عبد الرحيم التدلاوي
كاتب
انفلات
**
وقفتُ في صباح ضبابي أمام قبرين، وردة حمراء على الأول: "وداعًا يا زوجي"، وبيضاء على الثاني: "وداعًا يا عشيقي". ابتسمت. كانت الورود إمضاء أخيرا على نص خططته تحت ضوء القمر. تذكرة الطائرة إلى باريس في جيبي تحترق كوعد بالحرية. لكن هل تعرف، أيها القارئ، أن الجنازات قد تكون مداخل لمتاهات؟ تلك الليلة، خلفَ الستارةِ الرقيقة، رأيت أحمد وكريم يتواجهان كخصمين في مبارزة من قرون مضت. سكاكينهما تلمع كسطور مكتوبة بمداد من فضة. "أين المال المسروق؟" همس أحمد. ضحك كريم: "اسأل زوجتك... هي من أخبرتني أنك السارق!". (أترى؟ كل قرأ فصلا مختلفا من خياناتي). تقدم كريم: "ستقتلني من أجل امرأة لا تعرفها؟". هجم أحمد: "بل لأنك سرقت مسار حياتي!". (وهنا سرّ: المال كان في حقيبتي أنا، تحت تذكرةِ الطائرة). عندما سقطا ينزفان، خرجت حاملة عصا جدي. لمست خشبها القديم، متذكرة أسطورة قرأتها: "من يقتل بالعصا سيموت في متاهة". نظر إلي أحمد بعينين غائرتين: "أنقذيني...". توسل كريم: "لا تدعيني أموت!". قلت ببرود: "كنت صانعة المتاهة لا ضحيتها". أنزلت العصا. مرتين. في الصباحِ التالي، أخبرت الشرطة بأعين دامعة: "قتل كل منهما الآخر!". صدقوني. البشر يحبون الحكاياتَ البسيطة: رجلانِ يتشاجران، امرأة تبكي. في غرفتي، فتحت الحقيبة: تذكرة، جواز، أموال. لكن صفحة مكتوبة بخط يدي سقطت... مذيلة بتوقيع "هـ.ل.ب". (هل كنت شخصية في كتابه؟). في الطريقِ إلى المطار، توقفت عند مكتبة قديمة. في واجهتِها: كتاب بعنوان "متاهات الخيانة" لـ هـ.ل.ب. فتحته فوجدت رسما لامرأة تحمل عصا، وخلفها ظل طويل يشبه ذلك الأعمى ثاقب الذهن. وكتب تحته: "هل ظننتِ أنك حرة؟ أنت في الفصل الأولِ من قصتي". سمع ضحك خافت... ولم أعرف إن كان ضحكي أنا أم ضحكَ المتاهة نفسها. آانتهت القصة... أم بدأت توا؟