أنت غير مسجل في منتدى مطر . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا
آخر 10 مشاركات
قصيدة لمنتدى مطر (الكاتـب : أبو محمد الديري - آخر مشاركة : مازن كريم - مشاركات : 4 - )           »          عزمت السفر (الكاتـب : عبد العزيز زكي - آخر مشاركة : بنعيسى الحاجي - مشاركات : 1 - )           »          حياة رأسا على عقب (الكاتـب : خمسي عبداللطيف المغربي - مشاركات : 0 - )           »          توجس (الكاتـب : مليكة الغازولي - آخر مشاركة : عبدالعاطي طبطوب - مشاركات : 22 - )           »          احمد المجاطي - قصائد (الكاتـب : نقوس المهدي - آخر مشاركة : طارق جمال الادريسي - مشاركات : 7 - )           »          يا عايشة مامتيش (الكاتـب : لميس سعديدي - آخر مشاركة : ناجية عامر - مشاركات : 6 - )           »          التأثير النيتشوي على مدرسة فرانكفورت / رؤية... (الكاتـب : طارق جمال الادريسي - مشاركات : 0 - )           »          لقاء حار (الكاتـب : غزلان النعيمي - آخر مشاركة : محمد فجار - مشاركات : 9 - )           »          الأخت ناجية عامر ... كل سنة وأنت عيد (الكاتـب : حسين الدمرداش محمد العدل - آخر مشاركة : ناجية عامر - مشاركات : 16 - )           »          نيتشه / لماذا اكتب مثل هذه الكتب الرائعة (الكاتـب : طارق جمال الادريسي - مشاركات : 0 - )


العودة   منتدى مطر العودة امتدادات العودة مختارات

إضافة رد
   
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  مشاركة رقم : 1 (الرابط)  
قديم 06-20-2009, 08:34 PM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 8,878
بمعدل : 13.59 يوميا

نقوس المهدي غير متصل عرض البوم صور نقوس المهدي



المنتدى : مختارات
افتراضي كمال أبو ديب - مختارات

كمال أبو ديب

رسائل إلى امرأة عربية








1

صديقتي،
أعرف أنني أبدأ بكلمة فذة، وأنني لأعي ذلك تماماً. بيد أنني أكتب لامرأة فذة، ولذلك أترك لنفسي أن تختار ما يليق بها في أكثر سماتها روعة. فذة أنت وفريدة بين النساء: لا لأنك أفتن جمالاً، أو أكثر دلالاً، أو أحد ذكاء، أو أروع بهاء، أو أبدع أناقة وأنوثة. ولا لأنك أرفع مكانة، أو أنصع أخلاقاً ولباقة "وأنت، أيضاً، ذلك كله" بل لأنك، ببساطة لا تفوقها بساطة،
صديقتي.
هل يفاجئك إنني أحدد فذاذتك وتفردك بين النساء على هذا المستوى الذي قد يبدو عادياً جداً؟ وهل يثير عجبك ما أقوه عن موضع الفرادة فيك؟ وهل تشتهين أن أكون نسبت الأمر، بدلاً من ذلك، إلى جمالك وبهائك ولسحر عينيك الغاليتين؟
دعيني، إذن، أكشف أمام عينيك الجميلتين حقيقة تبهر، حقيقة لم تنجل لي إلا وأنا أتشوف الكلمة الأجمل الأولى، لأناديك بها، في هذه الرسالة الأولى، لأناديك بها، في هذه الرسالة الأولى: أعني كلمة "صديقتي". والحقيقة الباهرة، أيتها الفريدة بين النساء، هي أن هذه الكلمة ما تزال عذراء بكرا في قاموس لغة لم يعد لشيء فيها مثل هذه البكارة والعذرية، بعد أن أنهكها استعمال ألفين من السنين. وإن بكارة كلمتي هذه لتتجسد في إنها لم ترد مرة واحدة في تاريخنا كله، فليس ثمة من رجل عربي واحد، خلال دهور من الكتابة والتواصل والشعر والزواج والإنجاب والغزل والعشق والموت ولهاً وصبابة، نادى امرأة عربية بقوله: "يا صديقتي". وها أنذا أخرج على تراث أمه بأكمله، لأفعل ما لم يفعله أحد، فأهتف إليك من أعماق القلب: "يا صديقتي"! أترين كيف إنك فذة وفريدة بين النساء؟ وكيف إنني أناديك بما يليق بك من فذاذة؟
ولو إنني ناديتك "يا آمتي" أو "يا جاريتي" أو "يا محظيتي" لما كنت فريدة في شيء. فلقد نادى ألف ألف رجل عربي ألف ألف ألف امرأة عربية من قبل "يا آمتي" أو "يا جاريتي" أو "يا محظيتي" بل إنني حتى لو ناديتك "يا حبيبتي" وأدخلتك هكذا في شغاف الروح، في المكان القصي الأكثر حميمية وحنانا من القلب واللغة، لما منحتك الفرادة التي أنت أهل لها. فلقد نادى ألف ألف ألف عربي من قبل ألف ألف ألف عربية: "يا حبيبتي".
أترين، ايتها الفريدة بين النساء، يا صديقتي؟



2

بلى!
لقد كانت المرأة العربية للرجل العربي عبر التاريخ محظية وأمة وسبية وجارية، كما كانت له أيضاً زوجة وخليلة- هل قلت "خليلة"؟ إن هذه الكلمة لتفاجأني الآن كما لم تفاجأني مرة من قبل، رغم إنها مألوفة لي ألفة الجوع والتشرد والفقر والهزيمة والسجون في هذا الوطن المترامي مثل جسد مقطع مشلى. ذلك أن "الخليل" هو الصديق الصدوق، هو الأقرب إلى الذات والروح (ألم يسم الله المقرب إليه "إبراهيم الخليل؟) وتكاد الكلمة أن تجعلني أشك في مقولتي وأتهم نفسي بالخطأ، لأنها توحي بأن الرجل العربي ينادي المرأة "يا خليلتي" أي "يا صديقتي الألصق بالروح وموضع بوحي وأسراري"، لكن حيرتي لا تطول، فمعاجم اللغة تسعفني وتؤكد صدق مقولتي الأصلية.. وأنظري إلى هذا الأمر العجيب الذي يحدث هنا ليزيد صورة المرأة العربية تشويهاً، إذ يشوه اللغة التي بها يصفها، فالخليل، المذكر، بالنسبة للرجل، هو الصديق الصدوق المخلص الوفي، أما الخليلة المؤنثة، فإنها ليست، بالنسبة للرجل، الصديقة الصدوق، بل هي "المحظية" في وجه من وجوهها: الخليلة هي المرأة التي يكون للرجل المتزوج علاقة جنسية بها خارج زواجه، أي إضافة إلى زوجته. فهي، إذن، خليلة لا لأنها فيض من الأنس والصداقة والوفاء الجميل، ومكمن البوح من الرجل بأشيائه الحميمة الخفية. بل لأنها ترتبط بعالم المحرم والسقوط الأخلاقي. وهي "خليلة" بإزاء وجود امرأة أخرى هي "الزوجة". وبهذا المعنى، فإن الزوجة لا يمكن أن تكون، في تصور العرب، الصديقة الوفية الحميمة الدفيئة، وموضع بوح الرجل بأدق ما في ذاته من مشاعر خبيئة، فهي لا تسمى أبداً "خليلة"، بل تسمى "المرأة الأخرى" التي يكون للرجل بها علاقة محرمة ملعونة "خليلة". هكذا تشوه اللغة- بل يشوه العربي- كلتا المرأتين: يشوه المرأة التي هي زوجته (لأنه يستبعد أن تسمى "خليلة" أي صديقة صدوقا حميمة وموضع أسرار له) ويشوه المرأة الأخرى لأنه يسميها "خليلة" لا ليعبر عن إحساسه بأنها الصديقة الصدوق الحميمة، بل ليعبر عن سقوطها- وسقوطه- الأخلاقي إذ يعاشرها معاشرة الحرام. وفي عملية التشويه هذا يشوه العربي أيضاً لغته الجميلة: لأن الخليلة تصبح كلمة ملوثة مدنسة- وهي التي استعمل الله صيغة المذكر منها ليصف بها اقرب المقربين إليه (ولاحظي أن هذا التشويه يتجسد الآن وتاريخياً- في الأسماء العربية. فإن اسم "الخليل" معرفاً أو منكراً لرجل كثير مألوف، لكن ليس ثمة من امرأة واحدة سميت "خليلة" خلافاً للعرف الذي تكثر تبعاً له أسماء مثل: "جميل"، "جميلة"، "نبيل"، "نبيلة" و"حميد" "حميدة" وهكذا).


3

بلى/ أيضاً، أيتها الفريدة بين النساء.
لقد نادى ألف ألف ألف عربي ألف ألف ألف امرأة "يا حبيبتي"؛ بيد أن نداءه كان دائماً صوتاً ملعوناً، مقموعاً، حبيساً، صوتاً مستنكراً في غابة الأنصاب والأعراف والقوانين والقواعد التي تلعن "الحب" وتضعه في المرتبة الأعلى من الحرام. كان الشاعر الجاهلي ينادي امرأة "يا حبيبتي" فتطارده القبيلة وتحرمه من الزواج منها، لأنه بندائه لها- في عرف القبيلة- لوثها وفضحها ولطخها بالقذارة. واستمر الشاعر بعد ذلك ينادي امرأة "يا حبيبتي" فيهدر دمه، أو يهدد بقطع لسانه، أو يزج به في السجن "وما أكثر الأسباب التي من أجلها يزج بالعربي في السجن" لأنه يلطخ الأعراض، ويدنس المقدسات، وينتهك الحرمات "وكلها مقدسات الرجل وحرماته وأعراضه ولا دور لك أنت- أقصد للمرأة العربية- في تحديدها أو إقرارها". هكذا ظل الحب قذارة وتلطيخاً ودنساً، ظل شعوراً لا يستثير في الجماعة إلا شراسة الرغبة في القمع والجلد والعقاب؛ أي أن أنبل ما في الإنسان من مشاعر وأدفأها ظل دائماً أكثر ما فيه من مشاعر إثارة للظلم والقسوة والاتهام بالدنس وفساد الأخلاق والقيم والروح. "ورغم أن هذه الثقافة أنتجت بعضاً من أروع ما في العالم من شعر حب، فإنها أنتجته تحت وطأة السياط ولدغ الألسنة والعيون الممزقة وانتصاب الحجب الحاجبة وحرمان الرجل والمرأة من روعة كينونة العاشقين معاً، في مدى من الصفاء والوله والتواصل السرمدي".
وفي عالم كهذا، كيف أناديك "يا حبيبتي" مهما تفجر في القلب من حنين للنداء، ومهما انغلقت في الروح من أبواب توصد لأنها لا تستطيع أن تفصح عن أسرارها وترحل بك، بالكلمة الجميلة النبيلة، إلى حنايا العروق حيث ينبض الدم وشهوة الحياة، ونفس الوجود؟


4

أنت، إذن، أيتها الفريدة بين النساء،
صديقتي!
وتأملي، رويداً رويداً، النوافذ التي تفتحها لنا هذه الكلمة في هذه الآفاق المغلقة.
فإذا أناديك "صديقتي" أعلن أنك، بين هذا الملأ، المرأة التي أعرف معرفة حميمة دافئة، المرأة التي ألوذ بها حين تغيم في القلب والروح أشياء العالم، وتتصدع لبناته، المرأة التي تظل، في زمن اليأس والانهيار، قنديلاً يأتلق في الريح يهدهد متاهة الروح التي تأكلها الفاجعة، وسنداً يتكئ عليه الجسد المتكسر تعباً وضنى في لجة التمزقات، ويداً تشد علي يدي بحنو مشاركة عميقة في خضم الفقدان وهوة الأسى، ووجهاً يتألق كالوردة التي توقظها الشمس في صباح ربيعي مندى كلما أومضت بارقة تشي بأن العالم ما يزال فيه موضع يتبرعم فيه وعد بخصب ونعمة وغبطة مقبلة.
وإذ أناديك "صديقتي" أعرف معنى أن أعرف: فالمعرفة، سر المعرفة، هو أن ينفتح للقلب قلب بكل ما فيه ويسمح له بأن يكتشف كل لاعجة من لواعجه.
المعرفة... لكن!!
ايتها الفريدة بين النساء!
كيف كان لي أن أملك مثل هذه المعرفة؟
كيف كان لي أن "أعرفك" هذه المعرفة وأنهل من ثرها نهل الصادي؟
كيف كان لي؟
وأنت قابعة وراء ستر التاريخ، وحجب القوانين المسيجة، وقيم العائلة والعشيرة والمذهب التي تضرب حولك قلاعاً من الجليد وحصوناً من القمع الذي يخلق الرعب على "الشرف" من الانتهاك؟
كيف كان لي أن أعرفك أنت التي أعرف؟
لكن، أأنت حقاً تلك التي أعرف؟
وها أنذا، في لجة التساؤل، بعد أن كنت أكتب بغبطة اليقين.
أنت المطوقة بالأحداق الفاغرة كالأفواه الجائعة ترصد كل حركة من حركاتك حتى حين تكونين في "أمان" بيتك الصغير. حتى هناك، تراقبك. الأحداق الجائعة المرعبة، تقول لك: لماذا وقفت على الشباك تنظرين إلى رجال يعبرون الطريق؟ وتقول لك: لماذا تركت شعرك الأسود الجميل يتطاير مع نسيم الشرفة الربيعي في مساء ناعم كالحزن، وأنت تقفين ببراءة الطفل ترنين إلى أزهار الحديقة المتفتحة لعذوبة أشعة الشمس الأخيرة، ما دامت ثمة سيارة تقطع الطريق يسكنها شبح لرجل؟ أنت المطوقة التي يعلمونها أن النظرة العابرة تلوث، وأن البسمة العابرة تلوث، وأن الضحكة العذبة الرقيقة تلوث، وأن الكلمة الحلوة- سواء أقالتها هي أو سمعتها تقال لها- تلوث؟ أنت المحصنة وراء الأسوار (حتى حين يطلق سراحك لتسيري في الطريق، أو تذهبي إلى الجامعة، أو ترودي المتاجر) تختنق في شرايينك حتى الأحلام بأن يكون لك يوم تستطيعين فيه أن تتبادلي الحديث مع رجل بعفوية وبساطة وإنطلاق، أو تتبادلي معه الابتسامات بعفوية وبساطة وانطلاق، أو تتراشفي معه بالكلمات الحميمة بعفوية وبساطة وانطلاق.
أنت المطوقة بالأسوار والتقاليد والدماء والعيون الفاغرة والتاريخ والكتب الصفراء.
كيف كان لي أن أبلغ القبر الذي فيه تذوين لأناديك "يا صديقتي"؟
هكذا تحدث المعجزات!
في هذا العالم الذي ماتت فيه المعجزات وزمن المعجزات، العالم الذي تنتصب فيه قصور الأغنياء كالكوابيس في وجوه ملايين المعدمين، العالم الذي يبيع ثرواته لأعدائه، ويتاجر بالأخلاق والقيم والنساء، ويقامر أسياده في ملاهي "بيغال" وال "بلاي بوي" بعجز الفقراء وجوعهم، ويشترون جميلات أوروبا بملايينهم المكدسة أرقاماً في البنوك ثم يذبحون بناتهم إذا عرفن رعشة الجسد للمسة رجل في مساء ربيعي، العالم الذي تجتاحه إسرائيل متى شاءت وإن شاءت فلا تهتز فيه إلا مايكروفونات الإذاعات ومنابر الخطابة وصفحات الجرائد السوداء- في هذا العالم الذي يختنق، يصبح معجزة أن أعرفك، أن نسير معاً في طريق الجامعة، أو دروب الحي، أو شوارع المدينة. المزدانة لليل، وإن أناديك "يا صديقتي".
في هذا العالم الذي تراكم فيه الموت وتحجرت طاقة الإبداع، يبدو أعظم خطورة بكثير أن أناديك "يا صديقتي" من أن يبيع عربي أرضه للصهاينة ليشتري بها سيارة أميريكة فارهة.
في هذا العالم الذي يحتضر فيه الإنسان تحت وطأة السلطات والمخابرات والأسياد، يبدو أعظم نبلاً وأحق بالوعظ والصراع أن تنصب الأحداق المحقونة بالتعاليم عن الأخلاق والتراث والشرف بيني وبينك جدراناً ماحقة، من أن يقارع أصحاب هذه الأحداق شراسة السلطة وظلمها وسحقها للإنسان، أو يجاهدوا من أجل أن يحرروا الإنسان، أو يجاهدوا من أجل أن يحرروا الإنسان، يحررونا أنت وأنا ومئات الملايين، من ربقة الطغيان ونير العبودية، أو يجالدوا من أجل أن يدفعوا الاستبداد والاستغلال والجوع والمرض عن قلوب ملايين الفقراء والمرضى، في المخيمات وضواحي المدن المختنقة، والريف الجائع.
في هذا العالم- لكن هل أسمي هذا الشيء الذي نعيش فيه "عالماً"؟
وإذا كان، فعالم أي شيء هو؟


5

بلى، يا صديقتي:
لقد كانت المرأة العربية للرجل كل شيء إلا صديقة. كانت له أما وأختاً وزوجة، ومحظية وجارية، وحبيبة، وأمة وخليلة. كانت له مائة شيء وشيء. ولكنها لم تكن مرة واحدة، ولرجل واحد، "صديقة".
أما أنت، أيتها الفريدة بين النساء. فإن لك مجد أن تكوني "صديقتي" ولك مجد أن تمنحي رجلاً عربياً عظمة أن يكون "صديقك" وأن تسبغي عليه، من شفتيك النابضتين بشروق الحياة، نبل هذه الكلمة، وروعة آمادها الخفية. وإذا أرى الأمر الآن من منظورك أنت، إذ اقول أن لك "صديقاً"، تزداد حدة الفاجعة وغرابة العالم.
هل كان لك، في قبرك الذي فيه تذوين، مرة واحدة "صديق"؟
هل عرفت روعة هذه العلاقة السحرية التي تجعل رجلاً- لحماً ودماً وفكراً وروحاً وابتسامات وضحكات وأصابع تحمل القلم لتكتب إليك، ويدين تمسدان شعر طفل صغير- "صديقاً" لك؟
هل ناديت رجلاً واحداً في عمرك كله "يا صديقي"، أيها الفريد بين الرجال" لا.
ها نحن، إذن، نكتشف أمراً مذهلاً آخر، ومدى جديداً مشتركاً بيننا، ونكتشفهما معاً، في لحظة واحدة. وهو أنه ليس ثمة من امرأة عربية واحدة عبر تاريخ هذه الأمة نادت رجلاً عربياً "يا صديقي"! تماماً كما أن رجلاً عربياً واحداً لم يناد امرأة عربية "يا صديقتي"، مرة واحدة في هذا العالم المغلق كالقبر.
تصوري الفاجعة.
ودعينا نتفجع معاً.
لكن، دعيني أولاً أحلم بشفتيك الطريتين مثل وردة جورية تتبرعم في نداوة المساء تناديانني- تناديانني أنا- "يا صديقي".
ودعيني قبل أن يسدل الليل أمواجه الثقيلة على قلبي. وتملأه أصداء صراخ العاشقين في متاهات الصحارى العربية تطاردهم ريح اللعنة لأنهم نادوا امرأة ما بلغة الحب، ويمتلئ قلبي بالسجف، دعيني أناديك.
"أيتها الفريدة بين النساء، يا صديقتي".
لكن دعيني أيضاً أتلمس الوهم، الوهم الذي هو أنت، فأنت لست إلا وهماً يعابث هذا الخيال المنهك الذي يشطح في هلوسات حمية، يحلم بأن امرأة عربية جديدة تنبعث من قبور الحريم والسلطان، والتقاليد، امرأة يستطيع أن يعرفها ويسميها له "صديقة" ويناديها "يا صديقتي"، ويحلم بأن تهسهس شفتاها الجميلتان بنداء يتجه إليه هو يقول "يا صديقي".
أنت هذا الوهم، هذا المدى المسكون بالغوايات.
أنت درة يبتكرها التمني.
درة يبتدعها تلاعب الوهم بخيال يحلم بمستقبل أروع جمالاً، وابدع فيضاً وخصباً، مستقبل له بهاء طلعتك العربية الساحرة.
لكن، فديتك، دون هذا الوهم الجميل؟
كيف يمكن للعمر أن يمضي؟
وأي نكهة تكون لهذه السنوات الواحفة نحو الموت؟


6

فلتكوني، إذن، درة يبتكرها التمني، ولتكوني درة يبتدعها تلاعب الغوايات بخيال يحلم بمستقبل مضيء.
ودعينا نقدس هذا الوهم الجميل:
وهم أنك فريدة بين النساء
وإنك، بعذوبة لا تفوقها عذوبة، صديقتي.


* مجلة الكاتبة 1993


توقيع نقوس المهدي



المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.




  مشاركة رقم : 2 (الرابط)  
قديم 06-20-2009, 08:44 PM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 8,878
بمعدل : 13.59 يوميا

نقوس المهدي غير متصل عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : مختارات
افتراضي


نص على نص / نص على عالم
الأزمنة الأولى، الأزمنة الأخيرة


كمال أبو ديب
(سوريا/بريطانيا)



1

في أزمنة أولى، في مكان ما من التاريخ، كان ثمة حلم، كان ثمة عالم يملأه التناغم، وتتلاقى فيه الألوان في تشكيل سيمفوني آسر، وتنسرب إلى خلاياه الكلمات قناديل ربيعية لامعة تضيء مساحة الخطة الأولى وتكشف مدى الطريق لخطوات مقبلة . وكانت الخطوة واثقة، قوية، تبتكر الدرب، وترسم ملامح الآتي بيقين .
في أزمنة أولى، (في مكان ما من الذاكرة)، كان ثمة عالم يتجلى : ينبثق في رؤيا صافية لها نصاعة المرآة الصقيلة تمرئي قسمات الوجه النقي بتأمل، بغبطة البشارة الأكيدة، أيامه الجميلة الآتية .
في أزمنة أولى كانت ثمة شيء اسمه "الحلم العربي"، وكان لهذا الشيء _ الحلم لغته العذبة المليئة مثل ثمار ناضجة، وإيقاعه المتموج الرقراق، مثل جدول جبلي صاف ؛ كما كان له لغته الهادرة المتفجرة، وإيقاعه المخترق النافذ ؛ لكنها في كلا البعدين كانت له صوره المضيئة كألق بروق خفية تنشر لمعانها الموحد في رحابة الجسد النابض بالعافية _ جسد النص القصيدة، أو جسد العالم الذي تولد فيه القصيدة .
ثم انكسرت المرآة،
المرآة ؟؟؟
لا /
بل لقد انكسر العالم




2


ولذلك تهشمت المرآة، فتناثرت شظايا رملية فوق مساحة واسعة كالفجيعة لا تطاق . وجاءت أزمنة أخيرة، مضرجة بأشلاء الحلم العربي، معفرة بفتات اللحم الذي جف وتيبس في العراء، فصار قطعاً كبعر آرام امرئ القيس تتناثر فوق الأطلال حب حنظل تلقفه اليد لأنها في جوعها وفجيعة خيبتها أصبحت ذاهلة لا تميز بين البعر والحنظل .
في أزمنة أولى (في مكان ما من الذاكرة) كان ثمة حلم . بل كانت ثمة رؤيا مستقبل مضيء، عناها شاعر وشاعر غناء اليقين الذي لا مراء فيه .
ها هو ذا أدونيس يغنيها بوثوقية لا يعلو عليها حتى إيمان المتصوف العارف بصفاء وجه ربه .
"فينيق، تلك لحظة انبعاثك الجديد، صار شبه الرماد صار شرراً أو لهباً كواكبياً .
والربيع دبّ في الجذور، في الثرى، أزاح رمل أمسنا _ العجوز والثلاثة، الركام والفراغ والدجى .
ولقد غناها أدونيس بيقين من يعاين الواقع ويرى فيه قوى الثورة والإخلاص والتضحية والبذل، القوى التي تفجر الأرض الموات وتبدع العالم الجديد : أرض الخصب والعطاء والبراعم والجمال، غناها بفرح العزيمة التي تعرف انها قادرة على الخلق، فياضة بطاقة الإبداع والإنجاز .
" بلى في بلادي أنا ثورة
تنور أزهارها
ويهدر إعصارها
وفيها دم ثائر
يعمّر دنيا ويهدم دنيا
على كبره تستفيق الحياة
وفي دفعة تتعالى وتحيا .
بلى في بلادي إنا خالقون .
وساع كآفاتها الواسعة
نقيّون كالشمس في عريها
فتيّون كالأنجم الطالعة
هنا دفقوا دمهم في الزمان
هنا اختصروا عمرهم في ثواني
هنا ملأوا كل شيء حنينا
هنا ملأوا كل شيء يقينا
ولم يبق في شعبنا فراغ
ولم يبق في أرضنا فراغ
وها في بلادي، بلاد الفراغ،
يموت الفراغ .
صغار بلادي
يقولون " في أرضنا ثورة
تبدع من أول
حياة الغد المقبل
وتفتح أجفاننا
على الزمن الأجمل .
وها هو ذا خليل حاوي أيضاً يغنيها كأدونيس، في قصيدة تعبق بإيقاع التناغم ولغة الاكتمال والأثمار، وصور الفيض الداخلي لروح مولهة ملء عروق لغة تعشقها وعالم تتعبده، في طقوس الغبطة الراقصة للولادة الجديدة . لقد رأى خليل حاوي وغنى :
"رؤيا يقين الحنين واللمس
وليس خبراً يحدو به الرواة "
ولقد كانت الرؤيا وليدة عذابات التاريخ، وليدة الاستنقاع والموت والانحلال والمعاناة واختمار الجراح والتوق الخلاق إلى الخصب الغامر المجدد . ولذلك كانت رؤيا صافية خالصة النقاء :
"في شاطئ من جزر الصقيع
كنت أرى فيما يرى المبنّج الصريع
صحراء كلس مالح، بوار
تموج بالثلج وبالزهر وبالثمار
داري التي تحطمت
تنهض من أنقاضها
تختلج الأخشاب
تلتم وتحيا قبة خضراء كالربيع ".
ولقد رأى خليل حاوي، عبر هذا العالم البوار، جلجلة الولادة النقية وبراعم الفجر الجديد:
"واليوم، والرؤيا تغني في دمي برعشة الرق وصحو الصباح
وفطرة الطير التي تشتم
ما في نية الغابات والرياح
تحس ما في رحم الفصل
تراه قبل أن يولد في الفصول
تفور الرؤيا، وماذا،
سوف تأتي ساعة،
أقول ما أقول :
"تحتل عيني مروج، مدخنات
إله بعضه بعل خصيب
بعضه جبار فحم ونار
مليون دار مثل داري ودار
تزهو بأطفال غصون الكرم
والزيتون، جمر الربيع
غب ليالي الصقيع
يحتل عيني رواق شمخت
أضلاعه وانعقدت عقد
زنود تبتنيه، تبتني الملحمة
ومن غنى تربتنا تستنبت
البلور والرخام
تكدس البلور من رؤيا عيون
ضوّات واحترقت في حلك الظلام
وفرخت أعمدة الرخام
من طينة الأقبية المعتمة
تلك التي مصت سيول الدمع
مصت ربوات
من طحين اللحم والعظام
واختمرت لألف عام أسود وعام
فكيف لا يفرح منها ناصع الرخام
أعمدة تنمو ويعلوها رواق أخضر
صلب بوجه الريح والثلوج
المحور الهادئ والبرج الذي
يصمد في دوامة تبتلع البروج .
* * *
رؤيا يقين العين واللمس
وليس خبراً يحدو به الرواة
* * *
ما كان لي أن أحتفي
بالشمس لو لم أركم تغتسلون
الصبح في النيل وفي الأردن والفرات
من دفعة الخطيئة
وكل جسم ربوة تجوهرت في الشمس
ظل طيب . بحيرة بريئة .
عدت إليكم شاعراً في فمه بشارة
يقول ما يقول
بفطرة تحس ما في رحم الفصل
تراه قبل أن يولد في الفصول ".
هكذا اكتملت الرؤيا : بريئة، خصبة، زاهية، وخلّفت وراءها كل عفن الأمس وجميع القوى التي ولدته، خلفتها عقيمة، غير قادرة على التكاثر، لا نسل لها في هذه الأرض الجميلة :
"أما التماسيح مضوا عن أرضنا
وفار فيهم بحرنا وغار
وخلّفوا بعض بقايا
سلخت جلودهم
ما نبتت مطرحها جلود
حاضر هم في عفن الأمس الذي
ولّى ولن يعود
أسماؤهم تحرقها الرؤيا بعين
دخاناً ما لها وجود ".
لكن : هل حقاً ولّت أسماؤهم التي أحرقتها الرؤيا ؟ هل سُلخت جلودهم فاندثرت ولم تنبت مطرحها جلود ؟ أوّاه، يا أنت، يا خليل : أيها الروح التي لوعتها المأساة وفجيعة إجهاض الرؤيا لقد رحت أنت، وظلت التماسيح . انحل جلدك الأسمر الداكن الذي لوحته بنقائها شمس الجبال، ويداك اللتان طالما حدثتني عن تشقيق شظف الحجارة الزرقاء لهما حين كنت تنحت الحجارة لتبني البيوت الصخرية في الجبال، ولتؤسس على الصخر ما كنت تظنه سيبقى . انحلّ جلدك الذي لوحته بنقائها الشمس، دون أن ينبت مكانه جلداً طرياً جميلاً نقياً . وجلودهم هم هي التي بقيت، جلودهم بقيت وأنبتت مطرحها ملايين الجلود التي تسعى في الأرض كالنمال من الماء إلى الماء، من الحافة إلى الحافة .
هكذا كان ما رأيت خديعة ووهماً يغشيهما التمني وحمّى صرعة التوق إلى الولادة، لكن لما تكن ولادة . وها هو ذا وريث لك، في سلالة الكلمة، لا يرى التماسيح وجلودهم فقط، بل يرى الجثث والبغال .
إن قاسم حداد ينوح لأن الأطفال الذين يراهم ليسوا الأطفال الذين رأيتهم أنت في أرض الرؤيا التي "تزهو بأطفال غصون الكرم والزيتون، جمر الربيع "، بل إنهم أطفال "يتذكرون المستقبل قبراً قبراً"، ذلك أن مستقبلهم، كماضيهم تماماً، زمن "جذوره في الكهوف "، يؤرخ لهزائم الحروب ".




3


في أزمنة أولى، في مكان ما من التاريخ، كان ثمة حلم، وكانت ثمة رؤيا . في أزمنة أخيرة، تقصف حلم العربي ضربته ريح صر صر عاتية، فغدا قرية خاوية مقوض كل شيء فيها ؟ سوى عروشها، ويباباً تتقاذفه الريح، وتخش فيه أصواتها كخشيش أقدام فئران يابسة تتراكض في هشيم جاف .
بين رؤيا خليل حاوي ويقين أدونيس، وبين اللحظة الحاضرة، ثمة ثلاثة عقود فقط، ما الذي ضرب العربي في ثلاثة عقود، فتقصفت في حياته الرؤى ؟.
بين رؤيا خليل حاوي، وإيقاعها الغني، وثراء إيقاع أدونيس الصارم وعظمة إيمانه بالغد الأجمل، وبين اللحظة الحاضرة، ثلاثة عقود فقط .
فما الذي كسر الإيقاع، وحطم التناغم، وأفسد بشارة المستقبل الذي كان "رؤيا يقين " تراها العين كما ترى نفسها، مطمئنة واثقة، في غدير ماء رائق، أو مرآة صقيلة نقية ؟
بين رؤيا خليل حاوي وعزيمة أدونيس، وبين الشعر الذي يكتبه الآن قاسم حداد وعشرون شاعراً كقاسم حداد، ما بين الأزمنة الأولى والأزمنة الأخيرة للعربي .
في شعر قاسم حداد، في آخر ما كتبه من فجائع، تنقلب البشارة إلى ما يلي :
" البغال تجر الجثث
على مهل
بينما يتهشم الموت في مرآة الفرسان .
ثمة أطفال يخشون القذائف
ويسألون القتلى عن الطريق
لكن البغال تحمحم، وتمضي مقتحمة الغبار
وأحياناً، حين تنهمر النيازك، تسدل أهدابها
وتهرول في نشيج النهر، وفي أنفاس الغابة،
على التلال الرصاصية تنثر
الجثث المضيئة
ثم تنحدر في هاوية دليلها هتاف شعب
مأخوذ باليأس
على مهل
ينحسر الفرسان وتنكسر المرآة ".
تنكسر المرآة ؟
بل كما قلت سابقاً،
يتكسر العالم .
ينكسر زمن العربي المحتشد بالوعد، باليقين، بالعزيمة، والحلم، والرؤيا المتحققة، ويتفتت كل شيء، يصبح قاموس الزمن العربي "التفتت" . تنكسر "الرؤيا" "لتهجم الرؤية" .




4


وإنها لرؤية مرعبة .
كان خليل حاوي وأدونيس يغنيان "رؤيا" رأياها يقيناً . كانا يغنيان طاقة إبداع، وعزيمة على الفعل، وصموداً في الصراع، وصلابة جيل، وتماسك زمن ؛ وكانا يغنيان إيماناً عميقاً بأن التاريخ الأسود انتهى وتفجرت من مراراته وموته قوى الحيوية والتجدد والوعد بالمستقبل . لكن "الرؤيا" بخرت وانكشفت عن "رؤية" فاجعة .
إن قاسم حداد "يرى"، الآن، لا كما رأى خليل حاوي "رؤيا" في حلم : بل انه ليرى رؤية العين، تماماً كما أرى أنا الآن، بيقين مطلق، ما يشبه الدم يكاد يقطر من هذا القلم الأسود على هذه الورقة التي عليها أكتب رؤيته ورؤيتي .
وها هو ذا ما يراه، بل ما نراه معاً في مكانين مختلفين من هذا العالم المتفتت بين الماء والماء، بين الحافة والحافة : "البغال تجر الجثث على مهل".
وأطفال يخشون القذائف ويسألون القتلى عن الطريق".
إنه لعالم مرعب ما يراه : الأطفال يخشون القذائف، ويجهلون الطريق فيسألون القتلى : والنيازك تنثر على التلال الرصاصية الجثث المضيئة .
وشعب مأخوذ باليأس .
والفرسان ينحسرون .. والمرآة تنكسر
وينكسر العالم
بل إن الفجيعة لأعظم : إذ ينكسر العالم والمرآة فينكسر الرائي . تنكسر عينا قاسم حداد، وعيناي، مصعوقة بالرؤية الفاجعة المدمرة، بالتفتت الآله .




5


هكذا لم يبق من العربي سوى الرعب : بعره الآن ليس بعر آرام امرئ القيس المتناثر في الأطلال، بل الجثث المتناثرة على التلال الرصاصية ؛ وعبوره ليس رحلة نحو الحياة، بل انحدار في هاوية دليلها هتاف شعب مأخوذ باليأس ؛ شعب كان له فرسانه، لكنهم أصبحوا جثثاً مضيئة .
وراحلته ليست ناقته الجميلة، بل البغال التي تجر الجثث .
وهو ليس صاحب أفراس تحمحم مقتحمة الوغى
بل صاحب أبغالٍ تمضي مقتحمة الغبار
ومرآة العربي
تنكسر
وفرسانه
ينحسرون
وهو يستسلم لجذوره الأولى . يلتفت على نفسه ويدخل هويته الحقيقية، الرعب :
عرب = رعب ؛ إن جذور "عرب" وجذر "رعب" لجذر واحد هنا يتأصلان معاً .




6


أي عالم مرعب يعيش فيه العربي ؟.


7

إن قاسم حداد ليدرك بحدس بريء شرط وجود العربي، دون أن يلعب لعبة الاشتقاق التي لعبتها أنا الآن، لأن الرعب في مكنون لا وعي العربي ؛ لذلك يقول أيضاً :
"لم تزل لأشجارنا طبيعة الوحش
لم تزل شريعة الرعب فينا"
فالرعب ليس شعوراً فقط، بل إنه فينا لشريعة .
وإن قاسم حداد ليرى، رؤية العين، نقيض رؤيا حاوي . لقد غنى حاوي :
"أمماً تنفض عنها عفن التاريخ
واللعنة، والغيب الحزين"
"من ضفاف الكنج للأردن للنيل
تغني وتعيد
أنت يا تموز يا شمس الحصيد"
أما حداد فيعلن :
"عندما خرقة تستر الخريطة
لا يكاد العار يكفي
لكل هذه الدول العارية "
وإن قاسم حداد يرى رؤية العين، لا رؤيا الوهم المتواطئ المدلس :
"رأيته يلهج بالبيارق
جذوره في كهوف الكتب
يداه مكنونتان بغدر التوقع .
يؤرخ لهزائم الحروب ويتذكر المستقبل قبراً قبراً ".
المستقبل قبراً قبراً : هذا هو مستقبلنا . لكم كان سعيداً خليل حاوي، وجيل خليل حاوي، وهو يرى "رؤيا يقين "، يملأها مستقبل المصانع التي تبني والأجساد التي اغتسلت من الخطيئة وتجوهرت في الشمس .
أما نحن، هذا الجيل الملعون فإننا "نتذكر المستقبل قبراً قبراً" تماماً كان نحصي الماضي قبراً قبراً، وكهفاً كهفاً، ورأساً محتزاً رأساً محتزاً، وزنزانة سوداء زنزانة سوداء، وجولان جولان، وغزة غزة، وضفة ضفة، وقدساً قدساً، وقصراً ذهبياً قصراً ذهبياً، وهيمة سوداء خيمة سوداء .
وهذه البلاد التي رآها أدونيس، ها هو ذا حداد يراها :
"سألتك في حدود المنازعات
بين جيل يمحو الغيوم ورمال تحمي البحر من يقظته
سألتك
كل يوم في حرس وراية ونشيد
في دولٍ تشبه القرى المنسيّة
كأنها تكبت الكارثة وتقتسم الشوارع
تهابك الممالك وينشدك العبيد
سألتك في شعب من الحفاة يذرعون
الخرائط
يبحثون عنك مثلي
هل أنت موجودة في مكان ؟".
آه، يا أنت يا قاسم: ويل عينيك الغوريتين، أما زلت تسأل هل هي موجودة في مكان،وأنا وأنت نعرف معرفة الصوفي لصفاء وجه ربه أنها وهم توق ابتكرناه، ورقصنا حوله عراة تسيل دماؤنا، لنؤاخيه، في دمه، ثم اكتشفنا ألف مرة أنه - أنها قش خشخاش سقط من أوهامنا إلى الرمل ؟ آه، يا أنت يا قاسم. تسأل، والشظايا تتناثر مخترقة شغاف القلب، والتفتت إله الأرض الجديد ؟ لك المغفرة ! فلا يسأل هكذا سوى العاشق المولّه، وهو يندب جثة الحبيب مقطعة الأوصال. وإننا، أنت وأنا، لهكذا عاشقان.
لكن،
هل نبكي
هل
نندب "الرؤية" ؟ هل ننوح على بعر الأطلال ؟
لا.
بل،
ليكن الانهيار أكثر عمقاً، ولنحفر تحت الحجر الركن، فيتقوّض المنخور .
هكذا يلحُّ قاسم حداد :
"دعوة بلا رأفة
خلوة ينهار وحيداً
هذا الهيكل المكابر
ضحية التركات
لتتهاوى أفاريزه العاجية
تحت سنابك العاصفة
وبهجة النار .
لنرى مكابدته الأخيرة
وهو يهذي
ولتكن تلك القبة
التي تستل بريقها من ضراعة السماء
وتبجح الأعالي أقداماً لوحل الأزقة
وناقوساً في لهو القطيع
بلا رأفة هذا الهيكل
لانهياره لهداة السفوح
والمستنقعات
ليس لهيكل جديد
لكن لهندسة الطبيعة وهندسة الفضاء ".
ذلك أنه إذا لم يكتمل الانهيار، فتتفتت حتى حجارة الهيكل واحداً واحداً، بعد أن تتقوض حيطانه، وتسقط رؤوس سدنته، وتتهشم أوصالها وأصنامها العظيمة، وتعم غبطة النار وبهجتها الأرض، لن تكون ولادة نقية، تفيض من حرية الفضاء وحرية الحب وحرية البحث وحرية الركض وحرية فيض الطبيعة والروح، وتغمر الأرض عطاء وخصباً ويقيناً بقدسية الحياة وتفجرها البدائي الذي يرفض كل الهياكل.
خلوه، إذن، خلوه . ينهار هذا الهيكل النحاسي الفارغ الذي يجثم على القلب، ينشب مخالب كتبه وكهوفه وسطوره المذهبة في لحم العروق.
لكن، يا أنت، ما الذي تراه هناك، في البعيد، في الغور ؟
يسأل، هذا الذي رأى كل شيء
رأى العربي في أزمنته الأولى،
وفي أزمنته الأخيرة
بل رأى الزمن العربي


فلم يرَ شيئاً .
  • "ترى بعر الارائم في عرصانها
    وقيعانها كأنه حب فلفل
    كأني غداة البين لما تحملوا
    لدى سمرات الحي ناقف حنظل"
لا أريد أن أثقل هذا النص بالحواشي ؛ لكن راجع من أجل القصائد : خليل حاوي . "السندباد في رحلته الثامنة " ؛ أدونيس "الفراغ"، كل في ديوان الشاعر ؛ وقاسم حداد في قصائده الجديدة "عزلة الملكات" (البحرين، 1986).


توقيع نقوس المهدي



المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.




  مشاركة رقم : 3 (الرابط)  
قديم 06-28-2009, 03:27 PM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 8,878
بمعدل : 13.59 يوميا

نقوس المهدي غير متصل عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : مختارات
افتراضي






مزامير لامرأة لا تليق بأوصافها التسميات
الدكتور كمال أبو ديب


(1)

تخرجين من فَجوات التاريخ ، ملفَّعة بالسُّور العتاق، مضمَّخة بحكايا العشيرة ، مكفَّنة باليماني المقصَّب ، والدمشقيّ الحرير . من ثناياك تفوح توابل الغوايات التي نسجتها الجدّات من أجل أن تطيِّب جسدكِ لليلة افتتاحكِ الجليلة ، على مذبح ذكرٍ يشتري رياضكِ اليانعات بجواهر الصين ، وكنوزكِ الفائرات بألماس المدارات ، ومفاتن جسدكِ برمل الصحارى !

وتخرجين من حُطام تاريخ الذكَرِ المُعفّر بالعار ، المٌثقل بالهزائم ، المُشبّع حتى النخاع بالفساد والانحلال ، والقمع والطغيان ، واستنزاف الأرض والسماء ، واستغلال مزرعة لإتخام البطون .

و تطلعين من معتقل الزمان الذي سجنكِ فيه الذكَرُ قروناً طوالاً ، باسم الآلهة والدينِ حيناً ، وباسم الأنوثة فيكِ حيناً ، وادعاء لشفقة عليك ورعايةِ لكِ حيناً ، و صيانةً لكنوزكِ الثمينة ولشرفه الموشوج بها حيناً .

لكنكِ تخرجين دونما ضغينة ، نقيةً من الحقد ، متحررةً من روح القبيلة التي يغلي في دمها طلب الثأر ، تلوبين من أجل أن تحرّري نفسكِ ، وتُحرري سجّانكِ أيضاً ـ ضحية لتُراث من الاستبداد ، بقدر ما ترين نفسكِ ضحية لهذا التُراث وللرجل الذي قضى الدهور يلعب دور الحارث لميراث هو سجّانكِ وسجّان نفسه فيه .

تخرجين وأنتِ ترين حولكِ أتراباً لكِ يرزَحْنّ في سلاسل الكبت ، يلفَعْنَ الأجساد عُنوة بأقماط مغموسة في مستنقعات التاريخ ، أصواتهن عورة في آذان سجّانيهنّ ، وجدائلهنّ المفتولة شراك غواية تنصبها شياطين الشهوة للذكور الهائجين.


(2)

بلى ، من فجوات التاريخ تشرقين ، وإليّ تأتين : صبية تخطر كما ناقة بيضاء في صحارى من الشهوة و بوادٍ من الكبت و احتراق العروق في تعاليم صحف الأنبياء .

غير أني الآن أرى لكِ ألقاً لم أعهده فيكِ من قبل ، و وهجاً لم يُشرقْ مرّة في فضاء العيون ، و عزيمة انخطافٍ إلى مدارات الوعي والحرية والإنجاز لم تَبُحْ مرة بمثلها شفتاكِ . لكأنكِ تأتين إليّ مسربلةً بعُريك ، مدثرة بكِ ، ولا شيء آخر ، في رفّة الأهداب بين أملٍ كان وحلم سيكون . وكذا جديدة تولدين في زمن شدّ ما أجهضتْ فيه الولادات الجديدة .

ذاك أنكِ لم تتلوثي بكل ما غمرتْ به مستنقعاتُ الحياة هياكل الرجال ، ولم تبتُرْ أغصان دوحتكِ البكر سيوف الطغيان ، ولم تفسد النسغ الذي يغذي أعراقكِ النابضات ـ كما أفسدت نسغهم ـ قرونٌ من التآمر والدسيسة ، والنفاق والرياء والتقية والتمويه ، والتذلل للسلطان ، والخنوع للقهر ، والتنمّر على الضعيف والانكسار أمام القوي .

وأراكِ ، فيهدهدني وعدٌ ، ويمرع في عروقي حلمٌ وتنبضين أنت بالشبق للحياة في كلا الوعد والحلم .

أراك في المصانع والسهول ، في مقالع الجبال ومنابت المزارع ، وفي معارك الصراع من أجل مستقبل أكثر بهاء وحرية و كرامة . وأبصركِ في ردهات المصارف ومكاتب التجارة ، وفي مدرجات الجامعات وعبر مُختبرات العلم ، وفي مشارح المستشفيات و رياض الأطفال ، وفي نوادي المترفات و خيام البداة الراحلين إلى مساقط الغيث .

أراكِ تهندسين السدود ، وتشقين الطرقات وترسمين السياسات وتغوصين في منابع الفكر و تقوضين التصورات التي ورثناها و تغرفين من خضمّ المعرفة التي تكتظ بها الحواسيب ن وتديرين المتاجر الأنيقة ، وتُصمّمين الأزياء الفاتنة ، و تشعّين على شاشات التلفاز ، و تأتلقين في الصحف والمجلات ، وتحنّين على طفلٍ رضيع ، و تواسين عجوزاً معدمة ، و تميلين شفقة على قامة ذكر حنَتْها السنون ، وأثقلتها أعباءُ عمر قضَمَتْه سنواتُ البحث عن لقمة العيش .

وفي كل شيء أراكِ فيه ، وفي كل هيئة بها تتجلّين، أعشق في سيمائكِ القدرة على الخلق وحدّة الذكاء ، و نقاء السريرة ، و صفاء العطاء ، وروعة التفاني ، والوله بالابتكار ، والصبر على المكاره ، و الإباء على الضيم ، والتضحية بكل نفيس من أجل ما هو حقٌّ و خير وجمال . وأحسُكِ حرّة تجوع ولا تأكل بثدييها من شراسة الضنَك ، وفي زحمة الكفاح .

وأزهو بكِ ابنة ، و حبيبةً ، وأختاً ، و أماً، و زوجةً ، و عشيقةً ، و صديقة ً ، و زميلةً ، و منافسةً ، و سبّاقةً ، و طالبة و معلمة ، و مُلهمةً ، و فاتنة مفتونة ، و قائدة داعمة ، و رائدة ورفيقة طريق بكر .


(3)

وأراكِ تخلعين عباءة التاريخ المزركشة بذهب الهند ، المُثقلة بلآلئ ديمون ، والمنقوشة بالفيروز والكهرمان ، كما أراك تخلعين الملاءة الموشومة بدم البكارات ، وترفضين بيع بهاءكِ لتُجار العذارى ، وسماسرة المتعة التي يسمونها " زواجاً " وأشهدكِ تحتفين برغبات جسدكِ و توقه للحب ، وباتلاق شهوتكِ للارتواء ، وبنداء أعضائكِ اللاهفة للُجَج جسدٍ مُستفز ، وأبارككِ تجمحين في إصراركِ العنيد على أن يكون لكِ كل شيء حق أن تختاري ما تشائين ، و حرية أن تجهدي لتنالي ما إليه تصبين .

وأراكِ قامة لا تكبُلها السلاسل التي صنعها الذين ترتعد فرائضهم خوف أن تفتحي عينيكِ على آفاق الحرية ، وتندفعي في مسالك المشاركة والريادة ، والاكتناه و الاكتشاف ، والذين يرعبهم أن يكون جسدكِ طليقاً ، وعقلكِ وقّاداً ، و ذكاؤكِ فعّالاً ، ويداكِ قادرتين على الهدم كما هما قادرتان على البناء .فيقمّطونكِ بتراث العشيرة ، و يقنعونكِ بحُجُب الكتب الصفراء ، وآيات الكبح والإقصاء ، وترانيم الهياكل الوثنية . وعلى شرفات نهديكِ يعلقون تمائمَ خوفهم على ما يسمونه " الشرف " كأنما جسدُكِ صنمهم المُقدس ، وهيكلُ عباداتهم الراعفة .

وتبصركِ مقلتاي ، فأبصر ما لا تراه الأحداق ؛ ذاك أني لا أراكِ رؤيةَ عينٍ ، بل أغور فيكِ إلى ما تستشفه البصائر التي تتقرى الباطن الخفي ، المستتر الذي ما يزال في رحم الغيوب .

بلى ، أبصركِ في ما لم يكن ، موقناً أنه سيكون :

امرأة تنتصب في مسالك الرحيل ، مكتظة بشهوة الاكتشاف ، ونشوة العبور إلى معارج الصراع ، و مفازة البحث عن مفاتن المعرفة . امرأة لا تهاب حميّا العراك ، ولا يرف لها جفن في مغاور التيه ، حين يفتنها نداء الحقيقة ، وتعصف بأعراقها رغبة الولوج إلى مغاور المبهمات ، ودهاليز المحرمات . امرأة تحتفي بجسدها ، برغباته وشهواته ، و ببهائه ومعارجه ، و بغياهبه وأسراره ، مثلما تحتفي الطبيعة كل يوم بولادة فجرٍ جديد / و شفقٍ خضيل .

ثم أراكِ في ما تجئ به السنون ، نافرةَ الصدرِ ، مزهوَ الجيد ، عالية الرأس ، سامقة الجبين ، والنسيم يعابث شعركِ الفائر ، طليقةً في رياح المسافات ، تخلعين عنكِ ربقةَ الوصاية ونيرَ الحماية ، بأيَ اسم نقشهما لكِ الرجال في تاريخ الاستعباد الذي من أجلك ابتنوه و صاغوه . و كذا تمضينَ وحدَكِ في ما أراكِ عليه من نشوة الانفلات نحو كرامة العيش ، لا وصي عليكِ و لا قَوّام ـ سوى ما تقيمينه أنتِ لنفسكِ من حدود ، وما تُجلِّينه من قيم و مفاهيم ، وما يزدهر في حدائق مشاعركِ النقية من أوراد ـ ولا حامل سياط يهُش بها عليكِ في المخادع ، أو يفرقعها إرهاباً ، لكي يُنيخَكِ فريسةً لسطوته المتلذذة بانصياعَكِ لوحش رغباته الأثيمة .

بلى ، أراكِ في ما لا يُرى رؤية العين ، بل تدركه البصيرة التي تتمتع بنعمة النفاذ إلى أغوار الأعماق ، و ملَكة التشوّف والاستشفاف ، تنتصبين بين أسراب من صبايا يُهَمهمن أناشيدَ لعالم سيكون : عالم يكتظ بقامات ترهج في صفوفها سناء محيدلي ، ترهف العين لتستحضر صورة الدمار الجميل قبل أن يكون ، وتبصر راية الحرية تخفق مركوزة في أضلاعها الفتيّة وَ توشوش الموت بنعومة عاشقة ٍ رأت حبيبها فجأة يتعرى على شاطئ النهر ، فغمغمت على صدره بلغة العشق وشجن الوداع .

وتضيء بينها نوّار ، الصبية التي دثرت جسدها ببرودة البقاء ، حين راودتْ مناضلاً عن عباءته البيضاء التي رفرفت آية انتصار على قمم الجنوب .

و تغني في كتابها الصاعدات أم بيسارها تهزّ السرير لطفل وليد ، وبيمينها ترسم الخطط التي تضيء الطريق لمئات العاملين في شركة استثمار تشيّد مستقبلاً للوطن .


(4)

وكذا أراكِ : تولدين من توق أرضٍ إلى العطاء ، وحنين تربةٍ لمطر الربيع ، ولهفة غِراس لآلهة الخصب . و تولدين من لهفتي لأن أكون ، فتكونين كلما اشتعلت نفسي لهفةً إليه .

لكن ما من ضلوعي تخرجين ، ولا من خيال ذكر تتشكلين ، بل تكونين من طينة البدء ، ومن رحم الأرض ، و تنبثقين بفعل شهوة ذاتكِ للوجود ، فتكونين لي رفيقةً على دروب البقاء ، إلى جانبكِ أمشي ، وعلى إيقاع خطواتكِ الواثقة أخطو ، وبألق الخلق في عينيك النبيتين أهتدي .

وأراكِ حفيدةً فاتنة لشهرزاد ، غير أنكِ لا تغاوين شهريار بألعوبة الكلام ، وأحابيل الحكايات المتعثولة كشرانق الموت ، بل تجبهين إرادة الطاغية بِألمعية الرؤية ، و صلابة الشجاعة ، وتقلِّمين براثنه بحدّة الفهم ، ورهافة الذكاء ، و صلابة اليقين ، وفيض المعرفة ، و روعة التقدير ، و دقّة التحليل ، وسلاسة الكلمات ، فتكونين في كل شيء كما نصلِ سيفٍ صقلته أنامل الله ليكون صارماً يبتر الطغيان ، و يجُبُّ رأس الأفعوانِ الذي يُكبّل بكلاكله حُريّة الإنسان ، ويلتف خانقاً و مستنزفاً ، على صدور الأوطان .


(5)

و كذا أراكِ في ما يأتي ، لا في ما هو كائن الآن ، ولا في ما كان ، فأهلل لكِ أيّما تهليل .

وفي احتفائي بتفتُّح براعمَكِ الواعدة ، و إطلالة فجركِ الوليد ، أعمّدَكِ بماء الحبّ ، و أسربل جسدك الفارع بغلالة الجلال ، و يمجدكِ الآتي أحتفي بغبطة رفيقٍ ، معكِ يحرث ويغرس ، و يروي ويربّي لتكون دوحةُ الحياة في مُقبل أيامكما أكثر اخضلالاً ، وأسمى قامةً ، وأوفر ظلالاً ، وأحلى ثماراً ، وأنبلُ رؤى و تطلعات ، وأشدّ عزيمة و صبراً على النائبات .

و تأخذ بي شهوة لأن أسمِّيكِ ، فأهبَ لمجدكِ الأسماء حُسنى ، ولبهائكِ أنحني ، وأستجيركِ أنْ : خذي بيدي ، و كوني منارة لهذا الظلام الذي أسدلته زنود الرجال على شغاف القلوب ، و نوافذ الأحداق .

وفي بهجة العماد ، قد أسميكِ وقد لا ، وقد يكون ما به أسميكِ ضلالاً أو لا يكون ، وسواء أعرفتِ أنت اسمكِ أو لم تعرفيه ، وسواء أأدرككِ الآخرون أو لم ، فإنكِ ستكونين ما حلُمْتُ لكِ أن تكونيه :

صافيةً تترقرقين كما نبع في الجبال ، خارجاً من نقاء الصخور البيض ، ومن ثلوج شتاءٍ أنيق.

نقيةً لأنكِ لم تتلوّثي بجرائر الاستعمار وعقلية المستعمرين ، فلقد حمَتكِ من شواظ سعيرها عزلتُكِ وراء جدران القمع ، فظللتِ ينبوعاً للأصيل الأصيل ، تصونين روح الحياة ، و كنوز الثقافة ، مكنونة في غياهب ذاتك ، طاقةً رائعة لاستعادة غبطة الوجود ، و حيوية التغيير ، وجماليات الإبداع ، وبشائر الخلاص .

و نوراً جديداً تكونين ، وسفراً بكراً إلى ما لم تره من قبلُ عينٌ ، ولم تشنَّفْ بطلاوة أحرفه أذن ، ولم تطأ ثراه قدمان ، أفلم تكوني أنتِ أصلاً أولَ الفعل ، ورائدة الرحيل ، والرحِم الأولى للخلق والإبداع ، حين فتحتِ عينيه على مفاتن جسدَكِ البدائي متقنّعاً بشجرة المعرفة ؟
بلى ، لقد كنتِ ،
أيتها التي لا تستنفد بحارَ روعتها محيطاتُ الكلام ،
ولا ينضب فيضُ عطائها أني عصفت بها الأنواء .
يا التي قد يكون اسمها بثينة شعبان ،
وقد يكون اسمها دلال السليمان ،
وقد يكون اسمها غيداء عبد اللطيف ،
وقد يكون اسمها سحر خليفة ،
وقد يكون اسمها لُبنى عبد الله
وقد يكون اسمها هدى وصفي ،
وقد يكون اسمها ريما خلف ،
وقد يكون اسمها خالدة سعيد ،
وقد يصير اسمها ، في لحظة انخطاف ٍ و سحر ، أمية ورهام و حنان ، أو ليلى ونُعْم و عزّة ، أو أسماء و رابعة ، أو زينب و بلقيس .
وقد يكون اسمها ما يزال جمرة في رحم الغيب .
وقد لا أسميها باسم ، ولا أسمِها بوسْمٍ ، لتظلَّ أكبر من الأسماء كلها ،
جميلةً لا تُحيط بها الكلمات ،
نبيلةً لا تستنفد رحابة فضاءاتها الحدود .
وأيَّا كان اسمها فإنها امرأتي الجديدة .
قد تكون امرأة جديدة .
وقد تكون امرأة وحسب .
امرأة لا تليق بأوصافها التسميات .
صافيتا و دمشق



تموز ـ آب 2008 م


توقيع نقوس المهدي



المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.




  مشاركة رقم : 4 (الرابط)  
قديم 06-29-2009, 08:37 PM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 8,878
بمعدل : 13.59 يوميا

نقوس المهدي غير متصل عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : مختارات
افتراضي


كمال أبو ديب
رسائل إلى امرأة عربية


الرسالة الثانية
عن الجسد أحدثك عن الجسد

آخر الليل، علي الشباك الزجاجي وقع قطرات مطر خفيف كأنه رجع أنغام ليلة تأتي خافته من البعيد البعيد، سابحة فوق رؤوس الأشجار ومتكورة بعذوبة همساتك الناعمة على نافذتي والريح تبدأ بالالتفاف حول جوانب البيت، إنها لم تبدأ بالزمجرة بعد. لكنها ستزمجر بين ومضة برق وأخرى.
ستكون هذه ليلة عاصف. وستجن الريح وينهمر المطر انفجارات طبوا صغيرة على السطح القرميدي، والنوافذ الخشبية العتيقة أجل ستكون هذه ليلة عاصفة. لكنها لن تكون أكثر عصفاً مما يضطرم في هذا القلب الذي تمزقه عاصفة أعتى: عاصفة صراع مرير بين أن أخرجك من الوهم، أيها الوهم الجميل، فأراك تشرئبين أمامي، جسداً نابضاً بالحياة مليئاً بتفجر الدفء والحيوية والعطاء. وبين أن أبقيك حيث أنت دفينة في خفايا الخيال، خفيفة إلا على تلمس هذه العروق التي تنبض بخلجات أنفاسك الناعمة كأنفاس فجر يتفتح للشمس في صباح مندى.
أواه يا صديقي
إن نفسي لحزينة هذه الليلة وروحي مليئة بالأشجان. كم أتوق إلى أن أبوح بك، أن أنطقك بأحرف أسمك الجميل أبلل شفتي الجافتين هذه الليلة التي تغدق عليها السماء فيضها الهائل، كم أتوق إلى أن أشكل بأصابعي اللاهفة جسدك الجميل، هنا أمامي بكل تكويرة وانحناءة فيه وبكل انسياب خط، وأصنعك كما صنع بجماليون تمثاله الخارق. ثم أصلي لبهائك الأسطوري كما صلى.
غير إني مع كل كلمة تنسرب إلى الورقة فتملأ بياضها سواداً، أراني أدفع بك بعيداً بعيداً، إلى حيث لا تفور حتى الظنون،فأموه نأمة من نأمات وجهك الداكن، وألون بغير ألوانه شعرك الطويل الفاحم، والق عينيك الغابيتين، وأعيد تكوين جسدك حتى ليختفي في مواكب الأجساد فتظلين وهماً يبتكره خيال منهك حتى الإعياء وقلب مثقل بالعشق حتى الهذيان.
2
أجل يا صديقتي، أيتها الجميلة بين النساء إن بي هذا التوق اللافح إلى أن أراك تتلألأين خارجة من نسيج الكلمات قامة في لدونة العشب وجسداً يتفجر بالحيوية وغبطة الحياة.
غير أنني اصرخ بالكلام:
مهلاً أيها الكلام،
إنك لتنطق الجسد، وتخترق حجب السحر، والتعاليم، وغابة الأسرار، وكأنك لا تنطق إلا ابسط الحروف.
وكيف لي أن أحدثها عن الجسد، وهي الملتفة بأكفان هذا العالم الذي يرتجف بالعرب أمام روعة الجسد.
لكن يا صديقتي
كيف لي أن لا أحدثك عن الجسد، إذا كنت أود أن أحدثك عن جوهر في هذا العالم، وعن سحره وأسراره.
وهل بي من حاجة إلى أن أقول: عفواً عينيك الجميلتين لئن حدثتك عن الجسد؟
فما معنى إذن أن تكوني صديقتي وفي الشغاف من تمتمات الروح ولهفة العروق- وفي أكثر الثنيات حميمية من القلب؟
3
عن الجسد، إذن، سأحدثك عن الجسد.
وأعرف أنني
أطأ أرض الألغام وأقرع أبواب كهوف التحريم والتابو، من أجل أن اكتشف المحرم الأكبر. فأي حلم يجمح في هذا الرأس وأية جرأة تلهب هذه العروق؟
إنها جرأة البحث يا صديقتي وحمى المعرفة. ومن دون حمى المعرفة التي تمتلك عروق بعضنا في هذه الحياة، يظل الوجود مغلقاً، مكفناً بأسرار يصنعها الذين من مصلحتهم أن تضرب الأسوار حول ألف شيء. من دون حمى المعرفة ما كان لغاليلو أن يقول لهم "لكن، إنها تدور" وهو يرى أنشوطتهم تلتف حول العنق لأنه يهدد إيمانهم المتشبث برؤية العالم موروثة جاهلة بل من دون حمى المعرفة كيف كان لنا حتى أن نكون؟
كأنني أراك ترفعين أهدابك الطويلة السوداء عن الكلمات، وتتأملين متسائلة: لكن ما علاقة إننا تكون الآن بحمى المعرفة، وما علاقة ذلك كله بالجسد؟
اسمحي لي إذن، عفو عينيك الغابيتين أن آخذك معي بالحديث عائداً إلى البدء.
و"في البدء كانت الكلمة".. وفي زمن ما كان آدم وحواء. وقال الرب لآدم وحواء: من جميع شجر هذه الجنة تأكلان، أما من هذه الشجرة فلا تأكلا".
هكذا انتصب أول تابو في تاريخ الإنسان، بل هكذا انتصب أول تابو ليصنع تاريخ الإنسان، فقبل ذلك كله، لم يكن للإنسان من تاريخ بل كان الوجود سديماً لا زمن له. وظل آدم وحواء يسبحان في هذا السديم لا يقتربان من الشجرة المحرمة. لكن الأسئلة بدأت تغوي، والأسئلة يا صديقتي هي جوهر الفعل. فمن الأسئلة تبدأ لهفة الاكتشاف، وبالأسئلة تكون الأجوبة التي تصنع التاريخ. أما حين تقفل الأبواب وتطغى الظلمة، ولا يكون ثمة من يسأل من في الباب فإن ما أمامنا لن يكون سوى موت عقيم بطيء.
إن الفكر الذي لا يتساءل تنضب فيه دماء الحياة وغبطة الحياة. والثقافة التي لا تتساءل تذوي حتى لتموت.
هكذا سأل آدم وحواء: لكن لماذا لا نأكل من هذه الشجرة؟ وكما تساءل آدم وحواء، جاء آلاف البشر بعدهما ليتساءلوا: لكن لماذا لا نفعل؟ ففي وجود الإنسان ثمة آلاف الحكايات دائماً التابو المحرم.
لكم في مواجهة التابو ثمة دائماً العقل الإنساني يغويه إبداع الكشف بالتساؤل، وسرية الوجود والاكتناه.
وأخيراً أكل آدم وحواء من الشجرة المحرمة. أتعرفين ما كان اسمها؟ لقد سمتها التوراة "شجرة المعرفة، شجرة الخير والشر" أوَ تدرين ما الذي حدث فور أن أكلا منها، فور أن كسرا التابو واخترقا حاجز الجهل؟
لقد اكتشفا جسديهما اكتشفا عريهما، ورأيا جسدان. ومن هذا الاكتشاف الجميل كان الإنسان يا صديقتي. لأن الجسدين البريئين- العارفين الآن، التحما واتحدا وتعاشقا. ومن هذا الاكتشاف الجميل تتألقين أنت الآن في مكان ما من هذه المدينة التي تلفها العتمة والريح والمطر والرعد، ويضيء عبر نوافذ غرفتك الوردية برق اشتهي أن أكون في طياته يخترق الظلام الكثيف إلى عينيك الواسعتين. ومن هذا الاكتشاف الجميل، يا صديقتي. أجلس أنا الآن، وقرع المطر يهز النوافذ المصرصرة، أكتب إليك.
لقد بدأنا إذن، وبدأ تاريخ الإنسان على الأرض، باكتشاف الجسد. لكن ما هو أعظم دلالة وخطورة هو إن اكتشاف الجسد لم يأت عفواً، بل جاء لأن آدم وحواء أكلا من شجرة متميزة جداً وهي شجرة المعرفة. لقد أكلا فعرفا وأول ما عرفاه هو الجسد. ولاحظي يا صديقتي كيف أن لغتنا الجميلة. التي يقال إنها اكتشاف الجسد للجسد توحيداً مدهشاً. ففعل العلم هو "عرف الإنسان أن الله عادل" ونقول أيضاً: "الرجل المرأة" أي توحد بها جسداً لجسد. أترين أيتها الجميلة العارفة العينين، هذا الالتصاق الوجودي العجيب في جذور الكينونة الإنسانية بين المعرفة والجسد وبين اكتشاف العالم واكتشاف الجسد؟ وذلك هو السر بالضبط، يا صديقتي. أيتها الجسد الذي تتقدس فيه الحياة، في أننا في كل لحظة من وجودنا نعيش، في هذه الثقافة الكابتة، ما سأسميه "لعنة الجسد".
فلأن الجسد هو جسد المعرفة ولأن الجسد هو فجر التاريخ، ولأن الجسد هو بدء الفعل الإنساني المبدع والاكتشاف المعرفي الحميم، تنتصب حول الجسد أطواق التحريمات واللعنات والحجب والأكفان فالأطواق لا تنتصب من ذاتها ولذاتها، بل إن ثمة قوى خفية- جلية تربط وجودها، وسيطرتها، وقدرتها على البقاء مهيمنة متحكمة طاغية بالسيطرة المطلقة على الجسد وتكبيله وتحنيطه وحجب المعرفة وتسويرها وإغلاقها ولذلك تكبل الجسد والمعرفة بأنظمة التحريمات والقمع ضماناً لسيطرتها وأبدية سلطتها.
ولابد إنك تلهفين فجأة بسؤال حاد: لكن، أية قوة هي التي نتحدث عنها في ظلمة هذا الليل المزمجر العصاف؟ تبرقع الكلمات كلما آن لك أن تبوح بالجوهر وتسمي الأشياء بأسمائها؟ لماذا لا تفصح كما يفصح سيف هذا البرق الذي يخترق شباك غرفتي الآن؟
يا صديقتي
وعفو عينيك الجميلتين
إن بي ما يزال قدراً من الرغبة في أن أحيا على الأقل لأمك أنت وجسدك المليء بهاء تعيشان في هذا الوجود المفعم بالأسرار.
ولذلك سيكون الكشف تلميحاً وترميزاً بين عينيك وبيني، علنا نستطيع أن نجلي غوامض هذا الكون المغلق.
جون أن يحز أعناقنا سيف الجلاد.
وتطفأ في جسدينا شعلة الحياة.
وشهوة المعرفة.
4
عن الجسد، إذن، أتوق أن أحدثك، عن الجسد.
أيتها الجسد الفائر بحيوية الريح وطراوة التربة الندية، وشبق الرمال الساخنة تتمدد عند أقدام البحر،
ايتها الوهم الجميل.
إذا كان الجسد هو هذه المملكة المحتجبة بأسرارها الجميلة وراء أطواق التابو، إذا كان الجسد لا يتجلى وينكشف إلا بعد أن ننال من شجرة المعرفة، فإن قمع الجسد وتكفينه بالمحرمات ليسا إلا سبيلين من أجل قمع المعرفة وتكفينها بالمرحمات.
وإذا كانت القوى التي تريد أن تسحق حيوية الجسد إنما تفعل ذلك لأنها تدرك أن هذه الحيوية تهدد أول ما تهدد بنسف أنظمة الكبت والطغيان والسيطرة التي تفرضها هي على الإنسان، فإن أحد أبرز أمثلة ما تقوم به هذه القوى هو ما ترينه في ثقافتنا نحن.
فانظري كيف يتجلى الجسد في ثقافتنا وحياتنا، لا في لحظته الحاضرة فقط، بل عبر تاريخ طويل تضرب جذوره في عروق الصحراء.
الجسد عندنا يا صديقي ليس مفتاح معرفة وكنز اكتشافات. بل إن له وظيفة أخرى ومبرر وجود مغاير.
ودعيني أدخل بك في متاهات اللغة وكهوف المحرمات، لنكشف معاً كيف بدأت صورة الجسد في هذه الثقافة العجيبة. وسأذكرك الآن بحديث قديم كنا قد سمعناه معاً من الكتب القديمة. لقد قال أحد أعظم علماء هذه اللغة (ابن جني) بأن للكلمات العربية طبيعة عجيبة هي أن جميع الألفاظ تتكون من جذر ثلاثي واحد تشترك في معنى أساسي، أي أننا إذا قلبنا الجذر الثلاثي للكلمة العربي، ورأينا ارتباطاً حميماً بين ما ينتج من ألفاظ. خذي مثلاً كلمة مثل "أكل" إنها تنقل إلى كلأ. والأكل مرتبطان جذرياً: فالكلأ هو مادة الأكل والكلأ هو الرعاية والرعي عملية توفير الأكل.
وخذي كلمة مثل: مرض. إن بينها وبين صخر ورمض ومعز وخرم لدلالات عميقة مشتركة.
إذا كانت هذه النظرة سليمة يا صديقتي، فتعالي نتسلى معاً بلعب الكلمات. تعالي نرى معاً البؤرة الدلالية التي تفيض منها كلمة الجسد في هذه اللغة النبيلة التي هي لغتنا. ونبدأ بتقليب الحروف أن تقليب "ج س د" ينتج ما يلي : جدس/ س د/ ج/ دسج/ دجس/ جسد.
وأول ما ترينه يا صديقتي هو إنه من بين هذه التركيبات الستة لا يستعمل في العربية إلا اثنان: جسد وسجد. لكن ما هو باهر مثير هو هذا التوحد العجيب لجسد سجد، أي للجسد الإنساني بالسجود. وحين تتذكرين أن سجد هي الكلمة الوحيدة التي تستعمل من تقليب "جسد" تدركين خطورة الأمر: فكأنما الوظيفة الوحيدة والمعنى الوحيد والفعل الوحيد للجسد الإنساني إنه يسجد، إنه يركع. والسجود والركوع هما فعل الرضوخ والإذعان والإقرار في وجه قوة ما اعظم من الساجد الراكع.
هكذا إذن، في جذور تكوين اللغة والثقافة، يتوحد الجسد عند العرب بالسجود ولا شيء آخر، ويحدث ذلك بكله في غياهب الصاري، مع طيات التاريخ السحيق لنشوء هذه اللغة.
قبل أن تكون لنا ثقافة دينية وفكر ديني؟ إن صورة الله الخالق المعبود والإنسان الساجد المتعبد. (ترى هل كان لنا تراث قاتم مع السجود حتى في تلك الغياهب قاتم مع السجود حتى في تلك الغياهب السحيقة من التاريخ؟)
وهل هذه مصادفة من تلك المصادفات العجيبة التي تحدث في الوجود لكنها تكون ذات معنى؟
أن إن في هذا التوحيد بين الجسد والسجود كشفاً باهراً لتصور العرب لجسد بل للجسد الإنساني كله ودوره في الوجود وعلاقته بقوى العالم، ما يراه منها وما لا يراه؟
هل لجسد العربي، إذن، مبرر وجود واحد ووظيفة واحدة في هذه الحياة هي السجود؟
تأملي ذلك معي قليلاً، ودعينا نتفجع على روعة الجسد وعظمة الجسد وإبداع وكون الجسد سر أسرار المعرفة ومفتاح الاكتشاف.
صديقتي، أيتها الجسد الجميل المتفجر الذي يأبى الرضوخ والإذعان والسجود،أيتها الوعل البري المتشاجر مع الهواء حول هذا الجسد الذي يتمدد وجوده جوهرياً ينشأ نظام كامل من الرصد والإقصاء والعزل والسيطرة والقمع، وتنشأ لغة كاملة محكومة بضوابط الإقصاء والعزل والسيطرة والقمع.
وحول هذا الجسد تنشأ أنظمة تحريم وتقديس وسحر وحجب وتكهنات وأحلام وكوابيس.
وفي كل هذا يصبح هذا الجسد مصدر اللعنة تحكم هذا الوجود الذي نعيش بكل ما فيه.
ذلك إننا
بقدر ما نقدس الجسد ونحوله إلى كتلة محرمات، ونلصق به ونضفي عليه من دلالات غيبية، بقدر ما نحتشد انفعالياً به ويشحننا بعواطف ومشاعر وتصورات بدائية التفجر عصية على السيطرة والضبط. وبقدر ما نقدس الجسد ونجعل منه لغة مليئة بالرموز، ونظاماً تحريمياً دالاً، بقدر ما يخرجنا عن ذواتنا ويطيح بما فينا من قدرة على التفهم والتعاطف والمشاركة والوعي والتسامح والتقبل والغفران. وبقدر ما نجعل الجسد مصدراً للقيم الأخلاقية ومتحكماً في علاقة الإنسان بالإنسان، بقدر ما نمنحه هذه القوة الخارقة فيحاصرنا في نزوعاتنا البدائية، وهيجاننا الغابي وتخلفنا النفسي، ويطبق عليها وهي تتوقد وتستعر فينا فلا تقوى منها على خلاص.
لكن الأخطر من ذلك بكثير يا صديقتي، هو إننا بقدر ما نحيط الجسد بالمحرمات بقدر ما نحتاج إلى تنمية آليات العزل والإقصاء والسيطرة. أي بقدر ما نسعى إلى تطوير أخطبوطية السلطة وأنظمة السيطرة والتحكم ونحيل المجتمع إلى شبكة من الأنظمة القمعية.
والجسد، في ذاته، ليس قيمة يا صديقتي. وعفو عينيك الجميلتين أن كنت أقول هذا الكلام لك أنت، أنت التي لجسدها جمال الأرض في تفتح أوائل الربيع، ولدونة رمال البحر مروية بأمواج الشطآن، فأنا لا أقول ذلك انتقاصاً من روعة الجسد أو جماله أو نبله أو عظمته. بل أنني لأومن بهذه كلها كما أومن بعظمة الإنسان وروعة الإبداع والخلق والعشق! لكنني أقول ذلك لأن عليه تبنى أسس وتنهدم أسس. الجسد، في ذاته، ليس قيمة. والحق إنه لا شيء أبداً يكون في ذاته مصدر قيمة. إن القيمة تنبع من إضفائنا نحن على الجسد مشاعر ودلالات ورموزاً تمنحه في النهاية القيمة. ومما نضفيه نحن على الجسد ينشأ تعارض القيم الأخلاقية والأنظمة الاجتماعية في فهمها للجسد ونظرتها إليه. أن الأوروبي الذي يترك للمرأة أن تكشف بعض جسدها في الطريق ليس فاحشاً أو ساقطاً أخلاقياً، ليس عنصر فساد وتشويه للحياة البشرية (وانظري إلى قيمة الأخلاقية في العمل والدقة والتنظيم والإخلاص والعلاقات الشخصية وأداء دوره الاجتماعي) بازائنا نحن الذين نحجب جسد المرأة. بل أن الفرق بيننا وبينه هو إنه لا يلصق بكشف المرأة الجسد دلالة سحرية أو أخلاقية أو غيبية. فهو لا يرى المرأة التي تكشف من جسدها في الطريق عاهرة ساقطة فاسدة ومفسدة للحياة.
أما نحن فإننا نفعل ذلك. وامتداداً لهذا الخيط من التفكير، تستطيعين أن تري كيف أن الأوروبي نفسه الذي أصبح الجسد الإنساني لديه- وجسد المرأة بشكل خاص- يمتلك قدراً أكبر من العطاء، أصبح أكثر حرية في الحركة والفعل والتفاعل والاحتكاك مع العالم والإنسان. وليس وحشاً برياً فاجراً فاسقاً، بل الأمر كله هو أن الجسد لديه لم يعد موضعاً لكل مظاهر التابو والتحريم التي يحاط بها الجسد لدينا. ولم يعد الجسد مركز النظام الأخلاقي الذي يبينه لنفسه ولمجتمعه. بل اصبح الجسد يحتل مكانة محددة في نظام أخلاقي شامل كلي لديه، وهي مكانة لا تؤدي إلى خلخلة النظام كله وفقدانه للتوازن، وهوسه بالجسد على حساب ألف شيء وشيء آخر.
ولذلك أيضاً يا صديقتي لم يعد الأوروبي بحاجة إلى تطوير أنظمة العزل والإقصاء والقمع للجسد الإنساني. ولجسد المرأة بشكل خاص إلى الدرجة التي نحتاجها نحن وإن ذلك ليتجلى في حياته كلها من البيت إلى المدرسة إلى الكلية الجامعية ثم إلى شوارع المدينة وأماكن العمل والتدريب ثم إلى رحلات الاستجمام والنزهة وفن هندسة البناء التي طورها. إلى مشاريع رحلات الفضاء التي تشارك فيها امرأة ورجال في قمرة ضيقة واحدة. أما نحن فإن الجسد لدينا ما يزال مركز العالم ومصدر القيم والمنظم الأخلاقي، رغم كل ما ترينه من تحرر خارجي للجسد يتمثل في انطلاقه أحياناً من إساره المادي المباشر- أزيائه- وفي اتساع الفضاء الذي يتحرك فيه الآن. من البيت إلى المدرسة والجامعة وشوارع المدينة والحقل والمزرعة والطريق.
وإن مجتمعنا يحيط الجسد بكل أنظمة التحريم التي نحيطه نحن بها ويطور كل هذه الأجهزة من القمع لمراقبته وعزله وإقصائه والسيطرة عليه، ويخاف منه كل هذا الخوف، لمجتمع مهدد باستمرار، معرض باستمرار فاقد لحس الأمان باستمرار. يعيش في أسر نظام أخلاقي يفتقد إلى التوازن ومن الصعب جداً يا صديقتي أن تتكهني أنت أو أتكهن أنا بالكيفية التي يسلك بها الإنسان حين يعاني من فقدان حس الأمان ويشعر باستمرار إنه مهدد وقابل للأنهيار.
الاجراءات والتنظيمات والتعليمات تسعى كلها إلى قولبة الجسد. فالسلطة تخاف حرية الجسد، وتفجره، وحيويته، واندفاعه، وبراءته، وأكثر ما تخاف منه هو شيئان/ تعبيره الحر عن لواعجه ونزوعاته، ثم حركيته وحيويته.
هل أفاجئك بهذا الكلام؟ دعيني إذن أدلك على أمثلة غاية في الوضوح.
هل خطر لك أن تتأملي الطريقة التي بها يسير بها العربي؟ أو الطريقة التي بها يجلس ويضجع ويقوم؟ هل خطر ببالك يوماً أن تقارني بين جسد الفلاح في أرضه، والموظف الحكومي أو موظف الشركة في مكتبة؟ أو التاجر البورجوازي الكبير في متجره. ومالك المصنع في مصنعه؟
إن بين جسد الفلاح في أرضه، وجسد مالك المصنع أو مدير الشركة (أو الأستاذ الجامعي) لفرقاً هائلاً يا صديقتي. جسد الفلاح لين، مليء بالحركة والحياة، إنه يتحرك بخفة، ينثني وينحني، وينتصب ويخطو خطوات واسعة قافزاً بها فوق أثلام الأرض التي يحرثها حين يشاء ذلك، إنه جسد مطواع يتسلق الجبل ويهبط الوادي بحرية وطلاقه.
وهو الجسد المتفجر بالحياة، الذي ترينه في الاحتفالات الشعبية، في أعياد الخصب أوائل الربيع، ودبكة العرس، متقافزاً، منطلقاً، ملتوياً، مفعماً بقوة الحياة وروعة الحياة وعظمة الحياة.
أما الجسد في مكتب مدير الشركة، أو مالك المصنع، أو جسد الأستاذ الجامعي، والوزير والشرطي، فإنه متصلب، صلد، قائم كخشبة غليظة، كجذع بلوط منتفخ هنا وهناك، يتحرك حركة تكاد تكون ثباتاً قلقاً، يخطو خطوات مدروسة مثل دمية آلية تحركها البراغي، ومتى رأيت أستاذك الجامعي يتحرك بجسده حركات مليئة بالحيوية والخفة، متلوياً، متقافزاً، صارخاً بيديه العضب،هذا الجسد المنشئ ليكتسب أيضاً لباساً عضباً منشى: في بدلته وقبعته ورباط عنقه، مقابل ثوب الفلاح الفضفاض الرخي الواسع المتماوج المتحرك.
وهل خطر لك أن تسألي: لماذا؟ لماذا ينتصب جسد أي من هؤلاء هذا الانتصاب الجامد، فيما جسد الفلاح ليناً مطواعاً؟
لأننا حشونا الجسد بالقيم، وجعلناه محكماً وتجسيداً للعلو، والاتزان، والوقار، والأخلاق الحميدة، ولأننا وراء ذلك كله، جعلنا الجسد تجسيداً للسلطة والسيطرة، وقيدناه بنظام العزل والتحكم الذي تمارسه قيم المجتمع السلطوي على الجسد فتقتل فيه عفوية الحياة وانسيابيتها وتفجرها وخفتها ورشاقتها، وتحوله إلى جذوع بلوط صلد.
ومتى رأيت سلطاناً يقفز في الشوارع؟ أو ينحني في الطريق ليلتقط شيئاً سقط منه، أو يدبك في ساحة بخفة حركية جسده ورشاقة هذا الجسد؟
ومتى رأيت قاضي القضاة بكل أبهته التي تضفيها عليه سلطة الدين كما تضفي الحاكمية على السلطان أبهة السياسة، يتضاحك منثنياً غنجاً خفيفاً رشيقاً في الطريق؟
إن سحق الجسد وتجميده وعزله والسيطرة عليه لبين أعظم الأسرار التي تخبئها حياة المجتمعات في أسر السلطة. وإن سحق جسدك وعزله والسيطرة عليه ليس إلا وجهاً من الوجوه المتعدد لهذه العملية المرعبة التي تنمي بها السلطة بكل أشكالها آليات السيطرة والقمع. وإن ذلك كله لجدير بكثير من التأمل والنظر.
تماماً
كما أنت جديرة بكثير من التأمل والنظر.
وكما إن الجسد جدير بكثير من التأمل والنظر.
ذلك إنه مستودع الخلق
وجوهر حركة الإنسان
وطريق المعرفة المغلق المفتوح أمامه
ولذلك كله، يا صديقتي، تحرق القلب لوعة لا تطاق،
لوعة تقول: لو كنت جسداً مليئاً بروعة الحياة ورشاقة الحياة وعفوية الحياة.
في هذا الليل البهيم بدلاً من أن تظلي حبيسة الكلمات وهذا الوهم الجميل. الذي أسميه واصرخ إليه من الأعماق وسأظل أسميه واصرخ إليه من الأعماق: صديقتي.


توقيع نقوس المهدي



المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.




  مشاركة رقم : 5 (الرابط)  
قديم 06-30-2009, 11:30 PM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 8,878
بمعدل : 13.59 يوميا

نقوس المهدي غير متصل عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : مختارات
افتراضي

علاقة اللغة بالوعي الحداثي
اللغة مكونة من الوعي الحداثي
( لغة النص ورؤياه )
كمال أبو ديب




تبدأ الحداثة بوعي اللغة،لا من حيث هي وسيلة أداء، بل من حيث هي منظور رؤية، أو مادة طبيعية -ميتا فيزيقية ، كالحجر، والشجر، والروح .تبدأ الحداثة بتنامي وعي لغوي إلى الأوج يحيل اللغة إلى فاعل من الفواعل في العالم ،في إطار القصيدة، النص ، وفي اطار علاقة الشاعر بالعالم ، وعلاقة النص به .


واذا لم تبدأ الحداثة بوعي اللغة، فانه سرعان ما ينبثق ويتنامى ليتطابق مع صيرورة الحداثة ثم في غاية المطاف يتماهى معها، وفي الأغلب أن تنحسر الحداثة ويبقى وعي اللغة. تتحول اللغة إلى مادة للعمل الإبدأعي تنتقل من كونها نظاما صوتيا سمعيا إلى كونها نظاما بصريا. ثم تستغل أبعاد اللغة الأخرى ووظائفها المتعددة الصوتية، الدلالية، البصرية، التواصلية، الابهارية ،الزخرفية.. الخ . وبكل ذ لك تتحول اللغة من ظاهرة متجذرة في الزمان ، وفاعلية زمنية، إلى ظاهرة تنخرط في المكان وفاعلية مكانية.


وغرضي في هذا البحث أن أبلور ظاهرة جذرية الأهمية في قصيدة الحداثة هي تحول اللغة من نظام صوتي إلى نظام بصري ، من جهة، وتحولها، من جهة أخرى، من وسيلة تعبير عن عالم إلى مكون عضوي للعالم الذي يجسده النص الشعري . وسأبدأ التوضيح الفكري ،بمثلين اثنين أستخلص منهما سبل البلورة النظرية التي تبقى على قدر كبير من الغموض دون استخدام الأمثلة التوضيحية :

نتأمل النص التالي لأدونيس (( الشاعر (( العالم يشجب ، والكلمات نساء يقرؤهن ، يراودهن كموت : مايقتله ،يحييه يصنع من كفن التاريخ سريرا آخر، يولد فيه


(1) أو النص التالي :

الأطفال
"قرأ الأطفال كتاب الحاضر، - قالوا :هذا زمن يتفتح في رحم الآشلاء، - كتبوا هذا زمن شاهدنا فيه كيف يربي الموت الأرض ،وكيف يخون الماء الماء." (2)

أو، أخيرا مؤقتا ، النص التالي :

أبو تمام
"يحدث أن يأتي ليل وأن يقرأ للضوء كتاب الظلام يحدث أن يصغي شعري ، وأن يقول للشمس هناعهدنا صرنا دما فردا، وصار المدى في وجهنا ، مستقبلا للكلام" (3)


02

ليس من قبيل الصدفة أن النص الأول الذي اقتبسته نص عن الشاعر، في المطلق، وأن النص الأخير عن شاعر بعينه ، أبي تمام ، وأن النص الذي يتوسطهما عن الأطفال ، أعظم الشعراء كما صرخ رامبو. الطفل شاعر، توسط بين العالم والشعر على الأقل . التلآثة يسم عالمهم عشق الكلام ،وطراوة اللغة، والافتتان بالهشاشة والطزاجة والجدة في كلا اللغة والعالم التلأثة يبتكرون عوالم بكرا، وتسحرهم بكورة العالم . الثلاثة يتعبدون في محراب اللغة، لامن حيث هي وسيلة أداء كما هي لعالم الفيزياء ألذي يصف تجربة في مختبر -كما هو شائع في الظن عر الأقل -بل من حيث هي جسد يفور بالحياة ترسل لمسته رعشة الشهوة والخور في أنامل الشاعر والطفل ، ويكشف عوالم السحر والغواية، ومن حيث هي بخور الهيكل الذي لا هيكل من دونه ، ومن حيث هي المنطوق السحري الذي يخلق العالم الآخر الذي تغيب فيه الروح بتكويناته الصوتية وجرسه الإيقاعي وتشابكات مخارجه ومداخله وفيضه الخرافي . اللغة من حيث هي ما هي لي وأنا أكتب الآن لغة، لا وأنا أكتب الآن باللغة. آو وآنا آلغو الآن ، لا وأنا أكتب لغة، أي من حيث يتحول سلوكي ، فعلي في العالم . إلى لغو: أي إلى فعل باللغة، فعل اللغة، فعل لغوي .

لم يكن ام لأمر صدفة إذن ، لأ، بل كان ،غير أنني لاحظت فور كتابة النصوص على الورقة البيضاء آن بينها ترابطات وتواشجات عل الصعيد الذي وصفته لكن سواء أكان الآمر صدفة أو لم يكن فإن نصوصا أخرى ستظهر آن الخصائص التي سأقتنصها في هذه النصوص وآنسبها إلى كونها نصوصا عن ألشاعر والطفل وشاعر فرد عظيم , تبرز أيضا في نصوص لاعلاقة لها، من حيث الموضوع، بالشاعر آو بالطفل وعندها سيكون الدليل قد اقترن فيه الجانبان أو هكذا آمل على الأقل.


03

في نص الشاعر يبدو العالم بكرا تماما، كل ما فيه غير ما هو مألوف ، كل مافيه تقمص ذأتا أخرى وكذاعالم الشاعر وهو، الشاعر، يتعامل مع المتقمصات ،يعامل ألآشياء في وجودها المتحول الجديد، جاهلا تماما، آو متناسيا تماما اذا لم يكن جاهلا، الآصول ألتي عنها تحولت النساء نساء، في عالمنا نحن ، الذين لا نعرف كيف نقرآ غابات آشجاره أو أشجار غاباته السيمائية أما في عالم الشاعر، فالنساء لسن ألنساء الكلمات ليست الكلمات ، الكلمات نساء ولأنها كلمات ولأنهن نساء ولانها - لآنهن الكلمات نساء فهو يقرؤهن و لايقرآها بل أروع من ذلك إنه يغويهن، تنهشه الشهوه لإسقاطهن في الشرك فيفتضهن آه ما ألذ أفتضاص الكل آعني النساء ومن مراودته لهن، من القتل والاحياء . يصنع من الكفن سريرا. لا لموته، بل لولا لأدته ، كل شيء إذن اخر . كل شيء نقيض لماهو هو هكذأ عالم الشاعر ألكلمات في هذأ النص ليست وسيلة للتعبير - كما تعلمنا النظر ألتقليدية للغة انها مادة التجربة، إنها، عفوا، التجريه إنها، عفوأ عفوا، العالم الشاعر في العالم هو الشاعر في اللغة، لا الشاعر باللغة والشاعر في اللغة لا ينتج نصا يعبرفيه عن مشا عر وا نفعالات وأحداث وتجارب كلها تحدث في العالم الأشياء، والسماء، والبشر بل يبدع نصا اللغة فيه هي المشاعر والانفعالات والاحداث والتجارب التي تحدث في العالم . الشاعر لا يستخدم اللغة ليعبر الشاعر يجاسد اللغة أو يفتح أبواب العالم بها على الأقل أو يفعل بها السحر أو يحفر بها طريقا آو يقرأ العالم أو. .. العالم ، آيضا, يكون لغة . نظاما، أو فوضى لا فرق , من غابات سيمائية . والشاعر في اللغة يفعل بالعالم كما يفعل بالكتاب يقرؤه ، يطويه ، يمزقه ، يفهمه ، لا يفهمه , يد رك رموزه وأسراره التعبيرية أو يرأه أصم طلسميا ,لغة مغلقة مقفلة موصدة سرية العالم نظام من الرموز ، نظام ترميزي ، والشاعر يفكفك هذا النظام تماما كما يقرأ ألنص الشعرفي ويفكفكه هل قلت يفكفكه,ويفككه آيضا،بل ويكفكفه كذلك . " ها أنذا أكفكف العالم كالدمع " .


1-3

ما في نمص الشاعريصبح في نص شاعر فرد هو "أبوتمام " (الشاعر أيضا) لا نصا راهنا تفكك رموزه وحسب ، بل مستقبلا للكلام كشفا لقرأءة الآتي . كل شيء جزء من نص والنص هو في أيضا فعل وفاعل . حضور أسطوري آو مادي . الآن الشعر يصغي ويعلق مستحسنا الشعر أو مستقبحا إياه . غدا الشعر يضرب الشاعر بعصا على قفاه ويقول له (ط + ز) لماذا تتوقعني أن أمنح هذه الدربزة؟ لكن لا بأس . الشعر، الكلام اللغه ، القراءه تصبح هي مادة النص الفعلية , تصوريا ولغويا : هي سطح النص وبطنه ظاهره وباطنه ،جليه وخفيه لم تعد وسيلة، كما هو اللون في لوحة كلاسيكية , هكذا يقرأ (هو. من .، أبوتمام ،، لا لليل الذي يحدث أن يأتي . حقا، لا أعرف لا يهم تابع) كتاب الظلام للضوء الضوء آعمي أمي لا يعرف القرأءة او لا يعرف أن يقرآ كتاب الظلام . لذلك يأتي هو الساحر ليقرأ للضوء كتاب الظلام . يجعله يفهمه .الفهم يخلق الألفة . الألفة المحبة ، المحبة المضاجعة. المضاجعة ولادة الولادةهي الشمس شعري يقول للشمس، بعد أن أصغى لقراءة الضوء لكتاب الظلام هيه أيتها الشمس الوليدة . جميلة آنت ، عهد لي ولك ، لقد صرنا دما واحدا لماذا، كيف ، تسأل الشمس. لا يهم أن تعرفي تابعي . فقط . ينهرها شعري . لكنه يستمر: المدى في وجهنا. انظري ما أجمله . هذا المدى الذي ينام (عفوا، يتنامى) في وجهي ووجهك هو مستقبل للكلام الذي سيكون ، حتما ، جميلا ، جديدا ، طريا ، بارعا ، حلوا ، مكتشفا ، بكرا . تحبين البكورات ، أعني البكارات ، عفوا يسأل شعري . حين لا تجيب الشمس يهمس :لا بأس . أنت تفتضين العالم كل صباح . أنا أعشق البكو.. كارات. أنا الشعر. ما الشعر. ما نفع الشعر بلا بكاكورات يهدأ شعري . لا تجيب الشمس أفيق أنا آبوتمام وأوقظ الكمات وأركبها الى قصر الخلافة لألقي قصيدتي الجديدة (ط + ز) جعنا منذ اسبوع لم نقبض شيئا من مولانا. لكن هذا شيء وماكنت أقوله قبل قليل شيء آخر. كت أحكي هناك عن الشعر الآن يبدأ العمل الوظيفة كتابة. أحم .أحم. ((ألا هبي 00)).


3-2

في النص التوسطي ، ألآطفال . كالشاعر و كشاعر يقرأون العالم . والعالم الآن هو الزمان لا الأشياء. لكن الزمان كتاب أيضا، فهو في العالم ومنه . أو العالم في الزمان ومنه لافرق. المهم كلاهما كتاب . يقرأ الاطفال كتاب الحاضر يقولون: هذا ا لزمن يولد في الموت . الموت يصبح ((نانا)) الأرض. الماء يخون الماء. كل شيء مقلوب على طائه +يائه + زينه. نسيت هاءه. لا بأس.. أو على رأسه. ما الفرق . الرأس والأولى آصبحا واحدا (لأحظ أنني لم أقل أصبحتا) لكن ما الفرق. ا ، تا ، كله واحد. نحن في الزمن الذي قرأ الأطفال في كتابه انقلاب ألقيم والمفاهيم والزمن والموت والولادة كل شيء اللغة، اذا انقلبت ،لابأس .. هي جزء من هذا العالم.


04

في هذه النصوص الثلاثة، العالم نص والشاعريقرأ النص ذلك لصن معطيات الرمزية والصوفية الأولى هنا يصبح العالم لغة كتابا. لكن قصيدة الحداثة تستمر في التنامي على هذا المحور لتصبح اللغة هي كتاب لغة النص، أو اللغة لغة كتاب النص أو اللغة نص كتاب النص - لا فرق . كل مايفي نتوء اللغة في النص ،على سطح النص ، سطوعها، بروزها، لا كوسيلة، أو ككتاب فقط ، بل كعطيات فاعلة , فعلية، كأي عمليات أخرى تصبح اللغة. النص، قارئا، بعد آن كانت (كان) كتابا يصبح النص اللغة العالم كاتبا، بعد أن كان كتابا أي أن العمليات اللغوية الأساسية التي يمارسها الانسان: الكلام ،القراءة، الكتابة، الفهم ، السماع ، تغدو عمليات أساسية تمارسها اللغة ويمارسها العالم على الإنسان .

هدوءا . دعوني أوضح في النصوص السابقة، في التراث الرمزي الصوفي لدينا العلاقة التالية:

1- الانسان -- يمارس – اللغة

2- الانسان -- يمارس -- العالم

-- كلغة أو لغة -- في النصوص التي ستتلو، أي في تطور قصيدة الحداثة.

تتشكل الصورة التالية

1- اللغة -- تمارس -- الانسان .

2- "تمارس" تعني: تكتب . تقراء. تسمع . تفهم . تنطبق . الخ.

أي: اللغة فاعل الانسان – اللغة تفعل الانسان وتفعل به..


05

في وجه أولي من وجوه تحول اللغة من وسيلة أداء تعبيري ، أي وسيلة افصاح عن ..، إلى وسيلة أداء فعلي ، أي وسيلة ممارسة العالم ، تحل اللغة محل أدوات ووسائل أخرى يستخدمها الإنسان في نشاطه اليومي أو في نشاطه الوجودي مكتسبة بذلك دورا جديدا في علاقة الفاعلية التي تنشأ بين الانسان والعالم وفي مثل هذه الحالة، لا تعود اللغة ظاهرة صوتية - دلالية، بل تكتسب طبيعة أخرى مغايرة تماما، كما يحدث في النمر التالي لعبدالعزيز المقالح :


اللوحة الثانية :

(( كم مدن خائنة، للجوع . . وأخرى لليل استوطنها الرآس المقطوع كم خارطة للشمس استلهمها دربا وسريرا زيتا .. مصباحا وأخيرا صار الشعر مدينته في الكلمات يسافر نحو الشرق يسأل عن غانية في لون الشمس في شبق البحر عانقها يوما في مدخل آبوإب الصحراء فاحترقت عيناه انفصل الرأس عن الجسد العاشق . .)) ( 4)


اللوحة الثالتة :

"أشجني يا هذا الشجر النابت في آودية القلب أسقيك دمي فلتفتح بالكلمات جدار السجن ولتجعلني من رواد مدينة أهل الكشف اجعلني نخلة حب في مدن الشعر وفانوسا قي أقطار الكلمات الخضراء " (5)

وفي وجه آخر، تتحول اللغة، أو الفاعليات والنشاطات المتصلة بها، مثل القراءة والكتابة، إلى منابع لرؤية العالم أشد تعقيدا وإلى ممارسات فعلية تقوم بها أشياء ومكونات للوجود الطبيعي والانساني لا علاقة لها أصلا باللغة. هي ذي أيضا نماذج من شعر المقالح "وشربنا نبيذ الأحاديث ، تكتبنا وتحاورنا قبل ومواعيد "


(6)

"يكتبني دمي ... تكتب الدماء اللحظة - العصر يسجل الزمان يقرأ العالم في التراب ساعة الوداع تحفظ الآفاق ما يكتبه دمي" (7).

"أظمأ إن هجرتني القصائد تقرؤني في النهار الرياح ويقرؤني في المساء البكاء" (8). "شارع واحد ظل يغمرني بالضياء الملون يقرأني " (9) وفي وجه أكثر تعقيدا بقليل من تجلي هذا الوعي الحاد للغة، تتحول اللغة إلى رمز آساسي مولد لفاعلية الانسان في العالم ومحرقا لتجربته وتأسيسه لقيمه الخلاقة، لا على مستوى اللغة والابداع الفني ، بل على مستوى الابداع الفعلي لحياة جديدة وتكتسب اللغة الوجه النقيض ايضا: أي انها تصبح رمز انهيار العالم والقيم وفقدان الإبداع لحقيقته ويتجلى ذلك كله أيضا في المقاطع التالية من نصوص لعبدالعزيز المقالح: "أيها الشعراء اللملوك: اخرجوا من كاتبكم تأسن الكلمات اذا لم تكن من دم القلب طالعة وتموت العصافير في ظلها ويموت الشجر" (10) "ادخلوا جسد الكلمات ، اركضوا في مياه الحروف ، ولا تتركوا ثغرة لعبيد الخليفة إن العبيد أذ ا دخلوا الكلمات تخثرت الكلمات تصير المعاني دما، والحروف حروقا، فلا تعجبوا إن تخثر ماء الكلام ، وان ظهرت كل أشجارنا رخوة ومجوفة ونوافذنا في الظهيرة مسكونة بالظلام .." (11).

ولنتامل الآن هذه المجموعة من النصوص ولنر كيف يتم فيها التحول من (1) الى (2) بحيث يغدو ضروريا آن أقول في نقطة ما:

لنتأملها الآن ، أنتم وأنا، هذه النصوص ، ولنر كيف تفهم + نا + ها


1 - قاسم حداد :

"ليمحو لغة ويرسم لغة يعلمها سر الله والفتح وباب الله شهى ...

يصير كلاما يخرج من نثر الخالق يتدفق في شعر المخلوق ،وجنسا يطلع كالمعجز في فردوس الآرض ، يصير كلاما أشقى، لغة أجمل سيشعل قنديل الجنة والنار" (12) "أصطفي سورة خرجتها التآويل والشك قلت للماء، قال افتحوا طاقة الحرف للروح ما تشتهي" (13)

"لتقرأ. لك الموت والمجد فاقرأ لك النعش عوشا لتقرآ ألف باء جيم جاءوا من البحر والبحر مستنفر يتهجي ويهجو"(14)

"تلك نساء عذبهن العشق وشهق أللغة الفصحى" (15)

"إن آعطوك لأ تآخذ سوى لغة تحاور نفسها تمحو وتنسى ثم ترسم شكل مغتصبيك" (16)

"مرخية لغتي على ماء العناصر" (17)

"كنت في أضيق من الوحدة، وآكثر غربة من ألكلمة، آتداخل قي أنوثة اللغة آقول لمخلوقاتي كوني ، فآرى أكوأخا. ليست لي.. ولست لسقيفة تشتبك فيها النهايات وتفتح الصديد والصدى" (18)

"ما أعطيك أقواسا، ملفقة لئلا تهتدي للماء لو أعطيتني لغة تحارب نفسها" (19)

"أتمترس بشرئك الموج وغواية الزبد، محاربا كجيش في جسد، أكلم الأرض بكلام الغسل فتختجل .ساعديني . لكي يبدأ الترميم افتحي خطيتة اللغة وكلمي الله" (20)

من كل ذلك
"من وجع النوافذ التي تطل على سريرة النا س من التربص للحلم وحلمة الرضيع من ألشهقة الاخيرة لبداية الخلق من الرسائل التي انتظرتها وكانت لم لا تصل من تضرع الخبز وقصعة الجوع من الذي لم يمت والذي قتلوه والذي سوف والذي لم لا يزال والذي صديقا لي والذي لا أعرفه والذي لا اسم له من الزجاج الصادق الذي لا يشف عن شيء غير البرد والشظايا من ألخوف الذي لأ يذهب مع القمصان و لا الغسل ولم لأ يصيير ذكرى من الخطوة التي وراء قدمي من الحقائب المشحونة حصارا من كل ما ليس في الظن والمحتمل ولا يصدق أتكون كتابا يتحول إلى فرة السنابل و رقة ورقة وعلى أن أتشبث بما ليس يأسا" (21)

الكواسر
"أسع المدى وتضيق بي طرقات آرضي آيتما أمضي تطاردني ألكواسر خيمتي مهتوكة، ولغات أهلي تحتفي بنهايتي وتجس نبضي كلما آرخيت أحلامي على حجر مشى وبقيت في سر المدى وبقيت وحدي كلما أرخيت شدوني على خشب المدينة شاردا تهتج بي ساحتها وبقيت في لغة الصدى وبقيت وحدي" (22)

"أقذف مخلوقاتي نحو مضيق متسع أمسح عن لغتى ويدي الطحلب وألطمي وآطهو كلماتي أسمي لغتي شجرأ، وأسميها طرقا و مسافات واسميها احصنة، وأساوم بلاد الليل على كفن يدفىء أرض تسحب خرقتها الملصوقة في أللحم فتخرج آرغفة وعصافير تغني قبل الكلمات وقبل الخلق تعرف مخلوقاتي لغة لغتي شجر الأراك يضيع الغافل فيها ويحاورها الضائع يغلبها لغتي تنسى بهجتها الأولى تخلع أقنعة الكلمات الأولى تفتح تاريخا كتبا . انسابا كاذبة لغتي تطليم من فضح العار وثلج الغار لغتي تبتأ بالأحجار السوداء لغتي . هذا ألماء" (23)

ماء المعنى
"آخيت فوضاي ، واستسلمت يداي للغواية جعلت جسدي آنية للغة، ورسمت غموضي فضحا للأرض لأخبارها، لصورة تمزح الماء بالكلام سميت الكتابة خطيئة القول ، وهيأتها لجموح المعنى أرخيت الهذيان الهادر، روضته مرة، كنت ريفا من الكلمات القديمة، رممت قبرا وتكلمت كلام البحر الغادر، غيرت كلاما يخرج من كتب النوم . كسر النوم ففاضت آحلام الفوضى المحبوسة في الليل ،فتحت الليل وآخيت يدي لتغوي لغة في جسدي وتخالطت بماء المعنى تطاير في أعضائي سرب الكلمات القادمة من يقرآهذه الكأس ويعشق مخلوقاتي يطير" (24)

2 - محمود درويش

"آنا من رعاة الملح في الأغوار ينقر طائر لغتى، ويبني عش زرقته البعثر في خيامي "(25)

"وآنا بعيد عن كلامي " (26)

"لم نكن مخطئين لأنا ولدنا هنا ... ... ولامخطئين .. الأن رواة كثيرين جاءوا إلى ابجديتنا لكي يصفوا أرضنا، مثلنا مثلنا، تلك أصواتنا وآصواتهم تتقاطع فوق التلال صدى وأحدأ للصدى" (27)

" أأرحل من جديد ما دام لي عنب وذاكرة، وتتركني الفصول بين الإشارة والعبارة هاجسا؟ ماذا تقول؟ لا شيء ياريتا، أقلد فارسا في أغنيه عن لعنة الحب المحاصر بالمرايا.. عني؟ وعن حلمين فوق وسادة، يتقاطعان ويهربان ، فواحد يستل سكينا، وآخر - يودع الناي ألوصايا لا أدرث المعنى، تقول ولا أنا، لغتي شظايا كغياب امرأة عن المعنى، وتنتحر الخيول في أخر الميدان." (28)

"أعد ، لأرثيك ، عشرين عاما من الحب ، كنت وحيدا هناك تؤثث منفى لسيدة الزيزفون" وبيتا لسيدنا في أعالي الكلام .تكلم ، لنصعد أعلى وأعلى. على سلم البئر، يا صاحبي ، آين أنت؟ تقدم ، لأحمل عنك الكلام . .وأرثيك (29)

" لم يبق في الأرض متسع للقصيدة، يا صاحبي فهل في القصيدة متسع ، بعد، للأرض بعد الفراق؟" (30)

"لنا ما علينا من النحل والمفردات . خلقنا لنكتب عما يهددنا من نساء وقيصر..

والأرض حين تصير لغة" (31)

"لم يبق في صوتنا طائر واحد للرحيل الى سمرقند أو غيرها، فالزمان تكسر واللغة انكسرت" (32))

"القطار الأخير توقف عند الرصيف الأخير وما من أحد ينقذ الورد. ما من حمام يمط على امرأة من كلام وانتهى ألوقت لا تستطيع القصيدة أكثر مما استطاع الزبد" (33)

" أريد مزيدا من الآغنيات لأحمل مليون باب.. وباب وأنصبها خيمة في مهب البلاد، وأسكن جمله "(34)

" ألا تستطيعين أن تطفئى قمرا وإحدا كي أنام ؟ آنام قليلا على ركبتيك ، فيصحو الكلام ليمدح موجا من القمح ينبت بين عروق الرخام؟" (35).

" تذكرت أني نسيتك ، فلترقصي في أعالي الكلام " (36)

" مسي بأطراف ظلك جن الأناشيد يصح الكلام على عسل الشهوات" (37)

" سأحيأ كما تشتهي لغتى أن أكون ساحيا لقوة هذا التحدي" (38)


3 - أحمد مدن

" وتقذفني عتبات المدينة هل ها هنا ساحة أم سطور؟ مرت الكلمات بطاء على جسده هل يداري أساه ،حروفا وتسقط بين يديه عصافير هذا البكاء أم تكابر رأس الطفولة . والكتب البادئة ؟!" (39)

"هل يكملني حد هذي الكتابة ؟! أم يراوحني صفحة من ورق ؟!" (40)

"ما حيا صورتي من غبار يحوطني صائرا شكل هذا الكلام " (41)

كان لابد أن أتقصى . .كلماتي التي سمرتني على جنبات الور ق لم تعد كلماتي لكلما دخلتني التفاصيل دهشة عمر الحروف وشكل المدى كلما فقدت وجهها المتقادم في جهة باتساع ?لسطور وهذا الجنون / الأفق كلماتي التى ابتدأت ، تكتسي لحم هذا الختام " (42)


06

تصل اللغة واحدة من ذرى صيرورتها الى مكون من مكونات رؤية المبدع للعالم ،لذاته وللانسان وللطبيعة وهما وراء، ولعلاقته المنخرطة الحميمة بها جميعا في شعر أدونيس ، وهي تمر بمراحل تطورية ومقصل انقطاع معرفي جوهري في هذا الشعر حيث تقفز من كونها وسيلة أداء الى جزء من نسيج الرؤية / الرؤيا، غير آنني ، إيجازا، لن أتتبع هذه العملية تعاقبيا وتوالديا، بل سأركز على صورتها الذروية التي تتمثل في آخر قصائد آدونيس المنشورة وفي قصيدة لم تنتشر بعد في "شهوة تتقدم في خرائط المادة / 1987" ينفتح الوعي الذي يخلق القصيدة على اللغة (الكتابة والكتب ) فور انبثأقه في الوجود:

1- " حدث هكذا -سكاكين تنزل من السماء الجسد يركض إلى الأمام ، والروح تتجرجر وراءه "(43)

ففي لحظة الانبثاق "حدث هكذا)ثمة "أشياء" هي مكونات العالم التي تنخرط في الحدث ، واللغة أداة العملية التعبيرية، أداة الأداء. أما المكونات فهي لم (السكاكين + الجسد + الروح) وفجأة يندفع النص ، أو تندفع الشهوة لا باتجاه مزيد من الأشياء المادية بل باتجاه اللغة، بحيث يبدو الوعي المبدع وعيا متشكلا كلية في ماء اللغة، يعاين العالم ووجوه فيه من خلال هذا الماء المغلف المحيط "حدث هكذا - مطارق حدادين يعملون داخل الجمجمة/ خرس وانقراض سلالات ،- الكتابة حمض إيديولوجي والكتب زيزفونيات "( 44)

هكذا يكون العالم مؤلفا من " السكاكين + الجسد + الروح + المطارق + الخرس +انقراض السلالات + الكتابة + الكتب " فاللغة هنا ليست أداة للتعبير عن عالم ، انها مكون جزهري من مكونات العالم والتجربة والرؤية / الرؤيا وتكوين النص . ما يحدث للعالم يحدث على مستوى اللغة كما يحدث على مستوى الجسد والروح والسكاكين والمطارق ويتقدم النص ، وتتقدم الشهوة في خرائظ المادة كاشفة شيئا عميق الدلالة:

هو أن خرائط المادة تصنعها عدة مواد بين أهمها اللغة:

2 - " أين سأحفظ أعيادي التي لم تمت بعد كيف آحرر أجنحتي التي تنتحب في آقفاص اللغة؟ وكيف أسكن في ذاكرتي ، وها هي خليج من الأنقاض العائمة ؟ " (45)

وتصبح المعركة الوجودية - المعرفية في حياة الانسان لا معركة ضد اسرائيل بل معركة مع اللغة وفي اللغة، معركة مع التاريخ الآنقاضي المتجسد في اللغة معركة مع الذات التي هي ذأكرة تختزن اللغة -الآ نقاض، ومعركة لخروج الرو ح من الاقفاص - اللغة" وثمة في هذه المعركة الوجودية - المعرفية أبعاد ماتزال ملك الأنسان تعينه عل خوض المعركة من أجل أن ينجو بآعباده التي لم تمت بعد وبأ جنحته ، بما تبقى لديه من قدرة على الفرح والغبطة والانطلاق في هذا السجن الرحيب الهائل الذي تصنعه اللغة الأنقاضية للانسان . لكن المعركة لا تجدو سهلة أو قابلة للربح ببساطة، وتنشحن الذات بقلق الأسئلة المغتالة التي تصدر عن هاجس يغري بالاستسلام والقبول والنكوص عن المعركة فيما تزدحم أيضا بالأسئلة التي يحركها حلم الخلاص وامكأنية النجاة للحيوانات الحبيسة في الروح:

" هل سينمو بين كتفي حجرأو جذر خشخاش ؟، هل الحيوانات السجينة، في ستعرف أخيرا طريق الهروب ؟هل علي أن أدخل في سبات وأن أخون أعضائي ؟ هل علي أن أصنع من الرمل سدادات لرئتي ، وآنا آستلقي حجرا أسود في أبدية الطاعة؟ هل على أن أدهن جسدى بزيت الآلة وأن أملأ حنجرتي بنعم نعم ، لا. . لا ؟ "(46)

ومقابل هذه الأسئلة الطاعنة، أسئلة حلم الهروب والصيغة التي يفرضها واجب الاستسلام للغة الأنقاض والتاريخ المتراكم الميت باسم .. باسم . باسم لا أعرف ، مقابل ذلك واحتمال الخضوع المطلوب لطاعة آبدية وببغاوية مطلقة ينتصب الجواب . لا. لن آفعل ما علي أن آفعله من أجل أي شيء ، حتى من أجل تاريخ ووطن فأنا ليس لي وطن سوى...

سوى اللغة :

" كلا ، ليس لي وطن إلا في هذه الغيوم التي تتبخر من بحيرات الشعر " (47) وإنه لوطن لم لا يقايض بوطن انه الملاذ والخلاص والموئل والاخلاص والحب والفعل هكذا " آويني ، احرسيني آيتها الضاد الضاد - يالغتي ، يا بيتي آدليك تميمة في عنق هذا الوقت ، وآفجر باسمك آهوائي لا لآنك الهيكل لا لأنك الآب أو الأم بل لأنني أحلم آن آضحك وأبكي فيك" (48)

هكذا تصير اللغة ألملاذ والمأوى والحارس البيت والتميمة، تصير السحر الذي باسمه يفجر المبدع آهواءه ويمارس وجوده- وتصير كل ذلك لأ لآنها معبد مقدس تملأه الأصنام والآلهة التي (علي الإنسان آن يتعبدها) لم لا لانها آم آو آب ، لأ تقديسا لوجودها ا التاريخي في الإخر، بل لآمر واحد : لآنها "الشيء " الذي يحلم الشاعر الفرد، الإنسان الواحد، أن يحيا فيه أنفعالإته ومشاعره، هواجسه ونزوعاته إلى أقصى درجات الحرية والكينونة حد الضحك والبكاء ويبدأ الضحك والبكاء في هذا "الشيء "الحلم ، في اللغة. تصير أول ما تصير فعلا، ممارسة للفعل ، لتغيير الأشياء عن ماهيتها وتحويلها، لابتكار وجود جديد للعالم:


(أ)

( سمى اللغة امرأة والكتابة حبا، وأخذ يبحث عن أصداف المحيطات في كلمات الهدهد،- (والاشارة هنا الى شيء آخر غير بلقيس وغير سليمان )(49)
بل يصبح فعل التحول الذي تدخله الذات ، تحولها هي في صيرورتها الوجودية فعلا لغويا، من أفعال الممارسة اللغوية ثم تصبح الذات بذلك كله فاعل الخلق الحقيقي المكرر المجسد للخالق الباري في فعل الخلق الأول:

" أن أترجم أحشائي أن ألتصق بك وأرتعش وتصطفق أنحائي كمثل نوافذ بين يدي ريح خرجت لتوها من أصابع الله ، - هكذا أتحول فيك إلى نفس يهبط من فم السماء وينفخ في فرج الأرض هكذا أحضنك وأقول - من جديد أنت الجسد الذي يسمى الغد وعلى هذا الجسد يرمى نرد التاريخ (50) باللغة تصير الذات فاعل ابتكار جديد ألوهي ، طرية، طازجة، خارجة التو من أصاب الله مستعيدة في هذه العملية الابداعية الآولى الخلق ألآول الذي فيه علم آدم إلأسماء كلها ،وتحضن الذات الجديدة الأسماء - اللغة ألجديدة وتهتف أنت الجسد وأنت الغد آنت لست تاريخا ماضيا، لست موروثا، وأنقاضا. بل انت اللحظة الجسد الجديد الذى أبدعه المبدع والغد وانت أنت محك المصير ومقامرة الصيرورة : إما أن تكون الحياة بك ، ويكون ا لتاريخ ، نضرا، حيا، زاهرا، مؤتلفا أو يسقط التاريخ في الجب عليك آيتها الجسد الغد ترمي النرد، ويا للهول أذ نرمي فلقد تكون دوشيش ويكون الغد الألق ولقد تكون إكي دو وصفر القيعان الانقاضية المدمرة.

هكذا تخرج أللغة من كونها وسيلة تعبير الى كونها مقامرة ابداع الوجود الكبرى المغامرة الاعظم التي الاتضاهيها حتى مغامرة خلق آدم وحواء وآكل التفاحة. اذ ألم يرد قي الكتب انه "في البدء كان الكلمة" و أنه "علم آدم الأسماء كلها" ولم يعلمه الأشياء لماذا لم يعلمه ألأشياء؟ ولماذا لم يكن في البدء الشيء أو الفعل ؟ أو الانسان ؟ أما وراء ذلك كله من حكمة؟ أوليس فيه من دليل لنا نحن التائهين في لجة ألحداثة ؟ بلى بلى ، و والله ، ألف بلى . ولقد ، أي والله ، تعلمناهما وأتبعناهما، ولقد إنهما الهاديان .

كذا يقول الصوت ، منذ بداية اتشراخات الحداثة، أعني الانشراخات التي تولدت بفعلها الحداثة، إلى هـذه اللحظة التي تحولت فيها الانشراخات إلى أخاديد ومهامه ومهاوي ومفازات تفصل عموديا وأفقيا بين عوالم وهواجس ومفاهيم وتصورات لم يعد ما بينها علاقات تنام وتناغم ومغايرة ضمن الشيء الواحد، بل صار تنافرات وتناتؤات وانقطاعات .

أجل صارت الحداثة سلسلة من ا لا نقطاعات ترى المفارقة المبكية ؟ " سلسلة " من " الانقطاعات "النقيض يشكل نقيضه "الانقطاع" تحديدا هو انعدام التسلسل وامتناع تشكل السلسلة . مع ذلك أقول "سلسلة" من الانقطاعات هل أحتاج إلى تفسير ما آعنيه بأكثر مما فعلت ؟ لكأني بك تريد أن تقول "نعم " لكنك ترى المتاهه المقبلة فاغرة فتصمت أه ؟ كذلك أفعل آنا فالمتاهة فاغرة فاغرة وها آنذا أتد لي..

نهايات 1988 صنعاء صيف 1994 اكسفورد



توقيع نقوس المهدي



المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.




  مشاركة رقم : 6 (الرابط)  
قديم 07-02-2009, 06:56 PM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 8,878
بمعدل : 13.59 يوميا

نقوس المهدي غير متصل عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : مختارات
افتراضي

ايها البهم البهاليل
كمال ابو ديب





قبل الف عام صرخ بهم شاعرهم نادبا لاذعا!
اذروة الدين ان تحفوا شواربكم
يا امة ضحكت من جهلها الأمم
وبعده بألف عام صرخ بهم شاعرهم منبها، موقظا، نازفا:
تنبهوا واستفيقوا ايها العرب
فقد طغي السيل حتي غاصت الركب
وبعده بقرن من الزمان يصرخ بهم شاعر غاضبا، مضرجا بعارهم، مبرحا، منذرا:
تنبهوا، واستفيقوا ايها البهم
فقد طغي السيل حتي غاصت اللمم
اذروة المجد ان تحشوا بطونكمو
وتنكحوا اربعا، يابئس مجدكم
ام ذروة الدعم ان تبكوا علي رمم
وتحمدوا لله ان ظلت لكم رمم
ََأأمة انتمو، ام انتمو امة
لكل من شاء تعنو وهي تبتسم ؟
لم اسماها كاتب ليس منهم امة من الفئران ، وكان من صلافته انه لم يعتذر للفئران، فالفئران تسعي، وتخطط طويلا للحظة ظهورها من مخابئها كي تقضم لقمة عيش. والفئران حريصة، ذكية، ماهرة، والفئران تري وتبصر وتشم وتسمع حتي رسيس النسيم في فضاء بعيد، فتعد لكل شيء عدته، بل هي امة تزاوج فيها النعام بوحش من سباع البراري، فهي نعام يدفن رأسه في الرمال ـ رمال الصحراء ورمال الشطآن، لا تري ما ينبغي ان تراه، نعام يفرش نعومة ريشه لاصابع الغزاة الاقوياء المفترعين، ووحش برار كاسر مفترس علي اهله، والمستضعفين من حوله، والضاربين في اغنامه.
ولقد دفنتم رأسكم في الرمال، وايم الحق، استسلمتم امام الغزاة ظنا منكم ان في استسلامكم نجاة لرؤوسكم، رأيتم رأس العراق العريق يجتز فهللتم وحملتم النعش والرفوش والفؤوس لتدفنوه بشعائر الخالق ورحمته، قال لكم الغزاة، نجتز رأس العراق لنبني لكم مجدا وعزة وكرامة، وضحكتم وصفقتم فرحا بمجد ما هو غير سراب بقبعة امريكية، لكنكم اسدلتم واقع الوهم علي انصاركم فلم تعد تري ما يري. وايم الحق، ان رؤوسكم انتم هي التي ستتهاوي علي مفاصل الغزاة في آت من الأيام. وسيبتكرون اسبابا ودوافع وتهما من اجل احتزاز لحاكم، ومقصلة اعضائكم كما ابتكروا من اجل العراق، ولقد حفرتم لانفسكم قبورا حين حللتم لامريكا اجتياح العراق لتحريره علي طريقتها، واحد منكم ستدمر عروشه لأنه يعمل تبعا لشريعة تتلاءم مع الدستور الامريكي ومتطلبات الحرية في القرن الواحد والعشرين.
وواحد منكم ستقتلع اظفاره بالكلابات لأنه يتزوج صبايا لم يبلغن السن القانوني للنكاح في نيويورك، وواحد منم ستنسف دعائم حكمه لأنه يحلل ما لا يحلله جورج واشنطن ويحرم ما لا يحرمه، مدعيا ان هذا هو ما يحلله ويحرمه خالق الاكوان، وآخر بينكم ستجتاح بلده لأنه لا يسمح للمعارضة بحرية العمل لاسقاط حكمه، وآخر مثله سيتطاير رأسه شظايا لأنه يحكم باسم حزب واحد، او طائفة لا تشكل اغلبية، ولم يصل الي الحكم بانتخاب ينفق فيه ملايين الدولارات علي الحملات الانتخابية، ويشتري وسائل الاعلام لدعمه اما اكثركم امانا فسيفصم رأسه عن جسده لأنه ما يزال يكره اسرائيل حبيبة امريكا ووصيفتها وسيدتها وعميلتها.
بلي، ايها البهم البهاليل
كلكم علي طريق بغداد، واحدا واحدا، عبدا عبدا، وتابعا تابعا، وجبانا جبانا، في المصهر ذاته ستشوي اجسادكم قبل ان يتاح لكم ان ترفوا رؤوسكم من تحت الرمال الدافئة.
ذلك ان ربكم انعم علي ارضكم بألف شيء وشيء، لم يكن من العدالة في شيء ان تجد طريقها الي ارضكم انتم لا الي الصحاري الامريكية وغابات جبالها وسهولها الشاسعة.
ثمة خطأ في تصميم الكون تراه امريكا، وهي بصلف قوتها، وغطرسة اسلحتها، مصممة علي ان تصحح الخطأ وتعيد الكون الي ما كان ينبغي ان يكون عليه، كنوزا من الخير والثراء محصورة قطعا في الفضاء الامريكي والاراضي الامريكية.
وانتم بما انعم ربكم به عليكم غير جديرين: امريكا ستثبت انكم لا تعرفون كيف تستغلون اموالكم، وان ملوككم ورؤساءكم الملكيين ينهبون ثروات البلاد ويهربونها الي البنوك الامريكية (علي اية حال)، فالحق يقضي بأن ترفع ايديكم قسرا عن هذه الثرواته لتستغلها امريكا لمستقبل شعوبكم كوديعة في البنوك الامريكية.
بلي، بلي، ايها النعام المستسبع.
انكم علي طريق بغداد، حيث ينصب الغزاة المقاصل الآن:
فواخجلة العراق
وواخجلة الرمم
وواخجلة التاريخ
لكن، ايضا.
يا لعدالة التاريخ.


(*) استاذ الأدب العربي بجامعة لندن


توقيع نقوس المهدي



المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.




  مشاركة رقم : 7 (الرابط)  
قديم 10-13-2009, 03:33 PM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 8,878
بمعدل : 13.59 يوميا

نقوس المهدي غير متصل عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : مختارات
افتراضي

كمال أبو ديب


في البنية الايقاعية للشعر العربي وفي اللابنية أيضا
قصيدة النثر وجماليات الخروج والانقطاع


في كتابي في البنية الايقاعية للشعر العربي ( 1974). وردت بضعة مقاطع لم يتنبه الى خطورتها أحد رغم كثرة الباحثين الذين تناولوا هذا الكتاب بالدراسة وكانت تلك المقاطع تستند بعمق الى فهمي الشخصي لمكونات البنية الايقاعية للشعر العربي، وتتكهن باحتمالات مستقبلية تخرج عليها وتؤسس نمطا جديدا من التشكيل الايقاعي، هي ذي المقاطع المعنية.

هكذا يقال. لا يتصور حدوث تحول جذري في بنية الايقاع الى أن تتغير بنية العقل: البنية الفكر _ نفسية ذاتها، والتغير، فيما يبدو، كان محالا قبل العقدين الأخيرين. وهاهي علائمه. لكنها لم تزل علائم. واذ يقال هذا لا يقصد التغير بما هو حدث جزئي، وانما بما هو فعل كامل على صعيد الثقافة كلها:، أي ولادة بنية جديدة. أي أن حدوث تغيرات جزئية, ضمن مجال الثبات, لا ينكر: في نماذج من الشعر الصوف في النثر - الشعر ملامح تغير جزئي. لكن البنية الفكر- نفسية ظلت ذاتها. نحن نبدأ الآن.

وملامح التغير تنجلي في البنية ذاتها: إخماد الحركة, والبحث عن السكون أو بالدقة الهدوء، في قصيدة النثر توجد الكلمة لا جسدا صوتيا من الحركة المستمرة والسكون اللحظي، بل بنية السكون فيها مكون أساسي, حين نقرأ الكلمات نحاول أن نخمد الحركة الى أقصى حد، والعلامة المطلقة لذلك هي القراءة دون حركات على أواخر الكلمات. وهذا مظهر شيق للبنية الجديدة, لأنه يحتضن فيما يحتضن تتابعات مثل (55) واحتضان هذا التتابع هو النقيض المطلق لايقاع شعر التراث. وهو أيضا ليس حدثا عابرا. الشكوى التي تسمع من طنين شعر التراث وحدته, والدعوة الى شعر هاديء مهموس, أو شعر نبر، هما، جوهريا، قول بسيط: ثمة شي ء يبزغ في حياتنا جديد. بنية جديدة يعجز الايقاع التراثي عن بلورتها وتجسيدها. بل انه ليشكل نقيضها المباشر: الكتابة بايقاع تراثي هي, في الواقع, إدخال لبنية مغايرة وتأكيد لهذا البنية في الضمير العربي الحديث. لذلك قد يشعر المتلقي بالقلق واللاتوازن, بأن شيئا يحدث منفصلا عنا، متحركا في مجال غريب على الذات.

خلق إيقاع شعري حديث, إذن ليس عملا مفتعلا، إنه حتمية تاريخية. ولقد جاء حتميا ودور المؤثرات الخارجية يجب أن يحدد من جديد، أن يكون لها أكثر من فعل اللفت الى مجالات ممكنة, شيء يكاد يناقض حركة الثقافة كلها، يناقض إيقاع التطور التاريخي.

وتقبل السكون تقبل التتابع (-55) في بنية الكلمة والتشكل, ليس فعلا خارجيا. إنه ثمرة لتقبل في الجذور, لأنه يستقي من لغة الحديث اليومي, اللغة المحكية ومن الشعر المؤلف بهذه اللغة. وليس بعيدا أن تكون اللغة المحكية بايقاعها الخاص المتن ثر الأقوى في تغيير ايقاع الحركة الدائبة لقرون.وإذ نلتصق بالذات الحية, دون تعال عليها، لابد أن ينعكس هذا التعبير على لغتنا الفوقية: لغة الفكر المنفصل المتعال يمكن التكهن دون ادعاء للنبوة, بأن تعميق الالتصاق باللغة المحكية, بالذات الحية, والفولكلور, سيؤدي الى اتخاذ بنية ايقاعها بنية لايقاع الشعر المكتوب بالفصحى، أو يقرب, على الأقل البنيتين ليخلق بنية ايقاعية وسيطة, هكذا يبدآ التوفيق الضروري بين اللغة الفوقية وبين الذات ويبدأ زوال الازدواجية التي تترك آثارها على الفكر العربي في غيبوبته وضبا بيته وضعف تركيبه المنطقي.

في الشعر الذي يكتب الأن بندرة, والذي لابد اذا استمر التطور الطبيعي, من أن يكتب بوفرة, تصبح شخصية الكلمة شيئا غير جسدها الصوتي شيئا يتحدد بدورها التكويني في التجربة الشعرية وبنية القصيدة. الكلمة في الشعر التراثي توجد صلبة حادة لا يغيرها شي ء تفرض نفسها على التشكل الايقاعي،وحولها يتأطر الايقاع, يمط جسده ليتكون. التغيير الجذري الذي نحتاجه هو أن نحد من طغيان الكلمة وقسرها للايقاع كله: بأن نحيلها الى جزء بنيوي يتحدد هو بطبيعة الايقاع والتجربة الشعرية, أي نكسبها مرانة داخلية فيكون لها في سياق. ما الدور الايقاعي (X) وف سياق آخر الدور (Y), وهكذا يتم ذلك بأن نعطي أنفسنا القدرة على قراءة الكلمة كما نحتاجها أن تكون في السياق, محركة أو ساكنة, منبورة أو غير منبورة _ ضمن شروط تنبع من طبيعة الكلمة ذاتها - بإرادة مطلقة تقريبا.

كلمة (حالم) لها في الشعر التراثي دور مطلق هو (-5--5)، عبر عنه الخليل بتمثيل جسدها الصوتي, لا بشيء داخلي فيها أو بدور بنيوي لها. في الشعر الآن, يجب أن نستطيع إعطاء هذه الكلمة الدور (-5-5) أو (-5--5) وأن ننبرها هكذا (-5—5) أو نتجاوز عن نبرها أحيانا، بإرادة تستقي تسويفها من السياق الشعري الكلي والجزئي. ثم ينبغي أن نحدد دور الكلمة الايقاعي على أساس النبر الذي تحمله لا على أساس جسدها الصوتي.

بهذا يكون في مقدورنا استغلال إمكانية إيقاعية في الكلمة العربية لم يستغلها التراث إلا في مراحل نعرف عنها القليل القليل، لأن ثقافة التراث وبنيته الفكر- نفسية فرضتا اختيارا لامكانيات دون أخرى في الكلمة العربية. وجاء هذا الاختيار مخلصا إخلاصا مطلقا في تجيره عن البنية. وان لم نجار ثقافة التراث وشعراءه في إخلاصنا للبنية الفكر - نفسية لثقافتنا فإننا نخون الروح الفاعلة في التراث, لنتمسك بقشوره. التراث يعلمنا الاخلاص لذواتنا لفكرنا فلماذا نصر على خيانته بالاخلاص له, ولفكره "؟.

وقد سبق هذه المقاطع بحث ذو بعد تاريخي اقترحت فيه أطروحة هي التالية:

"ثمة مرحلة في تطور الشعر العربي، سبقت عصر الخليل... كان الشعر فيها قائما على النبر.. ثم استمر الشعر بعد دخوله مرحلة الايقاع النووي، ابتداء من الشنفرى وامريء القيس يستقي انتظامه من المكونات الوتد - سببية بالدرجة الأولى, خمسة عشر قرنا على الأقل. ورغم بروز حركة تجديد واعية قاصدة في العصر العباسي، لم تتغير مفاهيم الفواعل الايقاعية في الشعر. ورغم انفجار حركة ثورة فعلية في العقود الثلاثة الأخيرة, فإن ماطرا من تغيير, على هذا الصعيد لا يزال طفيفا لا تناول البنية الايقاعية بشكل جذري، هل ينبغي إذن آن نعيد كتابة تاريخ الشعر العربي على ضوء ما يقال هنا، باحثين عن النماذج التي قد تكون سلمت من "تصحيح " الرواة ؟ آو لم يصدق أبو عمر بن العلاء حين قال إن أكثر ما قالته العرب من الشعر ضاع؟

على صعيد أخر... أليس من الطبيعي, والممكن أن نعيد للشعر العربي بعضا من حيويته الأساسية وحيويته الجوهرية بأن نعيد خلق إيقاعه النابع من النبر ونفكه من اسار صيغ التركيب الصوتي والتتابعات الوتد _ سببته الصارمة في تطلبها للتعادل الحركي؟ سؤال جذري ثالث لباحثين يأتون, لكنما هو، بالدرجة الأولى سؤال لشعراء يأتون "(1).

أما خطورة هذا الكلام فإنها تنبع من كونه يقر مشروعية نمط إيقاعي جديد ينشأ من التعامل مع التركيب الصوتي والايقاعي للكلمة العربية بطريقة جديدة خارجة على طريقة التعامل معها في تحديد الشعرية في العربية القديمة. وحين يتحقق هذا التعامل تخرج المكونات المتوارثة للايقاع من إطار الكم والنبر الممتزجين الى إطار النبر الخالص, ويصبا الانتظام الايقاعي, من جهة أمرا عارضا، ومن جهة أخرى مكونا داخليا، أي نصيا قد يتحقق بشكل ما في النص الواحد لكنه لا يقدم قالبا نظريا ينبغي أن يتحقق في نصوص أخرى وبالصيغة نفسها، أق أنه لا يعود شرطا من شروط تحديد الشعرية خارجيا وبصورة مستقلة عن التحقق في نص متعين.

ولقد جاءت الاجابات على أسئلتي فصيحة بليغة, لا من النقاد وحسب بل من قبل الشعراء أيضا فانتشر ما نسميه قصيدة النثر انتشارا سريعا, وتنامى بقوة وحيوية فضاء إيقاعي (يصعب تحديد نقطة هدايته لكنه يعود على الأقل الى جبران والريحاني والترجمة العربية للكتاب المقدس, وربما ضربت جذوره في القرأن الكريم والنثر الصوفي) انضاف الى النمط الايقاعي التقليدي النابع من البنية الايقاعية للشعر العربي. ومن الجلي أن عبارتي هذه تتضمن أن النمط الجديد ليس نابعا من البنية الايقاعية للشعر العربي، بل هو انبثاق مغاير يجسد عملية انقطاع عنها وتدشين فضاء مستقل عن مدارها وفي ذلك كله تجل لانبثاق حساسية جديدة وتصورات جديدة وشعريات جديدة وفي نهاية المطاف انبثاق عالم جديد. إن العالم الذي انتشرت فيه قصيدة النثر غير العالم الذي سادت فيه الايقاعات النابغة من البنية الايقاعية للشعر العربي, أما ما هي وجوه هذه المغايرة فذلك ما لا طاقة لي على اكتناهه وتحديدا بعد. وان كانت دراساتي تزدحم بإشارات كثيرة لبعض معالمه. بيد أنني أود إيراد أكثر وجوه الاختلاف جذرية وحدة: إن البنية الايقاعية للشعر العربي تتشكل بكلمات تبسيطية مؤقتا من العلاقات التي تنشأ بين نواتين ايقاعيتين (أو ثلاث نوى أحيانا) تشكلان ثنائية ضدية, هما فا (-5) وطن (--5) حين تنتظمان على محور الترتيب أو التراصف الافقي لتنتجا وحدات إيقاعية تتوالى أو تتكرر أو تتناوب بدرجة عالية من الانتظام تمثل فيها (علن) المكون اللامتغير و(فا) المكون المتغير, وتحمل الوحدات الايقاعية واللغوية والدلالية نبرا يلعب دورا أساسيا في تكوين الايقاع, أما في قصيدة النثر فإن الايقاع لا يستند الى علاقات التراتب بين نواتين ايقاعيتين متعارضتين والى تكرارهما على مسافات منتظمة تختلف ويؤدي اختلافهما الى تكوين بحر أو آخر، بل يتنامى الايقاع من نوى ايقاعية ليس بينها علاقات محددة من حيث تركيبها الصوتي، من جهة وترد في السطر الشعري ورودا اعتباطيا (بالمعنى الدقيق المحايد للكلمة) لا يحكمه مبدأ منظم, من جهة أخرى. ولقد أظهرت في كتابي المشار اليه أعلاه الفروق التي تنشأ بين الأنظمة الايقاعية التي لا تستند الى ثنائية ضدية (ومنها النظام الفرنسي)وبين الأنظمة التي تستند الى ثنائية ضدية (ونموذجها النظامان العربي واليوناني). ويوسعنا القول هنا إن قصيدة النثر تولد ايقاعات لا تستند الى ثنائية ضدية من جهة, ولا تلجأ الى نظام بديل مثل عدد المقاطع المشكلة للبيت الشعري، كما يفعل الشعر الفرنسي, من جهة أخرى.

ما أقوله, إذن هو - ببساطة قد تبدو صادمة - ان قصيدة النثر لا ايقاع لها سوى الايقاع النابع من النبر والتركيب الصوتي للغة النص والأبعاد الدلالية للنظم, أي من المكونات ذاتها التي تمنح النثر بكل أشكاله وتشكيلاته إيقاعا ما، ولا تولد وحدها إيقاعا شعريا بالتحديد العربي للايقاع الذي يقوم على التكرار المنتظم لمكونات معينة وفي تشكيلات وزنية محددة قصيدة النثر بهذا المعنى لا وزن لها، لكن لكل نص منها إيقاعا. كما أن لكل نص لفري أيا كان إيقاعا (فاللغة ظاهرة صوتية. والصوت في حركته يشكل إيقاعات) لا يحقق نموذجا نظريا مسبق التصور, ولا يشكل قاعدة لتشكيل نموذج نظري قابل للتقليد في المستقبل كل ادعاء آخر لا يستند له. وذلك بالضبط مصدر أهمية قصيدة النثر ومعنى كونها ثورية. فهي تكسر حدود النص الشعري وتخرج على تحديد الشعرية في العربية إذ ترفض الايقاع المنتظم بكل أشكاله وحين تولد درجة ما من الانتظام فإن انتظامها يعني شيئا واحدا. انتظام الظواهر الايقاعية داخل النص نفسه, كا لتكرار والتوازي وعدد النبرات الخ, لكنه لا يعني قابليتها للقياس بمقياس خارجي منتظم يمكن صياغة هذا الكلام بصورة أخرى باستخدام المصطلحات الخليلية تسهيلا بالقول: قصيدة النثر لا تملك وزنا خليليا ولا تصاغ أو تتشكل على بحر من بحور الخليل المستعملة أو المهملة, كما أنها لا تبتكر لنفسها بحورا جديدة خاصة بها _ كما ابتكر الموشح والرجل والرباعي والدوبيت والمواليا والعتابا والميجنا في تاريخنا الابداعي بحورا متميزة خاصة بها, أي أن قصيدة النثر لا بحر لها _ فالبحر هو القالب النظري المنتظم الذي يوجد خارج النص ومستقلا عنه والذي يمكن أن يتحقق - في نصوص كثيرة, أما قصيدة النثر فإن لكل نص منها إيقاعه الفردي المتعين, والايقاع هنا يسرح في واد متغير المسارات والانعطافات وليس بحرا هادئا منتظم الحركة متكررها. وفي اعتقادي أن الخليل استخدم علمة البحر من أجل أن يدل على هذا الطبيعة المستقرة المنتظمة المتكررة المحدودة بشواطيء لا تخرج عليها والتي تحدث فيها مع ذلك تغيرات موجية طفيفة, فهي بهذا المعنى ثابتة جوهريا متغيرة عرضيا في آن واحد. وبالمقابل, فإن قصيدة النثر تغير دائم لا استقرار له ولا ثبات وحركة الايقاع فيها ليست حركة تموجات بل انسراب واندفاع وتبجس وتناثر وتفجر وترقرق وهجهجة ومجمجة وعجيج وهدير وسقسقة نمير لمياه غدير قلق, سلسبيل أو متفجر أو ما بين بين, يسير حيث شاء في مجرى لا يحدد منعطفاته ومنحنياته ومستقيماته وتمعجاته سوى الطبيعة الفيزيائية لمجراه وقابلية المياه لأن تحته وتأكل منه هنا وهناك. أو تخضع لقيوده هنا وهناك, بل إن هذه الاستعارة غير دقيقة لأن للنبع ضفافه المقيدات الحاصرات وقصيدة النثر لا ضفاف لها ولا حواصر. فهي ماء منسرح في فضاء مفتوح وفي أرض ترابية لينة أي أنها تتمعج وتسيل وتقف وتنعطف لخصائص الماء وتكونات طاقاته واندفاعاته واستكاناته لا لخصائص الضواغط الخارجية المقيدة المحددة, بل الأدق الآن أن أقول إن قصيدة النثر ماء يجري صانعا في تدفقه فضاءه الخاص وأرضه الخاصة ومناخه الخاص. وليس ثمة فضاء أو أرض جاهزان مسبقا يخرج منهما متجها اليهما ومنصبا فيهما.

(2)

ليس ثمة من ريبة في أن الانتظام في الايقاع النثري قابل للتحقق دون موازين الخليل, وأكبر دليل على ذلك النص القرآني. ولنتأمل الآيات التالية: "قل هو الله أحد، الله الصمد،، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤا أحد" (سورة الاخلاص) مثلا على ذلك. إن الانتظام هنا لا يتمثل في تكرار ظواهر صوتية معينة على مسافات معينة بقدر ما يتمثل في انتظام تزايد زخم الايقاع النبري من نبرتين الى أربع نبرات الى خمس نبرات في الآخير، بعد أن كان استهل بنبرتين قويتين متتاليتين على الكلمتين « قل هو" ونبرتين بعدهما على «الله أحد". أي أن النص شكل قدرا من التوازن أولا ثم كسر هذا التوازن (أربع نبرات+ نبرتين+ أربع نبرات +خمس نبرات) خالقا بذلك نسقه الايقاعي الحاد حدة باترة, من جهة والمتلطف قليلا، من جهة أخرى. وذلك, في تقديري جوهر موقف القرآن الكريم من المذاهب التي تنسب لله ولدا. غير أن هذا الانتظام ليس له صيغة محددة تشترك بها نصوص عديدة, بل ينشأ حين ينشأ بنهج خاص بالنص الذي يحدث فيه. وينجلي ذلك بمقارنة إيقاع هذه السورة مع سور قصيرة مماثلة لها مثل الناس, والفلق, والمسد وغيرها.

بيد أن للنثر إيقاعه بمعنى آخر: هو أنه يقوم على ايقاع الفقرة أو السطر لأنه يستند بقوة الى الفصل والوصل. كانت مباديء الفصل والوصل في الشعر الخليلي تقوم على طول التفعيلات وحدودها وعلى الشطر ثم على السطر، والشطر والسطر محددان بالقافية ونهاية البيت. أما ايقاع النثر فيقوم على فصل ووصل من نمط مختلف ينشئه البعد الدلالي المتعلق بامتداد النفس والضغط النابع من تموجات التجربة والقراءة والحركة الداخلية للهجة الشعرية.

كل المحاولات التي تزعم أن لقصيدة النثر إيقاعها الخاص المكافيء للوزن تتشبث بأذيال الشعرية القديمة, وتحاول إكساب الشرعية لقصيدة النثر بموضعتها داخل التراث الشعري وتأصيلها فيه. لكن الحقيقة البسيطة هي أن قصيدة النثر لا أصول لها في الايقاع التقليدي على مستوى تصوري _ أي مستوى التحديد الواعي للشعرية عند العرب. فرغم وجود من قالوا بأن الوزن ليس شرطا كافيا لانتاج الشعر، لم يقل أحد بقدر ما نعرفه الآن من المنشور من التراث العربي - أن الشعر يكون بغير الوزن. أما على مستوى الانتاج الابداعي فإن تحديدنا الآن للشعرية بغير الوزن يلعب دوره في إعادة تصور المامي وتحديده, أي أنه يدفعنا الى اعتبار نتاجات أدبية ماضية شعرا مع أن الذين انتجوها وعاصروها لم يعتبروها كذلك. هكذا نكون أمام نهجين متعارضين من التفكير: الأول يسعى الى اكساب الشرعية لظاهرة ما بزعم أنها متأصلة في التراث, كأن كل ما لا يوجد في التراث لا شرعية له, أي أنه يمسه حداثية الحداثي ويلغي جدته وطارئيته, والثاني ينتج الحاضر بخصائصه الجديدة المائزة ويتركه يعيد صياغة الماضي وتحديده وتصنيفه أي أنه في الجوهر من عملية الابداع الحقيقي. فكل ابداع جديد حقا يعيد صياغة الماضي.

ملحق 1

لقد بدا لي منذ زمن طويل أن إحدى أكثر الوسائل دقة وأعظمها وعدا بتحقيق عائد وفير هي استخدام المفاهيم المثيرة التي طورها النحاة العرب, وبشكل خاص عبدا لقاهر الجر جاني، في تحليل أساليب الفصل والوصل, لدراسة ايقاعات النثر، وخاصة كما تتبدى في وقصيدة النثر المعاصرة, ففي غياب مقومات للايقاع ذات تكوين منتظم ونابهة من التركيب الوزني للغة, لا يبدو أن ثمة وسيلة أفضل لتحليل الايقاع النثري الذي غدا واضحا تماما أنه لا ينبع من عناصر توليد الايقاع في البنية الايقاعية للشعر العربي.

وكلما تعمقنا في دراسة قصيدة النثر أدركنا الحاجة للافادة من الدراسات التي تناولت أسلوب القرآن الكريم وطرق تلا وته, وأقامت تمييزات مرهفة بين الآيات المكية والآيات المدنية. إن ايقاع النثر المتصل أقل الايقاعات استثمارا للطا قات الايقاعية للغة, وكلما استخدمنا أساليب التقطيع والتفقير وتغير اللهجة والالتفات والوقف والابتدأء والاستئناف والفصل ازدادت المكونات الايقاعية بروزا، واقترب ايقاع النثر من ايقاع الشعر المنتظم (دون أن يبلغ بالضرورة درجة الانتظام), لأن جميع هذه الأساليب تقتضي ورود فواصل من الصمت بين المكونات اللغوية, والعلاقة بين المنطق والصمت. أو الحركة والسكون هي جوهر التشكيل الايقاعي ومولد ته الأساسية.

هو ذا نموذج للنثر المطرد المتعانق الذي يطغى عليه أسلوب الوصل:

"أمس ذهبت الى المدرسة أفكر طوال الطريق بالدروس العديدة التي لم أدرسها حاملا دفاتري وأقلامي الى أن وصلت باب المدرسة فحمل عني أحد رفاقي بعض الكتب مخففا عني الشعور بالتعب والاعياء والحاجة الى الراحة فشكرته شكرا جزيلا صادقا ودخلنا قاعة الدرس معا".

أما النثر المفقر آلتوازن الملون الذي يقوم عر كثرة الفصل فبين نماذجه البارعة كتابة أدونيس كما تنجلى في المقطع التالي:

"أنادي الفرغ أفرغ الممتليء. حتي الصوان رخو،
حتي الرمل يتأصل في الماء - لماذا الطرق، لماذا
الوصول؟
ضال ضال ولن أعود. السقوط حالتي وشرطي
الجنة نقيضي.
إنني عرس وأعلن مجاذبية الموت - أنا الغيم ولا
يباس عندي. أنا القفر ولا غيم لي.(2)

وفي آلمقطع التالية:

"كان اسمها يسير صامتا في غابات الحروف،
والحروف أقواس وحيوانات كالمخمل
جيش يقاتل بالدموع والأجنحة,
وكان الهواء راكعا والسماء ممدودة كالأيدي,
فجأة
أورق نبات غريب واقترب الغدير الواقف وراء الغابات
رأيت ثمارا تتخاصر كحلقات السلسلة
وبدأ الزهر يرقص
ناسيا قدميه وأليافه
متحصنا بالكفن ".
"طامح جسدي كالأفق وأعضائي نخيل تثمرين في
أقطف تحت صدرك،أيبس وأنت ريحاني والماء
كل ثمرة جرح, وطريق إليك
أعبرك وأنت سكناي أسكنك وأنت أمواجي
جسدك بحر وكل موجة شراع
جسدك ربيع وكل ثنية حمامة تهدل باسمي
تحشرين إليه أعضائي
أتجه في نزع وسكرات
أستقر فيه مملوءا بشرقه وغربه
أفرشه غبارا وقبرا
مملكة أنهبها وأحميها
أرتعب أتجاسر
أستنجد يالغابات والبرارى
بالطينة الأولى
بشهامة الفهد وعزلة النسر
اتمزق أنفطر نازلا الى أغواره
مليئا بخلائق تشتعل تنطفىء تشهق وتزفر
تعلو هائمة الوجه
وتسقط جاثية حولة"(3)

لكن لدى أدونيس في هذه القصيدة وفي قصائد أخرى، بعض ما يندرج في إظار النثر المتعانق وتطفى عليه أساليب الوصل, إلا أن ذلك قليل في كتابته قلة مائزة.

جلي تماما, فيما آمل, أن ايقاع هذا النص أكثر تعقيدا وتشابكا وتنوعا من ايقاع نص من المتدارك المنتظم, مثلا الذي يستخدمه أدونيس بغزارة في مهيار وكتاب التحولات (الذي يضم "تحولات العاشق "). ومنشأ التعقيد أن النص لا يشكل بنية منتظمة ذات بحر منتظم في تأليفه من وحدات إيقاعية متكررة. فنص "تحولات العاشق " نثري. أي أنه لا ينتظم في تكرارات وتوازنات منتظمة. والوحدة الايقاعية المكونة للنص هي الجملة اللغوية من حيث هي تركيب دلالي لا وزني أو نظمي. ما أعنيه بهذا هو أن النص يتوزع الى أسطر لا تبعا لضوابط وزنية محددة بل تبعا لتموجات وتكوينات دلالية, أبرز مثل على ذلك أن «فجأة" تحتل سطرا بنفسها ولا تتراصف مع الكلمات السابقة لها أو التالية لها. وموقعها ليس محددا بوزنها العروضي أو وزنها الصرفي, بل بدورها الدلالي ضمن حركة المعنى، وهذا مصطلح جديد ابتكره لفرض هام هو تسهيل دراسة الايقاع ووصفه, وما أعنيه بحركة المعنى هو الطريقة التي تتعالق بها المعاني والوحدات الدلالية في نص من النصوص وأنهاج انفصالها واتصالها بما يسبقها ويتلوها.

حركة المعنى, إذن هي الفاعلية الأولى في تشكيل ايقاع النص, وهي العامل الذي يحدد توزيع الكلمات في وحدات ايقاعية كبيرة وهي أسطر إيقاعية والعامل الذي يحدد مكان وقوع الفاصل النغمي، وهو مصطلح ضروري جدا لأغراض هذه الدراسة أقترحه بالقياس مع الحاجز الموسيقي والفاصل ليس عبثا بل إن مكان وقوعه ذو دور أساسي في تحديد الايقاع لأنه يلعب دور الصمت في الموسيقى، من جهة ويحدد موقع بداية الحركة الايقاعية الجزئية وقرارها. ومن جهة أخرى. ومن هذه التصورات واستنادا اليها نستطيع أن نقول إن السطر الأول في نص أدونيس يشكل وحدة ايقاعية مستقلة نسبيا تصل الى قرار مع نهاية السطر وورود الفاصل ثم تتلوها حركة ايقاعية ثانية في السطر الثاني، والعلاقة بينهما هي علاقة وصل - بلغة الجر جاني - لكن السطر الثالث يمثل حركة ايقاعية ثالثة علاقتها بسابقتها علاقة فصل. ويصدق هذا على السطر الرابع. ويصل الفصل ذروته في السطر الخامس مع ورود "فجأة ".

ومن الجلي هنا أن توزيع الوحدات الدلالية النابع من حركة المعنى يؤدي الى تفاوت في زمن الأسطر (وطولها) وأنه ليس هناك عامل خارجي مسبق يحكم هذا التوزيع وذلك التفاوت.

يمكن الأن وصف الفواعل الايقاعية بطريقتين: وصف التفعيلات التي يشكلها كل سطر، ووصف النبر الذي يقع على الكلمات والانساق النبرية التي تتشكل نتيجة لذلك.

وزنيا, يشكل المقطع الأول التفعيلات التالية (المألوفة في نظام الخليل العروضي -ويمكن تشكيل تفعيلاته بطرق أخرى). "مستفعلن متفعلن مفاعيلن مستفعلان فاعلن مفاعيلن فعلتن فعلن مفعولن مستفعلن متفاعلن فعولن فعل

فعولن فعول فاعلن فاعلن فعولن فعولن فعلن فاعلن "

وليس في هذا التركيب, أو غيره من الممكنات, انتظام يكفي لنسبته الى بحر حتى لو لم يكن من بحور الخليل.

أما الانساق النبرية فهي التالية (ترمز 8 الى النبر الثقيل على الموضع المحدد من الكلمة, وترمز 8 الى النبر الخفيف)، وترمز _ للمتحرك, و5 للساكن و55 لساكنين متواليين)


(نستطيع أن نقرأ أواخر الكلمات ساكنة في كل سطر، فتتغير المكونات الايقاعية في بعض الكلمات الأخيرة مثل "السلسلة " و" الكفن » (ويشار الى ذلك بالبديل الممكن بعد العارضتين / /)، كما نستطيع أن نسكن أواخر بعض الكلمات داخل السطر, محققين الشرط الذي وصفته في الفقرات الأولى المقتبسة من كتابي في البنية الايقاعية وذلك من ميزات قصيدة النثر).

كما أن من الجلي أن الشاعر يوزع النص تبعا لمنطلقات محددة رغم أنه لا يفصح عنها، فحين يطول السطر الشعري يستخدم طريقتين مختلفتين في طباعته وطباعة ما يتلوه, احداهما تقوم على بدء سطر جديد، والأخرى تقوم على وضع الكلمات الزائدة لا في بداية سطر جديد بل تحت آخر كلمة ترد في السطر الأول, ومثال ذلك "مرض ومات »." يجيرك أسرع "، مما يشعر بأن الشعر يعتبر الكلمات الزائدة على طول السطر المطبوع استمرارا ايقاعيا ودلاليا للكلمات السابقة, في حين أنه في مواقع كثيرة يبدأ السطر من جديد مشعرا بأنه يريد تشكيل وحدة ايقاعية ودلالية واضافة الى هاتين الطريقتين ثمة طريقة ثالثة يستمر فيها السطر الشعري في بداية سطر جديد تركيبيا وايقاعيا ليشكلا معا (أو مع غيرهما أحيانا) وحدة كلية واحدة. ومثال ذلك ما يحدث في "فهرولت صائحا" وفي "وكررت صائحا", فهذه الأسطر في الواقع الفعلي سطر طويل واحد ايقاعيا ودلاليا لا تتسع له الصفحة عرضيا فيوزع على أكثر من سطر عليها.

سأحاول الأن تركيز التحليل على عاملين: أولا التركيب النووي للأسطر الأربعة الأولى: ثانيا مواقع النبر القوي في هذه الأسطر:


وينجلي من هذا التحليل أن المقطع يتشكل من أربعة أسطر لها صيغة الرباعي المتناظر داخليا أو المتمرئي، كما يمكن أن نسميه, أي أن السطرين الأول والرابع منه متناظران نبريا والسطرين الثاني والثالث منه متناظران نبريا. ثم إن هناك توازنا بليغا يتمثل في أن عدد النبرات في السطرين الأول والرابع هو ست نبرات وفي السطرين الثاني والثالث أربع نبرات. ومن الجدير بالملاحظة أن هذا النمط من التشكيل شديد الانتشار في شعر أدونيس الموزون خليليا، كما ينجلي في المقطع التالي على صعيد تنظيم القوافي:

"ذاهب أتفيأ بين البراعم والعشب أبني جريرة
أصل الغصن بالشطوط
واذا ضاعت الموافيء واسودت الخطوط
ألبس الدهشة الأسيرة "(4)

والتالي على صعيد التركيب الوزني وتنظيم القوافي:

"صرت أنا والماء عاشقين
أولد باسم الماء
يولد في الماء
صرت أنا والماء توأمين "(5)

وأدونيس مولع بهندسة التناظر والترجيع, ايقاعيا وتقفويا خاصة, التي تتخذ في شعره أشكالا باهرة التنوع تكاد تستنفد أنساق الترجيع والتناظر الممكنة نظريا ضمن البنى التي يبتكرها وبشكل خاص على المستوى التقفري, وبين أشكالها البارزة الأنساق التالية:

aabcac
abbacdcd
abbacc
abbaccb
abacdbdccd


وليس في أي من هذه التكوينات مبدأ ناظم يؤدي الى تشكيلات ايقاعية منتظمة بالطريقة التي نألقها في الشعر الموزون, غير أن ثمة درجة من التنظيم الداخلي الخاص بهذا النص نفسه لافتة للنظر بحق.

أما اذا لجأنا الى عدد المقاطع, كما يفعل الشعر الفرنسي, فإن النتائج تكون كما يلي (حيث ط = مقطع طويل, ق = مقطع قصير، طه = مقطع زائد الطول -55):


وهي نتيجة على قدر كبير من الأهمية إذ أنها تكشف غلبة المقاطع الطويلة, من جهة, والتناسب العددي بين الأسطر الأربعة من حيث ورود المقاطع الطويلة والقصيرة فيها، من جهة أخرى وتفصيل ذلك أن:

السطر الأول:11ط /5ق=6
السطر الثاني:11ط/5ق=6
السطر الثالث:8ط/6ق=14
السطر الرابع:13ط/7ق=20

أي أن الفرق بين نوعي المقاطع في الأسطر (1,2,4) هو (6) وفي السطر الثالث (2). وتلك درجة من الانتظام لافتة بحق (على مستوى معين يتعلق بحركية التركيب الصوتي وتموجه وتدفقه وتقطعه, كما تتجسد هذه الخصائص في العلاقة بين المقاطع الطويلة والقصيرة على مستوى ترحب الزمن الموسيقي خاصة ومن حيث وقوع النبر عليها الى حد ما كنتيجة لعلاقاتها التراصفية).

وفي اعتقادي أن هذه النتيجة مدهشة وتصلح حافزا لدراسة ايقاع قصيدة النثر من منظور جديد تماما. وآمل أن يتاح لي القيام بجزء من هذه المهمة في المستقبل لكنني في الوقت نفسه أدعو الباحثين الآخرين الى تولي أعبائها فهي أعظم بكثير من طاقة باحث واحد.

ملحق 2

تمثل قصيدة النثر كما كتبها أنسي الحاج إحدى الصور الأكثر صفاء لهذا النمط الفني في تبلوره الأساسي _الذي تم في مناخ فكري كان أحد مكوناته معرفة نظرية بعمل سوزان بر نار والذي طغى حتى زمن ما من السبعينات, والسمة الأولى لنثر أنسي الحاج هي الايقاع النابع من التفقير، والفصل بين الجمل القصيرة, والتوازي في بناء الجمل الشعرية وزنيا مع التغاير غالبا في بنيتها النظمية التركيبية: أي أن نص الحاج يتشكل

جوهريا من آليتين متعارضتين: تناغم وزني وتعارض تركيبي. أما السمة الثانية فهي قيام العديد من النصوص على العبارة القصيرة التي تشكل سطرا شعريا مستقلا إيقاعيا, وعلى تقارب عدد النبرات والمقاطع في الأسطر التي يتألف منها النص.

ويصدق ذلك حتى في حالات كثيرة من عدم الاستقلال دلاليا.

هوذا نموذج جديد:

"البيت وآلدخان يتعانقان والظل غائب, أبسط
قامتي على الشمس فأصبح من أشعتها. لا حاجة
للزرع وألنجدة، لا حاجة لعرق الهارب, لا حاجة
للقرع للقرع للقرع, البيت العميق خال ومتلأليء.
وأبديا يزلج على اللحم !
ندفن أللحم ولا نثأر له.
الموج ضعيف والريح.
الموج لا يغرق البحر والريح فجوة.
ندفن اللحم ولا نبكيه. ندفن اللحم ولا نعرفه.
ندفن اللحم ولا نقلع البيت العميق, الروح
العميق, الله العميق.
ندفن اللحم ونأكله
نأكله ونبصقه.
نبصقه ونزرعه.
نزرعه لنخنقه
اللحم !
البيت والدخان يتعانقان البيت والله البيت
والروح البيت والكلمة البيت والنقص
والشمس.
اللحم الملء خطف الظل واختنق. "(7)

أما السمة الثالثة التي تبدأ بالبزوغ هنا، ثم يكون لها أن تلعب دورا كبيرا في شعر السنوات اللاحقة, فهي اعتماد الايقاع على الحوار الخفي بين النطق والصمت, أو ما أسميته سابقا الحركة والسكون, وادخال الفراغ مكونا أساسيا من مكونات الايقاع ويتمثل ذلك في البياض وتوزيعه بين الأسطر والمقاطع. والصمت, كما هو معروف في جوهر تكوين الايقاع موسيقيا، ولا ايقاع دون صمت.

في هذا النص, يحدث الفصل بين الجمل الثلاث الأولى, وهو فصل تام, دلال وتركيبي. ويحدث التوازن بين الجمل الثلاث التالية, وهو تركيبي ووزني. ويحدث التوازن والتعارض التركيبي في الجملتين الأخيرتين من المقطع الأول. ثم تتكرر هذه المقومات في الجمل التالية, بصور مختلفة. وتسود النص بأكمله ايقاعات العبارة القصيرة, والتعارض بين بنية الجملة الاسمية والجملة الفعلية.

بيد أن ايقاع هذا النص يتسم بسمة أخرى تثير إشكالية عميقة وتفتح مجالات خصبة لطرح أسئلة جديدة حول الايقاع تلك السمة هي أن بعض أسطره وعباراته تشكل فعلا تفعيلات مألوفة وتنتمي الى بعض بحور الخليل الشائعة في الشعر قديمه وحديثه. لنتأمل الأسطر (التي يمكن أن نسميها الآن أبياتا).
ندفن اللحم ولا نثأر له
الموج ضعيف, والريح
ندفن اللحم ولا نبكيه
ندفن اللحم ولا نعرفه
ندفن اللحم ولا نقلع البيت العميق
ندفن اللحم ونأكله
نأكله ونبصقه
نبصقه ونزرعه
نزرعه لنخنقه.

تنتمي هذه الأبيات باستثناء الثاني منها، بجلاء الى البحر المشهور "الرجز" (مع نقص متحرك واحد قبل "ندفن ") وبعضها ينتمي الى الوجز دون خروج على الاطلاق على صيغته الخليلية (7، 8، 9، مستفعلن متفعلن, مفتعلن متفعلن, مفتعلن متفعلن). وأما الثاني فهو من الخبب: فعلن فعلن فعلن فعلن, كذلك ينتمي البيتان الأول والرابع الى بحر الرمل دون خلل أو علل فيه.

كما أن كثيرا من العبارات الجزئية موزونة بالمعنى الخليلي.

وما تثيره هذه الظاهرة من أسئلة يتعلق بجوهر الايقاع وطريقة تكوينه ومسألة الوعي أو عدم الوعي به, كما تثير من جديد مسألة الكم والنبر في الشعر العربي. لا شك لدي في أن إلقاء هذا النص كقصيدة نثر ينتج لدينا قراءة مختلفة ايقاعيا عن تراءته بوعي لكون الأبيات التي ناقشتها منه موزونة خليليا. فمن أين ينتج الفرق ؟ وكيف: واجابتي, كما كنت قد قدمتها في حالات تتعلق بالشعر القديم الموزون خليليا, هي أن الفرق ينبع من الدور الذي يلعبه النبر الذي نضعه على الكلمات, وعلى أوزان التفعيلات المجردة, في قراءة دون أخرى.

لكن نص الحاج أيضا يكتف الى أي مدى كانت قصيدة النثر لدى منتجيها المبكرين (حتى أمين الريحاني وجبران وفؤاد سليمان وادوار الخراط) مموسقة, موهبة ترحبا يبرز فيه الايقاع ويلعب دورا أساسيا، وقد يكون لذلك علاقة بمقولات نظرية انطلق منها الشعراء، لكنه قد يكون تعبيرا عن الالتصاق الرحمي لتكوينات ايقاعية كثرة بلا وعي المبدع العربي بسبب ألفته الطويلة للشعر العربي الموروث وقد يساعد ذلك على تفسير ضمور التكوين الايقاعي ودوره لدى الكثيرين من شعراء الموجة الواهنة لقصيدة النثر الذين لم ينشأوا في سياق الشعر العربي الموروث ولم يألفوه بسبب ضعف تكوينهم المعرفي ورداءة الأنظمة التعليمية العربية في العقود الأخيرة, خصوصا في الدراسات الأدبية.

غير أن أنسي الحاج يكتب في هذه المرحلة نفسها نمطا مضادا من النصوص, هو النص السردي الذي لا يختلف كثيرا عن النثر القصصي المكثف الذي يكتبه, مثلا، زكريا تامر،. والمثل الأكمل على ذلك هو "فقاعة الأصل أو القصيدة المارقة "(8) وانني لاستغرب تماما _من منظور تقليدي يتوقع الانسجام في عمل الكاتب _أن أنسي الحاج كتب لحلا هذين النصين في الزمن الذي كتب فيه مقدمته المشهورة لمجموعته لن: ذلك أن لحل ما في هذا النص نقض لسابقه ونقض للمفاهيم النظرية التي طرحها الحاج في مقدمته. أما من منظوري الطاريء الذي يقر أن التناقض هو المبدأ الناظم للو جود الانساني وللابداع فلا غرابة في تناقضات الحاج إطلاقا، غير أن الشيق بحق هو أن أسلوب "القصيدة المارقة "هو الذي كان له أن يطفى على قصيدة النثر في شعر جيل لاحق هو الأكثر تأثرا بالحاج, وكان له أن يسهم في انتاج قصيدة نثر عربية تخرج كلية على الصورة المتأثرة بتنظيرات بر نار. وأبرز سمات «القصيدة المارقة " هي أنها تقوم على الوصل بصورة شبه كلية فيكون لها إيقاع النثر المتعانق السردي ولا شي ء آخر.

فاطمة قنديل:

"أستطيع
أن أكتب لي اسما آخر
على زجاجة يتغبش
الآن بأنفاسي... " (9)

"من أين تأتي هذه الأشجار؟!
كبركان تطبق على النافذة
ويكون علي
أن أزيح ستائرها المغبرة
كل صباح.
أراها
تلقي أغصأنها الثقيلات على
رئة الفراغ
تبعثرها اوراقا صفراء
كيف يتسنى لها
أن توقع الريح في شباكها
وأن تنكأ العصافير
كيف يتسنى لي
أن أغلق النافذة على الضوء ألمختطف
قبل أن ينزألق على عرقها
أو أن يدخلني الهواء
دون أن تحزه سكاكينه
في كل يوم
تخرج أحشاءها الملونة
قربانا للخريف
وتظل عارية في الشتاء
تحدق في ظلها... " (10)

جلي تماما أن هذا النص نثر متصل مطرد وأنه لا يختلف إيقاعيا عن أي مقطع نثري عادي في مقالة متفننة - مع أنه يختلف على مستويات أخرى، فهو يعبق بلغة شعرية جميلة تنبع من فيض المخيلة المنتهكة والصور المتألقة والحساسية المرهفة بإزاء العالم, الخارجي والداخلي معا، لكن مما يدعم التحليل الذي قدمته أعلاه أن النص موزع بصرامة على أسطر تخلق صموتات وانقطاعات وبدايات ايقاعية ولهجوية, كما تخلق توازنات وتوازيات وتعادلات سطرية تنبع من النبر بالدرجة الأولى - رغم الاتصال والاطراد التركيبي والدلالي. لكن ما هو أكثر إشاقة أن التوزيع على أسطر يتم بناء على أسس تركيبية دلاليا، خالقا ما أسميته "ايقاع المعنى" في مقابل ايقاع الصورة الوزنية، فكل جملة أو عبارة متكاملة المعنى تحتل سطرا مستقلا وتخلق انقطاعا ظاهريا, كما أن إلتوزيع يستند أيضا الى لهجة معينة يريد النص أن يخلقها. ومن الدال جدا في ذلك أن النص محرك تحريكا كاملا حتى على أواخر كلمات نهايات الأسطر إلا في مواضع قليلة، مما يكشف درجة عالية من التنظيم الايقاعي و للهجوي.

أما التعادلات النبرية فإنها واضحة تماما في النص ولا حاجة لتفصيلها.

أ-

نبرتين
3 نبرا ت
3 نبرا ت
نبرتان

ب-

3 نبرا ت
3 نبرات
نبرتان
3نبرا ت
نبرتان
نبرة
4 نبرا ت
نبرتان
4 نبرا ت

أخيرا, من المثير أننا إذا أحصينا عدد النوى المكونة لأسطر النص وأحصينا عدد المقاطع فيها اكتشفنا درجة شبه تامة من التوازن التطابق في إيقاع النص. وقد يشي ذلك بأن ثمة سبلا جديدة لتنظيم النص ايقاعيا تتحقق بصورة عفوية حدسية، كما كان الوزن المنتظم يتحقق للشاعر الجاهلي - فيما يبدو - دون معرقة نظرية بأمور الوزن والايقاع, وكما مايزال يتحقق الوزن لدى الشاعر المعاصر الأمي الذي لا يعرف قواعد اللعبة العروضية، واذا صح ما اقترحه - وما أظنه صحيحا - فإننا نكون أمام كشوف باهرة بحق.


ومن الشيق بحق أن النص يتشكل بالدرجة الأولى من النواتين (- ه) (-- ه) وترد فيه أحيانا النواة (--- 5) (التي يمكن أن تقسمها ايقاعيا الى نواتين). ومن الشيق أيضا أن إلتتابع الحركي الذي يزيد على خمسة متحركات دون ساكن, وهو ما لا يسمح بوروده النظام العروضي الخليلي, يرد في النص. لكن ورد هذا التتابع نادر جدا ولا يكاد يتكرر ضمن السطر الواحد، مما يشعر بأن مكونات حدسية أو غريزية ماتزال تتحكم بلغة الصياغة الايقاعية في الشعر، حتى النثري منه ومما يظل يشكل وشيجة قوية مع الايقاع ألعربي الموروث. وهذه نتيجة على قدر بالغ من الأهمية.

أما آخر الملاحظات التي تستحق الابراز فهي أن بنية الجملة وتركيب النص يختلفان عما هما عليه في شعر أنسي الحاج, مثلا وينتميان بعرأقة الى بنية التعبير المألوف في العربية, وأن النص على قدر كبير من البساطة والوضوح بالقياس الى شعر الحداثة عامة، وتبرز هذه السمات في كثير من نصوص قصيدة النثر التي يكتبها شعراء الموجة الراهنة، مما يزيد في تسويغ الرأي الذي طرحته في بحث آخر عن تخلي قصيدة النثر الآن عن تصورات مثل تفجير اللغة، والغموض, والكثافة والتوتر والاستعارة الصادمة وتعقيد التجربة, وتشابك الرؤيا, وعن عودتها للانسياق في مسار مألوف تماما في التعبير الشعري العربي.


(3)

تفصح النماذج التي قمت بتحليلها هنا، ونماذج عديدة أخرى، عن أن ثمة نمطين ايقاعيين طاغيين في نصوص قصيدة النثر: الأول إيقاع المتعانق والمطرد والمتصل, والثاني إيقاع المتفاصم والمنقطع والمفقر. وضمن هذا الاطار الواسع يبرز نوعان من التكوينات الايقاعية. الأول تطغى عليه ايقاعات نابعة جوهريا من بنى لغوية طارئة والثاني تطغى عليه أيقاعات نابعة من بنى لغوية تليدة، تعود الى البروز مشكلة استمرارا تاريخيا للبنى اللغوية السائدة في الكتابة العربية. وبوسعي القول, دون أن يتضمن ذلك أي مفاضلة، أو ميل الى تأكيد المكونات المذهبية في عمل مبدع ما، أن البنية الأولى تتسم بلهجة انجيلية وتوراتية، أما الثانية فهي نتاج التطور المستمر في أساليب التعبير العربية بعد زمن التصنيع المغرق. ولعل أبرز تجليات الأولى تتمثل في شعر أدونيس المبكر وأنسي الحاج وشوقي أبي شقرا وتوفيق صايغ وجبرا ابراهيم جبرا وادوار الخراط وقاسم حداد ومحمد عمران, أما أبرز تجليات الثانية فإنها ترد في شعر أدونيس المتأخر ومحمد الماغوط وسنية صالح ونزيه أبوعفش وسيف الرحبي وعبده وازن وفاطمة قنديل ومعظم كتابا قصيدة النثر الصاعدين الآن لكأنما تشكل مسارا تاريخيا انبثق فيه عند نقطة معينة التركيب التوراتي الانجيلي, ممسوسا أحيانا بصيغ تركيبية فرنسية وانجليزية, ثم إنحسر أثره لتتجه قصيدة النثر نحو أساليب الصياغة العربية السائدة وتحدث بذلك - مع فاعليات أخرى - نقلة تؤدي الى تكريس قصيدة النثر تماما أو كتابة قصيدة نثر عربية تنفصل عن المدار التأسيسي وتخلق مدارا أشد التصاقا بالشعريات العربية الراسخة على هذا الصعيد المحدد - أي بنية التركيب اللغوي وللايقاع الذي يتولد منها.

وسأمثل على النوع الأول بنموذجين من شعر أنسي الحاج وأدونيس, وعلى الثاني بنموذج من شعر محمد الماغوط, مؤكدا أن غرضي التمثيل فقط لا تقديم دراسة مستوفية لما أسميته البنى الطارئة والبنى التليدة.

انسي الحاج:

"يا مملوءة مطرا وشمسا، تعالي نتفق, اعقدي خنصرك في خنصري كعداوة، لا تريني ! اغرزي ابتعادك في كبدي, فوق الخطر، انني آكل لحمه وملكي وعبدي رؤيا لهابة؟ فلتحشش الرؤى! يقظان كسمكة، أعلق فخذي على لافتة, أنطفيء وأضىء: "لا تخلعيني "، كنت انظر بابا وماء، كنت انظر فأراني, صرت أراك. "(11)

أدونيس:

"أخلق اللريح صدرا وخاصرة وأسند قامتي عليها. أخلق وجها للرفض وأقارن بينه وبين وجهي. أتخذ من الغيوم دفاتري وحبري, وأغسل الضوء.

للشقائق زينة أتزيا بها, للصنوبرة خصر يضحك لي, ولا أجد من أحبه - هل كثير إذن أيها الموت, أن أحب نفسى؟

أبتكر ماء لآ يرويني. كالهواء أنا وللأ شرائع لي - أخلق مناخا يتقاطع فيه الجحيم والجنة. أخترع شياطين أخرى وادخل معها في سباق وفي رهان. أكنس العيون في غباري أتسلل في ألياف الماضي فاتحا ذاكرة الأولين. أنسج ألوانها وألون الإبر. أتعب وأرتاح في الزرقة - يشمس تعبي ويقمر في لحظة واحد ة.

أطلق سراح الأرض وأسجن السماء ثم أسقط كي أظل أمينا للضوء, كي أجعل العالم غامضا ساحرا, متغيرا, خطرا كي أعلن التخطي.

دم الآلهة طري على ثيابي. صرخة نورس تصعد بين أوراقي - فلأحمل كلماتي؟لأمض.. ". ( 12)

لن أقدم هنا تحليلا مفصلا لهذه اللغة الموقعة الترية، لكنني ألفت النظر الى الولع بالتفقير، واستخداهم الفاصلة والفاصلة المنقوطة والنقطة والنقاط المتتالية. ثم ندرة أدوات العطف بين فقرات المقطع الواحد وأنعدامها تماما بين المقاطع, ثم التركيب النظمي الطاريء لجمل مثل "كالهواء أنا ولا شرائع لي "، " للصنوبرة خصر يضحك لي, ولا أجد من أحبه "، ثم الاختزال الصارم الذي يعادل عملية نحت بإزميل حاد، والبعد عن الربط والتفصيل والاسهاب. وسألفت النظر بشكل خاص أخيرا الى تشكل الانساق التركيبية (الثلاثية خاصة) وانتظام حدوثها وأجلاها الفعل المضارع وفاعله ضمير المتكلم + المفعول به + متتمات شبه جملية, ثم انكسار النسق في مفاصل تركيبية بارزة بطريقة تؤدي الى منع الرتابة وقلب التشكيل الالقاعي في آن واحد. وكل ذلك من السمات الأساسية للغة شعرية ذات ايقاع بارز.

محمد الماغوط:

" أظنها من الوطن
هذه السحابة المقبلة كعينين مسيحيتين
أظنها من دمشق
هذه الطفلة المقرونة الحواجب
هذه العيون الأكثر صفاء
من نيران زرقاء بين السفن
أيها الحزن.. يا سيفي الطويل المجعد
الرصيف الحامل طفله الأشقر
يسأك عن وردة أو أسير
عن سفينة وغيمة من الوطن..
والكلمات الحرة تكتسحني كالطاعون. " ( 13)


.../...


توقيع نقوس المهدي



المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.




  مشاركة رقم : 8 (الرابط)  
قديم 10-13-2009, 03:53 PM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 8,878
بمعدل : 13.59 يوميا

نقوس المهدي غير متصل عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : مختارات
افتراضي

كمال ابو ديب




الايقاع الابتهالي:

ثمة نمعل ايقاعي آخر يختلف عن الأنماط التي أدرجتها حتى الآن اختلافا بينا، ان كان له رنين خفي يذكر بنثر أدونيس المبكر, هو النمط الذي أسميه " الايقاع الابتهالي أو التسبيحي ". هنا يتواشج النص ويتلاحم في تكوينات لغوية تمزج بين الوصل أو الفصل والتفقير والتوازن, من جهة والتدفق الايقاعي, من جهة أخرى، مرجعة صدى أساليب الانشاء الترنيمية, ومستغلة الطاقات الصوتية للغة الى درجة أشد بروزا مما هي عليه في النماذج التي أقتبستها سابقا، وبشكل خاص حرف المد، وا لنداء, والندبة والاستغاثة، والمناجاة المباشرة, بأنماطها المختلفة. ويستحق هذا النمط دراسة مسهبة لذاته, لكن المجال الراهن ليس أفضل الأمكنة لتأدية هذا الغرض.. لذلك أكتفي بالتمثيل على هذا النمط بنصين, أحدهما لكمال أبوديب والآخر لقاسم حداد وأمين صالح.

كمال أبوديب
من "بحثا عن وجه أمية في التكوين الثاني "

1

أبدأ إلآن فصل عينيك والدمع.
فاستسلمي لريشة الكلمات النافرة كا لأيائل المضرجة
في صحاري تجري من تحتها ألأنهار دما، واهدئي على
أناقي الرعوشة/ بين الأنملة والرعشة أنت, بين
الدمعة والجفن, بين الهواء والنفس الموجع, فاستسلمي /

سأنسج من شعرك إلمرقرق ضوءا يتلاشى في مساء شتائي سماء تظلني نداوة أبعادها وآتي إليك حين تجيء الطيور من حافة الأفق أجنحة تقطر دمعا ودما/ سآتي إليك حين ينهمر الثلج وتلتم الأشياء تهجع في فيئك الوريف / سآتي. آه, لكن لا تشيحي, إن في وجهك الصغير قناديلي وضوئي فاهدئي.
إننى
أبدأ الآن فصل عينيك والموت...
(كان لصوتك صفاء أجرأس تأتي من الشمال في نسيم ربيعي / رسيس أجنحة بيضاء تنأى في سماء فسيحة تنتشر فوق البحيرة الهاجعة بين المرج والمرج بين الغابة والدمع, كانت عيناك تأتلقان في ضوء يترقرق من حوافي الغيوم ترأد في دعة فوق الباحة والأراجيح ترج الضوء المسائي /
ها أنت تجرين من أرجوحة الى أرجوجة من الأخضر الأحمر الأخضر الأصفر/ وها أنت جميلة مثل رشأ يتقافز في الكثبان يكتشف لون الهواء والفضاء والعشب /
ها أنت.
آه
يتها الخفية كالعبور بين ألق الرعد وألق البراعم / يتها المضيئة كالقناديل تساقط فوق جدول يرهج كالريش في جناح آت من البحر. من؟
قلت من؟

11
يتها ألظافرة كأيائل الجبال يتها العصية كالدمع يتها الثرية كالينابيع في الأحراش الوريفة الظل بين السفح والحقول. قمحا كنت فى جفاف عيني أن أضرمت النار/ وأبروخا وأسا أن أضرم التل ورمد الزعتر الغض أجسادا تلوت قبل أن تخرسن الصرخة الأخيرة سوقا وأذرعا تكلس فوق الأرض كالأر ض /

قمحا / وكنت وهج رعب من زمن يأتي كأنه كان ثم أقفل الزمن الآتي وزج في نفق يرشح موتا وقهقهات وينبع موتا وقهقهات وكنت...

يتها الجرح في الدم / الفورة الحبيسة في حلم تأطر كالقوس وجاءت لحظة النزع فارتمى نتفا بين وجهي وبين الأفق.

(كانت أجنحة بلون الغمام تساقط فوقي / وكنت قمحا وهشيما نثار حلم تضرج في فورة الدم المؤجج بين البحر والتل بين النبع والزعتر المرمد/ كنمت...
آه
كنت

111

ها أنت تطلعين من جسدي الصب تدخلين في جسدي الصب / ها أنت تنئين تدخلين تلا تقصفه النار عويل رؤوس مقطوعة وأجساد سليخة وها أنت مسكونة بشبح الوحش في اليد التي تجزر الرأس ها أنت / تغورين. أين تنئين

أين؟

ما أنت والتل والرأس واليد والأجساد ما أنت؟ (صبية تنشر شعرها الأشقر الطويل لريح تعدو في بورت مدو تطارد المهار الشقر والفراشات) ما أنت؟

تمضين تغلق أبوابها النار عليك مديرة ظهرك الصبي /
لا يدي تشد
لا رعبي ولا صراخي /
أنت تمضين
لن يعود بك الفجر لن تعود بك الأرض فالنار التي اجتاحت التل والأجساد تجتاحك الآن فتهوين يستبيك الكابوس والرعب وموت الأطفال في التل والجنوب.
لكن
سلاما لوجهك الغض تجتاحه النار
اذ تهوين
لكن
سلاما
وسلا ما. " ( 14)

قاسم حداد وأمين صالح من الجواشن

"من أعطاك طبيعة النصل وجرأة انتخاب الأسماء؟
وحدك
وحيدة في إلنوم
ووحدي
لكن,
قلت لك: افتحي النافذة كي أعرف أن لك دارا تشرف على المساءات كلها، فبدون هذه العلامة الرشيقة لن يتسنى للهزيع الأخير أن يتثاءب ويدفق الأحلام في روحي.
قلت لك,
لكنك أوصدت النافذة ومحوت الدار، فهربت المساءات وظل الليل يلملم أطرافه في عربة لا تقود إلا الى الفناء.
يا لك من وحيدة...
وحيدة مثل نجمة في سديم

آن أن تخلعي هذا المطر الوارف وتسعفي التوابيت المحدقة بك أشبه بجوقة جاءت لتبطش بالحلم. النوم ملجأك الأخير. تنزلقين من مأتم الى وليمة عامرة بالقتلى، فيأخذك اليأس الى ملجأ أشد فتكا.
وأنت وحدك.
آن أن تكتملي مثل فراشة المحنة
وتكترثي بطريد الكوابيس المبجلة،
يا الغائبة مثل قناع ينبش في الوجه
يا الغارقة في عسل الغدر،
ارفعي خمارك المطرز باليقين
وانظري...
أطل عليك أيتها الفاضحة، مذعورا من هذا الشهيق السحيق كما الهاوية. لم أعرف سريرا بهذا البياض والشسع أتشبث بذيل المعجزة:
فلربما،
حين يخذلني الحديد،
يسعفني انبياض الرحيم.
أطل عليك
مغمورا بالمستحيل كافرا بالنعم:
فلربما،
في سرير رشيق كهذا،

أخرج من جاذبية الموت وتدلني اليوم ألى الجذوة. آه, انت هناك, في طيات نجمة داجنة تغوين أصابعي لتسوق - في رواق الغيم - بغلات حنونات تحمل شفاعة البحر. تراودينني كي أقفز في البياض اللامتناهى. بلا طمأنينة، أذعن لمهرجان الوسائد. آه, هناك أنت.. عارية منى وأنا هنا.. عاريا منك

لا بياضك الوسيع يهب جحيم المغفرة
ولا بياضي المتجزيء يدفق الدم في الثلجة المقدسة" (15)


ملحق 3

نماذج من قصيدة النثر وتنوح التشكيلات الايقاعية فيها:

أما النصوص التي تلي فإن بعضها يولد ايقاعا نابعا من الفصل, والتفقير، والتوازن بين الجمل القصيرة، وبعضها يولد الايقاع الابتهالي التسبيحي, فيما يولد بعضها ايقاع الوصل والترابط والتعانق.

وما اختياري لهذه النماذج بأمر صدفة واعتباط, بل هو مدروس بعناية، ذلك أنتي أود أن أقترح من خلالها أن التعارض بين نمطي قصيدة النثر يعود أصلا الى نقاطها التأسيسية في المرحلة الحاسمة من نشأتها المعاصرة، فلقد تمثل في هذه النقطة التأسيسية تياران ابداعيان مختلفان تماما على رأسهما محمد الماغوط في طرف, وأدونيس وأنسي الحاج, في طرف آخر. ففيما جسد الماغوط المنطلق العربي النابع من التكوين التاريخي للغة الابداع العربية وللحساسية العربية بصورة طاغية، مثل أنسي الحاج الوجه المتفاعل مع الابداع الفرنسي بقوة. وكان أدونيس توسطا بينهمأ على المدى الطويل, لكنه في المرحلة الأولى كان أقرب الى أنسي الحاج فيما أضحى في مرحلة لاحقة أقرب الى محمد الماغوط. وما أطرحه في هذا البحث يتضمن بوضوح أن قصيدة النثر التي ابتكرهها الماغوط هي التي شكلت المناخ السائد في الثمانينات والتسعينات خاصة لقصيدة نثر عربية لم تعد تطغى عليها حساسية وايقاع موشوجان بالمكون الفرنسي, لكن هذا لا يعني أننا أمام نمط واحد الآن, فالأنماط ما تزال متعددة، وفي نثر بول شاؤول وسليم بركات وعباس بيضون ومحمد آدم وقاسم حداد خاصة سمات مائزة للغة شعرية وايقاع مغايرين للنمط السائد ويبقى نثر أدونيس يشكل مداره الخاص المتميز تماما.

سيف الرحبي

"بين ليلة وضحاها
اكتشفت أنني مازلت أمشي
ألهث على رجلين غارقتين في النوم
لا بريق مدينة يلوح
ولا سراب استراحة.
على رجلين ثاويتين في النوم
أنا الذي ظن بأنه وصل
وعند أول مدخل
تنفسمت رائحة قهوة ونباح كلاب
فكومت جسدي
كحشد من المتعبين والجرحى
لكني عرفت أن الضوء الشاحب
يتسلل من رسغي
خيط دم
يصل الشعاب بوديانها الأولى.. " (16)

عباس بيضون

رقصة لم يشعر بها أحد
" المرأة تحمل الحسون. حين يمر الجندي تغطيه. الطفل يلعب بقطعة نقد. حين يمر قرب الجندي يرميها. الجندي لا ينتبه. حين يبتعدان, تنظر المرأة الى الحسون, ويلتفت الطفل الى القطعة التي خلفها. شياطين كثيرة تحركت في الهاوية. لكن الرقصة لم يشعر بها أحد. مع ذلك بضع دقائق من التأخير عن الموعد الجهنمي ". (17)
أحبك
"أحبك
اليقظة تنتصر باكرا
وتجدنا معلقين
أحبك
أنها أخيرا تحف الوحدة
أحبك
أنهم أولادنا من الريح
لن يجد النهار قمة تستفهمه
أحبك
الجميع في لوحة الجفاف
انها أيضا
زفاف الرطوبة
أحبك
من اللسعة ذاتها يتمسلوان
أحبك
الكلام الحافي "(18)

" كنت أنتظر الى أن يخرج مني
ذلك السلك. لكننا هذه المرة
سنبصق ألما خالصا وقسوة خالصة. تلك هي الريح
التي تشحذ نفسها على حافة
الجرف. والهواء الذي يحز نفسه
على الشق الطويل. وليس غناء
ما يوشك أن يصفر في القصب. لكن الريح
التي تنقسم بخبطة بين نصفي الجبل. ليس غناء
ما يشهق في قطعة حبل, لكن
الى أن ألد ذلك المسمار من نهاية
روحي أترنم "كان لي فم كبير
أحمق. " (19)

يحيى حسن جابر

"كل مساء
الحنفية تنقط
كل مساء
طفل الجيران يصرخ
كل مساء
تمر سيارة الاسعاف
كل مساء
يفكر بالسفر
وكل صباح ينهض
ليفتش عن عمل إضافي
ويقول لصورتك على الحائط

صباح الخير".(20)

سليم بركات

" للندى شفرات,
للحقول طباع السراقين,
فلأعد المديح نادبا، فليعد الضلال الأمين مدائح
الغيب في رقة.
يا الضلال, الذي يتمم للحقيقة ما تتلعثم الحقيقة في إطرائه, يا لك ضلالا يستنفد العريق في وصفك,
يالك, أخني أأتمنك على هداية الاكيد الفاجر. إيه, لأنت الضلال الفران تنضج في قبضتك أرغفة الله وكستناؤه.
وأنا؟ فلأنحت الشفافة بإزميل الكلي تصاوير دروع, واستغاثات كركض الأوز، فلاكمم الكثيف على عتبة النعمى فلأنجز هكذا، على عاهن الشكل خالصا، للضرورة في أنحائي دبيب اليربوع, وللأمل جلال التيييه. حنيفا يولي التيه على الموأزين ويقلد خلاص الباطل:
أيا الباطل,
يا ثناء الكلي على مصكوكات النور،
أيها الوفاء الذي ينكل بالعدم كي يعترف,
لأنك تزن بمثالك النجاة ذهبها.
ولأنك جريح بما خصصت به من يقين.
تطن من حول جرحك ذبابة الفردإس, ونحل
الجماد الذي يسيل شهده على رخام الفردوس:
"يا الفردوس الذي يتعثر الوجود بالعظام على عتباته
، هاتك هات
صمغك القوي نلحبم به شروخ
الموحى. وانتهر المواثيق, أضربها
بسوط الندم, فأنت شفقة النهاية
على النبوءات ".
ضلاااال.,
أرفع السماء على فخذيك القويتين,
رجها باللهاث حتى تتفق مشيمة البرزخ,
وينحل، المكان شهوة شهوة.
أهزؤ يدمع إشفاقا على الأسى في يدي,
أم مطلق يسيل من إجاصات الحمى؟ ضلاااال,
أرفع الريح الى ثدييك,
واطر الجمال الممتعض من آيته تقرأ بلسان العديد
الواحد يا لك, وعد بي إليك, مجرجرا خلفي حفيدي
الوقت, أوبخه إن تلكأ، أوبخ النشأة إن تلكأت.
عد بي أيها الضلال
سأذيق الفراغ جماناته الذائبة،
والفجر فستق المغيب.
المتاه
للمتاه ميثاق النسيان,
للمتاه بذل النهاية نشوى تقسم الإرث على الهلعين.
ياللمتاه الفتكة، خمالة العذب: المتاه الرجاء، منصف الخسارات, الذي يتكسب الغمام به في خيام السهول, العذرة الفحيح, كوفئت, يفرم المساء الغض ككرفس على عتبتك النحاس, ولك أعيان الموج وعقول الريح, أتؤتي يا المتاه الشغف؟ مرحى، مؤنة العبور الأقسى على جسور الفجر، لأنت, المتاه الدسيسة يا دهاء النرجس وفسق الورد. وريثا يبايعك الأمل في كنوزه, ويوليك النور خزاناته المتاه الحتم في المعارج الى القيامة، الصولة الظل, النقاء، نيئا كخصية نيئة في صفن الأزل, القرفة, الزعفرإن, العصفر، قشر الأترج, السماق, النارجيل, إلزعتر. المتاه الوقب في جمجمة الملاك المغدور. المتاه الخلية، الدورة النفاس, الأسى يصعد بجراده من الأحشاء الى الرئات المتاه الحضور الحضور الحضور". ( 21)


(4)

الآن, وقد قدمت هذه التأملات المكثفة للأبعاد التقنية لايقاع قصيدة النثر ولعلاقته بالايقاع السائد تاريخيا في الابداع الشعري العربي, أود أن أصل الى بيت القصيد - كما تقول العرب - وليكن بيت قصيدة النثر مجاملة، وهو أن الصراع الذي يدور في الفضاء الابداعي العربي ليس صراعا بين ايقاعات, بل صراع بين أنماط من البنى الفكرية الذهنية والتصورية، صراع عقائدي, مثل كل صراع تأويلي يحدث في الثقافات, إنه صراع بين الوحدانية والواحدية والتجانس والانسياق الاذعاني المطلق للسائد والجماعي, من جهة, وبين التعددية والحرية والتنوع والتفاوت واللاتجانس والفردانية من جهة أخرى. الطرف الأول يقول: لا يكون شعر إلا بالوزن, ولا يكون شعر إلا اذا كان على صورة التراث المقبول السائد: والطرف الثاني يقول: يكون ما لم يكن, نبدع منطلقات جديدة وأسسا جديدة ونبحر في مجاهل بكر. الطرف الأول يقول: ثمة بين واحد وحقيقة واحدة وأمة واحدة وزعيم واحد وثقافة واحدة وصوت واحد ونموذج واحد وايقاع واحد، والطرف الثاني يقول: ثمة أصوإت ولغات وأمم وزعماء وثقافات وديانات وحقائق وايقاعات متعددة كلها. الطرف الأول يتصور الثقافة والمجتمع كتلة واحدة متراصة يسودها تجانس كلي في كل شيء ويشعر برهبة صارخة أمام احتمال اكتشاف اللاتجانس, والطرف الثاني يرى الثقافات لا متجانسة متعارضة متناقضة متفاوتة متصارعة. والفاجع في ذلك كله أن كل طرف يؤمن بأن منطلقاته تنفي الآخر ومنطلقاته وأنه لا حقيقة إلا ما يراه هو حقيقة. بكلمات بسيطة، المعضلة هي وحدانية الفكر العربي السائد وايمانه بالنموذج الواحد المقصي المستثنى لكل ما عداه. ويتمثل هذا الفكر قي مؤقف الذين ينفون مشروعية قصيدة النثر لأنها لا تقوم على أوزان منتظمة تراثية، والذين يقولون إن قصيدة النثر تنفي ما سبقها من ايقاعات وأشكال- ويجب أن أعترف بأن هؤلاء أقل عددا، مع أشهم أكثر جلبة أحيانا، من سابقيهم.

لكن ثمة تيارا ثالثا يجهر جهرا بضرورة التعدد والاختلاف والتناقض والتفاوت والفرق وبجماليات التجاور بدلا من جماليات الوحدة الانصهارية. هذا التيار يرى الثقافات لا متجانسة، ويؤمن نتيجة لذلك بأن الشرط الطبيعي هو أن تنبثق في الثقافات نماذج متعددة وأشكال وإيقاعات متباينة، وأن هذه النماذج جميعا توجد وجودا تجاوريا لا انصهاريا فيه، وأنها جميعأ مشروعة، وأنها تجسد حيوية الثقافات وثراءها وخصبها وأن الموقف الفكري الذي ينبغي أن يسود هو موقف القبول والاغناء لهذا التنوع والتعدد والفرق والاختلاف. أي أن ثمة تيارا يؤمن فعلا بديمقراطية الثقافات وبتعددها وبالحرية في الابداع والقول والتفكير وهذا التيار هو الأكثر ضمورا في فضاءاتنا الرإهنة وهو ما ينبغي أن نعمل على تنميته واثرائه.

والوجه الآخر لما أصفه هو الايمان بأن للثقافة ايقاعا يجسد روح عصر ما أو مرحلة تاريخية ما، ولقد كتبت كتبا في موضوع "الشعر العربي وروح العصر". في هذا السياق يؤمن الطرف الأول الذي أشرت إليه سابقا، أي الذين ينكرون شرعية قصيدة النثر، أن البنية الايقاعية السائدة تاريخيا هي المجسد الفعلي لايقاع الثقافة العربية وحركة المجتمع العربي. وهم في ذلك طرفان في الواقع آولئك الذين ما يزالون يرفضون ما أسميناه الشعر الحر، وأولئك الذين تقبلوا الشعر الحر ومارسوه. غير أن تأمل علاقة الايقاع بالثقافة يكشف أن التعارض كان دائما قائما فيها خلال هذا القرن على الأقل. لقد طغى الشعر الحر بين بدايات الخمسينات والثمانينات، ولقد ساد ايقاع متفجر صاعد هذه المرحلة الى جانب ايقاع تأملي هاديء. ومثل هذين البعدين خليل حاوي وأدونيس. لكن من منظور استرجاعي الآن ينكشف لنا أن الايقاع التقليدي ظل قائما جنبا الى جنب مع الشعر الحر، وأنه لم يندثر كما خيل لكثيرين منا. ثم جاء مفصل الانكسار الكبير فانبثق الايقاع التقليدي هادرا. ومن اللاذع أنه عاد بقوة في انتاج شعراء مثل نازك الملائكة كانوا في طليعة الذين كتبوا الشعر الحر. ولم يتنبه الكثيرون منا لدلالة هذا الانبثاق الى أن بدا واضحا أن التيارات الاسترجاعية- التي نسميها خطأ الأصولية- أخذت تهدر في حياتنا المعاصرة. لقد كان الانبثاق ألايقاعي ارهاصا بليغا- كما يحدث في الابداع الشعري كثيرا وبما يكاد يشبه المعجزة- بعودة البنى الفكرية التقليدية الى البروز والطغيان. والدال أن ذلك كله حدث في الزمن نفسه الذي شهد طغيان قصيدة النثر في فضاءات متميزة. وما يعنيه هذا الأمر- لي شخصيا على الأقل- هو تجاوز المتناقضات، وتعدد خطوط الانشراخ والصراع في المجتمعات والثقافات التي نسميها عربية، وانقسام أجيال شابة على نفسها انقساما باهرا، كأن كل ما يفترض أنه مشترك، أو ما كان مشتركا، لم يعد قليلا قابلا لأن يكون مشتركا، أو كأن كل أحد صار يصر على الاندفاع في مداره الخاص، في حيز مجاور لحيزات سواه لا متداغم متواشج بها.

هل يمثل هذا الفضاء- بل ينبغي أن أقول الفضاءات- ازدهارا للتعددية والحرية وقبول الآخر والاختلاف الاخصابي؟ أم يمثل وصول التشظي والتفتت وانقطاع الوشائج والأواصر الى ذرإها؟

هوذا السؤال الأكثر صعوبة في حيواتنا الراهنات، السؤال الذي لا أملك جوابا عليه الآن، وكل جواب عليه هو بدوره جزء من إشكالية التأويل والعقائديات ودورها في التأويل. كل جواب ينبع من منظور عقائدي وتتحكم به انتماءات عقائدية بسوى ذلك لا أود أن أجازف بقول وأنا انتظر غودو الذي قد يأتي وقد لا يأتي لأقدم جوابا، مع أنني أرهص وأحدس بأن الجواب قد يجمع النقيضين ويقر كليهما فيصوغ بذلك منظورا جديدا متناقضا وثريا للتأويل البحتي لظواهر الثقافات ولاشكالياتها المرهقات.

--------------------------------------
الهوامش
1- في البنية الايقاعية للشعر العربي، دار العلم للملايين، بيروت 1974، ص 517-533.
2- أغاني مهيار الدمشقي، صياغة نهائية، دار الآداب، بيروت 1988، ص 143.
3- " تحولات العاشق " الآثار الكاملة- شعر، الطبعة الثانية، المجلد الثاني، دار العودة، بيروت 1971، ص 113- 117.
4- سابق ص 10.
5- سابق ص 11.
6- من أجل كيفية تحديد مواقع النبر على الكلمات، والأنماط المختلفة للنبر، تستحسن مراجعة كتابي في البنية الايقاعية، ابتداء من الفصل الثالث.
7- البيت العميق، لن، ط 2، المؤلسسة الجامعية، بيروت 1984، ص 44 - 45 (ط 1 صدرت عام 1960.
8- سابق ص 59-63.
9- صمت قطنة مبتلة، منشورات شرقيات، القاهرة، 1995، ص 13.
10- سابق ص 17-18.
11- ورد,ص 100
12- أغاني مهيار، ص 165-166
13- "حزن في ضوء القمر" الأعمال الكاملة، دار العودة بيروت د. تا، ص22-23.
14- مواقف ع 33، بتروت 1978، وانظر الثمن كاملا من ص 34- 45.
15- الجواشن، دار توبقال الدار البيضاء، 1986، ص 104- 105.
16- رجل من الربع الخالي، دار الجديد بيروت 1993، ص 10.
17- نقد الألم دار الجديد بيروت 1982، ص 19.
18- سابق ص 49- 50.
19- خلاء هذا القدح، دار الجديد، بيروت 1990. ص 47.
0 2- بحيرة المصل، منشورات الريس لندن، 988 1. ص 7.
21- المجابهات المواثيق الأجران، التصاريف وغيرها، دار النهار، بيروت، 1997، ص 38- 0 4، 48- 49 على التوالي.


** كمال أبو ديب ( ناقد وأستاذ كرسي الدراسات الشرقية بجامعة لندن )


توقيع نقوس المهدي



المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.




  مشاركة رقم : 9 (الرابط)  
قديم 10-21-2009, 11:47 AM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 8,878
بمعدل : 13.59 يوميا

نقوس المهدي غير متصل عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : مختارات
افتراضي

كمال أبو ديب
مراودات



لها، لهن، لكم، للعالم
ولي
أن تراود نصا/ أن تراود امرأة
( من أجل الجميلة، التي لا تقرأ، ومن أجلي).

- 1 -

"اقرأ ". قال الصوت الجميل، ملفعا بالوعد.
"وما أقرأ"؟ همس الصوت النقي، محتشدا بتقوى الرهبة ورعدة الانتشاء.
وكان ذلك فاتحة عصر قدر له، بعدها، أن يغمر الدنيا بهاء ومعرفة وخيرا .

ليس عبثا أن فعل القراءة كان أول فعل أمره الصوت الجميل أن يقوم به، في فاتحة عصر كان لهذا الدين بعدها أن يدخل على ما دخلته الشمس على مدى ألف ونصف ألف.

ولم يكن عبثا أن فاتحة العصر الآخر الذي سبقه فملأ الدنيا بهاء كانت:
"في البدء كان الكلمة والكلمة روح الله".
لكنه عبث مدقع أن سلالة هذا البهاء كله أضاعت الكلمة كما أضاعت القراءة.
لم نعد نقرأ.
لم نعد نعرف كيف نقرأ.
ولم نعد نعرف ما نقرأ.

- 2 -

من أجل أن يكون لنا حتى ضغث حلم بفاتحة عصر جديد
ينبغي أن نتعلم ثانية
أن نتهجى الأشياء ثانية
أن نقرأ.
أن نعرف ما نقرأ
أن نعرف كيف نقرأ
وأن نعرف لماذا نقرأ.
فاقرأ (ي).

- 3 -

أن تقرأ نصا هو أن تغاوي نصا.
وأن تغاوي نصا هو أن تغاوي امرأة.

القراءة إغواء يقتضي موهبة تقتضيها كل مغاواة: براعة الملاطفة، و لطافة الاقتراب، ومهارة اللمسة وخفتها، ونفاذ العين والبصيرة، ورهافة الحدس بما قد تبوح به كل رعشة عابرة، واستجابة وامضة، وكل رغبة مقنعة برهبة، وفطنة للإشارات الخفية، واللمحات البارقة، وتفهم وأناة، والصبرعلى الصد والتمنع بل وعلى الرفض أيضا . ثم القدرة على اقتناص البرهة الحاسمة، حين يومض ألق التجلي، والاندفاع إلى الأعماق في لمحة برق.

لكن الإغواء أيضا يقتضي إرهاف حس باهر لارتعاشات جسد المرأة التي تغويها وقراءتها قراءة مجسات فراشة حمراء تتلاعب في روضة ألوان وأزاهير: متى تكون رعشة اليد التي تمسها بأناملك رعشة رغبة تكاد أن تفيض بك ولك وعليك، ومتى تكون رعدة اشمئزاز وقشعريرة نفور من لمسة كريهة وجسم لا يطاق. وقراءتك النص كذلك أيضا : تلمس كلمة أو صورة فيه فتنفر مقشعرة، ولا تفصح لك عن شيء يفيض على قلبك نور إلهام. وتلمس صورة ثانية فترتعد ارتعادة جسد يفتح لك مغاليقه لتدخل فتفيض به، وتفيض منه، ثراء دلالات وكنز اكتشافات وتحولات في أغواره وأغوارك.

والقراءة فعل ولوج، كما أن إغواء امرأة ولوج إلى الأغوار. سعي للدخول وتحريك استجابة رخية راضية، تهدهد الجسد وتميل به إلى استرخاء مع التوقد، واستكانة مع الوهج.

كذا إغواؤك النص الذي، بدءا،يغلق أطرافه وأعضاءه على كنوزه ويضم حوافيه على أسراره وألغازه.

وأنت لا تغوي نصا بحق وتبلغ الغاية من ذلك إلا حين يكون قد باح لك بكل ألغازه. كذلك لا تغوي امرأة إلا إذا فاضت عليك بكل ألغازها.

لكن رويدك،رويدك،
هل قلت : كل ألغازها ؟
لا.
لا شيء، لا أحد، يصل إلى ألغاز امرأة كلها
كذلك القراءة : لا تصل أبدا إلى ألغاز النص كلها.

- 4 -

لمسة رهيفة هنا ولمسة رخية هناك، وعطف ينثني، وأنامل تستريح على أنامل، وإيماضة لهفة في عينين ساحليتين يختلج لها القلب ويرعش لها الجسد.

وكما أنك تلج النص فلا تجلو غوامضه وتستخرجها استخراج درة من محارة، كما اعتقد الناس لقرون طوال، بل تغور أنت في ثناياه، وتندرج في حناياه، وتحتويك أعضاؤه، كذلك تأخذك امرأة إلى حناياها، فتغور في متاهات أعمق، وغوامض أشد التباسا وإبهاما، ولا تجلو الخفايا وتخرجها إلى نور ساطع.

والقراءة غور إلى حنايا الم بهمات يتلوه مزيد من الغور، وعباءات تسربل المزيد من الجسد والقلب والروح، بلذة نسم يها لذة الاكتشاف، وهي بحق لذة الغور والانغمار.

إمرأة تفيض عليك فتزيدك انغمارا
ونص تلجه فيحتويك ويزيدك انغمارا.
وأنت تعاني وهم هزة التجلي، فيما أنت تعيش حقيقة نشوة الغور إلى الأعمق فالأعمق.
كأنك تغور إلى رحم من جديد.
رحم لا قاع له ولا نهاية.
رحم امرأة
رحم الوجود
رحم الموت.

- 5 -

تقرأ امرأة
فتقرأ نصا.
وتغاوي نصا فتغاوي امرأة.
أو ليست المرأة، في نهاية المطاف، المطاف الذي لا نهاية له ؟
أو ليست المرأة النص الذي لا بداية له ولا انتهاء؟
أو ليست المرأة أجمل نص في الوجود، وأكثر النصوص إبهاما وفتنة،وانسحارا وفيضا،ونشوة كشف ومتعة أخذ ورحابة احتواء ؟
أو ليست المرأة أرحب شيء في الوجود احتواء ؟ أو لم تسم الأنثى "حواء" لأنها تحوي كل شيء وتحتوي كل شيء، فوصفت بصيغة المبالغة من فعل "حوي" ؟ : حوى = يحوي فهو حاو وهي حاوية وحواء ؟
بلى إنهال كذلك.
بلى إنهال حواء.
بلى إنهال النص الأرحب احتواء.
التي يليق بها أن تسمى "الرحيبة".
بلى إنهال كذلك
ويا سحر ما هي.
ويا نعم ما هي..
مراودات
لها، لهن، لكم، للعالم
ولي
أن تراود نصا/ أن تراود امرأة

(من أجل الجميلة، التي لا تقرأ، ومن أجلي).

- 6 -

فجأة، يأتلق في البال أبو تمام، منشدا في شفق بغدادي أسيل، في مكان ما على ضفاف دجلة، والمساء غيهب سحري، والشعر يغويه بفتنة النغم ونشوة الإيغال :

"الشعر فرج ليست خصيصته
طول الليالي إلا لمفترعه"

ومن مكان قصي، من على شفاه بحيرة البجع في حديقة وستر كولدج المترفة، ذات صباح مبهم بالضباب، يهمس له كمال ابوديب، وهو يحلم بعينين براقتين تأتلقان بنشوة الرغبة:

"والنص فرج ليست خصيصته
طول الليالي إلا لمغويه
يمتاح منه أسرار عذرته
وينتشي من سنا تجليه
ويرشف السحر من غوامضه
ويجتلي مولعا مراميه
يغوي ويغوى كلاهما، فهما
بدء اجتياح، والم نتهى فيه
كلاهما والج مراوده
وموغل في معارج التيه
يراود الخل عن غياهبه
ويكتوي في لظى مطاويه
ويهرق الروح في مساربه
ويستبيه رؤى مساريه
كما استبت غنج في تمنعها
مولها أغلست معانيه
كلاهما هائم بصاحبه
لكنه مبهم في تجليه".

- 7 -

القراءة مراودة والعشق مراودة. والمراودة أجمل ما ابتكره الإنسان من فنون ليلج بها غياهب المبهم، والسحري المدلهم،والملفع بالإشارات المضللة، وليكتشف النبع الذي منه فاض كل شيء نشوة ومعرفة.

قرأ آدم جسد حواء نصا مبهما
يفصح بإشارات من ورق التفاح
تكتمل في الثمرة الناضجة
بين الفخذين.

فكانت التجربة العظمى في التاريخ، وكانت نشوة الاكتناه، ولذة الاكتشاف ثم غبطة الولوج، ونعمة الخروج. خرج الإنسان إلى الأرض، إلى التاريخ، إلى معرفة الجسد - أصل كل معرفة، وغاية كل معرفة، ومنتهى كل معرفة.

ولم يكن شيء من هذا كله ليكون لولا أنها بسحرها راودته، وقرأته نصا مفصحا دونما التباس.

- 8 -

الغاوون.
وما أدراك ما الغاوون.
الذين تغويهم الإشارات والعلامات واللمحات، والأشياء والعوالم المغلقات. غاوون هم لا ضالون، ولذلك عطف عليهم بالهيام، ولم يقل "الضالون". ولذلك أيضا ميز الغوى عن الضلالة فقال : "ما ضل صاحبك وما غوي".

والغاوون هم الذين يتبعون الشعراء، أي هم الذين تغويهم كلماتهم ونصوصهم، فتراودهم ويراودونها. هم قراء الشعراء ومستمعوهم ومتلقوهم. ولذلك لم يقل : "الشعراء هم الغاوون"، بل قال "الشعراء يتبعهم الغاوون". فالقراءة مغاواة و مراودة وانغواء.

القراءة غواية
والكتابة غواية.
"الشعراء يتبعهم الغاوون"؟
لم يعرف للكلمة معنى قطعي خلال ألف و 500
الآن ندرك بعض ما هي. لا كل ما هي.

- 9 -

أن تقرأ امرأة
أن تغاوي نصا
هو أن تراود سحرا مبهما واحدا، تتعدد تجلياته، وجوهره لا يتعدد. وهو جوهر شبق الاكتناه والاكتشاف والتجلي والمعرفة.
لا معرفة دون مراودة وإغواء وغواية.
ولا قراءة مبدعة دون أن تراود النص عن نفسه، ويراودك عن نفسك.
تقرأ نصا/ تغاوي امرأة
فتفصح عن غياهب روحك وجسدك،
بقدر ما يفصح لك النص والمرأة عن غياهبهما، بل بقدر أكبر بقليل منهما. فالنص والمرأة يظلان أشد انحجابا حتى في ذروة الإفصاح. أما أنت، ففي كل حرف تبوح به عن النص، وفي كل لمسة ورعشة عين لامرأة، تغدق مما في روحك وجسدك وقلبك فيض أسرار. فالعاشق والقارئ يبوحان بأكثر مما يبوح به المعشوق والمقروء. لأنهما ينطقان. والنطق بواح.

- "لا، لا"، يقول الصوت :
تراود، لكن لا عن "نفسه" بل عن.... غياهبه. فالنص لا نفس واحدة جوهرانية محضا له، بل هو دائما فضاء إشارات واحتمالات وتكاثر وتوالد، وتحلزن مبهمات وتعثكل دهاليز، كلما أضأت واحدا تعثكلت منه دهاليز أخرى. وأنت لا نفس واحدة لك بل أنت فضاء إشارات ومعارج تيه.

تراود، بلى. لكن عن نفوس كثيرة فيكما- النص وأنت، المرأة وأنت - لا عن نفس وحسب، وعن معارج تتوالد إلى معارج، لا عن درب ناصع مضاء.

كذلك أيضا تراود امرأة وكذلك تراودك امرأة، فلا يكون كشف وجلاء ناصعان ثابتان، بل فيوض لذة ومتاهات، وينابيع طيوف وغلالات.

- 10-

كما أن ثمة امرأة أنثى
وامرأة ذكرا
وامرأة خنثى
كذلك ثمة نص أنثى
ونص ذكر
ونص خنثى.

ولكل منهن ،ومنها، مدخله وممرات الأنامل المراودات إلى حناياه.
نص لغته تنفصم عن رؤاه
أو إيقاعه عن صوره.
ونص لين الروح خشن الكلام،
عضب النسيج لا رونق له ولا ماء فيه.
ونص هو النص الأمثل : النص- النص .

لكن،
كما المرأة - المرأة لم تكن بعد
إلا في حلم رجل أخذ بلبه الجنون
لم يكن النص - النص بعد
إلا في خيال عصفت به حمى الأوهام وأبالسة التخاييل.
مراودات
لها، لهن، لكم، للعالم
ولي
أن تراود نصا/ أن تراود امرأة
(من أجل الجميلة، التي لا تقرأ، ومن أجلي).

- 11 -

أن تغوي امرأة غير أن تغتصب امرأة.
أن تغوي نصا هو أن تستميحه وتستعطفه أن يجلو لك، ويفتح عليك، ويأذن أن تلجه ويحتويك ويضم ضفاف سحره عليك.

وأن تغتصب نصا هو أن تنتهكه بجلافة قوتك، فيغلق أطرافه على أسراره ولا تمس أنت غير جلده المزبئر تمنعا واشمئزازا.
ومثله أن تغتصب امرأة.
أما أن تغوي امرأة
فذلك أوج الفن
وسر الأسرار
ونشوة النشوات
وسدرة المنتهى......

- 12 -

لكل امرأة مقتربها ومذاقها ومدخلها، والنقاط الحساسة في جسدها التي تجعل الجسد يرتعد لذة، فيفيض عليك بأفانين سحره ونشوته، حين تجدها فتناغيها وتراود غياهب الجسد بها.

ولكل نص مثل ذلك من نقاط في جسده. فإن لم تجدها ظل مغلقا عليك : جثة ميتة على يديك، ينفر من لمسات أناملك، وتنفر مقشعرة أناملك من لمسه، نفور امرأة يقززها منك حتى طرفة العين.

كما أنك تراود امرأة فلا تغويها إلا أن يسيل بينكما خيط حريري من المودة والتفم والتعاطف والتواصل السري والتراعش الذي تحسه العين ولا تراه،

كذلك تراود نصا لا يسيل بينك وبينه مثل ذلك، فتنتصب من نسيجه نفسه أسوار بين عينيك وبينه، وبين ملكة تذوقك وبين رؤاه.

وكما تلمح امرأة فيشع منها إليك شيء خفي،ومنك إليها مثله، شيء يقولون إنه الرائحة البدائية لوحش الجسد، أو همهمات الروح، أو طيوف الرغبة، أو الحقل الكهرطيسي، أو الهالة السرية التي تحيط بالذات الحية أيا كانت.

كذلك النصوص : منها ما يشع إليك وإليه منك هذا الشيء السري، ومنها ما لا يشع لك، لكنه قد يشع لغيرك، فيما يشع لك أنت غيره من النصوص:

نص ينفتح لك لا لغيرك، ونص ينفتح لغيرك ويغلق أكمامه عليك.

وامرأة تنفتح لغيرك لا لك، وتطوي أعضاءها على متعة فيضها وأسرار جسدها أمام عينيك فلا تبصران، وأمام قلبك فلا يرى.

شعاع ما، سحر رائحة، عبق ذكرى، طيف صور في اللاوعي تشدك كلها في لمح بارق إلى امرأة تعبر الطريق، أو تعبرها عيناك في جلسة عابرة. تشدك إلى امرأة ونص، أو إلى نص - امرأة، أو إلى امرأة - نص .

وكما أن إغواء امرأة هو أن تنسرب بلطافة إلى ما هي : من أين وكيف وأي تاريخ، وم ن أصولها وفروعها، فتجعلها تحس بأنك معني بها وبها فقط إلى درجة أنك تريد أن تقضي العمر كله تتعرف على كل ما فيها ماضيا وحاضرا وأحلام مستقبل،

كذلك النص : إن لم توله أبلغ اهتمامك وأوج افتتانك به وبتاريخه وراهنه وأحلام مستقبله، ظل مغلقا لم تنفتح لك حناياه، ولم تغمرك بفيضها طواياه.

- 13-

كل امرأة نص
لكن ما كل نص امرأة.
النص الأجمل في الوجود منذ أن كورت يد الله الطين ونفخ فيه من روحه هو المرأة.

النص المطلق الذي لا نص بعده.
والمرأة الأجمل في الوجود هي المرأة - النص الأكثر إبهاما وثراء خفايا وألق تجليات.

- 14-

كل امرأة مغلقة على ما لا يدرك.
وكذلك كل نص.
الرجل نص ظاهر
إلا حين تختلج امرأة في حناياه. عندها يصير كون أسرار وبهاء ثراء.

- 15-

قد تعصى امرأة على مراودة رجل - أنت أو غيرك،أو على ألف رجل ورجل، لزمن أو لأزمنة.
لكنها لا تعصى على كل الرجال إلى ما لا نهاية.
ذلك أنها هي أيضا تبحث عن رجل كما يبحث رجل عنها. فوجودها لا يتحقق في ذاته، ولا يكتمل إلا في الرجل.

ثمة دائما رجل مفتاح،في مكان ما، يدير نفسه في قفل الباب، أو يلمسه لمسة سحر فتسقط مصاريعه أو يصر صريرا خفيفا وهو ينفتح للساحر الوالج باستئذان أو دونما استئذان.

كذلك النصوص: ينغلق النص على مراودة أو ألف مراودة، و لزمن أو لأزمنة. لكن ثمة دائما مراودا ما ذي لمسة سحرية أو مفتاح والج. وكما المرأة كذلك النص: فهو أيضا لا يكتمل وجوده في ذاته: بل يتحقق ويكتمل في قارئ أو متلق مراود.

النص يراودك من أجلك وأجل مصيره.
وأنت تراوده من أجلك وأجل وجوده.
تماما كما تراود امرأة
و كما تراودك امرأة:
من أجلك ومن أجلها وأجل كينونتكما ومصيركما معا.
لا من أجل واحد منكما وحسب.

فالقراءة سلخ للأنانية عن الذات، سلخ للأنا عن أناها، واستغراق في أنا النص، وولوج فضاء مشاركة، ومنح للذات إلى آخر، وإغناء للذات بالآخر وللآخر بالذات.
قراءة امرأة هي ذاك
وقراءة نص هي ذاك.

- 16-

ثمة امرأة تغويك بموج شعرها المتعثكل تعثكل شعر امرأة امرئ القيس.
وامرأة بنهدين مثل نهدي عشتار الوحشية
وامرأة بجيد كالرئم في جبال السراة،
وامرأة بتكويرة ردفين،
أو برنين صوت حان،
أو بأكثر من هذا أو ذاك، أو بأقل منه أو بكله.
وثمة امرأة تغويك بما لا تراه عين ولا تسمعه أذن.
كذلك النصوص. منها ما يغويك برنين إيقاعه
أو بوحشية صوره
أو بألق ألفاظه
أو بغير ذاك، أو بكل ذاك.

ومنها ما يغويك بما لا تراه عين ولا تسمعه أذن، بل بما هو أقصى من ذلك كله وأشد نأيا وخفاء ومساسا بمغالق الروح، وتغلغلا في حنايا الكينونة.
لكن كما في المرأة كذلك في النص : إن لم تراودها/بفتنة تفنن وسحر تلطف ورشاقة ولوج
انجلت عنك الغواية فإذا لا شيء سوى فضاء خال لا مطر فيه ولا برق ولا رعود.
وإن راودته بكل ما أنت مبدع في تفننك فيه،
أغدق عليك الودق نشوة ولذة امتياح وهزة انخطاف.
وظللت ترن في أذنيك همهمات صوت امرأة امرئ القيس تهمس له معجبة مستفزة:

".... يمين الله ما لك حيلة وما إن أرى عنك الغواية تنجلي"
وأنت تهمس لها بوله، مسحنفرا :

"و ما إن أريد لها أن تنجلي. لا جلاك الله عني.
فنعم الغواية هي، ونعم المراودة أنت".

مسك ختام لنص/ مسك ختام لامرأة :

أن تراود نصا
هو أن تراود امرأة.
وأن تفقه نصا
هو أن تفقه امرأة.
على السطح ترى لنص جمالا تعيه.
لكنك لا تفقه غوامض اسراره
مهما غرقت غيه.
مثل كل النصوص.
وعلى السطح
ترى لا مرأه جمالا تلمسه.
لكنك لا تفقه غوامض اسرارها
مهما اوغلت فيها.
مثل كل النساء.
---
كمال أبو ديب شاعر وناقد سوري مقيم في لندن، أستاذ كرسي اللغة العربية وآدابها بجامعة لندن



توقيع نقوس المهدي



المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.




  مشاركة رقم : 10 (الرابط)  
قديم 05-13-2010, 12:57 AM
الصورة الرمزية نقوس المهدي
عضو وفي

رقم العضوية : 661
تاريخ التسجيل : Nov 2008
المشاركات : 8,878
بمعدل : 13.59 يوميا

نقوس المهدي غير متصل عرض البوم صور نقوس المهدي



كاتب الموضوع : نقوس المهدي المنتدى : مختارات
افتراضي


ثلاث غابات وستون شجرة
كمال أبو ديب


1
تسقط ثمرة في الضوء
فوق الأوراق الساقطة كالأجنحة
تتفتح ثم تنساب أفعى حمراء براقة
ثمرة في الضوء
حيث تتقاطع أهداب السنديان والسرو.
رائحة الزيزفون والرشات البري
تجذب الطائر الأسود
ذا المنقار الزهري.


ثمرة في الضوء
حيث يتدلى النبع من شقوق الغرانيت
شعراً من الجليد
يتسلقه قمر أسود.
الطائر ينشر جناحيه بساطاً من القصب العاري
جافا تخش فيه الريح
ويتكسر كالبلور الرقراق
إذ
تسقط فوقه ثمرة في الضوء.


2
أقعد في طرف الموت
شيخاً دون أيام
أدحرج كرة الخيوط، تبحث لي عن نجم
تنقلت، تكرج تدور عبر الجذوع والعشب
ثم تتسلق جسدي المبعثر
تلتف على أعضائي
تهدأ فوق العينين.


3
أرافق الأشجار إلى حافة النبع
نتمرأى
ثم ننكسر كالعظام


4
ينحسر الماء
ينبثق الرمل أحداقاً تهاجر منها طيور بيضاء
نحو الحافة الغربية
تنثر ريشها الثلجي،
وتعود عارية كالضوء
ثم يغور الماء
يفيض يكتسح الرمل.


5
قرب النبع
تفتتح زهرة في المساء
جنية هفهافة
تنتشر على جسدي
على فخذي اليابستين
تترك ثديها وتمضي
تدخل في جناحي فراشة


6
العشب يركض نحو الذبيحة
ونافورة الدم
تغسل الغصون المحدقة.
أحرق ريشة الطرطبيس
فينهمر الثلج
تأتي أفراس شهب
تستحم في رونق البرودة
ثم تندفع
غائبة في ليل أبيض.


7
الطائر الأسود
ذو المنقار الزهري
يحمل عشه الأحمر
منحدراً من أفق لا يرى
ينقر ثمرة تسقط في الضوء
يبني فيها عشاً
يترك فيها قمراً أسود.
ثم يرحل باتجاه الريح.


8
حين يذوب الثلج
تصبح الزنبقة ساقية
ترحل فيها العصافير
أجلس مع جسدي الوحيد
أهش يدي المسافرة
مع الماء.
لكنها تعود.
من يقدر أن يسحق الحنين؟


9
ألتف حول ليلكة تتبرعم
وأنام الليل.
تطلع قامات في عيني
أشكال أبعاد ترهج
أسألها أن تسمي نفسها
تبتسم عابثة وتقعد
في رأسي.
أجهل ما كان وما زال
(هل الشجرة اسم، والنبع.
وكرة خيوطي؟)


10
حين استيقظ
أجد الريح نائمة عبر النبع
والطائر ذو المنقار الزهري
يحمل يدي المهاجرة
ترهج ندية بالموج.


11
يأتي مطر يذوب منه الصحو
ويمتلئ جسدي بالنضارة
ينبت فيه النرجس والابروخ
فألملم أعضائي وأدخل الموت.


12
حين تكتمل الشرنقة
تخترقها الثمرة المتفتحة
لتولد في الضوء
لأن كل اكتمال موت.


13
الأوراق
نائمة تحلم بالأغصان
لكن سريان النسغ
سوف يبرعم أوراقاً جديدة
تحمل رائحة الحلم
ثم تسقط في الضوء
كالأجنحة العائدة


14
جسد الغابة
يورق في الثلج
يبتل بالندى
فتثقل رؤوس الأشجار
تنحني بوداعة على كتفي
بينما يلتف النسيم
ويهجع كالأرانب الصغيرة
في طراوة العشب


15
أدعو النبع باسمه
فتأتي الشجرة


16
أسمي الريح طائراً
فترف بجناحين


17
علمني الأسماء كلها
وأخفى عني الأشياء
وأجهلني الفعل.


18
لذلك أبدأ من الجذر
أنقيه من التربة
وأزرعه في جسدي
أبدأ من نرجسة بيضاء
بمدقات صغر وساق أخضر
ناسياً النرجس


19
أدفن الكلمات في الحجارة
لن تزهر في الدم
إلا حين تعود الشجرة تتجسد في الشجرة
النبع في النبع، العشب في العشب
والماء في الجسد.


20
في الغابة
في مملكة الأجساد الحارة
تقف الكلمات عارية كالثلج.


21
تأتي غزالة بيضاء
تفتح أهدابي
تقودني حيث يلتف الفجر
في حضن ليلكه.
معاً نحتفي بالحب.


22
حين تموت شجرة الغار
تترك لي أوراقها الوديعة.
تلبس الغابة السواد
حانية الرأس.


23
الطائر الأسود
يعود من البحر
أبيض الجناحين
في عينيه حزن عجيب


24
من يرث جسدي
غير النبع؟
غير الغابة؟
غير الأشجار؟


25
أمشي إلى النبع
أتمرأى
وجهين كل باتجاه.
للشجرة مرآتان
أقعد بينهما
تلفني العتمة


26
حين تموت النرجسة
تظل ندية في الذهن
بتويجاتها اللينة
رقة ساقها الطري
ورفيفها لمس فراشة.
وأنا
أختفي من مرآة ذهن مضى.
أماتت النرجسة
أم وجهي؟


27
تسقط شمس سوداء
معلقة بخيط عنكبوت
تتأرجح فوق عيني.
لكن الضوء يغمر الغابة.


28
أمس
تدحرجت رمانة
بحلمة ناضجة
إلى النبع.
هتفت يا امرأة
فانفتح لي فخذان.


29
يأتي نورس وحيد
برائحة الملح والموج
فتهيج الأشجار
ويمد العشب قاماته
ويصفن النبع.


30
جاءت عائلة القنافذ
ترقص عند الماء
برونق ألوانها الحريرية
ثم تهاوت نجمة
تلبس خوذة وسيفا


31
حين مرضت الزنبقة
وأتت تشكو الحب
رأيت الهزار الصغير
يرافق الليلكة إلى العش.


32
أمس ماتت الزنبقة
ومن الزيزفونة
وجدت الهزار
معلقاً بخيط بارد.


33
علمتني البغنيني
حين أريد أن أدعوها
أن أعبر النبع
وأهدهدها برفق.


34
حين يلتف العشب حولي
ينصت إلى حكاية
تعلمت ألا أقول
"الوردة نامت في حضن الفراشة"
بل


35
لماذا يضطرب النبع؟
لماذا تهرع الأشجار
والعصافير والعشب
والفراشات والزهور
والقمر الأسود
لاهفة تتلفت؟
أستشرف الريح.
من بعيد يرن صوت خافت
يقترب من الغابة.


عن
aleftoday.info


توقيع نقوس المهدي



المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.




إضافة رد


مواقع النشر
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
قصيدة من الفن الشعبي الجزائري للراحل كمال مسعودي عبد العزيز زكي الشعر الزاجل 1 06-11-2009 11:00 PM
مختارات ادبية نقوس المهدي مختارات 55 05-12-2009 01:27 PM
مختارات من فن الملحون محمد منير الموسيقى 3 12-29-2008 10:32 AM
كمال عارف في الذكرى الأولى لرحيله - نزار ب. الزين نزار ب. الزين المقالة 1 08-16-2008 02:38 PM

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الساعة الآن 01:14 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.7.4, Copyright ©2000 - 2010