وملتجَأً للعنكبوتِ
وقطرةً مخبّأةً للنحلِ،
بيتاً مقدّسا...

لندن 10 / 4 / 2007



42 ـ صباحَ السبتِ
جاؤوا، السبتَ، صباحاً
جاؤوا في حافلةٍ شبهِ مصفّحةٍ
جاؤوا بمناشيرَ مُدَوِّيةٍ، وبآلاتٍ، وحبالٍ
جاؤوا سبعةَ عُمّالٍ
جاؤوا سبعةَ أغْوالٍ
جاؤوا ثمِلينَ وقد حملوا عُلَبَ البيرةِ كالأزهار
جاؤوا بملابسَ خُضْرٍ شِبْهِ مُمَوَّهةٍ،
ووجوهٍ حُمرٍ
ونِعالٍ سُود
جاؤوا...
... ... ... ... ... ... ... ...
لم تستسلِمْ تلكَ السّرْوَةُ
لم يستسلمْ نقّارُ الخشبِ
السنجابُ
الطيرُ الأسوَدُ
لم تستسلم حتى الدّعْسوقةُ
(كانتْ جذلى بربيعٍ أوّلَ)
كان عليهِم أن يرتكبوا بترَ الأعضاءِ
وتمزيقَ الأحشاءِ
وتشريدَ السنجابِ
ونقّارِ الخشبِ
النملةِ، والطيرِ الأسودِ، والدعسوقةِ...
كان عليهم أن يحتفلوا بالقتلِ، صباحَ السبت.

لندن 21 / 4 / 2007



43 ـ في الطائرة بين نيويورك ولندن
* هل كنتما تتحدّثانِ معاً، بالفارسيّةِ؟
(كانت امرأةٌ مع مَن بدتْ لي أنها ابنتُها جِواري في المَمَرّ)
* أكنتما تتحدّثانِ معاً، بالفارسيةِ؟
تهمسُ لي: نَعَمْ.
وتُشِيحُ عني.
ثم تبحثُ في ذراع المقعدِ المكتظّ بالأزرارِ عن زرِّ الإضاءةِ.
قلتُ: إن الضوءَ ثَمّتَ.
انتبهتْ، ونبّهتِ الأناملَ، ثم راحتْ تقرأُ الأزياءَ.
(لا شكراً، ولا...!)
... ... ... ... ... ... ... ...
صمتتْ.
وقالتْ مَن بدتْ لي أنها ابنتُها:
"نَعَم".
وبكل لُطْفِ الفارسيةِ...
ثَمَّ ذبذبةٌ تُحَرِّكُ في الهواء الساكنِ، النبضَ.
الحديقةُ تلكَ... في أرباضِ شيرازَ
الجداولُ
والنبيذُ الأحمرُ الحلوُ...
القصائدُ تلكَ... والأفيونُ.
قالتْ مَن بدتْ لي أنها ابنتُها:
"نَعَم"...
*
هل كنتُ في نيويورك؟

لندن 4 / 5 / 2007



44 ـ بْرايتِنْ تحت المطر
Brighton under the rain
السماءُ التي لا تُرى
السماءُ التي لم تكنْ مثل هذا الحليبِ المُشَرَّبِ باللوزِ
تلك السماءُ التي قد فقدْنا أخيراً، كأنْ لم تكنْ قبلُ أيُّ سماءٍ
سماويّةٍ...
كيفَ يمكنُ أن ندَّعيها ولو لحظةً؟
كيفَ يمكنُ أن نفصلَ البحرَ عنها
وأن نَدَّعي أن في شاطيءِ البحرِ بحراً
وأنّ عليهِ سماءً؟
... ... ... ... ... ... ... ...
ضبابٌ على السِيفِ أبيضُ
حتى النوارسُ تَنقَضُّ في هيأةٍ من هُلامٍ.
مناقيرُها، وحدَها، صورةُ النورسِ الأبديّةُ...
والخبزُ فِرشاتُنا.
والفنادقُ تلكَ التي تتلاشى وقد أعلنَتْ أنها الكونُ
تسكنُ هذا البياضَ
وتمضي بهذا البياضِ إلى أن تكِلَّ العيونُ...
*
المساءَ انتهَينا
ـ وقد أنقذتْنا الأغاني ـ
إلى أننا داخلانِ إلى الغرفةِ...
بْرايتِنُ الآنَ أرختْ شراشفَها البِيضَ
أرختْ علينا شراشفَها البِيضَ
أرختْ علينا الجناح ْ.

لندن 10 / 5 / 2007



45 ـ الصمْتُ
لم تسمعْ موسيقى حتى الآن
(الساعة عاشرةٌ صبحاً)
لا المذياعُ
ولا القُرصُ المُدْمَجُ
لا الهاتفُ
حتى الهارمونيكا الألمانيةُ لم تلمُسْ شفتَيكَ...
وأشجارُ الدُّلْبِ انصرفَتْ عنها الريحُ إلى جهةٍ أخرى.
والساحةُ مقفرةٌ
والأغصانُ، وقد كانت مزهرةً دوماً بالطيرِ الصادحِ، قد عَرِيَتْ.
مطرٌ كان يَنِثُّ رذاذاً
مطرٌ ليس يُرى
مطرٌ ليس له صوتٌ...
وهوائيُّ التلفزيونِ، قبالةَ شُبّاككَ، يوشكُ أن ينحلَّ فيدخلَ في الغيمِ

(الساعةُ عاشرةٌ صبحاً)
لَكأنكَ، منذ الآن، تحاولُ أن تغمضَ عينيكَ
تحاولُ أن تدخلَ في نبعِ بياضٍ لَدِنٍ...
... ... ... ... ... ... ... ...
لكنّ أزيزاً كأزيزِ النحلِ الأمازونيّ تَدافَعَ في رأسكَ
كان أزيزاً حملتْهُ فَراشاتُ الأنديزِ إلى رأسِكَ
ناياتِ رُعاةِ القرغيزِ
أزيزَ الجُندُبِ
زاراً في جبلِ النُّوبانِ
وصَلْياتِ رصاصٍ في البصرة!

لندن 13 / 5 / 2007



46 ـ وَضُوءٌ
أمشي تحت المطرِ
القطَراتُ تسيلُ على قبّعَتي الجِلْدِ السوداءِ
وتلمُسُ وجهي بأناملَ باردةٍ...
كان شميمُ لُبانٍ وبَخورٍ يأتي من جهةِ الصفصافِ
بُحَيرةُ نيسانَ
دُخانُ المركبِ يعلو في الجوّ المثقَلِ نعسانَ
وئيداً
يتلوّى،
وأنا أمشي تحتَ المطرِ
الماءُ يُغَلْغِلُ أسراراً وخرائطَ من ورقٍ بُنِّيٍّ تحت قميصي القُطنِ.
الماءُ يُسَوِّرُني...
... ... ... ... ... ... ... ...
لن أفتحَ في وجه الماءِ مِظَلّةْ!

لندن 15 / 5 / 2007



47 ـ مُراقَبَةٌ
كان الرجل الأعمى يجلس في ركنِ الحانةِ
تحتَ جهازِ التلفزيونِ تماماً.
للرجلِ الأعمى وجهٌ نضِرٌ
ويدانِ، كباطنِ كفِّ القطةِ، ناعمتانِ
وكان أنيقاً في مَلْبسِهِ، شأنَ الفنانين الفقراءِ.
الرجلُ الأعمى كان يدير أصابعَه اللدْنةَ كي يمسكَ كأسَ البيرةِ محترَماً
وخبيراً،
ثم يعيدُ الكأسَ إلى موضعِهِ فوقَ مُرَبَّعِ بيرةِ Foster's
والحانةُ قد شرعتْ تصخبُ
والظُّهْرُ، هنا، رطبٌ ولذيذٌ...
والرجلُ الأعمى تحت جهاز التلفزيون تماماً ينصتُ للأخبارِ:
فريقٌ إيرلنديٌّ ضدّ فريقٍ اسكتلنديٍّ...
وفريقٌ... وإلخ...
كان اثنان من الروّادِ يقولانِ كلاماً عن مانشستَر.
هبَّ الرجل الأعمى، كالملدوغِ، يصيحُ:
سيخسرُ!
حتماً يخسرُ!
لم يسمعْه الرجلانِ...
فقد فتحا بابَ الحانةِ، متّجهَينِ إلى الشارعِ
لكنّ الرجل الأعمى ظلَّ يصيحُ:
سيخسرُ!
حتماً يخسر!
*
لم يضحكْ أحدٌ.
لم يسمعْ أحدٌ.
لكنّ الرجل الأعمى كان سعيداً.
كان يدير أصابعَهُ اللدْنةَ كي يمسكَ كأسَ البيرةِ
مرتشفاً، كالطفلِ، سعادتَهُ!

لندن 17 / 5 / 2007



48 ـ ثلاثةُ أيّامٍ
اليوم الأول
ربما كنتُ أنفِضُ عن هدْبيَ الثلجَ.
كان البياضُ العميمُ يساوي السماواتِ والأرضَ.
والنبْتَ والخَبْتَ.
ما كنتُ أقدِرُ أن أتمَيّزَ فارعةَ الدُّلْبِ عن دوحةِ الكستناءِ.
الطريقُ التي كنتُ أعرفُ لم تعُدِ اليومَ تلكَ الطريقَ.
المدى الأبيضُ امتدَّ وامتَدَّ حتى
توارتْ تضاريسُ قريتِنا.
قيلَ إن الثعالبَ قد تظهر الآنَ،
إن قطيعَ الذئابِ على عَتْبةِ
البابِ.
أرهفْتُ سمعيَ: وووووووووووو.
وأرهفتُ سمعيَ: ووووووووووو.
سوف أُوقِدُ ناري إذا عسْعَسَ الليلُ.
بابي حديدٌ.
وفُوَّهةُ البندقيةِ حِصْني الحصين.

اليوم الثاني
لم يَجِئْنا قطيعُ الذئابِ.

الرجالُ يقولون إن الذئابَ التي أتْخَمَتْها خرافُ المراعي
ستذهب نحو الكهوفِ القريبةِ.
قد تسألينَ: وأيّانَ تأتي إلينا؟
أقولُ لكِ الحَقَّ: إني
أراها هنا الآنَ.
إني أراها هنا تخْمِشُ البابَ.
هل تسمعين صريرَ المخالبِ فوقَ الحديد؟
وقضقضةَ العُصْلِ...
تلكَ النيوبَ التي سوف تنهشُ طفلاً لنا، أوّلاً،
قبلَ أن تغتذي
لحمَنا المُرَّ؟
لا تسألي، واهدأي.
هَيِّئي الخبزَ والماءَ والتينَ.
أغطيةَ الصوفِ.
صفَّ الرصاصِ. الضِّمادَ.
الذئابُ التي تخمشُ البابَ لن تدخلَ البيتَ.
حتى لو استعرَتْ بالجنون.

اليوم الثالث
أيُّ طَرْقٍ على البابِ؟
أعرفُ أنّ المخالبَ تخمشُ...
لكنني أسمعُ الطَّرْقَ يشتدُّ، حتى كأنّ المطارقَ تنهالُ.
أسمعُ ما يجعلُ
القلبَ يرجِفُ.
هذا هديرُ الرجالِ الأُلى استذأبوا، لا عواءُ الذئابِ.
اقفِزي أنتِ يا امرأتي، عبرَ
سورِ الحديقةِ، ولْتأخُذي معكِ الطفلَ.
باقٍ أنا. أتحصَّنُ بالنفسِ لا بالنفيسِ. فإنْ خُلِعَ البابُ
أو هُدِمَ البيتُ صرتُ الجدارَ الأخيرَ...
اذهَبي، أنتِ والطفلَ،
ولْتُبْلِغي كلَّ أهلِ القرى أنني في الكمين...

لندن 19 / 5 / 2007



49 ـ البازنِينُو The Dragonfly
يجيءُ مع الصيفِ، في أوّلِ الصيفِ،
مثل الفُجاءاتِ
في عالَمٍ ألِفَ الشمسَ غائمةً،
والجداولَ نائمةً،
والحياةَ احتضاراً طويلاً.
يجيءُ، وليس له غير أجنحةٍ كالمرايا الشفيفاتِ.
أجنحةٍ كفصولِ الطبيعةِ، أربعةٍ.
غير أنّ المرايا تشِفُّ إلى أن ترى النورَ
في عُمقِها البَضِّ يغدو خطوطاً من الوهمِ.
في الجدولِ، الماءُ منزلِقٌ.
والشجَيراتُ تلعبُ، مقلوبةً فيهِ.
هَفّةُ حُلْمٍ...

ويندفعُ البازنينو على الماءِ.
ليس على الماءِ.
ينزلقُ البازنينو على الماءِ.
ليس على الماءِ.
صار الهواءُ هو الماء.
والماءُ صارَ
هواءً.
ويندفعُ البازنينو، فتَرجِفُ تلكَ الشجيراتُ مقلوبةً.
ثّمَّ أجنحةٌ، كفصولِ الطبيعةِ، أربعةٌ،
تجعلُ الكونَ مرتعشاً.
تجعلُ الكونَ ما لم يكُنْ أبداً.
إنه البازنينو على اللوحةِ الهندسيةِ،
أزرقَ،
أبيضَ،
رؤيا زجاجٍ مَسيلٍ تطيرُ مع الريحِ.
والبازنينو
مع الريحِ،
أقوى من النّسرِ، أسرعَ.
والبازنينو له الحُلمُ وَكْنٌ.
سيصحبنا البازنينو إلى أن نريحَ رؤؤساً مُدَوَّخةً
فوق ريشِ المخدّةِ.
إذّاكَ يأتي لنا البازنينو،
فيأخذنا نحو نجمٍ بعيدٍ،
ويتركُنا في نديفٍ شفيفٍ ننام!
*
ليس للبازنينو كلام...
ليس للبازنينو مقامٌ، ولا منزلٌ.
ليس للبازنينو من الوزنِ ما تملكُ الريشةُ...
البازنينو هو المنتهى
حين تنعتقُ الروحُ من كل هذا الزِّحام...

لندن 24 / 5 / 2007
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* البازنينو بالدارجة العراقية الجنوبية، وهو اليعسوب.




50 ـ أغنيةُ صيّادِ السمك
يا صيّادَ السمكِ
صِدْ لي... ذهبيّةْ!
*
مع الفجرِ يصحو، ليُنصِتَ...
كانت سماءٌ خريفيّةٌ، وأوائلُ صيفٍ.
وكانت تحاورُهُ بالطيورِ، الصنوبرةُ.
الدُّلْبُ يبدو كئيباً. وفي المُرْتَبى
(جهةَ الشرقِ) بُرجُ الكنيسةِ.
في الغربِ كان مَمَرٌّ الحصا ينتهي
عند مقبرةِ الحملةِ الأستراليةِ. الجُنْدُ
يطوونَ تحت الترابِ النديِّ الخنادقَ والدمَ.
والأمّهاتُ اللواتي ارتحلْنَ يجِئْنَ
إذا عسعسَ الليلُ.
لم تولَد الساحةُ القرويةُ بَعْدُ.
السماءُ خريفيّةٌ.
*
يا صيّادَ السمكِ
صِدْ لي... ذهبيّةْ!
*
وهل ينثرُ، الآنَ، عُدَّتَهُ؟
ليس بينَ يديهِ الكثيرُ:
قميصُ ذوي الحطبِ الأستراليّ. خيطٌ طويلٌ دقيقٌ.
وصنّارةٌ. ربما شبهُ طَوّافةٍ تهجسُ النبضَ.
عينانِ لَمّاحَتانِ. وأُذنانِ
تعتبرانِ التقاسيمَ.
ليس لديه الكثيرُ،
ولكنه عارفٌ أبداً أن في القاعِ ما يُرتجى.
عارفٌ أنه كلّما أطلقَ الخيطَ قَرَّبَ ما يرتجي.
عارفٌ أنه عاجزٌ. أنه دونَ
معجزةٍ.
عَرَقٌ يتفصّدُ.
كانت أصابعُهُ تتوتّرُ مبلولةً.
يتوتّرُ خيطٌ رهيف.
*
يا صيّادَ السمكِ
صِدْ لي... ذهبيّةْ!
*
لماذا يرى الماءَ في غيرِ صورتِهِ؟
كان خيطٌ له حَدُّ موسى يشُقُّ الطحالبَ نصفَينِ...
يَفْرُقُ بينَ
الذي قد نراه، وذاكَ الذي لا نراهُ.
وكان على صفحة الماءِ مضطرَبٌ من
فقاقيعَ. والنورُ تلكَ الفقاقيعُ:
حمراءُ، خضراءُ، زرقاءُ، صفراءُ. دنيا.
بنفسجةٌ. قرمزٌ.
أيُّ رِعشةِ رؤيا! وأيُّ ارتباكٍ!
وفي البغتةِ البِكْرِ تلمحُ
ما يخطِفُ البصرَ...
الماءُ ينشَقُّ عن ذهبٍ!
*
يا صيّادَ السمكِ
صِدْ لي... ذهبيّةْ!

لندن 7 / 6 / 2007



51 ـ طبيعةٌ
أمشي إلى آخِرِ البستانِ
يَتبَعُني:
دُلْبٌ
وزانٌ نُحاسيٌّ
صنوبرةٌ...
ونخلةُ الهمَلايا القزْمةُ ارتعشتْ
وكَستناءَ الحصانِ.
الريحُ هادئةٌ
والغيمُ دانٍ.
كأنّ الضَّوعَ يَقْطُرُ...
لكنْ ليس من مطرٍ حتى الدقيقةِ هذي
ليس من مطرٍ.
لكنّ رائحةً سِرِّيّةً نجَمَتْ في بغْتةٍ:
قطرةٌ أُولى
فثالثةٌ...
... ... ... ... ... ... ... ...
وفي قميصِكِ ظلَّ الطَّلُُّ ينهمرُ.

لندن 13 / 6 / 2007



52 ـ مساءُ البُحيرةِ
أمسِ
عندَ البحيرةِ...
كان المطرْ
دافئاً
ناعماً
مثل ملمسِ جِلْدِكِ بعد السباحةِ في البحرِ
(أذكرُ بوّابةَ المتوسِّطِ.)
فكّرتُ فيكِ قليلاً
وأقسمتُ فوراً:
لأَستعْجِلَنَّ القطارَ المسائيَّ!
لكنني، مثلَ ما تعرفين، كسولٌ...
نسِيتُ القطارَ
وفكّرتُ فيكِ كثيراً،
وأدنَيتُ وجهيَ من صفحةِ الماءِ
أرقَبُ كيف تعودُ مياهُ السماءِ إلى بيتِها...
كيف يولَدُ هذا المساء.

لندن 13 / 6 / 2007



53 ـ إحساسٌ غامضٌ
أستيقظُ في الليلِ، على ما لا أعرفُ كيف أسَمِّيهِ؛
بطيئاً
مقروراً
أستيقظُ...
لا صوتَ لأُرهِفَ سمعاً!
كان الليلُ حقيقياً
وثقيلاً،
حتى أشباحُ الأشجارِ زَواها الليلُ فما عادتْ أشباحاً.
لكني أهجسُ...
أهجِسُ أن هنالكَ شيئاًما
ريشةَ فاختةٍ
خطفةَ سنجابٍ
أو حُلما.
كان هواءٌ مختلفٌ في الغرفةِ...
هل بدأَ المطرُ الأوّلُ في طرَفِ الغابةِ؟
هل هبطتْ أُولى القطراتِ على أعشاشِ البطِّ البَرّيّ؟
وهل تشربُ أغصانُ الماغنوليا ما مَلأ الأزهارَ الآنَ؟
الليلُ يهدهدُني
يُدخِلُني في ما لا أعرفُ كيف أُسَمِّيهِ
ويتركني
لأنامْ...

لندن 15 / 6 / 2007



54 ـ كلامُ الفتى البريء
يتوهّمُ القرّاصَ نعناعاً،
ويدخلُ في محيطِ الغابةِ السوداءِ، أجردَ
ليس يحملُ غيرَ مَلْبسِهِ:
قميصِ القُطنِ
والنعلِ الذي حفرتْهُ أشواكُ الطريقِ...
وكان يقولُ إن سُلالةَ الأشجارِ واحدةٌ
وإنّ الماءَ يمنحُها صفاتِ الماءِ
أنْ تحلو
وأن تعلو...
وكان يرى السماءَ بِمَلْمَسِ الأعشابِ
والمرجانَ في لونِ الحصا
واللوزَ في اللبلابِ...
كان يقول إذا ادّنَى منه السحابُ كما روى أسلافُهُ الشعراءُ:
دانٍ
مُسِفٌّ فُوَيقَ الأرضِ هَيدَبُهُ
يكادُ يدفعُهُ مَنْ قامَ بالراحِ!
... ... ... ... ... ... ... ...
يتوهّمُ القرّاصَ نعناعاً...

لندن 5 / 7 / 2007



55 ـ تدريبٌ آخَر...
هل ترى الشجرةْ؟
بلبلٌ تحت كلِ وُريقةْ!
هل ترى الشجرةْ؟
... ... ... ... ... ... ... ...
أنت تضغط وجهكَ لِصقَ الزجاج إلى أن ترى دمكَ النزرَ ينفُرُ
أنت تحسُّ بلسعةِ ضوءٍ إلى أن تظنّ بعينيكَ بلّورتَينِ
وأنت الذي تغتلي
إذ تحاولُ أن تعتلي مُرتَبىً في التلالِ القصيّةِ
حيث الظِّباء سماويّةُ اللونِ.
لا تبتئسْ!
هل ترى الشجرةْ؟
بلبلٌ تحت كلِ وُرَيقةْ!
... ... ... ... ... ... ... ...
لن يكون المساء
مثلَ ما أنتَ
أو مثل ما تتوقّعُ...
سوف تكون النجومُ القريباتُ اكثرَ
والكونُ أصغرَ.
لن تضغطَ الوجهَ لِصقَ الزجاجِ إلى أن ترى دمَكَ النزرَ يَنفُرُ...
لن تحرِقَ البصرَ المتفاوِتَ في بؤرةٍ...
... ... ... ... ... ... ... ...
هل ترى الشجرةْ؟

لندن 8 / 7 / 2007



56 ـ أُمُّ قَصْر
سنُطْلِقُ من "أُمِّ قَصْرٍ" حمائمَنا
في خليجِ النوارسِ والطائراتِ المُغِيرةِ
نُطْلِقُها في خليجِ البوارجِ
والعارِ
والناقةِ الذهبيّةِ
... ... ... ... ... ... ... ...
لم يبقَ بَحّارةٌ:
قُتِلوا،
أو توارَوا خِفافاً بسعفِ نخيلِ القرى...
غيرَ أنّا سنُطْلِقُ من "أُمِّ قَصْرٍ" حمائمَنا
مثلَ ما انطلَقَ العيدُ
يومَ ركزْنا الرماحَ، وقُلْنا لهولٍ ألَمَّ بنا: يا هَلا!
نحن لن نُسْلِمَ المنزلا...
نحن نحفرُ في كلِ نسمةِ بحرٍ خنادقَنا والمقاهي العجيبةَ
نحفرُ في الماءِ أسماءَنا
ثم نأوي إلى جنّةٍ في القرار...

لندن 11 / 7 / 2007
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* أم قصر، ميناء بحريّ عراقيّ، قاومَ جنوده في 2003 مقاومةً مجيدةً.




57 ـ نبيذ سانت إيمِليون Saint Emilion Wine
ربّما ظنّني الناسُ بطرانَ:
ما سانتْ إيمليون؟
أنت الشقِيُّ الفقيرُ المُوَكَّلُ بالبصرةِ...
اخجَلْ قليلاً!
أهذا الذي جئتَ تحكي لنا، بعد كلِّ المذابحِ؟
عن سانتْ إيمِليون؟
حقاً، إذاً... أنت تسكنُ حاناتِ لندنَ!
*
صبراً!
ألم تعرفوا الجنرالَ الفرنسيَّ روجكوف؟
Rougecoff
كان في البصرةِ...
الجنرالُ الفرنسيّ روجكوف قد جاءنا من نخيلِ السماوةِ!
(أحكي عن الـ 91...)
كي يقطعَ الخبزَ والماءَ عن قَطَعاتٍ عراقيةٍ بين خَورِ الزبيرِ وسفوانَ...
والجنرالُ الفرنسيُّ روجكوف كان يحبُّ النبيذَ
وكانت له في المساءِ زجاجتُهُ:
سانتْ إيمليون...
*
أمّا أنا... الحارسُ الأبديُّ المُوَكَّلُ بالبصرةِ النخلِ
فالليلُ لي
ليلُ هذا السبيلِ العجيبِ
السبيلِ الذي ينجلي
في زجاجِ القناديلِ
في قطرةٍ من نبيذ...
*
على كاتب السطور أن يتدخّل الآن. ليس لأن النصّ اكتمل
بل لأنّ النصّ يبدو كأنه اكتمل. سيفرح أحدهُم ويقول:
ألم أُخبرْكم أن سعدي يوسف يقع في فخِّ اعتياداتِه؟
كاتبُ السطور يقول: الأمرُ حقٌّ. لكن سعدي يوسف
حذِرٌ أيضاً. بمعنى أن بمقدوره إنقاذَ سُمعتِهِ في اللحظةِ
الأخيرة.
*
هكذا سوف أسألُ نفسي:
وما شأنُ هذا النبيذِ الفرنسيّ؟ أقصدُ: ما أنا والأمر؟ إنْ كان
روجكوف يشربُه فلْيَكُنْ! ليس أمراً عجيباً...
نعودُ إلى أولِ القصةِ:
الشاعرُ احتاجَ أن يتدرّبَ. جاءَ النبيذُ. وجاءَ مع الكأسِ روجكوف.
جاءت إلى الغرفةِ الحربُ والبصرةُ...
الشاعرُ، الآنَ، يختنقُ.
الشاعرُ الآنَ يلهثُ: أينَ الهواء؟
*
كاتبُ السطور ِ يتدخّل ثانيةً:
هذا اليومَ، ذهبَ سعدي يوسف إلى أسواق تيسكو
TESCO
اشترى زجاجتي نبيذ سانت إيمليون بنصف السعر
Half price
(مصادفةٌ مَحضٌ)
وعاد إلى منزله بالضواحي ينتظرُ المساء.
*
عليه أن يحتفل بالرابع عشر من تمّوز...

لندن 13 / 7 / 2007



58 ـ صيفٌ بريطانيٌّ
بدأتْ قطَراتٌ صغارٌ تُلألِيءُ لوحَ الزجاجِ
وفي الجوِّ رائحةٌ من ترابٍ وماءٍ،
وثَمّتَ رعدٌ بعيدٌ...
أرى النملَ يبني متاريسَهُ في شقوقِ المَمَرِّ.
الحديقةُ هامدةٌ
لا الطيورُ تطيرُ
ولا الورَقُ الغضُّ يهتَزُّ.
آخِرُ بُقعةِ صحوٍ تلاشتْ مع الغيمِ.
رعدٌ قريبٌ...
وفي لحظةٍ
سوف يأتي المطرْ!

لندن 15 / 7 / 2007



59 ـ فِعْلُ حُبٍّ
أنتِ
مثلي
تودِّينَ ألاّ يطولَ الكلامْ.
تدخلينَ السريرَ
بأُبّهةِ الملكاتِ القديماتِ
فارعةً،
ثمّ ترمينَ تاجَكِ
كي يغمرَ الذهبُ، الشرشفَ الناصعَ.
الطيرُ يفتحُ منقارَهُ.
... ... ... ... ... ... ... ...
قطرةٌ من ندى
ويلينُ الرّخامْ!

لندن 19 / 7 / 2007



60 ـ الجارُ
الجنديّ المتقاعدُ
(شِبْهُ المُقعَدِ)
يجلسُ كلَّ صباحٍ، في كرسيّ تَمَدُّدِهِ
خارجَ بابِ البيتِ،
لكي يستافَ قليلاً ضوعَ البستانِ
ويَنْعَمَ بالشمسِ...
وكانت زوجتُهُ تجلسُ أيضاً لِتُقَلِّبَ أياماً
ومجلاّتٍ
وقوائمَ...
*
كان الجنديّ المتقاعدُ
(شِبْهُ المُقْعَدِ)
يُغْمِضُ عينيهِ قليلاً،
ليغادرَ هذا الكرسيّ
وهذا البيتَ
وزوجتَهُ أيضاً...
لِيُخَوِّضَ في غاباتِ الهندِ الصينيّةِ
في حقلِ الألغامِ.
*
اللُغْمُ التالي، منفجرٌ حتماً
في أحدِ الأيام....

لندن 19 / 7 / 2007



ثَبْتُ القصائدِِ
1 ـ هجران
2 ـ هديةٌ صباحيّة
3 ـ في البحر الكاريبيّ، في يوم ٍما
4 ـ وقتٌ ثقيل
5 ـ شهادةُ جنسيةٍ
6 ـ رياحُ الأطلسيّ
7 ـ الجحيم
8 ـ في أصيل غائم
9 ـ نهر الدانوب
10 ـ الشيوعي الأخير يقرأ أشعاراً في كندا
11 ـ مسرحُ دُمى
12 ـ مرحباً
13 ـ بعد عاصفةٍ مطرية
14 ـ قصيدة أخرى عن "باب سليمان"
15 ـ سأحاول ألاّ أقول شيئاً
16 ـ قصيدة مبتلّة
17 ـ في المهبّ
18 ـ الصورة الفوتوغرافية
19 ـ الحديقة السريّة
20 ـ اللقاء البعيد
21 ـ منظر 1
22 ـ منظر طبيعيّ 2
23 ـ منظر طبيعي 3
24 ـ منظر طبيعي 4
25 ـ منظر غير طبيعيّ
26 ـ محاولة نظرٍ
27 ـ القاهرة 1
28 ـ القاهرة 2
29 ـ القاهرة 3
30 ـ القاهرة 4
31 ـ القاهرة 5
32 ـ القاهرة 7
33 ـ القاهرة 6
34 ـ عند شاطئ البحيرة
35 ـ سعادة
36 ـ حريرٌ ساخنٌ
37 ـ الأنفوشي
38 ـ العودة إلى البار الإيرلندي
39 ـ كنيسة سان جون وود
40 ـ جزيرة وايت
41 ـ الصبّار في الحديقة المنزلية
42 ـ صباح السبت
43 ـ في الطائرة بين نيويورك ولندن
44 ـ برايتِن تحت المطر
45 ـ الصمت
46 ـ وَضوء
47 ـ مراقَبة
48 ـ ثلاثة أيام
49 ـ البازنينو
50 ـ أغنية صياد السمك
51 ـ طبيعة
52 ـ مساء البحيرة
53 ـ إحساسٌ غامض
54 ـ كلام الفتى البريء
55 ـ تدريبٌ آخر
56 ـ أمّ قَصر
57 ـ نبيذ سانت إيميليون
58 ـ صيفٌ بريطانيّ
59 ـ فِعْلُ حُبّ
60 ـ الجار



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ كٌتِبَتْ قصائدٌ الديوان بين الثاني عشر من تشرين ثان 2006 والأول من أيلول 2007 في لندن ونيويورك.


توقيع نقوس المهدي


ومن لا يكرم نفسه لا يكرم



  مشاركة رقم : 3 (الرابط)  
قديم 06-18-2009, 02:32 AM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 6,094
بمعدل : 12.69 يوميا

نقوس المهدي متصل الآن عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : مختارات
افتراضي


وقع خطأ في اسم الشاعر العراقي الكبير سعدي يوسف لم اتدركه
الفت انتباه الاخوة في الادارة لضبط الاسم وشكرا


توقيع نقوس المهدي


ومن لا يكرم نفسه لا يكرم



  مشاركة رقم : 4 (الرابط)  
قديم 06-18-2009, 02:44 AM
الصورة الرمزية عبد الفتاح المسودي


رقم العضوية : 374
تاريخ التسجيل : Sep 2008
المشاركات : 1,896
بمعدل : 3.40 يوميا

عبد الفتاح المسودي غير متصل عرض البوم صور عبد الفتاح المسودي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : مختارات
افتراضي

لقد تم التعديل أخي المهدي ناقوس
تحية مودة

  مشاركة رقم : 5 (الرابط)  
قديم 06-23-2009, 11:22 AM
الصورة الرمزية سعاد بني أخي
مشرفة السرد و إبداعات بلغة أخرى

رقم العضوية : 912
تاريخ التسجيل : Jan 2009
المشاركات : 6,867
بمعدل : 15.78 يوميا

سعاد بني أخي متصل الآن عرض البوم صور سعاد بني أخي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : مختارات
افتراضي

مع امتناني لمجهوداتك الهائلة
و تقديري لك
إليك هذه أخي مهدي

امرأة لسعدي يوسف



توقيع سعاد بني أخي

غدا سيكون أجمل



  مشاركة رقم : 6 (الرابط)  
قديم 06-23-2009, 05:28 PM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 6,094
بمعدل : 12.69 يوميا

نقوس المهدي متصل الآن عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : مختارات
افتراضي

شكرا اختي سعاد على هذا الرابط الصوتي سيبقى سعدي من ضمن الاصوات القوية الذين طبعوا الشعر العربي واثروا فيه ولن ننسى قصيدته الشهيرة اوراق من ملف المهدي بن بركة وارتباطه بالمغرب والجزائر ورموزه9م غبر ديوانه الاخضر بن يوسف

كل الاعتزاز والتقدير لك


توقيع نقوس المهدي


ومن لا يكرم نفسه لا يكرم



إضافة رد


مواقع النشر
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
السمك لا يموت التهامي بورخس القصة القصيرة 10 08-15-2009 08:11 PM
عاطف عبد العزيز: ديوان : مخيال الامكنة / ديوان: سياسة النسيان نقوس المهدي مختارات 0 05-29-2009 02:47 PM
أشرف يوسف - ديوان: يعمل منادياً للأرواح نقوس المهدي مختارات 0 05-24-2009 01:17 AM
دواوين الشاعر الكبير سعدي يوسف نقوس المهدي مختارات 0 03-23-2009 06:48 PM
الشاعر سعدي يوسف في ضيافة العاصمة الإسماعيلية نعيمة زايد أخبار ثقافية 2 02-24-2009 10:30 AM

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الساعة الآن 01:17 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.7.4, Copyright ©2000 - 2010