نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى مطر

قبص

قبص
**
كنت بالمقهى مع أصدقاء لم ألتق بهم منذ زمن، أرتشف الشاي وأنصت لتغريداتهم. قال الذي إلى يميني إنه رآني البارحة في الملعب أتابع مباراة مدينتي، وأراني صورتي على شاشة هاتفه وأنا أشجع بين الجموع. وأكد الذي إلى يساري أنه رآني في المساء ذاته أمشي بالشاطئ متأملا، أضرب الحصى بطرف قدمي، وأراني صورتي هناك أيضا.
كنت أنا في الصورتين.
والحال أنني كنت البارحة في بيتي، ألملم خيوط قصة تنفلت مني.
عدتُ ليلتها إلى مسودتي أفتّش عن اسمي.
 
قراءة حور السلطان للقصيصة
**

"شيعاً"
[ما كان الذي أبصروه في المحافل إلا قبصاً من أثر، وهيكلاً خاوياً تقاذفه بصر البشر
أما حقيقته، فكانت في محراب المسودات تعتكف، ومن كأس الخيال تغترف
تنفث في روع القرطاس سحراً، وتستخرج من بحر المعاني درراً.
شبح يمشي في الأسواق، ويناجي في الشاطئ لواعج الأشواق
وروحه كانت في ملكوت الحرف تعرج، ومن ضيق العبارة إلى سعة المعنى تخرج.]
؛،
أستاذي
الومضة الحكائية التي عنونتها بـ "قبص"
وهو لفظ بليغ يوحي بأخذ الشيء بأطراف الأصابع أو القبس من الأثر.
تحمل في طياتها كثافة فلسفية عالية حول ماهية الذات ووجودها.
ولعلها تعني "التناسخ" أو وجود أشباه للبطل في أماكن مختلفة في آن واحد.

باطن "القبص" يتحدث عن ضريبة الخيال.
حين تغرق "الأنا" في "لملمة خيوط قصة"
فإنها يرسل أجزاءً من روحها لتعيش الحالات التي تكتبها.
ربما كان الشخص الذي كان في الملعب هو "حماسه" الذي سكبه في النص
والذي كان على الشاطئ هو "تأمله" الذي جسده في شخصية ما.
وعن الاسم المفقود..
عودته للمسودة ليفتش عن اسمه هي ذروة الومضة؛ فقد استنزفته الكتابة
لدرجة أنه لم يعد يعرف هل هو "الخالق" لهذه الشخوص
أم أنه "مخلوق" ضائع بين ثنايا الورق.
والصورة التي هي "دليل قطعي" في عرف الأصدقاء
كانت في الحقيقة محض وهم أو تجل لروح غائبة.
"ذات متشظية" يجمعها الحبر ويبعثرها الواقع.

القبص من الأثر:
لعل اختيارك للعنوان "قبص" يلمح إلى قصة "السامري"
حين أخذ "قبضة" من أثر الرسول فدبت الحياة في العجل
وهنا أخذت "قبصاً" من خيالك فدبت الحياة في أشباهك
على الشاطئ وفي الملعب، لكنها حياة سلبتك ذاتك.
وكأن ما حدث ليس مجرد صدفة حديثة.

هنيئاً لك هذا الحرف الذي لا يقبل الهوان
وهذا النثر الذي يسترفد من "البيان" رصانة وعنفوان.
صغت وبإبداع الحيرة الإنسانية
وجعلت من "المسودة" ملاذاً مقدساً يعتكف فيه بعيداً
عن صخب الصور وزيف المشاهد.

فماذا عن "نبئك" القادم؟
هل ثمة خيوط جديدة في محراب مسودتك توشك أن"تستوي على سوقها"؟
وهل سنشهد قريباً ولادة نص يحمل في
طياته "أثراً"
لقصة أخرى تنفلت من بين أناملك؟
 

لوحة مختارة

 لوحة مقترحة
أعلى