
06-21-2009, 11:32 PM
|
|
|
كاتب الموضوع :
هشام البرجاوي
المنتدى :
المقالة
| اقتباس :
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة هشام البرجاوي
[ مشاهدة المشاركة ]
| |
بعض الأفكار في النص تندرج في سياق "السخرية الإحيائية".
القارىء و الكاتب: من يقرأ لمن؟
إن الحافز الأساسي الذي يدفع صاحب فكرة ما إلى مناقشتها مع الأغيار هو ادراكه الإنطلاقي لامكانية فهم الفكرة ومحاورتها من لدن المتلقي أو العينة الإجتماعية المستهدفة. التفاعل المرتكز على مبدأ الإستفادة والإفادة المتبادلتين و احتمالات الإصلاح أأمن طريقة تحجز نشوب الصراعات الحادة بين طرفين أو مجموعة أطراف مختلفة. الصراع عملية منتجة، لكنه يبقى المدخر الأخير، فمن غير المسؤول أن يوصف أي نوع من الصراعات الفكرية (المادية كما اللامادية) بالعبثي. شراحيا بنية الصراع تتسم بوجود ثلاثة مكونات رئيسية: طرفي الصراع و الحليف، و بالنتيجة يكون موقف العبثية صادرا من المنهزم أو أحد حلفائه و يكون أيضا موقفا غير شرعي نظرا لافتقاره الى عنصر الإجماع الغائب في كل تقييم انساني لأي شكل من أشكال صراع. رهانات الصراع ليست موضوعي المركزي، إنما أريد أن أقول إن الصراع أحد أصناف الروابط التي تتركب بين الكاتب و القارى فحسب، باعتبار أن خلق الإنسجام بينهما أمر صعب. و تفاديا للإسهاب في وصف مميزات و أنواع العلاقات التي يوجدها الفكر بين المعطي و المتلقي(فضلا عن آلية الحوار التي تجعل من فعاليتي التلقي و الإعطاء متعاكستين دوريا) فإن الكاتب يضع ذاته في مقابل الأفكار التي يعي أهمية وصولها إلى القارىء، فيكون بنفسه معطيا و متلقيا في نفس الوقت فيصير الكاتب أول قارىء منهجي لنصه، و هذا نوع آخر من الحوار، نظرا لتشكله من انسان وحيد و نظرا لكون فعاليتي التلقي و الإعطاء متزامنتين يسمى مناجاة أو مونولوجا و هو في عالم الفكر، طبقا لاعتقادي، محدد جوهري لمدى نجاح أو إخفاق الحوار.
توجد عوامل ثانوية تشارك في تكثيف الخطاب الفكري و توجيهه بسلاسة للحوار المنهجي بين المهتمين وتحديدا في القضايا السياسية و العقائدية الإستراتيجية، تتضمن هذه العوامل الثانوية: اللغة و الخلفية المعرفية و التاريخية و الوجدانية، بيد أنها تظل أقل أولوية من عامل ممارسة الكاتب للقراءة المنهجية، وفق المستوى الممكن للتصورات المتعارف عليها لمفهوم القراءة المنهجية، على كتاباته لتمكينه من رسم احتمالات كبرى عن حجم وخصوصية التفاعل الذي سيقع بين مضمون نصه و قرائه.
الكاتب والثوابت
التحدي الأساسي الآخر و الذي يعترض مسيرة الكاتب أو المثقف بصورة شاملة، يتكثف في كيفيات مناقشة الثوابت (طبقا لاعتقادات المجتمع) واخضاعها دون ضجيج مهما كان نوعه للفحص الدوري بدلالة المتغيرات المحيطية التي تحوم حول هذه الثوابت. إن الخصوصية الثقافية لكل مجتمع على حدة هي التي تخلق الأصول و الثوابت ومن الواقعي أن تتأثر الثوابت بدينامية البيئة الثقافية / الأنثروبولوجية التي تنتمي إليها. وبخلاف المجالات الإبداعية المرنة، فإن المثقف في قضية الثوابت مقيد باتجاهين منطبقين: اعادة التأكيد على صحة الثوابت أو المحاولات الإصلاحية التي تقتبس مرتكزاتها من التحولات الطارئة على الوسط الثقافي المنطوي على الثوابت و الهدف هوالمحافظة على تناغم الثوابت الجمعية( لأن الفرد هو المسؤول عن تحيين قناعاته الشخصية انطلاقا من تحليل ذاتي لوسط النشأة) مع العالم، أي المحافظة على حياة الخصوصية الثقافية للمجتمع.
من هنا ندرك أن الكتابة ممارسة لحق الإختلاف و إن ارتبطت بموضوعات تستدعي الجرأة و الموضوعية الحاسمة. توجد أمثلة كثيرة لا يمكن أن نوردها بأسرها، ففي الهند التي توصلت الى بناء نموذج عصري للديمقراطية في آسيا، فئات عريضة من الشعب و بفعل التوعية الجماهيرية في مجمل الفعاليات الفنية (اشهارات، انتاجات سينمائية و أدبية و فنية...) التي تزعمها مثقفون من أطياف متباينة انتزعت من فلكلور الثوابت مظهرا عنصريا خطيرا. سابقا كان المجتمع الهندي يحتوي على مجموعة les intouchables أو مجموعة المنبوذين الذين لا يجوز حتى لمسهم، كما دخلت العديد من القبائل الإفريقية النائية في التاريخ الإنساني إثر تحررها من تقاليد و أصول سجنتها في هامش الإنسانية لقرون طويلة، فضلا عن وصول الأمريكي ذي الأصول الإفريقية حسين أوباما إلى المكتب البيضاوي لأول مرة منذ تأسيس الولايات المتحدة.
الإنبعاث المفسر بالفعاليات الثقافية لا يشمل الجوانب الإنثروبولوجية فقط و إنما يغطي القناعات السياسية و العقائدية للمواطن. سياسيا، أدرك المغاربيون أن السمة الطوباوية الإحتوائية للمشروع القومي حسب الأطروحة الشرقية الجديدة المتماهية مع إيران تتعارض مع المعطيات الثقافية التي يتسم بها المغرب العربي، و عقائديا، تحرك علماء المغاربة والمثقفون ضد موجة التمهيد لمشروع التشيع في بلدان المغرب العربي، كان أبرزها حركة أنصار المهدي التي تبين أن منتسبيها مدعومون من دولة خارجية و من بعهدها خلية بلعيرج التي حاولت تمرير أسلحة متطورة إلى المغرب في مستهل خطة اقليمية تهدف الى زرع منظمة باسم:”حزب الله” في دول أفريقيا الشمالية السنية. كل هذه نماذج من التغييرات التي تخلقها الكتابات الإبداعية و التحليلية على مستوى الثوابت.
الهجونةالدينية-السياسية أثبتت شعار:”السلام” كما أثبتت شعار:”المقاومة” و أن شعار “احياء الدين” كلها شعارات تمتح من الثوابت لكنها ليست بصفاء و أهمية الثوابت، فالمبادىء تبقى محتفظة بقوتها الإنتهازية و لا تعترف بالإنتحار. كل من ينادي بمراجعة الثوابت السياسية و الدينية على الصعيد المذهبي الضيق ليس شيطانا رجيما. كل هذه التحولات الراديكالية في الدين و السياسة و التي حدثت في كثير من ربوع العالم تعتمد على مفعول التوعية الثقافية و المعرفية التي يستطيع المثقفون تدبيرها دون الحاجة إلى احداث أي توتر مع الدولة و ضماناتها الأمنية.
الاستشراف: موهبة الأديب-الظاهرة:
تحدي تطويرالثوابت المجتمعية و ترشيد تداعياتها التعبوية لا يقل حساسية عن اشكالية الاستشراف في الإبداع الفني و الكتابي تحديدا. يروي التاريخ الأدبي عن نبوءات عبقرية يسيطرعليها مبدأ الوحي، فالأدب الروسي توقع نهاية النظام القيصري و اندلاع ثورةالبلشفيين قبل أكثر من قرن على حدوثها، فضلا عن مساهمة روايات الخيال العلمي في دفع العقل الرياضي نحو طموحات غزو الفضاء و مكننة الحياة البشرية و افتتاح عصر الهندسة الوراثية. هذه الإنجازات العظيمة للعلم تعود الى صفحات روايات أدبية لأدباء عمالقة لم يكن للعرب نظرا للإهتمامات الذاتية و النزعات الميثولوجية المتطرفة و أحياناالجنيالوجية دور يذكر فيها . لقد شهد مطلع القرن العشرين عند العرب طفرة في الدراما و الشعر الإحيائي، انقلبت فيما بعد الى تجارب ذاتية معزولة، تداري عجزها عن المشاركة في الواقع العلمي بمحاكاة المعاناة العاطفية في أماكن مضطربة، آن موعد فهم أن الآلام العاطفية تزول بدلالة التقدم العلمي و التكنولوجي الذي يستفيد من المخيال الأدبي و الفلسفي. يبدو لي أن منحى الكوجيطو الانعزالي الذي تخلى عنه الغرب منذ أكثر من قرنين من الزمان ينفجر تدريجيا في المشهد الأدبي العربي.
|
قرأت موضوعك فوجدته يحمل رؤية للصراع بين طرفين ، وبمنطق تحليلك أخي هشام ، أزعم أنك فيه ثالث مكوناته ، وأعني به الحليف . ولأن المجال قد لا يتسع للتفصيل ، فقد تكفي الإشارة إلى وجود حماسة قوية تهيمن على تمثله للموقف الذي ينحاز إليه، ليس باعتبارها مما يمكن نقده أو انتقاده ، لأن القناعة في الفكر تبقى مسألة شخصية حقيقة بالاحترام رغم الاختلاف ولو احتد إلى خلاف، ولكن باعتبار ما يمكن أن تعرفه تلك الحماسة على مستوى التعبير، بما قد تتضمنه من معطيات على سبيل التمثيل الهادف إلى التدليل، وهذا من الناحية المنهجية ، قد يخل بشرط الموضوعية في التناول، خاصة فيما يتصل بالقضايا الكبرى ذات الطابع الإشكالي. أتصور أن مفهوم التلقي في الأصل مرتبط بنظرية الأدب في المباحث النقدية والجمالية، وقد يكون واردا توظيف آلياته في بحث العلاقة بين منتج الخطاب الفكري ضمن أية منظومة، و المستقبل ضمن أية مجموعة تحكم خصوصيات وجودها طبيعة المجال الجغرافي والتاريخي، أو طبيعة المجال الانتماء الاجتماعي والثقافي واللغوي والعقدي. إلا أن النتائج المترتبة عن التوظيف، ستبقى رهينة بحركية مجموع التصورات المتفاعلة داخل حلبة الصراع بطرفيه أساسا وبالحليف احتياطا. على عكس تلك العلاقة بين المبدع و المتلقي في مجال الفنون عامة والأدب خاصة، ذلك أن خلفية الصراع بمحتواه الصدامي ، تبقى موصولة بالمتخيل عند المبدع و بالمتوقع عند المتلقي، بحيث يصعب الربط بين وجهي الصراع على التطابق، انطلاقا من تصور أولي يفصل بين مصدر كل من الفكر و الأدب، إذا سلمنا جدلا بأن الفكر ينتج المثقف، بينما ينتج الأدب المبدع. نعم باعتبار إمكانية التوافق حول رؤية تنبؤية لما ينبغي أن يكون، وهنا يفترض فيهما معا تحقق شرط التجرد من الذاتي و الظرفي. و لا ، باعتبار خصوصية مجال التحرك لكل من المبدع والمثقف، إذ أتصور أحدهما وهو المبدع، موجودا بالقوة ضمن دائرة الصراع، في مقابل وجود الثاني وهو المثقف بالفعل ضمن فواعل إدارة الصراع. سأترك هذه المداخلة من استنتاج على التأجيل، لأن تركيزي على نقطة محددة تتعلق ببيان طبيعة الحماسة في المعالجة، كما يعكسها موقف الحليف في الصراع.
|
| توقيع محمد المهدي السقال |
خيرتني الغجرية بينها وبين الكتابة فهزمتني
|
|
|
|
|