عبد الرحيم التدلاوي
كاتب
ما تبقى لي
خرجت صباحًا.
الجو رائق، والشمس تصبّ أشعتها الدافئة والمنعشة، كما نصحني الطبيب حتى أبدد توتري وقلقي، لكنني أدركت أن الضوء لا يمحو الخراب الذي يعتمل في داخلي.
وقفت أمام أرض شاسعة كانت سكنا يمور حياة، فإذا بها أطلال.
هنا كان عزّ، وهنا كان أنس.
أما الآن، فلا شيء سوى صمت يصرخ، خرابة تركها البشر خلفهم بعدما باعوا ما عاشوا فيه لمنعشين عقاريين.
كنت أقيس مساحتها بغضبي، كل خطوة تحمل ذكرى، وكل زاوية سؤالًا بلا جواب.
مررت بدار فسيحة هجرها أهلها هي الأخرى. لم تصر خرابًا بعد، فالأشجار المثمرة ما زالت معلقة، تعطي ثمارها رغم أن أصحابها رحلوا.
لم أتمكن من رؤية الداخل إلا من خلال شقوق ضيقة، كما لو أن المكان يحتفظ بأسراره لنفسه.
عدت ببصري إلى الخرابة، فإذا بحجرتنا الضيقة تنهض في رأسي.
علبة، أضيق من علبة السردين.
تساءلت: كيف عشنا هناك؟ وكيف لم أغضب؟
الفقر لم يكن مجرد غياب المال، بل سجن للحواس، تدريبًا يوميًا على القبول.
أمي كانت تصحبني وإخوتي إلى دار قريب لها؛ فسيحة، محاطة بسور، والخضرة تتناثر في كل زاوية. خمّ دجاج، وأقفاص طيور، وأصوات وحياة.
كنت ألعب ببراءة، شعرت أن الفضاء لي أيضًا، وأنني أنتمي للاتساع، لا للانكماش.
هناك بدأ وعيي يتشكل ببطء، مثل خيط رفيع يتدلى من سقف عالٍ.
أتذكر زيارة دار قريبنا الآخر، حيث دسست فوطة نظافة في سروالي.
خرجت وأنا أرتعد، مقتنعًا أن أحدًا قد اكتشف فعلتي المخجلة، لكن لم ينتبه أحد.
عندها تعلّمت درسًا لن يتركني أبدًا: يمكن للإنسان أن يرتكب فعلًا يهز كيانه، بينما العالم أعمى تمامًا، والأثر يبقى بداخلك وحدك.
وصلت منزلنا، أخرجت سرقتي، وصرت أستعمل الفوطة كرمز لنفسي، كغطاء لعار وحيدتي، أو درع لحياة ما تزال تتشكل.
الخرابة أمامي واسعة. تركها أهلها للمقاولين، بينما امتلكوا أخرى في أماكن آمنة، صار لهم ما يكفي ليبتعدوا عن الخوف: ضيعات، إقامات، محلات تجارية.
المال يحلب المال، والفقر يعانق أخاه عناق الموت.
كل شيء صار واضحًا: الحياة لا تعرف الرحمة، والأماكن تختزل الإنسان إلى رقم أو قطعة أرض.
جلت بنظري في المكان، ثم توقفت عند بقعة خِلتُها كانت المطبخ.
هنا كانت الأيادي تطبخ، والضحكات تُنسى في البخار.
أفرغت حمولة أمعائي، خرج غضبي، وخيبتي، وإحساسي المؤجّل بالانتقام.
كان فعلًا فجًّا، لكنه صادق.
ومنذ ذلك اليوم، كلما مررت بتلك الدور، تمنّيت خرابها.
ليس لأنني أكره الحجر، بل لأنني أكره اللامبالاة التي سمحت لهؤلاء أن ينجوا، وأن يُترك أمثالنا داخل العلب.
وحين تنضج الظروف، سأحمل فأسي، لا لأهدم، بل لأعلن أن الخراب لم يعد خفيًا.
خرجت صباحًا.
الجو رائق، والشمس تصبّ أشعتها الدافئة والمنعشة، كما نصحني الطبيب حتى أبدد توتري وقلقي، لكنني أدركت أن الضوء لا يمحو الخراب الذي يعتمل في داخلي.
وقفت أمام أرض شاسعة كانت سكنا يمور حياة، فإذا بها أطلال.
هنا كان عزّ، وهنا كان أنس.
أما الآن، فلا شيء سوى صمت يصرخ، خرابة تركها البشر خلفهم بعدما باعوا ما عاشوا فيه لمنعشين عقاريين.
كنت أقيس مساحتها بغضبي، كل خطوة تحمل ذكرى، وكل زاوية سؤالًا بلا جواب.
مررت بدار فسيحة هجرها أهلها هي الأخرى. لم تصر خرابًا بعد، فالأشجار المثمرة ما زالت معلقة، تعطي ثمارها رغم أن أصحابها رحلوا.
لم أتمكن من رؤية الداخل إلا من خلال شقوق ضيقة، كما لو أن المكان يحتفظ بأسراره لنفسه.
عدت ببصري إلى الخرابة، فإذا بحجرتنا الضيقة تنهض في رأسي.
علبة، أضيق من علبة السردين.
تساءلت: كيف عشنا هناك؟ وكيف لم أغضب؟
الفقر لم يكن مجرد غياب المال، بل سجن للحواس، تدريبًا يوميًا على القبول.
أمي كانت تصحبني وإخوتي إلى دار قريب لها؛ فسيحة، محاطة بسور، والخضرة تتناثر في كل زاوية. خمّ دجاج، وأقفاص طيور، وأصوات وحياة.
كنت ألعب ببراءة، شعرت أن الفضاء لي أيضًا، وأنني أنتمي للاتساع، لا للانكماش.
هناك بدأ وعيي يتشكل ببطء، مثل خيط رفيع يتدلى من سقف عالٍ.
أتذكر زيارة دار قريبنا الآخر، حيث دسست فوطة نظافة في سروالي.
خرجت وأنا أرتعد، مقتنعًا أن أحدًا قد اكتشف فعلتي المخجلة، لكن لم ينتبه أحد.
عندها تعلّمت درسًا لن يتركني أبدًا: يمكن للإنسان أن يرتكب فعلًا يهز كيانه، بينما العالم أعمى تمامًا، والأثر يبقى بداخلك وحدك.
وصلت منزلنا، أخرجت سرقتي، وصرت أستعمل الفوطة كرمز لنفسي، كغطاء لعار وحيدتي، أو درع لحياة ما تزال تتشكل.
الخرابة أمامي واسعة. تركها أهلها للمقاولين، بينما امتلكوا أخرى في أماكن آمنة، صار لهم ما يكفي ليبتعدوا عن الخوف: ضيعات، إقامات، محلات تجارية.
المال يحلب المال، والفقر يعانق أخاه عناق الموت.
كل شيء صار واضحًا: الحياة لا تعرف الرحمة، والأماكن تختزل الإنسان إلى رقم أو قطعة أرض.
جلت بنظري في المكان، ثم توقفت عند بقعة خِلتُها كانت المطبخ.
هنا كانت الأيادي تطبخ، والضحكات تُنسى في البخار.
أفرغت حمولة أمعائي، خرج غضبي، وخيبتي، وإحساسي المؤجّل بالانتقام.
كان فعلًا فجًّا، لكنه صادق.
ومنذ ذلك اليوم، كلما مررت بتلك الدور، تمنّيت خرابها.
ليس لأنني أكره الحجر، بل لأنني أكره اللامبالاة التي سمحت لهؤلاء أن ينجوا، وأن يُترك أمثالنا داخل العلب.
وحين تنضج الظروف، سأحمل فأسي، لا لأهدم، بل لأعلن أن الخراب لم يعد خفيًا.