أنت غير مسجل في منتدى مطر . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا
آخر 10 مشاركات
سـعد الله ونــوس (الكاتـب : نقوس المهدي - مشاركات : 0 - )           »          القصيدة الغزلية المغربية المعاصرة بين التطويع... (الكاتـب : محمد العياشي - مشاركات : 2 - )           »          البحث عن ماركس (الكاتـب : محمد داني - آخر مشاركة : سعاد بني أخي - مشاركات : 15 - )           »          المعطـــــف - نيكولاي غوغول (الكاتـب : نقوس المهدي - آخر مشاركة : حسن_العلوي - مشاركات : 1 - )           »          مساء العطر يامطر (الكاتـب : عبدالناصر الشريف - آخر مشاركة : نعيمة بدري - مشاركات : 1879 - )           »          زيد الفقيه - قصص (الكاتـب : نقوس المهدي - مشاركات : 1 - )           »          الميت و الغسال (الكاتـب : عبد العزيز زكي - مشاركات : 7 - )           »          سؤال وجيه (الكاتـب : مبروك السالمي - آخر مشاركة : حسن_العلوي - مشاركات : 1 - )           »          قلب من ورق;... (الكاتـب : سناء شرقاوي - آخر مشاركة : فاتن العلوي - مشاركات : 28 - )           »          بؤس الثقافة...وفلسفة البؤس (الكاتـب : محمد فري - آخر مشاركة : حسن_العلوي - مشاركات : 2 - )


العودة   منتدى مطر العودة سرديات العودة الروايـة

إضافة رد
   
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  مشاركة رقم : 1 (الرابط)  
قديم 06-21-2009, 05:30 PM
الصورة الرمزية أحمد سليم

رقم العضوية : 1898
تاريخ التسجيل : May 2009
المشاركات : 2
بمعدل : 0.01 يوميا

أحمد سليم غير متصل عرض البوم صور أحمد سليم



المنتدى : الروايـة
افتراضي فصل من رواية " الطوراة " آخر إصدارات أحمد عزت سليم : إصدار مركز الحضارة العربية

تنبية الغافلين
فى القول على ما حدث
للشيخ أنور وقاعة الحرير
فصل من رواية " الطوراة "

إصدار مركز الحضارة العربية بالقاهرة يونيو 2009

أحمد عزت سليم
عضواتحاد كتاب مصر

خرجت جماهير يوئيل إلى شوارع الأسكندرية وعلى رؤوسها ، قبعات سوداء غريبة الشكل مختومة بخاتم يوئيل وعلامة الخلاص ، تحمل دروعها السداسية الشكل ، تأخذ وهج النجمة المشرئبة فى حبلها السرى تبرطع فى أجواء المدينة حادة ، ترفرف أعلامها وتغطى الشوارع بأضلاعها السوداء. وتحمل على أكتافها المسيا بن يوشع وصفيه موشيه موصيرى الصغير تتجه إلى القنصلية البريطانية بالمدينة وتهتف ، ترقص وتغنى ، تأخذ الأمكنة إلى سوادها المقدس ، يلتف موشيه موصيرى حول المسيا سبع مرات ، ويهتف فتهتف وراءه الجماهير: بركات ديفيد ، بركات يورشاليم ، ولا أحد من شعب الأسكندرية غير المقدس كان يعرف بماذا يهتف هؤلاء.
ظهر من شرفة القنصلية هيثكوت سميث القنصل العام البريطانى ، تهلل وجهـه ، ضحك ، وغنى معهم ، رقص ثم التف حول نفسه سبع مرات ، توقف فجأة منتصبا ، أشار ناحية الشرق وقال : أرض الرب لشعب الرب ، ومسمر يده فى الهواء ، حادة جافة لا تنحنى ، ضجت الجماهير ، صفقت صعد موشيه موصيرى الصغير وتنطط على ذراع القنصل الممسمر فى الهواء، صفقت له الجماهير المقدسة ، صعد على كتف المسيا ، رفع قبعته السوداء المنمنمة إلى الهواء ، طار وراءها ، أمسكها ، شرع يهتف فى المساء ، نزل على الأرض يهتـف ، ضجت الجماهير من الفرح بالصغير ، رفعت قبعاتها ، وأعلامها هتفت كما يهتف الصفى موشيه موصيرى الصغير : أرض الرب لشعب الرب .
حيا المسيا وصفيه الصغير ، القنصل العام ، رقصا على أطراف أصابعهما، قفزا فى الهواء ، صعدا درج القنصلية ، قفزا ، تعلقا بفرع شجرة الصفصاف ، نزلا به إلى الأرض ، أخرجا منديليهما ، أشعلا فيهما النار ، أخذ الهاتفون العشق والغناء.
فرح يوئيل بأعوانه وبالأحفاد وأخرج منيوراة صغيرة دقيقة الصنع ، أعطاها لموشيه وجعله من أطفال يوئيل الصالحين ينزل فى منزلته ويحل بهاؤه به من أجل الخلاص ، وفرح المسيا بن يوشع به وأورثه لقب جده موصيرى التساديك ومن يومها أصبح موشيه موصيرى هو التساديك موشيه موصيرى. وأرسله المسيا إلى المبجل هرتزل وأوصى هرتزل به خيراً ، فرح هرتزل بالتساديك موشيه موصيرى وجعله مسئولاً عن تأليف قلوب أبناء الرب فى مصر .
المسيا بن يوشع بناءًا على أوامر المبجل هرتزل انتقل مع صفية التساديك الصغير إلى القاهرة ، وعاش متمتعاً بالجنسية الإيطالية هو وصفيه ، افتتح المسيا له محلاً كبيراً بالغورية ، وجعله بولياكوف أكبر من أى محل أخر ووضع له فيه بضاعة يوئيل .
كان المسيا يرقب تارة عن بعد وأخرى عن قرب الشيخ أنور صاحب قاعة نسج الحرير ، القاعة الكبيرة الوحيدة التى كانت أكبر من محله.
الشيخ أنور كان يعشق نسج الحرير ، ويعرف كيف يسوس أطواره ، حتى يرفل فى خيوطه الناعمة ، ويستمتع بسحرها الناعم ، وكان يعشق الحشيش ويتفنن فى رسم خيالاته الطالعة إلى الفضاء ، فتطلع زوجته نهار من وهج أحجاره المشتعلة فيعشقها كما يعشق الحشيش وينسجها كما ينسج الحرير.
يصنع الشيخ أنور للغداء طاجن الحشيش ، يضع فيه اللحم مع البصل المخلوط بالملح والفلفل الأسمر والبهارات وجوزة الطيب ثم يتبل فيها الحشيش منذ الصباح الباكر بعد صلاة الفجر ، ثم يدخلها الفرن ثلاث ساعات ونصف حتى تضج النار ويطقطق الطاجن الفخارى ، ويطشطش من كثرة اللحم الضأن والسمن البلدى، فتتصاعد الرائحة تحاصر تجار الغورية ، وتنغشش منخار المسيا بن يوشع ويهرع إليه صفيه الصغير يطلب الطعام ، فيحضر له بعضاً من ملح الخروج فيبكى موشيه موصيرى.
الشيخ أنور فى العشاء كان يملأ الطاجن الفخارى بعسل النحل الصافى ، ويضع عشرين من أمخاخ البيض ثم يقلب معها حبة البركة والسمسم ويغطيه بالسمن البلدى المدعوك بالحشيش والصنوبر وجوز الهند ، ثم يضع الطاجن الفخارى بنفسه فى الفرن وعندما يتأجج فى وهج الاحتدام ، ويطلع الشيخ أنور إلى ضوء الأحمرار فيأخذ حروف النشوة من جوهرها الدفين وتصعد الروائح الذكية تهلل فى حوارى الغورية فرحة بمدينتها التى أخذ النوم الشقى يدب إليها ، والشيخ أنور يقفل قاعته ويختلى بنهار ، يجلس على فرشته العربية المزركشة بألوان الفرح ، تضع نهار الطاجن المؤجج بالوهج أمامه وترش عليه عين الجمل واللوز والفستق المقلى وما تيسر من الزبيب ، يأكل ساعة ، والمسيا بن يوشع يقف على كتفه موشية موصيرى الذى وجعه ملح الخروج يحاول أن يسترق السمع من فتحة سرية خرمها لنفسه حتى يعرف أسرار الشيخ أنور ، فتدخل الروائح بهية إلى منخاره المدبب ، يرتبك ، فيقع على الأرض ، ويبكى الصفى الصغير.
يستريح الشيخ أنور فى ملكوت السماء الصافى ليلاً وحده ، وتفتح شبابيك الكون فى العراء الوسيع وتتدفق أنهار الضوء ، تخرج من صدره جامحة تجلس فى أحضانه ، يرشف فنجان القهوة العربية ، تتقد الأحلام ، تأخذ غياتها ولا تستقر فى العراء الوسيع ، تتلألأ فى بحار الجسد، يطاردها الشيخ أنور ، يشدها إلى لؤلـؤه ، فتمشى على صدره الأبيض النقى ، تأخذ جمال الأغنيات، الأرض كائنة بالضوء ، والضوء كائن بالمحبة ، والمحبة كائنة بالعشق ، والعشق كائن بالغلمة ، فيشتعل الجسد بالجسد ، يتراقصان ، الذراع فى الذراع ، والظهر فى الظهر ، والصدر فى الصدر ، تصعد الدماء وتتداخل مفاتيح الارتواء فيطلع الموج يأخذ تسابيحه إلى عسل النوم.
فى الصباح الباكر ، بعد صلاة الفجر ، وقبل أن تعد له نهار الفطور يكون الشيخ أنور قد أعد هو لعماله القاعة ، وجهزها بمواد الصناعة ، وعندما يبدأ العمل وتأخذ مكاكى الأنوال دقاتها المعتادة ، ينزل إليه الفطور بعضاً من البيض والجبن والعسل الأسمر المخلوط بزيت السيرج وشيئاً من الفول الطازج بالطحينة والزيت الحار أو بالقشطة حسب رغبتة اليومية بالإضافة إلى الكعك والبسكويت. والشيخ أنور يدعو موشيه الصغير ليتناول معه الفطور ، يسرع موشيه ، يلتهم ما يلذ له وما يطيب ، يسرع المسيا تأخذه رائحة الطعام يبكى يدخل محله يشخط فى السماء ويقول : لماذا كل هذا العذاب أيها الرب .
يسرع موشيه إليه ومعه الصينية التى لم يتذوق منها الشيخ أنورغير فنجان واحد من القهوة وقطعة من الكعك وأخرى من البسكويت ، ينظر الصفى بفرح إلى المسيا ويقول له : قل يا المسيا ها قد عاد إلينا الخبز والفول والسمن والعسل ، أشكر يوئيل الذى أعادنا إلى الأرض التى أخرجنا منها.نظر المسيا إلى الصينية الطعام وشرع يسابق صفيه فى التهامها ، ولما تلذذ المسيا من بهجة الطعام ووجد صفيه موشيه موصيرى قد أغمى عليه من نشوة الالتهام غضب المسيا وصعد إلى بولياكوف ، أدركه بولياكوف قبل أن يجن ، قال بولياكوف إنزل يا المسيا يوئيل يقول لك : أكمل له أمواله وانعم بالالتهام ، فرح المسيا وقال فى نفسه : الآن وجدت بغيتى ، سأحمل ليوئيل أمواله ، وأسعد أنا وصفيى موشيه بالالتهام.وقال لصفيه قم يا موشيه ، قام موشيه ، موشيه قام.
صعد التساديك موشيه موصيرى على كتف المسيا نظر فى الفتحة السرية وجد فى الدورالأرضى باحة عظيمة وقاعات لاستقبال الضيوف وقاعات لنسج الحرير لا تعد ولا تحصى أما فى الدور الثانى على امتداد الباحة كلها كان محل إقامة الشيخ أنور ، وحدها كانت نهار مع ابنها صلاح تعيش وترقب زوجها الحبيب كل مساء تنتظره حتى يأتى إليها ويمتد عشقها فى العراء الكونى.
أدرك المسيا بن يوشع مزاج الشيخ أنور وأخذ يتقرب إليه شيئاً فشيئاً كان يحدثه عن تجارة الخمور ومدى متاعبه وكيف أن موشيه موصيرى بعد ما رباه وجعله شاباً يافعاً وعلمه التجارة محبـة فى جـده موصيرى ، أصبح لا يقوم بعمله على الوجه الأكمل ، ثم حدثه عن أنواع الخمور ، وكيـف يصنع كل نوع وكيف تخزن الخمور؟ وكيف يميز بين المغشوش منها وغير المغشوش ، وما هى أهم البلاد التى يجلـب منها الخمور؟ وكيف لا يرحمه أبناء عم موشيه موصيرى فى أسعارها حينما يستوردها منهم؟ لقد تركوا موشيه له وأوصاه هرتزل به خيراً وفعل هو بأصله ولم يفعلوا له أى شئ بل زادوا عليه فى السعر ، ثم أخذ يتذوق أمامه بعضاً من الخمر المعتقة هذه منذ إثنىعشرعاماً وتلك منذ ربع قرن ، وتلك أعطاها ابن ميمون للمعلم بطرس وأسرع هو واشترى ما تبقى من عند المعلم بطرس واحتفظ به إلى يومه هذا ، مرة ثم مرة شارحاً تميز كل نوع عن الأخر حتى أذاق أطراف لسان الشيخ أنور أجود أنواع الخمور حتى يأمن له ، ثم شرع يطلب منه أن يحدد أى نوع من الخمور القادمة إليه من إيطاليا أجود وأشد تعتيقاً ، وبعيداً عن الولد العاق موشيه موصيرى حتى لا يخبر أعمامه فى إيطاليا ، أذاقه فنجاناً بعد الفطور ، استدفأ الشيخ أنور وأحس بالنيران تدخله ، ثم بعيداً عن أعين العاق موشيه موصيرى حتى لا يخبر أعمامه فى المانيا أذاقه فنجاناً آخر من خمر معتقة وردت إليه فى التو واللحظة من كولون ، وفى العشاء فتح زجاجة أخرى ملأ المسيا منها كأساً وأعطاها للشيخ أنور كى يتذوق طعمها وقال له :هذا نوع وارد من بلاد الفرنجة ، تذوقها الشيخ أنور ، تلذذ بها ، أضاف المسيا : أن هذا النوع هاضم للطعام وفاتح للشهية ، أخذ الشيخ أنور كأساً أخرى ، التهب ، تدفقت النيران بداخله ، تذوق أخرى فرح وسعد.
تركه المسيا يومين والشيخ أنور ينتظر أن يفرح ويسعد ، وفى عشاء اليوم الثالث أرسل إليه المسيا زجاجة فاخرة معتقة منذ أيام الخروج مسروقة من زق الفرعون وقال جربها بعد العشاء.
عندما انتهى الشيخ أنور من طاجنه ، أخذ الزجاجة ، وأخذ يرتشف شيئاً فشيئاً ثم بلع ما بداخلها مرة واحدة : الوهج يخرج من رأسه وعينيه ، يتدفق فى جسده ، وعندما مال إلى الفراش، اشتد قوامه ، صعد على فراشه ، أخذ يتأرجح ، يصعد وينزل ، فتصعد معه نهار وتنزل ، تتصاعد النيران حوله ، يدخل فيها كوحش يكسر جمرها ، ويلتهب ، تأخذه العواصف ، يترنح ، يعشقه ، يفتك ذاته من ملابسه ، يخايله طيف نهار يدخل فيه ، يرجع صداه إلى داخله ، يحاول أن يقوم ، يرتخى يقع على الفراش بجانب زوجته ، تحتضنه ، تطبطب عليه ، تهدهد احتراقه ، تقضى حاجته ، ينام.
وفى الصباح لم يجهز الشيخ أنور قاعته للعمال ، ولم يخرج ، ولم يجلس أمام قاعته ، دخل حجرة الضيافة ، تمدد قليلاً ، ثم طلب من عماله ، أن يبدأوا العمل ، أخذه النوم ، راح فى الغطيط . فى الغذاء أرسل له المسيا زجاجة مجانية ، وزجاجتين فى العشاء .
أهمل الشيخ أنور حشيشته كما أهمل نسج الحرير وقبع يعب الخمر ، يأخذ شعاعها إلى غيابات التمنى وعندما يأتى عماله كل صباح ويجدون القاعة خاوية من الحرير المعد يذهبون ، وعندما يأتون فى الغذاء ولا يجدون القاعة مفتوحة ، يذهبون ولا يرجعون ، وفى المساء يكون الشوق والنيران قد أخذت الشيخ أنور إلى المسيا فيدق بابه ساعات طويلة ، يأتيه المسيا من الخارج ، يطلب الشيخ أنور زجاجة يبيعه المسيا صندوقا ، يعود الشيخ أنور إلى بيته محملاً بالخمر ، يدخل حجرة الضيافة يعب الخمر عباً ، ونهار كل يوم تأخذه من حجرة الضيافة إلى أعلى ولا تخشى الخفافيش التى تخرج من صدره ، تصعد على الصخور التى تشرئب تدفعها إلى الخلف تسقطها على الأرض تفتتها ، وتسحقها ولا يعتريها التعب ، فحبيبها الشيخ أنور كل حياتها ، وابنها صلاح ملاذها ، نهار تمنح زوجها كل يوم القبلة التى اعتادت منحها له كل صباح فينتعش الجسد يدخل دورته الكونية من جديد يأتى إلى الصباح من أوله ، يوماً بعد يوم أصبحت القاعة خاوية إلا من الشيخ أنور والشيخ أنور يتمرغ وحده فى الدور الأرضى ، ونهار تقف فى الدور العلوى تنتظر الصخور المشرئبة كى تسقطها وتسحقها ، والشيخ أنور مد يده للمسيا ، طلب المسيا أن يعطيه القاعة مؤجرة عوضاً عن ديونه المستحقة من شـرب الخمر ، الشيخ أنور حزن ، رفض طلب المسيا ، ونهار كما تحب زوجها كانت تحب نسج الحرير وإيقاعات المكاكى وهو تروح وتجيئ وتنسج الخيوط الجميلة بألوانها الزاهية الفرحة بالحياة ، لملمت نهار خيوط الحرير أسرجت المكاكى ، نادت يا خيل الله اركبى ، ركبت ، أخذت الشيخ أنور فى صهيلها يومين ، ثلاثة ، أربعة أيام حتى تعدت الشهر القمرى ، منعته عن المسيا ، أذاقته طعم الطواجن من جديد ، دخل الشيخ أنور خلجان الفضيلة من جديد ، شرع يصحو ويصرخ ، يطرد الخفافيش من صدره ، تزدان الحجرة بالأنوار يرى نفسه يفيض من جديد فى الطرقات وفى الأمكنة ، وأشعة الشمس تفتح له الأبواب الكونية ، يدخل ، تشده نهار ، يتقدم مغرورقاً بالدموع ، لا يعروه التعب ، كل الأشجار حوله تخرج ثائرة بنكهتها الطالعة بالزمرد وتتمايل بلباسها الحريرى الأخضر ، تطلع عليه بشرايينها الخضراء ، تدخل فيه ، تسقط الصخور المشرئبة على الأرض يفتفتها بقدميه ثم يلبس ثيابه ، يتوضأ ويستعد لصلاة الفجر.
ظن المسيا بن يوشع أن الجوع قد أخذ الشيخ أنور إلى متاهة الموافقة ، فرح ورقص على أطراف أصابعه ، التف حول نفسه فى عنف سبع مرات ، أطلق ثعالبه الليلية ، وأصبح مساؤه ماكراً فطار إلى الأعالى وسبح فرحاً فى الهواء .
خطط المسيا وصفيه موشيه موصيرى أن يحصل على كل بضاعة يوئيل الموجودة فى الأسواق ، ويكدسها فىالباحة التى سيستولى عليها من الشيخ أنور ، طار موشيه أفرغ أسواق دمياط والزقازيق وبورسعيد والسويس ثم أعلن إفلاسه وهرب بالبضاعة عند الكاهن الأكبر ، ثم طار موشيه موصيرى وأفرغ أسواق المنصورة والمحلة الكبرى ودمنهور ثم أعلن إفلاسه وهرب بالبضاعة عند الكاهن الأكبر ، وأمره المسيا بالطيران إلى أسواق طنطا وبنها فأسرع إلى هناك واسترد بضاعة يوئيل وأعلن إفلاسه وهرب بها عند الكاهن الأكبر ، ثم أخذته نشوة الالتهام وطار إلى قنا وسوهاج والمنيا والفيوم واسترد بضاعة يوئيل وأعلن إفلاسه وهرب بها عند الكاهن الأكبر ، أبلغ المسيا هرتزل بما فعله موشيه موصيرى ، هرتزل عشق موصيرى وفرح وأخذ أخاه جعله من جنود الرب .
الآن باحة الشيخ أنور وسيعة ، تتسع لكل بضاعة يوئيل المستردة من أسواق القاهرة الكافرة ، ليلاً ولمدة أسبوع سينقل كل البضاعة المستردة من الكفرة الأحط من خراء الكلاب ، ثم يغلق القاعة بمفتاحه الخاص ، ثم يعلن إفلاسه وفى ليل قادم ستقوم ثعالبه فى الليل الماكر بنقل بضاعة يوئيل إلى الكاهن الأكبر.
خرج الشيخ أنور بعد صلاة الفجر وجلس أمام قاعته ، بهياً ، أحس بالهواء يدخل رئتيه وماء النيل يتدفق فى عروقه ، تدخل الخضرة شرايينه فينتعش، ويفكر كيف يسترد أمواله من المسيا ، أخذته الروح إلى الوميض وطلعت به فى الأعالى.
فرح المسيا لخروج الشيخ أنور ، جلس بجانبه وطلب تأجير القاعة ، قال الشيخ أنور : الأمر لله ، وأنت صديقى العزيز ، لن أؤخر لك طلباً ، لكن أعطنى قليلاً من المال أرضى به زوجتى ، وبعضاً من الخمر العتيقة أشعل بها ليلى الصامت وأذهب عن شرايينى برودة الوحدة.
فرح المسيا ، التف حول نفسه سريعاً ، أحضر المال وبعض الخمر ، أعطاهما للشيخ أنور ، وضعها الشيخ أنور فى قاعة الضيافة ، وفى الليل قام المسيا وصفيه موشيه موصيرى وأبناء يوئيل يوسف قطاوى وجاك سوارس وفيكتور هرارى وسلفاتور شيكوريل وسيمون رولو ونسيم عدس ومعهم الشيخ أنور يأمرهم بصوت عال يسمعه كل تجار الغورية : ضع هذه هنا يا هذا ، وتلك الصناديق هنا يا رولو ، هيا .. هيا يا المسيا ، إسرع يا حبيبى موشيه ، ضع الذهب هنا يا سلفاتور ، اجعل الهمة من نصيبك يا قطاوى ، ثم ينادى على الخادمة ، بأعلى صوته : مشروب النعناع المثلج لأحبائى ، وأبناء يوئيل يمرحون بالبضاعة المستردة من الكفرة ، يضحكون ويتغامزون على الشيخ أنور وعندما انتهى أبناء يوئيل أغلق المسيا القاعة ودروبها بمفاتيحها التى صنعها بنفسه وخرج خلفه الشيخ أنور ، عاد إلى منزله من الباب الخلفى.
حينما حط الليل بأستاره الكثيفة ، دخل المسيا وموشيه موصيرى إلى محلهما خلسة ، انتزعا أدراجه رميا بعضاً من البضاعة المتبقية والتى لا قيمة لها على الأرض ، بعثراها ، كسرا زجاجات الخمر المغشوشة ، تركا باب المحل موارباً ثم خرجا خلسة مسرعين إلى معبدهما.
وفى ليل وسيع تال خلع الشيخ أنور وصديقه الشيخ جميل أخو زوجته نهار الأبواب وذهبت البضاعة إلى السراديب السرية فى جامع الخَبَى بمدينة المحلة ، وطلعت عليها الأعتاب وارتسمت الأتربة على ذواتها. أعاد الشيخ أنور والشيخ جميل الأبواب إلى أماكنها دون أن تمس المفاتيح.
وفى صباح باكر بعد الليل الوسيع ، حضر المسيا وصفيه إلى محلهما وجداه مفتوحاً ، صرخ المسيا ، ولول موشيه أهالا على رأسيهما التراب تمرغا فى الأرض ، أخذا يصرخان : آه .. آه أين بضاعتنا ، بضاعتى سرقت يا ناس ، يقع موشيه على الأرض يتمرغ ، يتصنع الإغماء ، يلتم حولهما الخارجون من المسجد بعد صلاة الفجر يدلقون على وجه موشيه الماء ، يتحرك جسده ، يحاول القيام ، يدفعه المسيا بقدمه يصرخ فيه : ضيعتنى يا شريكى منك للرب يا ملعون ، أسرع إليهما يوسف قطاوى وسلفاتور شيكوريل وإيلى عدس وايمانويل مزراحى وهارون كوهين وأخذوا يولولون ويضربون موشيه موصيرى حتى جاء حاييم دره وأخذه قائلاً سنسلمه للكاهن ، عوَّض عليك الرب يا المسيا.
خرج إليهم الشيخ أنور مسرعاً لحق بموشيه موصيرى أمسكه وقال للمسيا : أهذه وصية والديه يا المسيا تهينه هكذا ، عوض الله عليك يا المسيا ، أولاد الحرام كثر ، ذهب الجمع باكياً وضعوا الدم السائل من أنف موشيه موصيرى على أعتاب قاعة الشيخ أنور وخرجوا من الغورية والشيخ أنور يتبعهم حتى ذهبت أطيافهم بعيداً بعيداً.
أعلن المسيا لتجار حى الغورية وتجار القاهرة والجيزة إفلاسه ، أغلق محله ، سلمه لأصحابه ومشى أمام أهالى حى الغورية باكياً مهلهلاً والناس يتحسرون عليـه ، وبعضهم يعطيه رغيفاً طازجاً وبعضاً من الحلاوة الطحينية اقتطعها من طعام أولاده والبعض يعطيه جنيهات مساعدة له والآخر يعطيه قطعة قماش ليستر فضيحته ، والشيخ أنور يشتد بكاؤه على صديقه الذاهب إلى المعبد .
الدموع التى تخرج من الشيخ أنور تتناثر فى هواء الغورية تطرد العفن ، والنجوم الزاهية تشتعل بالفرح ، تمنح الوجود طراوته اللذيذة ، فيلبس حضوره الذهبى الذى يملأ سماء القاهرة فتفر الثعالب إلى ضواحيها الماكرة.
احتضن الشيخ أنور زوجته نهار ، واحتضنته نهار وقال : الآن تعود إلىَّ أموالى ، فى الصباح التالى فتح الشيخ أنور قاعته ، جهز للعمال الحرير ، حضر العمال جلسوا إلى أنوالهم ، والمكاكى لها أصوات تدندن بالبريق فى ذهابها وإيابهـا ، فيتصاعد الحرير يملأ الفضاء .
أعد الشيخ أنور الفطور لجميع العمال . أخذ كرسيه المطعَّم بالصدف ، وجلس أمام القاعة يصنع حساباته ساعة ، ثم يتابع العمال ساعة ، ويدندن مع المكاكى ساعة ثم يخرج ينتظر طواجن الغداء.
دق الباب فى العشاء ، نزلت الخادمة وجدت المسيا متخفياً فى لباس بدوى ، أمرها أن تنادى على الشيخ أنور ، سمع الشيخ أنور صوته ، نزل ، دخل حجرة الضيافة ، أحضر المال والخمر الذى أخذهما من المسيا ، ثم خرج إليه ، وقف على الباب سده لم يسمح للمسيا بالدخول ، بحلق المسيا ، وبحلق ، أخذه الذهول ، تسمر فى مكانه ، أمسك الشيخ أنور يديه أعطاه صرته وزجاجته وطلب منه الانصراف ، المسيا مازال واقفاً ، مبحلقاً ، أخذه الذهول ، تسمر فى مكانه ، قال له الشيخ أنور : بضاعتك فى يدك ، وبضاعتى فى قاعتى ، أموالك فى يدك ، وأموالى قد استرددتها ، الآن اذهب عنى وأغرب عن وجهى أيها المفلس ، تطوح المسيا ورفع المفاتيح التى فى حوزته عالياً ، أمسك الشيخ أنور يده وأدخل المفاتيح إلى الأبواب المغلقة وجدها مقفولة كما هى لم تمس مغاليقها ، أخذته الدهشة ، لمع بريق الذهب فى عينيه خرجت الخفافيش من صدره والثعالب دارت حوله فى الفضاءات الماكرة ، أسرع فتح الباب الأول لم يجد من بضاعته شيئاً ، والباب الثانى طلع الفراغ سد عينيه ، فتح الباب الثالث ارتطم فى صدى صرخاته المكتومة وعندما لم يجد فى القاعات غير الفراغ ، صرخ ، قال الشيخ أنور ، أغرب بعيداً عنى ، ثم دفعه إلى الخارج ، صاح قائلا : أيها المفلس أجئت تنهب دارى ، قف ، وقف رجال الشيخ جميل وحولهم عمال الشيخ أنورأمام القاعة ، طلعت النبابيت والعصى ، انهالت على المسيا وقع على الأرض دفعوه بعيداً ، أسرع موشيه موصيرى حمل المسيا على كتفه فرهارباً ، تعثرت خطواته ، حاول أن يتماسك أسرع الخطى تحامل على نفسه ، طار حتى لا يراه التجار الذين ضحك عليهم واسترد منهم بضاعة يوئيل .
فزع المسيا بن يوشع ودخل فى صفيه موشيه ، الهواء يهوى إلى الصحراء ويمتنع عن الصعود . داكنة هى القاهرة فى ليلها الصامت ، حواريها شوك وسكاكين ، وجذعها تمتد يداه تعصف بالألوان القرمزية التى تحاول أن تتشكل فى عينى المسيا وتنهض به هو وصفيه موشيه ، ارتعش المسيا ، تلفظ كلماته حروفها ثقيلة ، تأخذ دماؤه المثخنة بالتكعبل فى حاراتها وطرقاتها التى امتلأت فجأة بشعاب لا يعرفها ، تخرج من سراديبها السرية تأخذ ألوانها التى سرقها من أنجاس الأرض وصبغ بها ملابسه وتمرغها فى مياهها الضحلة فتشدهما إلى الصراخ المكتوم فلا ينهض إلا ويقع فى المرمغة.
نظر يوئيل إلى المسيا وجده جثة تحاول أن تلفظ أنفاسها الأخيرة تحت شمعدان مطفأ وتابوت هرم تتفكك أضلاعه ، تتدلى الطحالب من أركانه العفنة ، أسرع يوئيل إلى المسيا هزهزه نفخ فيه من أنفاسه ، أوقد الشمعدان وأصلح التابوت ، أقام المسيا ، طبطب عليه ، وشوشه قائلاً : الرب نقل عنك خطيئتك يا المسيا قم وانهض ، قام المسيا ، رفع يوئيل معه موشيه موصيرى وقال يوئيل للمسيا يكفيك : ما معك الآن ، ألف بين قلوب شعب الرب واصنع بنفسك من مالى المسترد هيبتك وهيئتك وقال لموشيه موصيرى : قم كما أمرك الرابى هرتزل وألف بين قلوب أبنائى فى مصر .
قام المسيا ، وقام موشيه . أمر يوئيل الكاهن الأكبر فى الاسكندرية أن يهيئ للمسيا الأموال والبضائع التى فى الخزانة حتى يؤلف بين قلوب أبناء الرب ويشكل هيئته وتملأ هيبته الأرض .

إضافة رد


مواقع النشر
المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
أحمد الشهاوي ووصية من كتاب " الوصايا في عشق النساء " نقوس المهدي مختارات 4 07-29-2009 07:30 PM
البحث عن الضوء في رواية " مصابيح مطفأة " للروائي أحمد لكبيري محمد فري حوار السرد 4 07-12-2009 11:20 PM
قراءة في رواية "مابيننا"للوائي الجزائري بلقاسم شايب حفيظة طعام حوار السرد 10 06-29-2009 08:16 PM
قراءة في رواية " منّه موّال" من لذّة النّصّ إلى نصّ اللذّة فتحية الهاشمي المقالة 1 11-23-2008 01:16 PM
"وشم الجنوب" للكاتب المغربي أحمد الفطناسي توفيق البيض أخبار ثقافية 2 09-02-2008 02:30 PM

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الساعة الآن 02:43 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.7.4, Copyright ©2000 - 2010