نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى مطر

قنبقصة

قنبقصة
**
لم تعد عيناي تطرفان. الساعة الثالثة والنصف فجراً، وأنا محدق في الشاشة منذ ساعات، أتابع في صمت العالم مشاهد الخراب المطلق والعاصفي. الطائرات تلقي حمولتها غير عابئة بالأوجاع، والدبابات ترسم القتل المتعمد بلا رحمة. بالنسبة لهم، تلك الكائنات مجرد حيوانات شرسة ينبغي إبادتها. والقناصة في بروجهم أو مختفون في السطوح أو بين كتل التراب، يصطادون العابرين - أطفالاً ونساء وشيوخاً - بلذة لا تضاهى.
كنت أتابع شريط الرعب بقلب ينبض بالغضب والعجز، أحاول كتابة شيء، أي شيء، على الورقة البيضاء أمامي. لكن الكلمات تهرب مني كالماء من بين أصابعي.
فجأة، رأيت القنبلة تخترق السقف فوق رأسي مباشرة. لم أستطع الهرب. سقطت علي وانفجرت...
لكن بدلاً من الشظايا، انفجرت منها الكلمات.
الآلاف منها. كلمات حادة كالسكاكين، ناعمة كالحرير، حارقة كاللهب. تساقطت حولي مثل المطر، وراحت تتراقص في الهواء قبل أن تستقر على الأرض، تنتظم تلقائياً في جمل وفقرات. رأيت يدي تتحرك فوق الورقة، تكتب بسرعة مسعورة، تنقل كل ما أراه على الشاشة، كل ما أشعر به، كل الغضب والعجز...
استيقظت والشمس تتسلل عبر النافذة. رأسي يؤلمني، وأمامي أوراق مبعثرة مليئة بخط يدي المتعب. قرأت السطر الأول: "لم تعد عيناي تطرفان..."
أكان كابوساً؟ أم أنني كتبت بالفعل؟
خرجت إلى الشارع متوجهاً إلى المقهى، أحاول أن أفهم ما حدث. الطريق كانت عادية، لكنني كنت أرى حروفاً صغيرة تتراقص في زوايا عيني. كلما التفتُّ نحوها اختفت.
دفعت باب المقهى ودخلت. المشهد غريب: أصدقائي، وعلى غير المعتاد، قد غادروا هواتفهم وتجمعوا حول طاولة واحدة، يطالعون جريدة باستغراب شديد.
"أحمد!" صاح كريم حين لمحني. هبوا جميعاً نحوي معانقين ومشيدين.
"قصتك رائعة يا رجل! 'قنبلة الكلمات' - من أين أتيت بهذه الفكرة؟"
حدقت في الجريدة المفتوحة أمامهم. كان هناك نص بعنوان "قنبلة الكلمات" وتحته اسمي.
قرأت الفقرة الأولى بصوت مرتجف: "لم تعد عيناي تطرفان. الساعة الثالثة والنصف فجراً، وأنا محدق في الشاشة منذ ساعات، أتابع في صمت العالم مشاهد الخراب المطلق والعاصفي..."
"متى أرسلتها؟" سألت بصوت خفيض.
"البارحة، حوالي الرابعة فجراً" رد سامي. "قالوا إنها وصلتهم عبر البريد الإلكتروني مع رسالة غريبة: 'هذه قصة كتبتها قنبلة، لا قلم'."
عدت إلى البيت مسرعاً. الأوراق ما زالت مبعثرة على المكتب. التقطت إحداها وقرأت: "كان يجلس في المقهى مع أصدقائه، يقرأ قصة في الجريدة عن رجل رأى قنبلة في كابوس فكتب بسبب انفجارها..."
أسقطت الورقة من يدي. في الجملة التالية قرأت: "ثم عاد إلى بيته ليجد أوراقاً تحكي عن عودته إلى البيت ليجد أوراقاً..."
نظرت إلى الشاشة. الأخبار ما زالت تتدفق. القناة تعرض نفس المشاهد التي رأيتها بالأمس. أو اليوم. أو...
متى بدأ هذا؟ ومتى سينتهي؟
أمسكت بالقلم مرة أخرى. لم تعد يداي تطيعانني - بدأتا تكتبان من تلقاء نفسهما:
"لم تعد عيناه تطرفان. كان محدقاً في الشاشة، يتابع في صمت العالم مشاهد الخراب المطلق والعاصفي..."
في الخارج، سمعت صوت طائرة تحلق منخفضة. أم أنها قنبلة تسقط؟
أم أنها مجرد كلمات تتساقط من السماء مرة أخرى؟
 

لوحة مختارة

 لوحة مقترحة
أعلى